بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)﴾
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾
أَيْ لَقَدْ أَعْطَيْنَاكَ وَوَهَبْنَاكَ، يَا مُحَمَّدُ ﷺ، سَبْعًا، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ بِهَذِهِ السَّبْعِ عَلَى أَقْوَالٍ، أَشْهَرُهَا ثَلَاثَةٌ:
الأَوَّلُ، وَهُوَ أَصَحُّهَا وَأَوْلَاهَا بِالْقَبُولِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبْعِ هُنَا سَبْعُ آيَاتٍ، وَهِيَ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّ آيَاتِهَا سَبْعٌ بِالْإِجْمَاعِ، لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ نَقَلَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَرَّرَ أَنَّهُ أَوْلَى الأَقْوَالِ بِالتَّفْسِيرِ، وَذَلِكَ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، وَكَثْرَةِ مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبْعِ هُنَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبْعِ السُّوَرُ الطِّوَالُ، وَهِيَ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ، وَالْمَائِدَةُ، وَالأَنْعَامُ، وَالأَعْرَافُ، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي السَّابِعَةِ، فَقِيلَ: سُورَةُ يُونُسَ، وَقِيلَ: الأَنْفَالُ وَبَرَاءَةُ مَعًا، لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ، لِعَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْبَسْمَلَةِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبْعِ أَسْبَاعُ الْقُرْآنِ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَقْسِيمِ الْقُرْآنِ إِلَى أَسْبَاعٍ لِلتِّلَاوَةِ.
وَإِذَا تَأَمَّلْنَا هَذِهِ الأَقْوَالَ، وَجَدْنَا أَنَّ الْقَوْلَ الأَوَّلَ أَرْجَحُهَا، لِصَرَاحَةِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي تَفْسِيرِ السَّبْعِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
﴿مِّنَ الْمَثَانِي﴾
الْمَثَانِي جَمْعُ مَثْنَاةٍ، وَهِيَ مِنَ التَّثْنِيَةِ وَالتَّكْرِيرِ. وَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ مَثَانِيَ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا تُثَنَّى وَتُكَرَّرُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ دُونَهَا، كَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
وَعَلَى هَذَا فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، فَإِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، فَمَنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لاشْتِمَالِهَا عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَهِيَ مَبْدُوءةٌ بِالْحَمْدِ، وَمُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّمْجِيدِ، وَالْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَالْإِلْهِيَّةِ، وَالْمُلْكِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْعَدْلِ.
وَإِذَا حُمِلَتِ السَّبْعُ عَلَى السُّوَرِ الطِّوَالِ أَوْ عَلَى أَسْبَاعِ الْقُرْآنِ، فَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِمَا فِيهَا مِنْ تَكْرَارِ الْقَصَصِ، وَالْمَوَاعِظِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَلِمَا فِيهَا مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾
لَيْسَ هَذَا مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، أَوْ عَطْفِ مَا سِوَى الْفَاتِحَةِ عَلَيْهَا. فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالسَّبْعِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ سَائِرُ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الطِّوَالَ أَوِ الأَسْبَاعَ، فَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ هُوَ الْكُلُّ الَّذِي يَشْمَلُ ذَلِكَ.
وَدَلِيلُ أَنَّ اسْمَ الْقُرْآنِ يُطْلَقُ عَلَى الْجُزْءِ وَالْكُلِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾، وَالْمُرَادُ بَعْضُهُ.
وَقَدْ صَحَّ فِي فَضْلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ».
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ شَرَفِ الْفَاتِحَةِ، وَأَنَّهَا نُورٌ خَاصٌّ أُوتِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَتَبَعَتْهُ فِيهِ أُمَّتُهُ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ رُقْيَةٌ، وَأَنَّهَا شِفَاءٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ».
وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُرْقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ الْمَرِيضُ، وَاللَّدِيغُ، وَصَاحِبُ الأَسْقَامِ كُلِّهَا.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ».
وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»، وَذَكَرَ فِيهِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ مِنَ الْمُنَاجَاةِ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: جُمِعَتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ خِصَالُ الْخَيْرِ كُلُّهَا، وَكُلُّ خَصْلَةٍ مِنْهَا تَشْمَلُ خِصَالَ الْخَيْرِ جَمِيعًا.
وَمِنْ خَوَاصِّهَا وَفَوَائِدِهَا مَا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّجْرِبَةِ، أَنَّهَا شِفَاءٌ مِنَ الأَمْرَاضِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَأَنَّ قِرَاءَتَهَا بِيَقِينٍ سَبَبٌ لِلشِّفَاءِ، كَمَا وَرَدَ: «فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ».
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ أَعْظَمُ مَنَّةٍ امْتَنَّ اللهُ بِهَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى شَرَفِ الْفَاتِحَةِ، وَعُلُوِّ مَقَامِهَا، وَعَظَمَةِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ.