اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11). وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كَانَ اللَّهُ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ».
أَوَّلًا: حَقِيقَةُ الدَّعَاوَى الْمُعَاصِرَةِ وَخُطُورَتُهَا
قَدْ قَامَ أُنَاسٌ فِي هٰذَا الْعَصْرِ بِتَرْوِيجِ أَكَاذِيبَ مُفْتَرَاةٍ، زَعَمُوا فِيهَا أَنَّ طُرُقَ الصُّوفِيَّةِ لَيْسَتْ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّهَا مُسْتَقَاةٌ مِنْ فَلَاسِفَةِ الْيُونَانِ وَعَقَائِدِ الْهِنْدِ، وَهٰذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ شَرِيحَةٍ عَرِيضَةٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأَنَّ الْمُتَبِعِينَ لِطُرُقِ الْقَوْمِ كَثِيرُونَ فِي أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ سِيَرُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ فِي هٰذَا الْمَسْلَكِ، وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ عَلَى ضَلَالَةٍ.
وَقَدْ اِنْبَرَى لِلدِّفَاعِ عَنْ هٰذِهِ الطَّائِفَةِ الْكَرِيمَةِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكَابِرِ، وَبَيَّنُوا أَنَّ الصُّوفِيَّةَ – فِي أُصُولِهِمْ وَأَئِمَّتِهِمْ – عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ مَسْلَكَهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، لَا فِي الِاعْتِقَادِ وَلَا فِي الْأَحْكَامِ وَلَا فِي الْأَعْمَالِ وَلَا فِي الْآدَابِ.
ثَانِيًا: نُصُوصُ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ
إِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ فِي التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ عَلِمَ أَنَّهُمْ عَلَى صِرَاطِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ مَبْنَاهُمْ نَفْيُ التَّشْبِيهِ وَالتَّكْيِيفِ وَالْحَدِّ وَالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الصِّفَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ دُونَ مُمَاثَلَةٍ لِلْمَخْلُوقِينَ.
فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ فِي بَيَانِ عَقِيدَةِ الصُّوفِيَّةِ – بَعْدَ إِحْكَامِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ عَلَى طَرِيقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ – مَا مُخْتَصَرُهُ: إِنَّ الصُّوفِيَّةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ، قَدِيمٌ، عَالِمٌ، قَادِرٌ، حَيٌّ، سَمِيعٌ، بَصِيرٌ، مُتَكَلِّمٌ، مَوْصُوفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، لَا يُشَابِهُ الْخَلْقَ، وَلَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا صُورَةٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، وَلَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ، وَلَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وَأَنَّ صِفَاتَهُ حَقِيقَةٌ لَيْسَتْ أَجْسَامًا وَلَا أَعْرَاضًا، وَأَنَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ثَالِثًا: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ فِي كَلَامِ السَّيِّدِ أَحْمَدَ الرِّفَاعِيِّ
وَمِنْ كَلَامِ السَّيِّدِ أَحْمَدَ الرِّفَاعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «نَزِّهُوا اللَّهَ عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ، وَطَهِّرُوا عَقَائِدَكُمْ عَنْ تَفْسِيرِ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ بِالِاسْتِقْرَارِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْحُلُولِ وَالتَّحَيُّزِ وَالِانْتِقَالِ».
وَقَدْ سُئِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأَجَابَ بِجَوَابٍ جَامِعٍ – فِيهِ تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَتَنْزِيهُ الْبَارِي تَعَالَى – فَقَالَ مَا مَضْمُونُهُ: إِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ تَقَعَانِ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ، لَكِنْ لَا بِمَحَبَّتِهِ وَلَا بِرِضَاهُ فِي الْمَعَاصِي. وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِيمٌ لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، بَاقٍ لَا انْتِهَاءَ لِبَقَائِهِ، حَيٌّ بِلَا رُوحٍ، عَالِمٌ بِلَا قَلْبٍ وَلَا فِكْرَةٍ، قَادِرٌ بِلَا آلَةٍ، سَمِيعٌ بِلَا أُذُنٍ، بَصِيرٌ بِلَا حَدَقَةٍ، مُتَكَلِّمٌ بِلَا لِسَانٍ، وَأَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ حُرُوفًا وَلَا أَصْوَاتًا، بَلِ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِهِ وَدَلَالَةٌ عَلَيْهِ. وَأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، وَلَا فِي مَكَانٍ وَلَا عَلَى مَكَانٍ، بَلْ كَانَ وَلَا زَمَانَ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ.
ثُمَّ بَيَّنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْكَانَ الْإِيمَانِ وَمَعَالِمَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْمَعَادِ وَالْقَبْرِ وَالْمِيزَانِ وَالشَّفَاعَةِ وَخِلَافَةِ الصَّحَابَةِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْفَرَائِضَ تَسْقُطُ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْقُطْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ تَسْقُطُ عَمَّنْ دُونَهُمْ؟
رَابِعًا: اتِّفَاقُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى هٰذَا التَّنْزِيهِ
وَلَيْسَ هٰذَا الْمَعْنَى خَاصًّا بِالسَّيِّدِ الرِّفَاعِيِّ وَالْكَلَابَاذِيِّ، بَلْ هُوَ مَذْهَبٌ جَرَى عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ وَأَعْلَامُ التَّقْوَى.
فَهٰذَا الإِمَامُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فِي شَيْءٍ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ، أَوْ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ أَشْرَكَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ كَانَ مَحْصُورًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ كَانَ مَحْمُولًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ حَادِثًا».
وَهٰذَا الإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْحَنْبَلِيُّ يَقُولُ: «الْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ لَا يَحْوِيهَا مَكَانٌ، وَلَا تُوصَفُ بِالتَّغَيُّرِ وَالِانْتِقَالِ». وَيُصَرِّحُ أَنَّ مَنْ يَحْمِلُ أَخْبَارَ الصِّفَاتِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحِسُّ كَذَا يَقَعُ فِي مَحَالٍ وَمُحَالٍ.
وَهٰذَا أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ يَقُولُ: «تَعَالَى اللَّهُ عَنْ أَنْ يَحْوِيَهُ مَكَانٌ، كَمَا تَقَدَّسَ عَنْ أَنْ يَحُدَّهُ زَمَانٌ؛ بَلْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ».
وَهٰذَا الْقُشَيْرِيُّ يُقَرِّرُ فِي «الرِّسَالَةِ» أَنَّ شُيُوخَ هٰذِهِ الطَّرِيقَةِ بَنَوْا قَوَاعِدَهُمْ عَلَى أُصُولٍ صَحِيحَةٍ فِي التَّوْحِيدِ، صَانُوا بِهَا عَقَائِدَهُمْ عَنِ الْبِدَعِ، وَدَانُوا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَأَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ تَوْحِيدٍ «لَيْسَ فِيهِ تَمْثِيلٌ وَلَا تَعْطِيلٌ».
خَامِسًا: صَلَاحُ الدِّينِ الْأَيُّوبِيُّ وَنَشْرُ الْعَقِيدَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ
وَمِمَّا يَزِيدُ الْأَمْرَ وُضُوحًا: أَنَّ السُّلْطَانَ الْمُجَاهِدَ صَلَاحَ الدِّينِ الْأَيُّوبِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ أَشْعَرِيَّ الْعَقِيدَةِ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ صُوفِيَّ الْمَشْرَبِ، وَقَدِ اشْتَهَرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِذَاعَةِ الْعَقِيدَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ عَلَى الْمَآذِنِ فِي وَقْتِ التَّسْبِيحِ، وَصَارَتْ تُرَدَّدُ لَيْلًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ.
وَمِنْ شِدَّةِ عِنَايَتِهِ بِذٰلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ هِبَةِ اللَّهِ أَلَّفَ لَهُ رِسَالَةً تُسَمَّى «حَدَائِقَ الْفُصُولِ وَجَوَاهِرَ الْأُصُولِ»، وَاشْتُهِرَتْ فِيمَا بَعْدُ بِـ «الْعَقِيدَةِ الصَّلَاحِيَّةِ»، وَمِنْ أَبْيَاتِهَا فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْمَكَانِ:
وَصَانِعُ الْعَالَمِ لَا يَحْوِيهِ قَطْرٌ
قَدْ كَانَ مَوْجُودًا وَلَا مَكَانَا
وَحُكْمُهُ الْآنَ عَلَى مَا كَانَا
وَهِيَ أَبْيَاتٌ تُعَبِّرُ عَنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالْحَدِّ وَالْجِهَةِ.
سَادِسًا: مَعْنَى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْحَدِّ وَالْجِهَةِ
وَمِنْ أَدَقِّ مَا قِيلَ فِي بَيَانِ مَعْنَى «نَفْيِ الْحَدِّ» عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: أَنَّ الْمَحْدُودَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا أَوْ جَوْهَرًا أَوْ مُؤَلَّفًا، وَالْمُؤَلَّفُ مُحْتَاجٌ إِلَى مُؤَلِّفٍ، وَالْمُحْتَاجُ حَادِثٌ؛ فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذٰلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ مَحْدُودٌ فَقَدْ جَعَلَ لَهُ مِثْلًا، وَاللَّهُ نَفَى الْمِثْلَ عَنْ نَفْسِهِ نَفْيًا مُطْلَقًا.
خَاتِمَةٌ: الصُّوفِيَّةُ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ وَالْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ
إِنَّ النَّظَرَ فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ وَمُحَقِّقِيهِمْ، وَفِي نُقُولِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْهُمْ، يُثْبِتُ بِلَا تَرَدُّدٍ أَنَّ عَقِيدَتَهُمْ هِيَ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَائِمَةٌ عَلَى التَّنْزِيهِ الصَّافِي وَنَفْيِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّكْيِيفِ، مَعَ إِثْبَاتِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِمَعَانٍ تَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَكَمَالِهِ.
فَمَنْ طَعَنَ فِي أُصُولِهِمْ وَرَمَاهُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَالْهِنْدُوسِيَّةِ، فَقَدْ ظَلَمَ وَجَهِلَ، وَمَنْ عَرَفَ أَقْوَالَهُمْ وَسِيرَهُمْ عَلِمَ أَنَّهُمْ سَادَةُ الطَّرِيقِ، وَأَنَّ مَنْهَجَهُمْ نَبَوِيٌّ فِي التَّزْكِيَةِ وَالْعَمَلِ، سُنِّيٌّ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْأَحْكَامِ، وَأَثَرِيٌّ فِي الِاتِّبَاعِ وَالِاقْتِفَاءِ.