بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوعِدُهُم أَجمَعِينَ (43) لَهَا سَبعَةُ أَبوَٰب لِّكُلِّ بَاب مِّنهُم جُزء مَّقسُومٌ (44)﴾.
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)﴾
مَعْنَاهُ: أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى تَسَلُّطًا يُغْرِقُهُمْ فِي الْمَعَاصِي، وَإِنْ كَانَ يُزَيِّنُ وَيُوَسْوِسُ، فَمَنْ بَلَغَ دَرَجَةَ الْوِلَايَةِ وَالصَّلَاحِ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْكُفْرِ وَسُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَقَدْ تَقَعُ مِنْهُ الْمَعْصِيَةُ، وَلَكِنَّهُ يُسَارِعُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى يُكْثِرَ عَلَيْهِ الذُّنُوبَ وَيُهْلِكَهُ بِهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّهُمْ فِي حِفْظِهِ وَتَأْيِيدِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ». فَالْوَلِيُّ مَحْفُوظٌ بِمَعِيَّةٍ خَاصَّةٍ: مَعِيَّةِ النَّصْرِ وَالْحِفْظِ وَالتَّأْيِيدِ، وَمَنْ عَادَاهُمْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِسُوءِ الْعَاقِبَةِ. وَأَحَبُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْفَرَائِضُ، ثُمَّ تَتْبَعُهَا النَّوَافِلُ، فَإِذَا صَارَ الْعَبْدُ يَتَلَذَّذُ بِالطَّاعَةِ وَيَجِدُ حَلَاوَتَهَا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ الْخَيْرِ، وَمِنْ طَرِيقِ الْوِلَايَةِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُ جَوَارِحَهُ وَيُوَفِّقُهَا لِلْخَيْرِ وَيَصْرِفُهَا عَنِ الشَّرِّ، لَا أَنَّ اللَّهَ يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ. وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْفَارُوقِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنْهُ، فَإِذَا قَوِيَتْ طَاعَةُ الْعَبْدِ وَزَادَ تَحَصُّنُهُ ضَعُفَ تَأْثِيرُ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43)﴾
أَيْ إِنَّ جَهَنَّمَ هِيَ الْمَوْعِدُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، وَيَجْتَمِعُ فِيهِ مَنْ اتَّبَعَ الشَّيْطَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، فَيَنْتَهُونَ إِلَى عَذَابِهَا جَزَاءً وِفَاقًا، وَفِي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ لِمَنْ رَكِبَ سَبِيلَ الْغَيِّ وَتَرَكَ سَبِيلَ الْهُدَى.
يُحَدِّثُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ تُلِيَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عِنْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَبَكَى، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَغَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الْغَاوِينَ يَجْتَمِعُونَ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فِي جَهَنَّمَ، فَهِيَ دَارُ الْخِزْيِ وَالذُّلِّ وَالْعَذَابِ وَالْهَوَانِ، يَكُونُ فِيهَا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى قَرِينًا لِلشَّيَاطِينِ، مُحَاطًا بِشَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَشَيَاطِينِ الْجِنِّ، وَمَنْ كَانَ كَافِرًا، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، لَا انْقِطَاعَ لِعَذَابِهِ. فَأَيْنَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ هَذَا الْمَوْعِدِ؟ وَمَا هِيَ الدُّنْيَا حَتَّى يَغْتَرَّ بِهَا مَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ مُوَاعَدٌ بِالْوُرُودِ إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ؟
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)﴾
أَيْ لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، وَقَدْ قُسِّمَ أَهْلُهَا أَقْسَامًا، فَلِكُلِّ بَابٍ قِسْمٌ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ مِنْهُمْ، عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ فِي الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ دُخُولُهُ أَشَدَّ وَعَذَابُهُ أَعْظَمَ، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ، وَالْقِسْمَةُ فِيهَا تَحْقِيقٌ لِلْعَدْلِ، وَإِظْهَارٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مُجَازَاةِ الْعِبَادِ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
أَيْ لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، وَلِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِهَا. ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ أَيْ لِلنَّارِ. ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ أَيْ مِنْ أَتْبَاعِ إِبْلِيسَ. ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أَيْ نَصِيبٌ مَعْلُومٌ مُفْرَزٌ. وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْأَبْوَابِ: إِنَّهَا طَبَقَاتُ النَّارِ وَأَدْرَاكُهَا، فَهِيَ دَرَجَاتٌ يَنْزِلُ فِيهَا أَهْلُهَا، طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، وَالْمُنَافِقُونَ فِي أَسْفَلِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. وَمِمَّا جَاءَ فِي التَّخْوِيفِ مِنْهَا مَا وَرَدَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ شِدَّةُ الْهُوِيِّ وَعِظَمُ الْخَطَرِ، وَلَا يَبْلُغُ قَعْرَ هَذِهِ الْأَدْرَاكِ إِلَّا مَنْ كَانَ كَافِرًا مُخَلَّدًا، أَمَّا الْمُسْلِمُ الْعَاصِي مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ وَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُعَذِّبَهُ، فَيَدْخُلُ النَّارَ وَلَا يَخْلُدُ فِيهَا، بَلْ يُعَذَّبُ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِالشَّفَاعَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ». وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ غَمْسَةً وَاحِدَةً فِي النَّارِ تُنْسِي أَنْعَمَ أَهْلِ الدُّنْيَا كُلَّ نَعِيمٍ ذَاقَهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَبِثَ فِيهَا زَمَنًا؟ وَقِيلَ: إِنَّ أَطْوَلَ مُدَّةٍ يَلْبَثُهَا مُسْلِمٌ عَاصٍ فِي النَّارِ لَا تَزِيدُ عَلَى أَلْفِ سَنَةٍ. وَمِمَّا يُذْكَرُ فِي الْأَذْكَارِ: أَنَّ مَنْ قَالَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ، فَمَاتَ فِي يَوْمِهِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، وَمَنْ قَالَهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَمَاتَ فِي لَيْلَتِهِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ. وَقِيلَ أَيْضًا فِي تَقْسِيمِ الْأَبْوَابِ: فَأَعْلَاهَا لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، ثُمَّ لِقَوْمٍ بَعْدَ قَوْمٍ، وَذُكِرَ فِي بَعْضِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ تَفْصِيلٌ: فَبَابٌ لِلْيَهُودِ، وَبَابٌ لِلنَّصَارَى، وَبَابٌ لِلصَّابِئِينَ، وَبَابٌ لِلْمَجُوسِ، وَبَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وَالسَّابِعُ لِلْمُنَافِقِينَ.