﴿كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٩٣) فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ (٩٥) ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِادِينَ (٩٨) وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ (٩٩)﴾
﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾
هٰذِهِ الْآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ سِيَاقِ الْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ، وَفِيهَا تَشْبِيهٌ وَتَهْدِيدٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى أَقْوَامٍ قَبْلَ قُرَيْشٍ عُقُوبَةً وَنِقْمَةً وَعَذَابًا، كَمَا سَيُنْزِلُ عَلَى مَنْ يَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ فِي التَّكْذِيبِ وَالْإِعْرَاضِ وَالِاسْتِهْزَاءِ. وَقَوْلُهُ ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ التَّعَلُّقِ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى قَبْلُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، أَيْ: آتَيْنَاكَ وَحْيًا عَظِيمًا وَقُرْآنًا كَرِيمًا، كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى أُولٰئِكَ الَّذِينَ سَبَقُوا وَقَسَّمُوا وَحَرَّفُوا وَتَلَاعَبُوا، وَفِي هٰذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ اللهِ فِي الْوَحْيِ وَفِي مُجَازَاةِ الْمُكَذِّبِينَ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ تَهْدِيدًا مُبَاشَرًا: أَيْ لَا يَغُرَّنَّكَ تَأَخُّرُ الْعُقُوبَةِ، فَإِنَّا كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ فَسَنُنْزِلُ عَلَى هٰؤُلَاءِ إِنْ أَصَرُّوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ، مِنْ أَشْهَرِهَا: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، سُمُّوا مُقْتَسِمِينَ لِأَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا كِتَابَ اللهِ وَقَسَّمُوهُ فِي النَّظَرِ وَالْعَمَلِ، فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وَقَبِلُوا مَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ وَرَدُّوا مَا خَالَفَهَا، فَصَارُوا كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الدِّينَ أَجْزَاءً يَأْخُذُونَ مِنْهَا مَا يُرِيدُونَ وَيَتْرُكُونَ مَا يَكْرَهُونَ. وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا طُرُقَ مَكَّةَ وَمَدَاخِلَهَا أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَجَلَسُوا عَلَى الطُّرُقِ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِلْوَافِدِ: إِيَّاكَ أَنْ تَسْتَمِعَ إِلَى هٰذَا، فَإِنَّهُ سَاحِرٌ، وَيَقُولُ آخَرُ: بَلْ هُوَ شَاعِرٌ، وَيَقُولُ ثَالِثٌ: بَلْ هُوَ كَاهِنٌ، وَيُفَرِّقُونَ كَلِمَتَهُمْ عَلَى أَنْوَاعِ الْأَكَاذِيبِ لِيَشْتَبِهَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ، فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ لِاقْتِسَامِهِمُ الْمَدَاخِلَ، أَوْ لِاقْتِسَامِهِمُ الْقَوْلَ فِي الرَّسُولِ ﷺ وَفِي الْقُرْآنِ.
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ بَيَانٌ لِصِفَةِ هٰؤُلَاءِ الْمُقْتَسِمِينَ، أَوْ هُوَ صِفَةٌ لِجَمَاعَةٍ تَدْخُلُ فِي الْوَعِيدِ. وَمَعْنَى ﴿عِضِينَ﴾ أَيْ: أَجْزَاءً وَقِطَعًا، وَهِيَ جَمْعُ عِضَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ أَصْلَهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ وَالتَّقْطِيعِ، فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقُرْآنَ أَعْضَاءً مُتَفَرِّقَةً، لَا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ نَظَرَ الْمُسَلِّمِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَتَلَقَّاهُ كُلَّهُ بِالْقَبُولِ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَفْسِيرِ ذٰلِكَ أَيْضًا وُجُوهٌ: مِنْهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا فِيهِ أَقْوَالًا مُتَفَرِّقَةً، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ سِحْرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ شِعْرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، فَجَعَلُوا الْقُرْآنَ أَصْنَافًا مِنَ الدَّعَاوَى الْبَاطِلَةِ، يَتَقَاسَمُونَهَا فِي الْمَوَاسِمِ وَالْمَجَالِسِ لِيَصُدُّوا النَّاسَ عَنْهُ. وَمِنْهَا: أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ جَعَلُوا مَا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ وَالْبُشْرَى وَالدَّلَالَةِ عَلَى صِدْقِ الرِّسَالَةِ أَجْزَاءً، فَآمَنُوا بِبَعْضِ مَا عِنْدَهُمْ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وَقَالُوا فِي الْقُرْآنِ: فِيهِ مَا يُوَافِقُ، وَفِيهِ مَا يُخَالِفُ، فَصَارَ حُكْمُهُمْ عَلَيْهِ حُكْمَ مُتَجَزِّئٍ، لَا حُكْمَ مُنْقَادٍ لِلْحَقِّ. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا مَا يُتْلَى وَيُقْرَأُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: هٰذِهِ السُّورَةُ لِي، وَيَقُولُ آخَرُ: بَلْ هٰذِهِ لِي، عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّلَاعُبِ، لَا عَلَى وَجْهِ التَّعَاهُدِ وَالتَّعَلُّمِ. وَيَجُوزُ فِي الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَوْبِيخٌ لِكُلِّ مَنْ يَتَعَامَلُ مَعَ الْقُرْآنِ بِالتَّجْزِئَةِ، فَيَقْبَلُ مِنْهُ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ، وَيَرُدُّ مَا يُنَازِعُ شَهْوَتَهُ، فَهٰذَا مَسْلَكٌ يُشْبِهُ مَسْلَكَ الْمُقْتَسِمِينَ، وَالْقُرْآنُ كُلٌّ لَا يَصِحُّ أَنْ يُتَلَقَّى بِالِانْقِسَامِ وَالتَّفْرِيقِ.
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ (الْحِجْر: ٩٢)
هٰذَا قَسَمٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَالْقَسَمُ إِذَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّمَا يَرِدُ لِتَأْكِيدِ الْمُخْبَرِ بِهِ، وَلِتَثْبِيتِ الْمَعْنَى فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ. وَفِي قَوْلِهِ ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِإِضَافَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إِلَى ضَمِيرِهِ، وَفِيهِ تَثْبِيتٌ لَهُ أَيْضًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَرَبُّكَ الَّذِي أَرْسَلَكَ وَاصْطَفَاكَ وَنَصَرَكَ، لَنَسْأَلَنَّ هٰؤُلَاءِ الَّذِينَ تَقَوَّلُوا وَاسْتَهْزَؤُوا وَقَسَّمُوا الْقَوْلَ فِي الْقُرْآنِ وَفِي الرَّسُولِ ﷺ. وَالسُّؤَالُ هُنَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَمُحَاسَبَةٍ وَمُجَازَاةٍ، لَا سُؤَالُ اسْتِفْهَامٍ عَنْ جَهْلٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَلَكِنَّهُ يُقِيمُ الْحُجَّةَ عَلَى الْعِبَادِ، وَيُظْهِرُ الْعَدْلَ فِي الْقَضَاءِ، وَيَفْضَحُ الْمُعَانِدَ بِمَا اقْتَرَفَتْ يَدَاهُ.
﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾
أَيْ: لَنَسْأَلَنَّهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ كُلِّهَا، وَمِنْ أَعْظَمِهَا مَا كَانَ مِنْ صُنُوفِ صَدِّ النَّاسِ عَنِ الْهُدَى، وَمِنْ جَعْلِ الْقُرْآنِ أَقْسَامًا فِي الْقَوْلِ وَالتَّصْنِيفِ، وَمِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالرَّسُولِ ﷺ، وَمِنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ وَتَلْبِيسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ. وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مَحْصِيٌّ، وَأَنَّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ مَرْجُوعَةٌ إِلَى الْحِسَابِ، فَلَا يَغْتَرَّنَّ أَحَدٌ بِإِمْهَالِ اللهِ، فَإِنَّ الْإِمْهَالَ لَيْسَ إِهْمَالًا، بَلْ هُوَ إِمْلَاءٌ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ إِنَّهُ يَكُونُ السُّؤَالُ وَيَكُونُ الْجَزَاءُ.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾
فِي هٰذِهِ الْآيَةِ أَمْرٌ جَلِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ، وَبِالْجَهْرِ بِالْحَقِّ، وَبِتَفْرِيقِ الصَّفِّ بَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى وَأَهْلِ الضَّلَالِ. ﴿فَاصْدَعْ﴾ أَيْ: اِجْهَرْ، وَأَظْهِرْ، وَأَفْصِحْ، وَقُمْ بِالْحُجَّةِ قِيَامَ مَنْ لَا يَخَافُ فِي اللهِ أَحَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الصَّدْعَ هُوَ الْفَرْقُ وَالْفَصْلُ، كَمَا يُقَالُ: صَدَعَ الزُّجَاجَ أَيْ شَقَّهُ فَبَانَ شَقُّهُ، فَكَأَنَّ الْمَعْنَى: أَفْصِلْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَأَبِنِ الدِّينَ بَيَانًا لَا يَبْقَى مَعَهُ لِأَحَدٍ شُبْهَةٌ فِي مَقَامِ الدَّعْوَةِ. وَقِيلَ: الصَّدْعُ مُسْتَمَدٌّ مِنْ صَدْعِ الْفَجْرِ، أَيْ ظُهُورُهُ وَانْفِلَاقُهُ عَنِ الظُّلْمَةِ، فَكَذٰلِكَ أَنْتَ تُظْهِرُ مَا أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَالتَّوْحِيدِ. وَقَوْلُهُ ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِنَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَتَبْلِيغِ الْوَحْيِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى وَتَعْلِيمِ النَّاسِ وَتَزْكِيَتِهِمْ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ: لَا تَشْتَغِلْ بِمُجَادَلَاتِهِمُ الَّتِي لَا تُرَادُ لِلْحَقِّ، وَلَا تُنْهِكَ نَفْسَكَ فِي مُطَاوَلَةِ أَهْلِ الْعِنَادِ، وَلَا تَجْعَلْ لِاسْتِفْزَازِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ سَبِيلًا إِلَى تَعْطِيلِكَ عَنْ مَا أُمِرْتَ بِهِ، فَإِنَّكَ مَاضٍ فِي طَرِيقِكَ، وَهُمْ أَهْلُ شِرْكٍ لَا يَزِيدُهُمُ الْبَيَانُ إِلَّا عِنَادًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ لَهُمْ هُدًى.
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾
هٰذَا وَعْدٌ صَرِيحٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالْكِفَايَةِ، أَيْ: أَنَّ اللهَ يَكْفِيهِ شَرَّ مَنِ اسْتَهْزَأَ بِهِ وَبِرِسَالَتِهِ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ كَيْدَهُمْ، وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُونَ مِنْ إِيذَائِهِ. وَالِاسْتِهْزَاءُ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْإِجْرَامِ، لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ تَكْذِيبِ الْحَقِّ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ، وَفِيهِ إِيذَاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَثْبِيطٌ لِعَزَائِمِهِمْ، فَجَاءَ الْوَعْدُ بِأَنَّ اللهَ يَكْفِي نَبِيَّهُ ﷺ هٰؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَطَاوَلُونَ عَلَى مَقَامِ النُّبُوَّةِ. وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ رُؤُوسِ الِاسْتِهْزَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، كَانُوا يَبْلُغُونَ فِي إِيذَائِهِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ غَايَتَهُ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، لِيَكُونَ ذٰلِكَ آيَةً عَلَى صِدْقِ وَعْدِهِ، وَلِيُعْلَمَ أَنَّ مَنْ نَاصَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْعَدَاءَ وَتَعَرَّضَ له فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ إِلَى خِزْيٍ وَهَلَاكٍ، سَوَاءٌ كَانَ هَلَاكُهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ تَأَخَّرَ إِلَى الْآخِرَةِ، فَإِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ.
