قَسَّمَ العُلَمَاءُ الرِّدَّةَ—وَهِيَ الَّتِي تُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنْ دِينِ الإِسْلَامِ—إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ؛ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا التَّقْسِيمَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ عَابِدِينَ الحَنَفِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى.
القِسْمُ الأَوَّلُ: الكُفْرُ الِاعْتِقَادِيُّ
وَهُوَ: مَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ مِنِ اعْتِقَادٍ، أَوْ شَكٍّ، أَوْ إِنْكَارٍ لِمَا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ؛ كَالشَّكِّ فِي وُجُودِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ، أَوْ حِكْمَتِهِ، أَوْ عَدْلِهِ، أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّ اللهَ يَسْكُنُ فِي مَكَانٍ، أَوْ يَحِلُّ فِي جِهَةٍ، أَوْ أَنَّ لَهُ حَجْمًا أَوْ شَكْلًا، أَوْ لَوْنًا.
وَمِنْهُ: الشَّكُّ فِي صِدْقِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَوِ الشَّكُّ فِي اليَوْمِ الآخِرِ، أَوْ فِي الجَنَّةِ، أَوْ فِي النَّارِ.
وَمِنْهُ: تَجْوِيزُ الرَّذَائِلِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، أَوِ اعْتِقَادُ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ جَاءَ بِغَيْرِ دِينِ الإِسْلَامِ.
القِسْمُ الثَّانِي: الكُفْرُ الفِعْلِيُّ
وَهُوَ: مَا يَكُونُ بِالجَوَارِحِ مِنْ فِعْلٍ يَدُلُّ دَلَالَةً بَيِّنَةً عَلَى الِاسْتِهَانَةِ بِالدِّينِ، أَوْ عَدَمِ تَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ، أَوْ تَعْظِيمِ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى تَعْظِيمَ عِبَادَةٍ؛ كَالدَّوْسِ عَلَى المُصْحَفِ، أَوْ رَمْيِهِ فِي القَاذُورَاتِ، أَوِ البَوْلِ عَلَيْهِ، أَوْ كِتَابَةِ القُرْآنِ بِالبَوْلِ، أَوْ رَمْيِ وَرَقَةٍ فِيهَا اسْمُ اللهِ فِي نَجَاسَةٍ عَمْدًا.
وَمِنْهُ: السُّجُودُ لِصَنَمٍ، أَوْ لِشَمْسٍ، أَوْ لِشَيْطَانٍ، أَوْ لِنَارٍ.
القِسْمُ الثَّالِثُ: الكُفْرُ القَوْلِيُّ
وَهُوَ: مَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ مِنْ كَلَامٍ يَقْتَضِي الكُفْرَ، أَوْ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِاللهِ تَعَالَى، أَوْ بِرُسُلِهِ، أَوْ بِدِينِهِ، أَوْ بِشَعَائِرِ الإِسْلَامِ؛ كَسَبِّ اللهِ تَعَالَى، أَوْ سَبِّ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، أَوْ سَبِّ مَلَكٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، أَوْ سَبِّ دِينِ الإِسْلَامِ، أَوِ الِاسْتِخْفَافِ بِالجَنَّةِ، أَوِ الِاسْتِهَانَةِ بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ؛ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالأَذَانِ.
وَمِنْهُ: إِنْكَارُ عَذَابِ القَبْرِ.
وَمِنْهُ: التَّرَحُّمُ عَلَى الكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ.
تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ
مَنْ وَقَعَ فِي الرِّدَّةِ لَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَقُولَ: «أَسْتَغْفِرُ اللهَ»، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلَامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، مَعَ النَّدَمِ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَالعَزْمِ عَلَى أَلَّا يَعُودَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ.