مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
أَحِبَّتَنَا الكِرَامَ، حَدِيثُنَا اليَومَ عَن كَنزٍ عَظِيمٍ، كَنزٍ يَأتِي مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِن ذَهَبَ لَم يَعُد، كَنزٍ يَحفَظُهُ العُقَلَاءُ وَالفُطَنَاءُ مِن بَنِي آدَمَ، وَيَعتَنُونَ بِهِ غَايَةَ العِنَايَةِ، وَيَعُدُّونَهُ أَثمَنَ مِنَ الأَموَالِ، وَأَغلَى مِنَ البُيُوتِ، وَأَعَزَّ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، لِأَنَّهُ رَأسُ كُلِّ رِبحٍ، وَمِفتَاحُ كُلِّ فَلَاحٍ.
وَقَد نَبَّهَ اللهُ تَعَالَى إِلَى خَطَرِ تَفوِيتِ هَذَا الكَنزِ، فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَا رَزَقنَاكُم مِّن قَبلِ أَن يَأتِيَ أَحَدَكُمُ المَوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَولَا أَخَّرتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة المنافقون: 10]، فَيَتَمَنَّى الإِنسَانُ عِندَ حُضُورِ الأَجَلِ مَا لَا يُجَابُ إِلَيهِ، وَيَطلُبُ مَا لَا يُمنَحُ.
الأَجَلُ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ
مَن جَاءَ أَجَلُهُ وَانتَهَى وَقتُهُ، لَو سَأَلَ أَن يُمَدَّ لَهُ فِي عُمرِهِ دَقِيقَةً وَاحِدَةً مَا مُدَّ لَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرآنِ الكَرِيمِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُم لَا يَستَأخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَستَقدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف: 34]، فَالزَّمَنُ مَحدُودٌ، وَالأَعمَارُ مَعدُودَةٌ، وَاللَّحَظَاتُ إِذَا انقَضَت لَم تَرجِع.
نَظَرَةٌ فِي العُمرِ وَحَقِيقَةِ الدُّنيَا
فَمَن تَفَكَّرَ فِي الدُّنيَا قَبلَ أَن يُوجَدَ رَآهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، وَمَن تَفَكَّرَ فِيهَا بَعدَ أَن يَخرُجَ مِنهَا رَآهَا قَصِيرَةً، وَعَلِمَ أَنَّ اللُّبثَ فِي القُبُورِ طَوِيلٌ، فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي يَومِ القِيَامَةِ عَلِمَ أَنَّهُ خَمسُونَ أَلفَ سَنَةٍ، وَإِذَا تَفَكَّرَ فِي المُقَامِ فِي الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ عَلِمَ أَنَّهُ بِلَا نِهَايَةٍ.
فَإِذَا عَادَ الإِنسَانُ إِلَى حِسَابِ عُمرِهِ فِي الدُّنيَا، وَلنَفتَرِض أَنَّهُ سِتُّونَ سَنَةً، وَجَدَ أَنَّهُ يُمضِي نَحوَ عِشرِينَ سَنَةً فِي النَّومِ، وَقُرَابَةَ خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً فِي الصِّبَا، وَمَا بَقِيَ فَإِنَّ أَكثَرَهُ يَذهَبُ فِي الشَّهَوَاتِ، وَالمَطَاعِمِ، وَالمَكَاسِبِ الدُّنيَوِيَّةِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى مَا ادَّخَرَهُ لِلآخِرَةِ وَجَدَ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ التَّضيِيعِ وَالغَفلَةِ.
فَبِأَيِّ شَيءٍ تُشتَرَى الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟ إِنَّمَا ثَمَنُهَا هَذِهِ السَّاعَاتُ القَلِيلَةُ مِنَ العُمرِ السَّرِيعِ الزَّوَالِ.
الكَنزُ الحَقِيقِيُّ: الوَقتُ
فَالكَنزُ الَّذِي نُرِيدُ أَن نُشِيرَ إِلَيهِ اليَومَ هُوَ «الوَقتُ»، ذَلِكَ الكَنزُ الَّذِي لَا يُشتَرَى، وَلَا يُستَرجَعُ، وَإِذَا فَاتَ لَم يُعَوَّض، وَقَد قَالَ الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ:
«يَنبَغِي لِلإِنسَانِ أَن يَعرِفَ شَرَفَ زَمَانِهِ وَقَدرَ وَقتِهِ، فَلَا يُضَيِّعَ مِنهُ لَحظَةً فِي غَيرِ قُربَةٍ، وَيُقَدِّمَ فِيهِ الأَفضَلَ فَالأَفضَلَ مِنَ القَولِ وَالعَمَلِ، وَلتَكُن نِيَّتُهُ فِي الخَيرِ قَائِمَةً مِن غَيرِ فُتُورٍ».
كَلَامُ السَّلَفِ فِي قِيمَةِ الوَقتِ
وَرُوِيَ عَنِ الإِمَامِ الحَسَنِ البَصرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ: «يَا ابنَ آدَمَ، طَإِ الأَرضَ بِقَدَمِكَ، فَإِنَّهَا عَن قَلِيلٍ قَبرُكَ، إِنَّكَ لَم تَزَل فِي هَدمِ عُمرِكَ مُنذُ خَرَجتَ مِن بَطنِ أُمِّكَ، يَا ابنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنتَ عَدَدٌ، فَإِذَا ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعضُكَ»، أَي: كُلَّمَا مَضَى يَومٌ اقتَرَبتَ مِنَ المَوتِ أَكثَرَ.
وَقَامَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مَرَّةً عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَالَ لِصَاحِبٍ لَهُ بَعدَ الدَّفنِ: «لَو كُنتَ مَكَانَ هَذَا الرَّجُلِ، مَاذَا تَتَمَنَّى؟» قَالَ: «أَتَمَنَّى أَن يُعِيدَنِيَ اللهُ إِلَى الدُّنيَا لِأَعمَلَ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنتُ أَعمَلُهُ»، فَقَالَ لَهُ الحَسَنُ: «وَأَنتَ الآنَ فِيمَا تَتَمَنَّاهُ، فَاعمَل».
وَهَذَا هُوَ مِصدَاقُ قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «نِعمَتَانِ مَغبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَعرِفُونَ قِيمَةَ هَاتَينِ النِّعمَتَينِ، بَل يُسِيئُونَ استِغلَالَهُمَا، فَتَذهَبُ أَوقَاتُهُم سُدًى.
الوَقتُ أَعَزُّ مَا تَملِكُ
وَقَالَ بَعضُ أَهلِ التَّزكِيَةِ: «الوَقتُ أَعَزُّ الأَشيَاءِ عَلَيكَ، فَاشتَغِلهُ بِأَعَزِّ الأَشيَاءِ: اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ»، فَاللَّهُ أَعَزُّ مَقصُودٍ، وَالوَقتُ أَعَزُّ مَوجُودٍ، فَاصرِف أَوقَاتَكَ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَعِمَارَةِ الآخِرَةِ، فَإِنَّهَا هِيَ البَاقِيَةُ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
فَاحفَظُوا أَوقَاتَكُم رَحِمَكُمُ اللهُ، فَإِنَّهَا أَعمَارُكُم، وَأَنفَاسُكُم، وَرُءُوسُ أَموَالِكُم، وَمَن أَضَاعَ وَقتَهُ فَقَد أَضَاعَ نَفسَهُ، وَمَن عَمَرَ وَقتَهُ بِطَاعَةِ اللهِ فَقَد رَبِحَ رِبحًا لَا خُسرَانَ بَعدَهُ.
اللَّهُمَّ اقسِم لَنَا مِن خَشيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيكَ، وَمِن طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينَا مَصَائِبَ الدُّنيَا.