اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَوَّنَ الْأَكْوَانَ، الْمَوْجُودِ بِلا مَكَانٍ، الْمُنَزَّهِ عَنِ الْأَيْنِ وَالْكَيْفِ وَالشَّكْلِ وَالصُّورَةِ، وَعَنِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَدَوَاتِ وَالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ وَالْأَلْوَانِ؛ جَلَّ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ، وَلَا يَنْحَلُّ مِنْهُ شَيْءٌ، تَنَزَّهَ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ، وَعَنِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ؛ سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ، لَيْسَ بِمَحْدُودٍ فَيُحَدَّ، فَلَا يُحَسُّ، وَلَا يُجَسُّ، وَلَا يُمَسُّ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11). وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى جَمِيعِ إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى آلِ كُلٍّ وَصَحْبِ كُلٍّ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
اِخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ هٰذِهِ الطَّائِفَةِ، فَقِيلَ فِيهَا كَثِيرٌ، وَلٰكِنَّ جَوْهَرَهَا هُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهَا صَفَاءٌ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَ اللَّهِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَأَدَبًا وَأَخْلَاقًا.
إِنَّهَا الصُّوفِيَّةُ الصَّافِيَةُ الَّتِي تَنْهَلُ مِنْ مَنَاهِلِ النَّهْجِ الْمُحَمَّدِيِّ، وَتَغْرِفُ مِنْ مَنْبَعِ الرِّسَالَةِ الْعَذْبِ، وَلَيْسَ التَّصَوُّفُ بِمُجَرَّدِ لُبْسِ الصُّوفِ؛ وَإِلَّا لَطَارَ الْخَرُوفُ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ.
وَمَسْلَكُ التَّصَوُّفِ وَهُوَ مَسْلَكُ أَئِمَّةِ التُّقَى وَالنُّقَى وَالصَّلَاحِ وَالْفَلَاحِ قَائِمٌ عَلَى أَسَاسِ الِالْتِزَامِ بِعَقِيدَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ؛ عَقِيدَةِ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَتَنْزِيهِهِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ الْحَنِيفِ، وَتَرْكِ الْهَوَى، وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمُحَارَبَةِ أَهْلِ الْحُلُولِ وَالْإِلْحَادِ، أَهْلِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ.
وَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)﴾ (فصلت: 30–32).
وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (يونس: 62–64).
وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69).
وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 70–71).
أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْقَوْلِ السَّدِيدِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي حَسَّنَهُ الشَّرْعُ. وَلَيْسَ الْقَوْلُ الْحَسَنُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ مِمَّنْ لَا فَهْمَ لَهُمْ فِي الدِّينِ قَوْلًا حَسَنًا؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ يَرَوْنَ الْقَوْلَ الْفَاسِدَ حَسَنًا، وَقَدْ يَرَوْنَ الْقَوْلَ الْحَسَنَ فِي شَرْعِ اللَّهِ قَوْلًا فَاسِدًا. وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالَّذِينَ لَهُمْ فَهْمٌ فِي الدِّينِ، يَعْرِفُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَعْمَلُونَ بِأَحْكَامِهِ؛ فَهٰؤُلَاءِ فَهْمُهُمْ صَحِيحٌ، وَيُقْتَدَى بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الدِّينِيَّةَ الَّتِي لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا اثْنَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ فَهُوَ قَبِيحٌ.
وَإِنَّ الْغُوغَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا اتِّبَاعَ النَّاسِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا مَعْرِفَةٍ بِأَحْكَامِ شَرْعِ اللَّهِ، إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْمَظَاهِرِ فَيَتَّبِعُونَ كُلَّ نَاعِقٍ؛ فَهٰؤُلَاءِ لَا شَيْءَ عِنْدَ اللَّهِ. وَمِمَّا ابْتُلِينَا بِهِ أُنَاسٌ يُرَوِّجُونَ الْأَكَاذِيبَ الْمُلَفَّقَةَ، وَالْأَقَاوِيلَ الْفَاسِدَةَ، بِاسْمِ «الصُّوفِيَّةِ»، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مَا عَرَفُوا مِنَ الصُّوفِيَّةِ إِلَّا الِاسْمَ. وَلِاجْتِنَابِ الْوُقُوعِ فِي طَامَّاتِهِمْ، يَنْبَغِي مَعْرِفَةُ طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَسْيَادِ أَهْلِ الطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ، وَتَوْعِيَةُ النَّاسِ، وَنَصْحُهُمْ بِالِابْتِعَادِ عَمَّنْ يُحَسِّنُونَ لِلنَّاسِ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ، وَيُقَبِّحُونَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ، وَيُمَوِّهُونَ عَلَيْهِمْ.
وَأَوَّلُ الصُّوفِيَّةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَشْبَاهُهُ فِي سِيرَتِهِ الَّتِي هِيَ صَفَاءُ الْمُعَامَلَةِ، وَاتِّبَاعُ الرَّسُولِ ﷺ؛ فَمَنْ عَامَلَ رَبَّهُ مُعَامَلَةً صَافِيَةً، وَأَخْلَصَ لِرَبِّهِ فِي سِرِّهِ، وَأَحْسَنَ نِيَّتَهُ، فَذٰلِكَ هُوَ الصُّوفِيُّ الَّذِي تُسْتَنْزَلُ الرَّحَمَاتُ بِذِكْرِهِ.
تَعْرِيفُ التَّصَوُّفِ
الصُّوفِيُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هُوَ الْعَامِلُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، الْمُؤَدِّي لِلْوَاجِبَاتِ، الْمُجْتَنِبُ لِلْمُحَرَّمَاتِ، الَّذِي تَرَكَ التَّنَعُّمَ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَلْبَسِ وَنَحْوِ ذٰلِكَ. وَهٰذِهِ الصِّفَةُ هِيَ صِفَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةِ؛ وَلِذٰلِكَ صَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ كِتَابَهُ «حِلْيَةَ الْأَوْلِيَاءِ»، وَقَصَدَ بِذٰلِكَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الصُّوفِيَّةِ الصَّادِقِينَ الْمُتَحَقِّقِينَ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ؛ إِذْ كَثُرَ فِي زَمَانِهِ الطَّعْنُ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ، وَدَعْوَى التَّصَوُّفِ مِنْ أُنَاسٍ هُمْ خِلَافُ الصُّوفِيَّةِ فِي الْمَعْنَى. فَبَدَأَ بِذِكْرِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. ثُمَّ أَيُّ ضَرَرٍ فِي هٰذَا الِاسْمِ: «الصُّوفِيِّ»؟ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ بَعْضَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِينَ وَغَيْرَهُمْ بِهٰذَا الِاسْمِ، وَكَذٰلِكَ كَانَ الْبَيْهَقِيُّ يُكْثِرُ الرِّوَايَةَ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيِّ، أَحَدِ مَشَاهِيرِ الصُّوفِيَّةِ.
وَفِي تَعْرِيفِهِمْ بِالصُّوفِيَّةِ يَقُولُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الرِّفَاعِيُّ الْكَبِيرُ فِي كِتَابِهِ «الْبُرْهَانِ الْمُؤَيَّدِ»: «الفَقِيرُ عَلَى الطَّرِيقِ مَا دَامَ عَلَى السُّنَّةِ، فَمَتَى حَادَ عَنْهَا زَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ. قِيلَ لِهٰذِهِ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةُ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِ التَّسْمِيَةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: التَّصَوُّفُ الصَّفَاءُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُصَافَاةُ… وَغَيْرُ ذٰلِكَ، وَكُلُّهُ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ هٰذِهِ الْفِرْقَةِ الْتَزَمُوا الصَّفَاءَ وَالْمُصَافَاةَ، وَعَمِلُوا بِالْآدَابِ الظَّاهِرَةِ، وَقَالُوا: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَدَبَ الظَّاهِرِ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى أَدَبِ الْبَاطِنِ».
وَهُنَا يُبَيِّنُ الْإِمَامُ أَنَّ الصُّوفِيَّ مَنْ تَعَلَّمَ وَعَمِلَ بِمَا تَعَلَّمَ؛ فَأَدَّى الْوَاجِبَاتِ، وَاجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقَامَ بِالذِّكْرِ الصَّحِيحِ. وَيَقُولُ: «كُلُّ الْآدَابِ مُنْحَصِرَةٌ فِي مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا وَفِعْلًا وَحَالًا وَخُلُقًا؛ فَالصُّوفِيُّ آدَابُهُ تَدُلُّ عَلَى مَقَامِهِ؛ زِنُوا أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ وَأَخْلَاقَهُ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ».
وَمِنْ هُنَا نَجِدُ الرِّفَاعِيَّ يُحَذِّرُ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ يَدَّعِي صَاحِبُهُ أَنَّهُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ؛ كَالْقَوْلِ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، فَيَقُولُ: «صُمُّوا أَسْمَاعَكُمْ عَنْ عِلْمِ الْوَحْدَةِ وَعِلْمِ الْفَلْسَفَةِ وَمَا شَاكَلَهُمَا؛ فَإِنَّ هٰذِهِ الْعُلُومَ مَزَالِقُ الْأَقْدَامِ إِلَى النَّارِ، حَمَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ».
وَيُضِيفُ: «إِيَّاكُمْ وَالدَّجَّالِيَّةَ، إِيَّاكُمْ وَالشَّيْطَانِيَّةَ، إِيَّاكُمْ وَالطُّرُقَ الَّتِي تَقُودُ إِلَى كِلَا الْوَصْفَيْنِ، أَخْجِلُوا الشَّيْطَانَ بِخَالِصِ الْإِيمَانِ».
وَفِي مَعْرِضِ تَحْذِيرِهِ مِنَ الدَّجَّالِينَ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمْ وَاعِظًا أَوْ قَاصًّا أَوْ مُدَرِّسًا، فَخُذُوا مِنْهُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامَ رَسُولِهِ ﷺ، وَكَلَامَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَدْلًا وَيَقُولُونَ حَقًّا، وَاطْرَحُوا مَا زَادَ؛ وَإِنْ أَتَى بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاضْرِبُوا بِهِ وَجْهَهُ. الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّبِيِّ الْعَظِيمِ ﷺ».
ثُمَّ يَعْرِجُ عَلَى مَا نُقِلَ عَنِ الْحَلَّاجِ مِمَّا عُرِفَ بِالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ أَوِ الِاتِّحَادِ، فَيَقُولُ: «تَفَرَّقَتِ الطَّوَائِفُ شِيَعًا، وَحُمَيْدٌ بَقِيَ مَعَ أَهْلِ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالِاضْطِرَارِ. إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (الأنعام: 21). يَنْقُلُونَ عَنِ الْحَلَّاجِ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا الْحَقُّ. أَخْطَأَ بِوَهْمِهِ؛ لَوْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ مَا قَالَ: أَنَا الْحَقُّ. يَذْكُرُونَ لَهُ شِعْرًا يُوهِمُ بِالْوَحْدَةِ؛ كُلُّ ذٰلِكَ وَمِثْلُهُ بَاطِلٌ. وَمَا أَرَاهُ رَجُلًا وَاصِلًا أَبَدًا… إِيَّاكُمْ وَالْقَوْلَ بِهٰذِهِ الْأَقَاوِيلِ؛ إِنْ هِيَ إِلَّا أَبَاطِيلُ… بِاللَّهِ عَلَيْكَ: هَلْ يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ إِلَّا الْجَاهِلُ؟ هَلْ يَدُوسُ عُنْوَةً فِي الْجُبِّ إِلَّا الْأَعْمَى؟».
ثُمَّ يَتَعَرَّضُ لِفَضْلِ الْعِلْمِ، وَضَرُورَةِ أَخْذِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ لِتَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، فَيَقُولُ: «عَظِّمُوا شَأْنَ الْعِلْمِ تَعْظِيمًا، وَقُومُوا بِوَاجِبَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ إِدْرَاكُ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ مَسْمُوعًا وَمَعْقُولًا. أَعْطُوا الْإِيمَانَ حَقَّهُ؛ فَهُوَ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ. الزَمُوا حُكْمَ الْإِسْلَامِ؛ فَهُوَ مُتَابَعَةُ الشَّرِيعَةِ. تَحَقَّقُوا بِالْمَعْرِفَةِ؛ وَهِيَ أَنْ تَعْرِفُوا اللَّهَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ».
وَعَنْ أَهَمِّيَّةِ الْعَمَلِ يَقُولُ: «يَا وَلَدِي، إِذَا تَعَلَّمْتَ عِلْمًا، وَسَمِعْتَ نَقْلًا حَسَنًا، فَاعْمَلْ بِهِ، وَلَا تَكُنْ مِنَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَا يَعْمَلُونَ. يَا وَلَدِي، نَجَاةُ الْعَالِمِ عَمَلُهُ بِعِلْمِهِ، وَهَلَاكُهُ تَرْكُ الْعَمَلِ».
وَلِأَنَّ الْعِلْمَ يُؤْخَذُ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّلَقِّي مُشَافَهَةً لَا مِنَ الْكُتُبِ فَقَطْ كَمَا قَالَ النَّابُلُسِيُّ: «لَا تَحْسَبَنَّ إِنَّكَ بِالْكُتُبِ مِثْلُنَا تَصِيرُ… فَلِلدَّجَاجَةِ رِيشٌ وَلٰكِنْ لَا تَطِيرُ» يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ: «لَا تَقْطَعُوا الصِّلَةَ مَعَ الْعُلَمَاءِ؛ جَالِسُوهُمْ، وَخُذُوا عَنْهُمْ، وَخُذُوا مِنْ عِلْمِ الْعَالِمِ وَاعْمَلُوا بِهِ… أُوصِيكُمْ كُلَّ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ عِلْمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ بِصُحْبَتِهِمْ صُحْبَةَ الْأَوْلِيَاءِ».
وَعَنْ حَالِ الْأَوْلِيَاءِ وَمَسْلَكِهِمْ يَقُولُ: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلِيًّا جَاهِلًا. الْوَلِيُّ لَا يَكُونُ جَاهِلًا فِي فِقْهِ دِينِهِ؛ يَعْرِفُ كَيْفَ يُصَلِّي، كَيْفَ يَصُومُ، كَيْفَ يُزَكِّي، كَيْفَ يَحُجُّ، كَيْفَ يَذْكُرُ، يَتْقِنُ عِلْمَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ اللَّهِ».
خَاتِمَةٌ
وَبَعْدُ؛ فَإِنَّ التَّصَوُّفَ الإِسْلَامِيَّ الحَقَّ لَيْسَ شِعَارًا يُرْفَعُ، وَلَا مَظْهَرًا يُتَزَيَّنُ بِهِ، وَلَا دَعْوَى تُتَّخَذُ سُلَّمًا لِتَسْوِيقِ الأَبَاطِيلِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى صَفَاءِ التَّوْحِيدِ، وَصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ، وَمُتَابَعَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ وَالحَالِ وَالخُلُقِ. وَإِنَّمَا يَتَجَلَّى فِي تَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ للهِ تَعَالَى، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَتَهْذِيبِ السُّلُوكِ، وَمُجَاهَدَةِ الهَوَى، مَعَ التِزَامِ الشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ فَكُلُّ طَرِيقٍ يُفَارِقُ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَلَيْسَ مِنَ التَّصَوُّفِ فِي شَيْءٍ، وَإِنِ ادَّعَى أَصْحَابُهُ مَا ادَّعَوْا.
وَمِنْ هُنَا تَتَأَكَّدُ الحَاجَةُ إِلَى تَمْيِيزِ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالِاسْتِقَامَةِ مِنْ أَهْلِ الدَّعَاوَى وَالتَّمْوِيهِ؛ بِمِيزَانِ العِلْمِ الصَّحِيحِ وَالفَهْمِ الرَّاسِخِ، فَالعِلْمُ حِصْنٌ، وَالعَمَلُ بُرْهَانٌ، وَالتَّقْوَى دَلِيلٌ، وَاتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ المِحَكُّ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ الحَقَائِقُ وَتَزُولُ بِهِ الشُّبُهَاتُ.
فَنَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الإِخْلَاصِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا عِلْمًا نَافِعًا وَعَمَلًا صَالِحًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا، وَأَنْ يَحْفَظَ الأُمَّةَ مِنْ كُلِّ مَا يُلْبِسُ عَلَيْهَا دِينَها، وَيَصْرِفَ عَنْهَا أَهْلَ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذٰلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.