مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الَّذِي جَعَلَ السَّعَادَةَ فِي طَاعَتِهِ، وَالكَرَامَةَ فِي القُربِ مِنهُ، وَالعِزَّ فِي الِاستِقَامَةِ عَلَى شَرعِهِ، وَنَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى مَا هَدَى وَوَفَّقَ وَأَرشَدَ، وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي دَلَّ الأُمَّةَ عَلَى مَوَاضِعِ الرِّبحِ وَالنَّجَاةِ، وَحَذَّرَهَا مِنَ الغُرُورِ وَسُبُلِ الهَلَاكِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى السَّعَادَةِ، وَيَتَسَاءَلُونَ: أَينَ هِيَ؟ وَفِي مَاذَا تَكمُنُ؟ أَفِي المَالِ وَالوَلَدِ؟ أَم فِي الرَّخَاءِ وَالصِّحَّةِ وَسَعَةِ العَيشِ؟ وَيَأتِي القُرآنُ الكَرِيمُ لِيَضَعَ المِيزَانَ الصَّحِيحَ، فَيُبَيِّنُ أَنَّ السَّعَادَةَ الَّتِي تُطلَبُ بِحَقٍّ هِيَ سَعَادَةُ الآخِرَةِ، وَأَنَّ مِفتَاحَهَا طَاعَةُ اللهِ، وَأَنَّ أَكبَرَ مَا يَصُدُّ النَّاسَ عَنهَا فِتنَةُ المَالِ وَالوَلَدِ.
أَوَّلًا: تَحذِيرٌ قُرآنِيٌّ مِن غَفلَةِ المَالِ وَالأَولَادِ
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلهِكُم أَموَالُكُم وَلَا أَولَادُكُم عَن ذِكرِ اللَّـهِ﴾ [سورة المنافقون: 9]، وَالمُرَادُ بِالذِّكرِ هُنَا طَاعَةُ اللهِ، أَي: لَا تَصُدَّكُم أَموَالُكُم وَلَا أَولَادُكُم عَمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيكُم مِن أَمرِ الدِّينِ، فَمَن مَنَعَتهُ مَصَالِحُهُ أَو مَحَبَّتُهُ لِمَالِهِ أَو وَلَدِهِ مِنَ الطَّاعَةِ فَهُوَ مِنَ الخَاسِرِينَ.
وَإِنَّمَا خَصَّ اللهُ تَعَالَى هَذَينِ الأَمرَينِ بِالذِّكرِ؛ لِأَنَّهُمَا أَعظَمُ مَا يَشغَلُ النَّاسَ عَن طَاعَتِهِ: المَالُ وَالوَلَدُ، فَكَم مِن إِنسَانٍ تَجَرَّأَ عَلَى المَعَاصِي صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا مِن أَجلِ دِرهَمٍ أَو دِينَارٍ، وَكَم مِن إِنسَانٍ تَنَازَلَ عَن دِينِهِ وَحُدُودِ رَبِّهِ خَوفًا عَلَى أَولَادِهِ أَو تَحقِيقًا لِرَغَبَاتِهِم، فَاجتَمَعَ عَلَيهِ خُسرَانُ الدُّنيَا وَوِزرُ الآخِرَةِ.
ثَانِيًا: فِقهُ المَالِ وَفِقهُ تَربِيَةِ الأَولَادِ مِن حُقُوقِ الدِّينِ
وَمِن هُنَا يَجِبُ عَلَى الإِنسَانِ أَن يَعرِفَ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي المَالِ وَمَا حَرَّمَ، وَأَن يَعرِفَ كَيفَ يُعَامِلُ أَولَادَهُ بِمَا يُوَافِقُ شَرعَ اللهِ، فَإِنَّ مُعَامَلَةَ الأَولَادِ فِي أَشيَاءَ حَقٌّ دِينِيٌّ، وَفِي أَشيَاءَ أُخرَى قَد تَكُونُ مَعصِيَةً لِلَّهِ تَعَالَى، فَالمُوَفَّقُ مَن جَعَلَ بَيتَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ جُندًا لِلطَّاعَةِ، لَا سَبَبًا لِلغَفلَةِ وَالمُخَالَفَةِ.
ثَالِثًا: المَالُ مَدحٌ وَذَمٌّ وَالتَّفرِيقُ بَينَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ
وَالأَموَالُ قِسمَانِ: مَالٌ مَذمُومٌ وَمَالٌ مَمدُوحٌ، فَأَمَّا المَالُ المَذمُومُ فَهُوَ مَا جُلِبَ مِن طَرِيقٍ حَرَامٍ، كَالرِّبَا، وَكَمَالِ اليَتِيمِ الَّذِي يُستَولَى عَلَيهِ ظُلمًا، أَو مَالِ الوَقفِ الَّذِي يَتَعَدَّى عَلَيهِ مَن لَيسَ مِن أَهلِهِ المُستَحِقِّينَ، فَمَن جَمَعَ مَالًا مِن حَرَامٍ كَانَ ذَلِكَ وَبَالًا عَلَيهِ فِي الآخِرَةِ، وَلَو تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَلَو قَضَى بِهِ حَاجَاتِ المُحتَاجِينَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقبَلُ صَرفَ المَالِ الحَرَامِ فِي صَدَقَةٍ وَلَا فِي غَيرِهَا، فَالحَرَامُ حَرَامٌ فِي مَكسَبِهِ وَفِي مَصرَفِهِ، وَمَن ظَنَّ أَنَّهُ يَتَطَهَّرُ بِالتَّصَدُّقِ مِمَّا حَرُمَ عَلَيهِ فَقَد غَلِطَ وَوَهِمَ.
وَمَن دَخَلَ فِي يَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ فَتَوبَتُهُ أَن يَرُدَّهُ إِلَى مُستَحِقِّهِ، فَإِن كَانَ المَالُ قَائِمًا بِعَينِهِ لَم يَتَلَف وَلَم يُتَصَرَّف فِيهِ وَجَبَ رَدُّهُ بِعَينِهِ، وَإِن كَانَ قَدِ استُهلِكَ وَتَلِفَ وَلَم يَعُد مُمكِنًا رَدُّهُ بِعَينِهِ فَإِمَّا أَن يَستَسمِحَ صَاحِبَ الحَقِّ، وَإِمَّا أَن يَرُدَّ لَهُ بَدَلَهُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ النَّدَمِ وَالإِقلَاعِ صَارَ تَائِبًا، وَلَا يُعَذِّبُهُ اللهُ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَالِ.
وَإِنَّمَا السَّالِمُ النَّاجِي عِندَ اللهِ هُوَ الَّذِي يَأخُذُ المَالَ مِن طَرِيقٍ حَلَالٍ، وَيَصرِفُهُ فِي طَرِيقٍ حَلَالٍ، فَيَكُونُ مَالُهُ عَونًا عَلَى الطَّاعَةِ، وَسَبَبًا لِلبِرِّ، وَمِفتَاحًا لِلصِّلَةِ وَالإِحسَانِ، لَا أَدَاةً لِلغَفلَةِ وَالتَّجَبُّرِ وَالقَطِيعَةِ.
رَابِعًا: السَّعَادَةُ الدُّنيَوِيَّةُ لَا تَضمَنُ السَّعَادَةَ الأُخرَوِيَّةَ
وَيَجِبُ أَلَّا يَعتَمِدَ الإِنسَانُ عَلَى المَالِ وَلَا عَلَى الوَلَدِ، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي لَا يُستَغنَى عَنهُ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ فَمَتَاعٌ زَائِلٌ لَا يَضمَنُ لأَحَدٍ سَعَادَةً دَائِمَةً، فَالسَّعَادَةُ الَّتِي تُطلَبُ بِحَقٍّ هِيَ السَّعَادَةُ الأُخرَوِيَّةُ، أَمَّا السَّعَادَةُ الدُّنيَوِيَّةُ فَهِيَ مَعلُومَةٌ: دَارٌ وَاسِعَةٌ، وَمَركَبٌ هَنِيءٌ، وَصِحَّةٌ وَنَشَاطٌ، وَمَنزِلَةٌ وَمَكَانَةٌ، وَهَذِهِ كُلُّهَا لَا تَدُلُّ لِذَاتِهَا عَلَى رِضَا اللهِ، وَلَا تَكفُلُ لِصَاحِبِهَا فَوزًا فِي الآخِرَةِ.
وَكَم مِن أُنَاسٍ تَقَلَّبُوا فِي الدُّنيَا فِي أَنوَاعِ النِّعَمِ، وَتَمَتَّعُوا بِالصِّحَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَهُم مُنهَمِكُونَ فِي مَعصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، فَلَيسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى المَحَبَّةِ وَالرِّضَا، بَل قَد يَكُونُ استِدرَاجًا وَغُرُورًا، وَقَد يَكُونُ حِرمَانًا مُقَنَّعًا بِزِينَةِ الظَّاهِرِ، وَهَؤُلَاءِ إِن مَاتُوا عَلَى الإِسلَامِ فَحَظُّهُم فِي الآخِرَةِ قَد يَكُونُ قَلِيلًا لِسُوءِ عَمَلِهِم وَتَفرِيطِهِم فِي حُقُوقِ اللهِ.
خَامِسًا: أَحِبَّاءُ اللهِ قَلِيلٌ حَظُّهُم مِنَ الدُّنيَا وَكَثِيرٌ رِبحُهُم فِي الآخِرَةِ
وَمَن كَانَ حَظُّهُ فِي الآخِرَةِ كَثِيرًا لَا يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ مِنَ الِاغتِرَارِ وَالِانغِمَاسِ فِي المَحَارِمِ، بَل أَكثَرُ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللهُ تَعَالَى حَظُّهُم مِنَ الدُّنيَا قَلِيلٌ، وَقَد أُخبِرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَحمِي بَعضَ أَحِبَّائِهِ مِنَ الدُّنيَا كَمَا يَحمِي الإِنسَانُ مَرِيضَهُ مِمَّا يَضُرُّهُ، فَيَكُونُ قِلَّةُ المَالِ لِبَعضِهِم رَحمَةً وَصِيَانَةً، وَيَكُونُ الِابتِلَاءُ لَهُم تَربِيَةً وَرفعَةً وَتَطهِيرًا.
وَأَمَّا الَّذِينَ يَجمَعُونَ بَينَ الغِنَى وَالصَّلَاحِ وَالتَّقوَى فَهُم قِلَّةٌ، وَإِلَّا فَإِنَّ أَغلَبَ الأَغنِيَاءِ مَلهِيُّونَ بِدُنيَاهُم عَن طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَقَلِيلٌ جِدًّا مَن يَجمَعُ مَالًا حَلَالًا وَيَصرِفُهُ فِي الحَلَالِ وَهُوَ مُحَافِظٌ عَلَى الوَاجِبَاتِ مُجتَنِبٌ لِلمُحَرَّمَاتِ.
سَادِسًا: مِيزَانُ المَحَبَّةِ عِندَ اللهِ تَقوَى لَا تَرَفٌ
وَلَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ أَن يَفرَحَ بِكَثرَةِ النِّعَمِ وَالصِّحَّةِ عَلَى أَنَّهَا دَلِيلُ الرِّضَا، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا كَانُوا فِي بَسطٍ وَرَخَاءٍ قَالُوا: «اللهُ يُحِبُّنِي»، وَهَذَا زَعمٌ بَاطِلٌ لَا يَقُومُ عَلَى بُرهَانٍ، فَإِنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ تَعَالَى هُوَ المُؤمِنُ التَّقِيُّ الَّذِي يُؤَدِّي الوَاجِبَاتِ وَيَجتَنِبُ المُحَرَّمَاتِ.
وَأَمَّا المُغتَرُّونَ فَقَد يَكُونُونَ مُعرِضِينَ عَن طَاعَةِ اللهِ، لَا يَعرِفُونَ الحَلَالَ وَالحَرَامَ، يَقُولُونَ: «نَحنُ مُسلِمُونَ»، وَهُم يَتَخَبَّطُونَ فِي الحَرَامِ وَيَنغَمِسُونَ فِيهِ، ثُمَّ يَزعُمُونَ أَنَّ الرَّخَاءَ دَلِيلُ المَحَبَّةِ، وَذَلِكَ غُرُورٌ يَقُودُ إِلَى الهَلَاكِ.
سَابِعًا: السَّلَامَةُ فِي الدِّينِ هِيَ أَصلُ الخَيرِ وَحَقِيقَةُ السَّعَادَةِ
وَمَهمَا كَانَ الإِنسَانُ فِي الدُّنيَا مُبتَلًى بِالأَمرَاضِ وَالفَقرِ فَهُوَ عَلَى خَيرٍ عِندَ اللهِ إِذَا سَلِمَ لَهُ دِينُهُ، أَي: إِذَا كَانَ يُؤَدِّي الوَاجِبَاتِ وَيَجتَنِبُ المُحَرَّمَاتِ، فَذَلِكَ هُوَ مِيزَانُ السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَصنَعُ لِلعَبدِ مَكَانَتَهُ عِندَ رَبِّهِ، فَإِنَّ الدُّنيَا تَذهَبُ وَتَفنَى، وَأَمَّا الآخِرَةُ فَبَاقِيَةٌ دَائِمَةٌ، وَمَن عَمِلَ لَهَا بِطَاعَةِ اللهِ فَقَد سَعِدَ سَعَادَةً لَا تَنقَطِعُ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
فَالسَّعَادَةُ لَيسَت فِي كَثرَةِ المَالِ وَلَا فِي تَفَاخُرِ الوَلَدِ، وَلَا فِي سَعَةِ الدَّارِ وَلَا فِي زِينَةِ المَتَاعِ، وَلَكِنَّهَا فِي أَن يَكُونَ العَبدُ عَلَى طَاعَةٍ، يَعرِفُ الحَلَالَ وَالحَرَامَ، وَيَسعَى فِي رِضَا رَبِّهِ، وَيَجعَلُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَحَيَاتَهُ وَقفًا عَلَى مَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَمَن كَانَ ذَلِكَ شَأنَهُ فَقَد أَخَذَ بِسَبَبِ السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ جَنِّبنَا الحَرَامَ، وَارزُقنَا التُّقَى وَالغِنَى وَالعَفَافَ.
اللَّهُمَّ ارزُقنَا العِفَّةَ وَالتَّعَفُّفَ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.