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ (الْحِجْر: ٩٦)
أَيْ: هٰؤُلَاءِ الْمُسْتَهْزِئُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا مَعَ اللهِ إِلٰهًا آخَرَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الشِّرْكِ وَبَيْنَ الِاسْتِهْزَاءِ، وَبَيْنَ تَكْذِيبِ الْوَحْيِ وَبَيْنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ. وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ وَعِيدٌ بِمَا سَيَأْتِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَنْفَعُهُمْ، عِلْمُ الْمُعَايَنَةِ وَالِاضْطِرَارِ عِنْدَ نُزُولِ النَّقْمَةِ، أَوْ عِنْدَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ حَقِيقَةَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَيَعْلَمُونَ سُوءَ مَصِيرِهِمْ، وَلَكِنْ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ (الْحِجْر: ٩٧)
فِيهِ تَسْلِيَةٌ وَتَثْبِيتٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَفِيهِ إِظْهَارٌ لِعِلْمِ اللهِ بِمَا يَجِدُهُ رَسُولُهُ مِنْ أَلَمِ الْأَذَى، وَمِنْ ثِقَلِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يَرْمُونَهُ بِهَا، وَمِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ الَّذِي يَقَعُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ إِذَا سَمِعَ السَّبَّ وَالطَّعْنَ فِي دِينِهِ وَفِي رَبِّهِ وَفِي كِتَابِهِ. وَالضِّيقُ هُنَا ضِيقُ الْأَلَمِ وَالْأَنْكَادِ، لَا ضِيقُ الشَّكِّ، فَحَاشَا رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ التَّرَدُّدِ، وَلَكِنَّ الْأَذَى يُؤْلِمُ، وَالْقَلْبُ الْحَيُّ يَتَحَرَّكُ لِمَا يُؤْذِي. وَقَوْلُهُ ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ يَشْمَلُ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي شَأْنِهِ ﷺ مِنَ الرَّمْيِ بِالْكَذِبِ وَالسِّحْرِ وَالشِّعْرِ وَالْكِهَانَةِ، وَيَشْمَلُ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ التَّشْكِيكِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَيَشْمَلُ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي حَقِّ اللهِ مِنَ الْإِشْرَاكِ وَالْجُحُودِ.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ (الْحِجْر: ٩٨)
لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَا يَلْحَقُ نَبِيَّهُ ﷺ مِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ، أَرْشَدَهُ إِلَى الدَّوَاءِ الَّذِي يَرْفَعُ الْغَمَّ وَيَكْشِفُ الْكَرْبَ، وَهُوَ اللُّجُوءُ إِلَى اللهِ بِالتَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ وَالسُّجُودِ. ﴿فَسَبِّحْ﴾ أَيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَمَّا يَصِفُونَ، وَنَزِّهْهُ عَنْ شُبَهِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، وَنَزِّهْهُ عَنْ نُقْصَانِهِمْ وَجُحُودِهِمْ، فَإِنَّ تَسْبِيحَ اللهِ يُثَبِّتُ الْقَلْبَ عَلَى الْحَقِّ، وَيَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ يَرَى صِغَرَ الدُّنْيَا أَمَامَ عَظَمَةِ اللهِ. ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أَيْ: اجْمَعْ بَيْنَ التَّنْزِيهِ وَبَيْنَ الثَّنَاءِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا عَمِرَ بِحَمْدِ اللهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمُشَاهَدَةِ نِعَمِهِ، هَانَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْبَاطِلِ، وَلَمْ يَعُدْ لِكَلَامِهِمْ وَقْعٌ يُسْقِطُ الْعَزِيمَةَ. ثُمَّ قَالَ ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ وَالسُّجُودُ أَشْرَفُ أَحْوَالِ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ غَايَةُ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ، وَفِيهِ قُرْبٌ مِنَ اللهِ، وَفِيهِ إِنْكِسَارٌ يَكْسِرُ حِدَّةَ الْأَلَمِ، وَيُذْهِبُ وَحْشَةَ الطَّرِيقِ، وَيُرَبِّي النَّفْسَ عَلَى أَنَّ الْعِزَّ وَالْفَرَجَ مِنْ عِنْدِ اللهِ لَا مِنْ عِنْدِ الْخَلْقِ. وَفِي الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ نَابَهُ أَمْرٌ، فَإِنَّ أَصْلَ الْفَزَعِ إِلَى اللهِ يَكُونُ بِذِكْرِهِ وَبِالصَّلَاةِ وَبِكَثْرَةِ السُّجُودِ، لِأَنَّ الْقَلْبَ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنْ مَعُونَةِ رَبِّهِ، وَمَنْ صَدَقَ فِي لُجُوئِهِ إِلَى اللهِ كَفَاهُ اللهُ وَكَشَفَ عَنْهُ.
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (الْحِجْر: ٩٩)
هٰذِهِ الْآيَةُ خَاتِمَةُ سُورَةِ الْحِجْرِ، وَفِيهَا أَمْرٌ جَامِعٌ بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَبِالثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَبِعَدَمِ الِانْقِطَاعِ عَنْ مَسِيرِ الْإِيمَانِ إِلَى أَنْ يَتِمَّ أَجَلُ الْعَبْدِ. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ أَيْ: دُمْ عَلَى عِبَادَتِهِ، وَاثْبُتْ عَلَى مَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَاجْعَلْ عُمْرَكَ كُلَّهُ لَهُ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ مَوْسِمًا يُفْعَلُ ثُمَّ يُتْرَكُ، بَلْ هِيَ عَهْدُ الْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ مَا دَامَ فِيهِ نَفَسٌ يَتَرَدَّدُ. ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أَيْ: حَتَّى يَأْتِيَكَ الْمَوْتُ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَقِينٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَتَاهُ الْمَوْتُ انْقَطَعَ عَنْ عَمَلِهِ وَخُتِمَ لَهُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ، فَمَنْ كَانَ مُحْسِنًا زَادَتْهُ نِعْمَةُ اللهِ إِنْشِرَاحًا، وَمَنْ كَانَ مُسِيئًا رَأَى ثِقْلَ مَا فَرَّطَ فِيهِ. وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَزَالُ فِي عُبُودِيَّةٍ وَسَيْرٍ إِلَى اللهِ، فَلَا يَقُولُ: بَلَغْتُ مَقَامًا يُسْقِطُ عَنِّي التَّكْلِيفَ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ مَا دَامَ فِي دَارِ الْعَمَلِ، وَإِنَّمَا تَنْتَهِي الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي بِانْتِهَاءِ الْأَجَلِ. وَفِيهَا أَيْضًا أَنَّ دَوَامَ الْعِبَادَةِ هُوَ سَبَبُ الدَّوَامِ عَلَى الثَّبَاتِ، فَمَنْ جَعَلَ لَهُ مِنَ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ نَصِيبًا مُسْتَمِرًّا، ثَبَتَ عِنْدَ الْفِتَنِ، وَلَمْ يَهْتَزَّ لِكَلَامِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَضِقْ صَدْرُهُ ضِيقًا يُقْعِدُهُ عَنِ السَّيْرِ، بَلْ يَكُونُ دَوَاؤُهُ فِيمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ: تَسْبِيحٌ، وَحَمْدٌ، وَسُجُودٌ، وَعِبَادَةٌ دَائِمَةٌ إِلَى أَنْ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ.