اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾ (النازعات: 40–41). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْأَتْقِيَاءُ الْأَخْفِيَاءُ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِذَا شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا، أُولَئِكَ هُمْ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الْعِلْمِ».
أَوَّلًا: بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمَعْنَى
اِعْلَمْ أَنَّ اسْمَ «الصُّوفِيِّ» لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَلَا مُتَدَاوَلًا بِلَفْظِهِ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ إِلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ وَجَوْهَرَهُ كَانَا مَوْجُودَيْنِ بِوُضُوحٍ فِي أَحْوَالِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ زُهْدٍ وَوَرَعٍ وَتَقَشُّفٍ وَخَوْفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمُجَاهَدَةٍ لِلنَّفْسِ، وَمُحَاسَبَةٍ لِلْقَلْبِ.
وَلِذٰلِكَ ثَبَتَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «اِخْشَوْشِنُوا وَتَمَعْدَنُوا»، أَيْ: اِلْزَمُوا خُشُونَةَ الْعَيْشِ وَلَا تَنْغَمِسُوا فِي التَّنَعُّمِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَعَدٍّ بْنِ عَدْنَانَ فِي شَهَامَتِهِ وَتَجَرُّدِهِ وَمُلَازَمَتِهِ لِلْقَنَاعَةِ وَخُشُونَةِ الْحَيَاةِ.
ثَانِيًا: تَعْرِيفُ التَّصَوُّفِ عِنْدَ أَئِمَّتِهِ
إِنَّ أَئِمَّةَ الْقَوْمِ جَعَلُوا التَّصَوُّفَ حَقِيقَةً خُلُقِيَّةً وَسُلُوكًا شَرْعِيًّا، لَا مَجْرَدَ دَعْوَى وَلَا شِعَارٍ. فَيَقُولُ الإِمَامُ الْجُنَيْدُ وَهُوَ سَيِّدُ الطَّائِفَةِ فِي تَعْرِيفِهِ: «الْخُرُوجُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ دَنِيٍّ، وَالدُّخُولُ فِي كُلِّ خُلُقٍ سَنِيٍّ». وَيَقُولُ أَيْضًا: «التَّصَوُّفُ صَفَاءُ الْمُعَامَلَةِ».
وَيَصِفُ الإِمَامُ الْقُشَيْرِيُّ الصُّوفِيَّةَ وَيَرْفَعُ مِنْ قَدْرِهِمْ فَيَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ هٰذِهِ الطَّائِفَةَ صَفْوَةَ أَوْلِيَائِهِ»، وَهُوَ تَعْبِيرٌ يُفِيدُ أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا شَرُفُوا بِالِاسْتِقَامَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ وَصِدْقِ التَّوَجُّهِ، لَا بِالْأَلْقَابِ وَالِانْتِسَابَاتِ.
ثَالِثًا: مَعَالِمُ الْعَارِفِ وَالصُّوفِيِّ
وَمِنْ نَفَائِسِ كَلَامِهِمْ مَا رُوِيَ عَنِ الشِّبْلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي عَلامَةِ الْعَارِفِ، فَقَدْ قِيلَ لَهُ: مَا عَلامَةُ الْعَارِفِ؟ فَقَالَ: «صَدْرُهُ مَشْرُوحٌ، وَقَلْبُهُ مَجْرُوحٌ، وَجِسْمُهُ مَطْرُوحٌ»، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْعَارِفَ هُوَ الَّذِي عَرَفَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ، وَأَعْرَضَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ، وَدَعَا الْعِبَادَ إِلَى اللَّهِ.
وَأَمَّا الصُّوفِيُّ فَهُوَ الَّذِي صَفَا قَلْبُهُ وَتَحَقَّقَتْ صَفْوَتُهُ، وَسَلَكَ طَرِيقَ الْمُصْطَفَى ﷺ، وَرَمَى الدُّنْيَا خَلْفَ قَفَاهُ، وَأَذَاقَ هَوَاهُ طَعْمَ الْجَفَاءِ؛ تَأْدِيبًا لِلنَّفْسِ وَقَهْرًا لِشَهَوَاتِهَا. وَقِيلَ فِي مَعْنَى التَّصَوُّفِ أَيْضًا: «تَعْظِيمُ أَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ».
رَابِعًا: شُمُولُ التَّعْرِيفَاتِ وَوَحْدَةُ الْمَقْصِدِ
وَلِلتَّصَوُّفِ عِنْدَ أَئِمَّتِهِ تَعْرِيفَاتٌ كَثِيرَةٌ تَتَنَوَّعُ أَلْفَاظُهَا وَيَتَّحِدُ مَعْنَاهَا؛ فَقَدْ قَالَ مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ: «التَّصَوُّفُ الْأَخْذُ بِالْحَقَائِقِ، وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي الْخَلَائِقِ». وَقَالَ زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ: «التَّصَوُّفُ عِلْمٌ تُعْرَفُ بِهِ أَحْوَالُ تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَتَصْفِيَةِ الْأَخْلَاقِ، وَتَعْمِيرِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لِنَيْلِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ». وَقِيلَ: «التَّصَوُّفُ الْمُوَافَقَةُ لِلْحَقِّ، وَالْمُفَارَقَةُ لِلْخَلْقِ».
وَقِيلَ: «تَصْفِيَةُ الْقَلْبِ عَنْ مُوَافَقَةِ الْبَرِيَّةِ، وَمُجَانَبَةُ الدَّوَاعِي النَّفْسَانِيَّةِ، وَالتَّعَلُّقُ بِالْعُلُومِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَاتِّبَاعُ الرَّسُولِ ﷺ فِي الشَّرِيعَةِ النَّقِيَّةِ».
خَامِسًا: مِيزَانُ الصِّدْقِ فِي طَرِيقِهِمْ
وَمِنْ أَجْمَعِ مَا قِيلَ فِي بَيَانِ مِيزَانِ الطَّرِيقِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الطُّمَسْتَانِيِّ: «الطَّرِيقُ وَاضِحٌ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَائِمَانِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؛ فَمَنْ صَحِبَ مِنَّا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَتَغَرَّبَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْخَلْقِ، وَهَاجَرَ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ الصَّادِقُ وَالْمُصِيبُ».
وَيُؤَكِّدُ الْجُنَيْدُ هٰذَا الْمَعْنَى فَيَقُولُ: «طَرِيقُنَا هٰذَا مَضْبُوطٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ إِذِ الطَّرِيقُ مَسْدُودٌ إِلَّا عَلَى الْمُقْتَفِينَ آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». وَيَقُولُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: «أُصُولُ مَذْهَبِنَا ثَلَاثَةٌ: الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ، وَالْأَكْلُ مِنَ الْحَلَالِ، وَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ».
سَادِسًا: نَفْيُ الْوَهْمِ وَإِثْبَاتُ الْحَقِيقَةِ
وَفِي هٰذَا كُلِّهِ بَيَانٌ صَرِيحٌ أَنَّ التَّصَوُّفَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ لُبْسَ الصُّوفِ بِغَيْرِ تَحَقُّقٍ وَلَا مُجَرَّدَ مَظَاهِرَ تَخْدَعُ النَّاظِرِينَ؛ بَلْ هُوَ تَحَقُّقٌ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَمُجَاهَدَةِ الْهَوَى. وَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ:
لَيْسَ التَّصَوُّفُ لُبْسَ الصُّوفِ تَرْقَعُهُ ~ وَلَا بُكَاؤُكَ إِنْ غَنَّى الْمُغَنُّونَا
بَلِ التَّصَوُّفُ أَنْ تَصْفُوَ بِلَا كَدَرٍ ~ وَتَتَّبِعَ الْحَقَّ وَالْإِسْلَامَ وَالدِّينَا
وَمِنْ هُنَا كَانَ سَيِّدُنَا أَحْمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَنْهَى عَنِ الِاغْتِرَارِ بِالْمَظْهَرِ، فَإِذَا رَأَى عَلَى فَقِيرٍ جُبَّةَ صُوفٍ قَالَ لَهُ: «اُنْظُرْ بِزَيٍّ مِنْ تَزَيَّيْتَ، وَإِلَى مَنْ انْتَسَبْتَ؛ فَقَدْ لَبِسْتَ لِبْسَةَ الْأَنْبِيَاءِ، فَاسْلُكْ مَسَالِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَإِلَّا فَانْزِعْهَا».
سَابِعًا: مَعْلَمُ الزُّهْدِ وَالْجُوعِ فِي مِيرَاثِهِمْ
وَالصُّوفِيَّةُ إِذْ وَقَفُوا مَعَ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ جَعَلُوا مِنَ الزُّهْدِ وَالْجُوعِ أَدَاةً لِقَهْرِ الشَّهَوَاتِ وَتَسْكِينِ النَّفْسِ وَتَفْرِيغِ الْقَلْبِ لِلطَّاعَةِ، وَلَكِنَّ ذٰلِكَ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَدْرٍ لَا يُفْضِي إِلَى ضَرَرٍ وَلَا هَلَاكٍ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ تَهْذِيبُ النَّفْسِ لَا إِهْلَاكُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ». وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155)﴾ (البقرة: 155).
وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: «لَوْ أَنَّ الْجُوعَ يُبَاعُ فِي السُّوقِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِطُلَّابِ الْآخِرَةِ إِذَا دَخَلُوا السُّوقَ أَنْ يَشْتَرُوا غَيْرَهُ».
ثَامِنًا: سَبَبُ التَّسْمِيَةِ وَمَعْنَى الِاصْطِلَاحِ
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ هٰذِهِ الطَّائِفَةِ بِالصُّوفِيَّةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا النَّاسُ، فَقِيلَ: لِصَفَاءِ أَسْرَارِهِمْ وَنَقَاءِ آثَارِهِمْ، وَقِيلَ: لِقُرْبِهِمْ مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقِيلَ: لِمُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى لُبْسِ الصُّوفِ تَقَشُّفًا وَزُهْدًا، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَسْبَابًا أُخْرَى، وَالْمَقْصُودُ فِي كُلِّ ذٰلِكَ أَنَّ الِاسْمَ مَهْمَا تَعَدَّدَتْ مَسَالِكُ تَعْلِيلِهِ إِنَّمَا يُشِيرُ إِلَى مَعْنًى قَائِمٍ عَلَى التَّقَشُّفِ وَالزُّهْدِ وَصِدْقِ التَّوَجُّهِ.
خَاتِمَةٌ
وَخُلَاصَةُ الْأَمْرِ: أَنَّ التَّصَوُّفَ وَالصُّوفِيَّةَ فِي حَقِيقَتِهِمْ هُمْ أَهْلُ الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى الشَّرْعِ، وَالْجِدِّ فِي مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، وَتَزْكِيَةِ الْقَلْبِ، وَتَحْقِيقِ الْإِخْلَاصِ؛ فَمَنْ وُفِّقَ لِهٰذِهِ الْمَعَانِي كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْقَوْمِ، وَمَنْ جَعَلَهَا دَعْوَى بِلَا عَمَلٍ، أَوْ لُبْسًا بِلَا تَحَقُّقٍ، فَقَدْ خَالَفَ سِيرَتَهُمْ وَجَانَبَ مَقْصِدَهُمْ.
فَهَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَعْيَانِهِمْ وَسَادَاتِهِمْ؛ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ صِدْقُ مَشْرَبِهِمْ، وَنَقَاءُ مَنْهَجِهِمْ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا شَرُفُوا بِحُسْنِ الِاتِّبَاعِ وَتَزْكِيَةِ الْقُلُوبِ، فَكَانُوا بِذٰلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مَصَابِيحَ هُدًى، وَسُرُجَ آثَارٍ، وَأَهْلَ تَرْبِيَةٍ وَاسْتِقَامَةٍ.