بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45)﴾
اَلْمُتَّقِي عَلَى الْاِطْلَاقِ هُوَ مَنْ يَتَّقِي مَا يَجِبُ اتِّقَاؤُهُ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ. وَقَدْ قِيلَ فِي شَرْحِ الْمَعْنَى: إِنْ كَانَ أَهْلُ الْكَبَائِرِ دَاخِلِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)﴾، فَالْمُرَادُ بِالْمُتَّقِينَ هُنَا الَّذِينَ اتَّقَوُا الْكَبَائِرَ، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ. ذَلِكَ أَنَّ السِّيَاقَ قَبْلَهَا كَانَ فِي الْكُفَّارِ وَأَهْلِ جَهَنَّمَ وَمَنْ يَرِدُ النَّارَ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْمُتَّقِينَ وَالْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45)﴾. فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمُتَّقِينَ: الَّذِينَ أَدَّوُا الْوَاجِبَاتِ وَاجْتَنَبُوا الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَكُونُ قَدْ دَخَلَ فِي مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، مِمَّنْ أَكَلَ مَالَ الْيَتِيمِ، أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ، أَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، أَوْ أَكَلَ الرِّبَا، أَوْ تَخَوَّضَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ. فَهَؤُلَاءِ إِذَا مَاتُوا غَيْرَ تَائِبِينَ فَهُمْ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ مُدَّةً فِي جَهَنَّمَ ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمْ، وَقَدْ تَكُونُ النَّجَاةُ لِبَعْضِهِمْ بِشَفَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَدْخُلُونَ النَّارَ أَصْلًا. وَفِي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَجْتَرِئَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ غَمْسَةً وَاحِدَةً فِي نَارِ جَهَنَّمَ تُنْسِي أَنْعَمَ أَهْلِ الدُّنْيَا كُلَّ نَعِيمٍ ذَاقَهُ وَكُلَّ لَذَّةٍ تَلَذَّذَ بِهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ»، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قِسْمًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَدْخُلُ النَّارَ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ عَذَابُهُمْ كَعَذَابِ الْكُفَّارِ، وَلَا يَبْلُغُونَ دَرَكَاتِهِمْ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْكُفَّارِ خَاصَّةً، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ (45)﴾ عَلَى مَنْ اتَّقَى الشِّرْكَ، أَيْ عَلَى مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَعَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ (156)﴾، فَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا تَشْمَلُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ بِمَا يَتَنَعَّمُ بِهِ الْعِبَادُ، وَأَمَّا رَحْمَتُهُ فِي الْآخِرَةِ فَخَاصَّةٌ بِمَنْ اتَّقَى الشِّرْكَ وَمَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ نِعْمَةُ الْإِيمَانِ، فَكُلُّ مَصَائِبِ الدُّنْيَا تَهُونُ مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ، وَرَأْسُ مَالِ الْمُسْلِمِ عَقِيدَتُهُ، فَمَنْ ثَبَتَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَاتَ عَلَيْهِ نَجَا. ثُمَّ يَتَرَقَّى الْعَبْدُ فِي سُلَّمِ التَّقْوَى بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ وَاجْتِنَابِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، فَيَطْلُبُ عِلْمَ الدِّينِ وَيَعْمَلُ بِهِ، فَتَصِيرُ جَوَارِحُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَيَحْذَرُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ نِعَمَ رَبِّهِ فِي مَعْصِيَتِهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى (197)﴾، فَخَيْرُ مَا يَتَزَوَّدُ بِهِ الْمَرْءُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ أَسَاسُ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.