المُقَدِّمَةُ
إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مِفْتَاحِ الخَيْرَاتِ، وَإِلَى أَفْضَلِ مَا نَشْغَلُ بِهِ الأَوْقَاتَ، لَمْ نَجِدْ أَنْفَسَ وَلَا أَعْلَى وَلَا أَعْظَمَ وَلَا أَرْقَى، وَلَا أَنْبَلَ وَلَا أَرْفَعَ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١)، وَرِفْعَةُ الدَّرَجَاتِ دَلِيلُ الفَضْلِ؛ إِذِ المُرَادُ كَثْرَةُ الثَّوَابِ، وَبِكَثْرَةِ الثَّوَابِ تَرْتَفِعُ الدَّرَجَاتُ. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤)، فَلَمْ يَأْمُرِ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ فِي القُرْآنِ بِطَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مِنَ العِلْمِ، مَعَ كَثْرَةِ الفَضَائِلِ وَوُفُورِهَا، فَإِنْ لَمْ يَدُلَّ هَذَا عَلَى فَضْلِ العِلْمِ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَدُلُّ؟
وَفِي هَذَا المَقَالِ سَنَتَنَاوَلُ—إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى—جَوَانِبَ مِنْ فَضْلِ العِلْمِ وَالعُلَمَاءِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ آدَابٍ وَمَعَالِمَ وَتَوْجِيهَاتٍ.
فَضْلُ العِلْمِ
اعْلَمْ أَنَّ العِلْمَ أَشْرَفُ مَا رَغِبَ فِيهِ الرَّاغِبُ، وَأَفْضَلُ مَا طَلَبَ وَجَدَّ فِيهِ الطَّالِبُ، وَأَنْفَعُ مَا اكْتَسَبَهُ وَاقْتَنَاهُ الكَاسِبُ؛ لِأَنَّ شَرَفَهُ يَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلَى صَاحِبِهِ وَطَالِبِهِ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩)، فَلَا يَسْتَوِي العَالِمُ العَامِلُ مَعَ الجَاهِلِ؛ لِمَا خُصَّ بِهِ العَالِمُ مِنْ فَضِيلَةِ العِلْمِ وَنُورِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٣)، فَالعَالِمُ أَقْرَبُ إِلَى فَهْمِ كَلَامِ اللهِ وَمَرَامِيهِ، وَأَوْعَى لِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ.
وَقَدْ قِيلَ: العِلْمُ شَرَفٌ لَا قَدْرَ لَهُ، وَالأَدَبُ مَالٌ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: العِلْمُ أَفْضَلُ خَلَفٍ، وَالعَمَلُ بِهِ أَكْمَلُ شَرَفٍ.
وَلَا يَجْهَلُ فَضْلَ العِلْمِ إِلَّا أَهْلُ الجَهْلِ؛ لِأَنَّ فَضْلَ العِلْمِ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالعِلْمِ، فَمَنْ عَدِمَ نُورَهُ عَدِمَ تَقْدِيرَهُ، وَاسْتَرْذَلَ أَهْلَهُ، وَظَنَّ أَنَّ مَا يَمِيلُ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا أَوْلَى بِالإِقْبَالِ وَالِاشْتِغَالِ.
وَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: العَالِمُ يَعْرِفُ الجَاهِلَ لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا، وَالجَاهِلُ لَا يَعْرِفُ العَالِمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا؛ وَمِنْ هُنَا كَانَتِ العَدَاوَةُ لِمَا جُهِلَ، وَكَانَ الِانْصِرَافُ عَنِ العِلْمِ صَدًى لِمَا فَاتَ مِنْ فَهْمِهِ وَذَوْقِهِ.
أَفْضَلُ العُلُومِ
إِنَّ أَفْضَلَ العُلُومِ وَأَجَلَّهَا هُوَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ؛ فَهُوَ المَعْرِفَةُ بِاللهِ تَعَالَى، وَإِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ بِأَدِلَّتِهِ، وَإِقَامَةُ البَرَاهِينِ وَالحُجَجِ عَلَى صِحَّتِهِ. وَشَرَفُ العِلْمِ—كَمَا قَرَّرَ أَهْلُ الفَهْمِ—يَرْجِعُ إِلَى شَرَفِ مَعْلُومِهِ؛ فَكُلَّمَا كَانَ المَعْلُومُ أَعْظَمَ كَانَ العِلْمُ بِهِ أَعْظَمَ، وَإِذَا كَانَ أَعْظَمُ المَعْلُومَاتِ هُوَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، كَانَ العِلْمُ بِهِ أَجَلَّ العُلُومِ وَأَرْفَعَهَا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ﴾ (الأنعام: ١٩).
وَمِنْ ثَمَّ؛ فَمَعْرِفَةُ اللهِ هِيَ أَصْلُ العِبَادَةِ وَعِمَادُهَا؛ فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ صَحَّتْ عِبَادَتُهُ وَاسْتَقَامَ قَصْدُهُ، وَمَنْ جَهِلَ رَبَّهُ اضْطَرَبَتْ عِبَادَتُهُ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنَ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ العِبَادَةَ إِخْلَاصٌ وَتَقَرُّبٌ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الإِخْلَاصُ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ مَنْ يُخْلِصُ لَهُ.
فَضْلُ العُلَمَاءِ
إِنَّ مَرَاتِبَ العِلْمِ وَالعُلَمَاءِ هِيَ المَرَاتِبُ الَّتِي يَغْبِطُ النَّاسُ عَلَيْهَا أَصْحَابَهَا، وَلَا تُنَالُ بِالأَمَانِيِّ، وَلَا تُدْرَكُ بِالبَطَالَةِ، وَلَكِنَّهَا تُحَصَّلُ بِالجِدِّ وَالتَّعَبِ وَالسَّهَرِ وَالإِخْلَاصِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَبْلُغُ العُلَا بِالرَّاحَةِ وَالكَسَلِ فَقَدْ غَرَّهُ وَهْمُهُ، وَخَدَعَتْهُ نَفْسُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أُوحِيَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنِّي عَلِيمٌ أُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ»، رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّهُ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا عَالِمٌ وَالآخَرُ عَابِدٌ، فَقَالَ ﷺ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ رَجُلًا»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ العِلْمَ وَرِثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ إِذَا اقْتَرَنَ عِلْمُهُ بِالعَمَلِ وَالإِخْلَاصِ كَانَ مِصْبَاحًا لِلنَّاسِ، وَهَادِيًا إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ.
وُجُوبُ طَلَبِ بَعْضِ العِلْمِ
رَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ. وَإِذَا أُطْلِقَ العِلْمُ فَالْمُرَادُ—فِي الأَصْلِ—عِلْمُ الدِّينِ؛ وَمِنْهُ قَدْرٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ تَعَلُّمُهُ عَيْنًا، لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَلَا تَأْخِيرُهُ بِلَا سَبَبٍ. وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَعْرِفَةَ الفَرَائِضِ الظَّاهِرَةِ وَالمُحَرَّمَاتِ البَيِّنَةِ، مِمَّا لَا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ أَقْسَامِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ: إِنَّ فَرْضَ العَيْنِ هُوَ تَعَلُّمُ مَا لَا يَتَأَدَّى الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، كَكَيْفِيَّةِ الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا.
العِلْمُ مُقَدَّمٌ عَلَى القَوْلِ وَالعَمَلِ
يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ—قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ—أَنْ يَعْلَمَ حُكْمَ اللهِ فِيهِ؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الحَرَامِ وَهُوَ لَا يَدْرِي. فَمَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ تَعَلَّمَ شُرُوطَهَا وَأَرْكَانَهَا وَمُبْطِلَاتِهَا، وَمَنْ أَرَادَ المُعَامَلَاتِ تَعَلَّمَ أَحْكَامَهَا؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الرِّبَا أَوِ الغَرَرِ أَوِ الفَسَادِ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (محمد: ١٩)، فَقَدَّمَ العِلْمَ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ القَوْلِ وَالعَمَلِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى صِحَّةِ العِلْمِ. وَقَالَ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ؛ لَأَنْ تَغْدُوَ فَتَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ العِلْمِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ»، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
العِلْمُ بِالتَّلَقِّي لَا بِالمُطَالَعَةِ
العِلْمُ الدِّينِيُّ لَا يَكْفِي فِيهِ المُطَالَعَةُ المُجَرَّدَةُ، وَلَا تُغْنِي فِيهِ المَقَاطِعُ المُتَنَاثِرَةُ فِي الشَّبَكَةِ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّلَقِّي عَنْ أَهْلِ العِلْمِ الثِّقَاتِ، وَمِنْ طَرِيقٍ مَعْرُوفٍ مُعْتَبَرٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: «إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ. وَقَالَ ﷺ: «إِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
فَطَلَبُ العِلْمِ تَعَلُّمٌ وَمُلازَمَةٌ وَتَدَرُّجٌ، وَتَأَدُّبٌ مَعَ الشُّيُوخِ، وَتَحَرٍّ لِمَصَادِرِ النُّقُولِ وَأَهْلِ الإِسْنَادِ. وَمِثْلُ مَنْ يَأْخُذُ طِبَّهُ مِنْ «جُوجِل» فَيَسْتَسْلِمُ لِوَهْمٍ خَطِيرٍ، كَذَلِكَ مَنْ يَأْخُذُ دِينَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ يَغْتَرُّ، وَيُغَرِّرُ بِغَيْرِهِ.
خَطَرُ الإِفْتَاءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخَلَلِ وَالمَصَائِبِ فِي الكَلَامِ فِي الدِّينِ يَنْشَأُ عَنْ تَجَاوُزِ الإِنْسَانِ حَدَّهُ، وَتَعَدِّيهِ مَا يُحْسِنُهُ إِلَى مَا يَجْهَلُهُ؛ فَيُفْتِي فِيمَا لَا يَدْرِي، وَيَتَصَدَّرُ لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ؛ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَاسْتُفْتُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ غَيْرِ العَالِمِ الثِّقَةِ.
الخَاتِمَةُ
إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاسِعَةٌ، وَفَضْلَهُ عَظِيمٌ؛ وَقَدْ يَبْلُغُ العَبْدُ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِعَمَلٍ يَظُنُّهُ صَغِيرًا، كَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي عَمَلٍ يَسِيرٍ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَشْتَغِلُ بِعِلْمِ الدِّينِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا وَنَشْرًا؟! إِنَّهُ—بِلَا رَيْبٍ—أَعْظَمُ أَجْرًا وَأَرْفَعُ مَقَامًا، إِذَا صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَسَلِمَ قَصْدُهُ، وَاقْتَرَنَ عِلْمُهُ بِالعَمَلِ.
فَكُونُوا فِي ازْدِيَادٍ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي العِلْمِ، وَفِي تَحْصِيلِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَإِيَّاكُمْ وَالكَسَلَ؛ فَإِنَّهُ سَبَبُ الحِرْمَانِ وَفَوَاتِ المَقْصُودِ. نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا الهِمَّةَ لِنَيْلِ أَعَالِي الدَّرَجَاتِ، وَنَعِيمِ الجَنَّاتِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَالحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ.