بسم الله الرّحمن الرّحيم
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعنَا بِهِۦٓ أَزوَٰجا مِّنهُم وَلَا تَحزَن عَلَيهِم وَاخفِض جَنَاحَكَ لِلمُؤمِنِينَ (88) وَقُل إِنِّيٓ أَنَا النَّذِيرُ المُبِينُ(89)﴾
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ (الحِجْر: ٨٨)
هَذِهِ الآيَةُ تَحْمِلُ تَوْجِيهًا رَبَّانِيًّا عَظِيمًا، فِيهِ تَثْبِيتٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَرْبِيَةٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَجْعَلَ نَظَرَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَا فِي أَيْدِي أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَتَاعِ وَالزِّينَةِ، وَلَا أَنْ يَتَمَنَّى مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكُفْرِ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، مِمَّا بَسَطَ اللهُ لَهُمْ فِيهِ مِنَ الأَمْوَالِ وَالدِّيَارِ وَالْقُصُورِ وَالْبَسَاتِينَ وَالزُّرُوعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَتَاعٌ زَائِلٌ، وَعَارِضٌ يَنْقَضِي، وَزَهْرَةٌ تَذْبُلُ، وَمَهْمَا كَثُرَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى فَنَاءٍ، وَيُورِثُ صَاحِبَهُ حِسَابًا وَتَبِعَةً، وَالْمُؤْمِنُ أَوْلَى أَنْ يَتَطَلَّعَ إِلَى نَعِيمِ الآخِرَةِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ، وَإِلَى كَرَامَةِ اللهِ الَّتِي لَا تَفْنَى. وَفِي هَذَا مَعْنًى يَدْخُلُ فِيهِ الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ بِحَقِيقَةِ النِّهَايَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى التُّرَابِ، وَالدُّنْيَا مَرْحَلَةٌ، وَالْإِنْسَانُ فِيهَا مُسَافِرٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ الْمُسَافِرُ بِزِينَةِ الْمَنْزِلِ الَّذِي سَيُفَارِقُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَيَغْفُلَ عَنْ زَادِهِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ.
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾
النَّهْيُ هُنَا نَهْيٌ عَنْ مَدِّ الْعَيْنِ مَدَّ الْمُتَشَوِّفِ الرَّاغِبِ، وَمَدَّ الْمُعْجَبِ الْمُتَعَلِّقِ، لَا مَجَرَّدَ نَظَرِ الرُّؤْيَةِ الَّذِي يَقَعُ بِلَا قَصْدٍ، فَالْمَعْنَى: لَا تُطِيلْ نَظَرَكَ إِلَى ذَلِكَ مَدَّ الْحِرْصِ وَالتَّمَنِّي، وَلَا تَجْعَلْهُ مُحَرِّكًا لِقَلْبِكَ، فَإِنَّ قَلْبَ النَّبِيِّ ﷺ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِفَتَاتِ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ تَثْبِيتٌ وَتَأْدِيبٌ، لِيَبْقَى الْمِيزَانُ فِي نُفُوسِ أَهْلِ الإِيمَانِ عَلَى أَصْلِهِ، أَنَّ الدُّنْيَا لَا تُطْلَبُ لِذَاتِهَا، وَلَا تُوزَنُ بِهَا الْقِيَمُ، وَمَنْ جَعَلَ نَظَرَهُ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَقَدْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الْحَسْرَةِ وَالْحُزْنِ، وَبَابَ الْحَسَدِ وَالضِّيقِ، وَالْمُؤْمِنُ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِمَا يَجْلِبُ عَلَيْهِ إِلَّا السَّلَامَةَ وَالْهُدَى.
﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾
﴿أَزْوَاجًا﴾ أَيْ أَصْنَافًا وَأَنْوَاعًا، فَمِنْهُمْ صِنْفٌ فِي الْمَالِ، وَصِنْفٌ فِي الْجَاهِ، وَصِنْفٌ فِي الْقُوَّةِ، وَصِنْفٌ فِي الزُّخْرُفِ، وَصِنْفٌ فِي الرَّفَاهِيَةِ وَالسَّعَةِ، وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ، فِي سِيَاقِ النُّزُولِ وَحَالِ الْمُخَاطَبِينَ، هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الإِسْلَامِ، مِمَّنْ بُسِطَ لَهُمْ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا. وَالآيَةُ تَتَّسِعُ مَعْنًى لِكُلِّ مَنْ أَظْهَرَتْ لَهُ الدُّنْيَا زِينَتَهَا فَفُتِنَ بِهَا، فَلَا يَغْتَرُّ الْمُؤْمِنُ بِكُثْرَةِ مَا عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ اللهَ يَبْسُطُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، وَقَدْ يَجْعَلُ ذَلِكَ إِسْتِدْرَاجًا، وَقَدْ يَجْعَلُهُ ابْتِلَاءً، وَقَدْ يَجْعَلُهُ سُنَّةً فِي تَمْكِينِ الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى رِضًا وَلَا كَرَامَةٍ.
وَمِنْ هُنَا يَفْهَمُ الْمُؤْمِنُ أَنَّ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكُفْرِ مِنَ الْمَتَاعِ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَشْغَلَ الْقَلْبَ، وَلَا أَنْ يُحَرِّكَ التَّمَنِّي، فَالْمُؤْمِنُ إِنْ كَانَ مُنَعَّمًا فِي قَبْرِهِ، فَقَدْ يَمُدُّ اللهُ لَهُ فِيهِ مَدَّ الْبَصَرِ، وَيَفْتَحُ لَهُ مِنْ رَوْحِهِ وَرَيْحَانِهِ، فَمَا يَصْنَعُ بِنَعِيمٍ زَائِلٍ، أَصْلُهُ تَعَبٌ، وَآخِرُهُ حِسَابٌ، وَمُنْتَهَاهُ إِلَى فَنَاءٍ.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾
أَيْ لَا تَأْسَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَلَا تَحْزَنْ حُزْنًا يُضْعِفُ قَلْبَكَ، أَوْ يُثْقِلُ رُوحَكَ، أَوْ يَحْمِلُكَ عَلَى أَنْ تَتَشَوَّفَ لِإِيمَانِهِمْ تَشَوُّفًا يَتَحَوَّلُ إِلَى ضِيقٍ وَهَمٍّ، فَإِنَّكُمْ قَدْ أَدَّيْتُمُ الْبَلَاغَ، وَقَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ، وَسَيَأْتِي عَلَيْهِمْ مَا وَعَدَهُمُ اللهُ مِنْ عَذَابٍ إِنْ مَاتُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّهُ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ رَحْمَةً بِالْخَلْقِ، وَأَعْظَمَهُمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُ رَبُّهُ أَنْ يَسْتَغْرِقَ فِي الْحُزْنِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْهُدَى بِيَدِ اللهِ، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ.
وَمِنْ شَوَاهِدِ أَحْوَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الزُّهْدِ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الدُّنْيَا مَا ذُكِرَ فِي أَخْبَارِهِمْ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَانَ عُتْبَةُ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَطَّ الْبَصْرَةَ، فَبَعَثَهُ عُمَرُ وَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي أَقْصَى بِلَادِ الْعَرَبِ وَأَدْنَى بِلَادِ الْعَجَمِ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِالْمِرْبَدِ، وَالْمِرْبَدُ مَوْضِعٌ تُحْبَسُ فِيهِ الإِبِلُ وَنَحْوُهَا، وَبِهِ سُمِّيَ مِرْبَدُ الْبَصْرَةِ، فَوَجَدُوا أَرْضًا فِيهَا كِذَّانٌ، وَالْكِذَّانُ حِجَارَةٌ رِخْوَةٌ، فَسَأَلُوا عَنْ اسْمِهَا، فَقِيلَ: هَذِهِ الْبَصْرَةُ، أَيْ إِنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِ هَذِهِ الْحِجَارَةِ. ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الإِيمَانِ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ تَتَعَلَّقَ قُلُوبُهُمْ بِالزِّينَةِ، فَقَالَ عُتْبَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي، وَإِنِّي لَسَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا، أَيْ جَوَانِبُ أَفْوَاهِنَا، مِنْ شِدَّةِ مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ لِلْحَاجَةِ وَالضِّيقِ. ثُمَّ قَالَ: فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً، فَقَسَمْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا مِنَّا مِنْ أُولٰئِكَ السَّبْعَةِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ، ثُمَّ قَالَ كَلِمَتَهُ الَّتِي فِيهَا عِبْرَةٌ: وَسَتُجَرِّبُونَ الأُمَرَاءَ بَعْدِي. فَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ تَحَوُّلَ الْحَالِ فِي الدُّنْيَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَحَوُّلَ الْقَلْبِ عَنِ الزُّهْدِ وَالْعَدْلِ، وَأَنَّ مَنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَعْدَ الضِّيقِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَغَيَّرَ قَلْبُهُ إِلَى تَعَلُّقٍ بِالْمَتَاعِ.
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
أَيْ تَوَاضَعْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَأَحْسِنْ مُعَاشَرَتَهُمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ مِنْ رِفْقِكَ وَحِلْمِكَ وَرَحْمَتِكَ نَصِيبًا وَافِرًا، وَلَا تَجْعَلْ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا مِنَ التَّرَفُّعِ عَلَيْهِمْ، خُصُوصًا فُقَرَاءَهُمْ وَضُعَفَاءَهُمْ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَغْنَاكَ بِهِمْ، وَقَوَّاكَ بِإِيمَانِهِمْ، وَأَعَزَّكَ بِمُوَالَاتِهِمْ، وَلَا يَضُرُّكَ إِنْ تَأَخَّرَ إِيمَانُ الأَغْنِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْعِزَّ بِطَاعَةِ اللهِ، وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ. وَفِي هَذَا تَرْبِيَةٌ لِكُلِّ دَاعِيَةٍ إِلَى اللهِ، أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مَعَ أَهْلِ الإِيمَانِ، يَحْفَظُ حُقُوقَهُمْ، وَيَرْفَعُ قَدْرَهُمْ، وَيَسْتَوِيَ عِنْدَهُ فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ فِي أَصْلِ الْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ، لِأَنَّ الْمِيزَانَ مِيزَانُ التَّقْوَى.
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾ (الحِجْر: ٨٩)
﴿وَقُلْ﴾
أَيْ قُلْ لَهُمْ قَوْلًا صَرِيحًا لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ، وَاجْهَرْ بِمَا أَمَرَكَ اللهُ أَنْ تُبَلِّغَهُ، لَا تَهَابْ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَلَا تَحْزَنْ عَلَى إِعْرَاضِ الْمُعْرِضِينَ، فَإِنَّ مَهَمَّتَكَ الْبَلَاغُ، وَعَلَى اللهِ الْحِسَابُ وَالْجَزَاءُ.
﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾
أَيْ إِنِّي أَنَا الْمُنْذِرُ لَكُمْ، أُحَذِّرُكُمْ عَذَابَ اللهِ، وَأُخَوِّفُكُمْ نِقْمَتَهُ إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْمُعَانَدَةِ، وَبَيَانِي مُبِينٌ، أَيْ وَاضِحٌ جَلِيٌّ، قَائِمٌ عَلَى الْبُرْهَانِ وَالْحُجَّةِ، لَا عَلَى التَّخْمِينِ وَلَا عَلَى الدَّعَاوَى، فَأَنَا رَسُولٌ مُبَلِّغٌ، وَقَدْ أَبَانَ اللهُ عَلَى يَدَيَّ مِنَ الدَّلَائِلِ مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ.
وَفِي هَذَا أَيْضًا تَوْجِيهٌ إِلَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، مَعَ كَوْنِهِ سَيِّدَ الزَّاهِدِينَ، وَمَعَ كَوْنِ قَلْبِهِ أَبْعَدَ الْقُلُوبِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيَا، فَإِنَّ اللهَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ، وَأَنْ يَكُونَ جُمْلَةُ هَمِّهِ تَبْلِيغَ الرِّسَالَةِ، وَإِنْذَارَ الْخَلْقِ، وَالْبَيَانَ لَهُمْ، لَا مُدَافَعَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَا التَّشَوُّفَ إِلَى زِينَتِهِمْ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ مَا لَقِيَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَعَلَى عِظَمِ صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ، مَا رُوِيَ فِي الْمَعَانِي الَّتِي تَتَدَاوَلُهَا أَخْبَارُ السِّيرَةِ وَالآثَارِ، أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي مَعْنَى مَا لَقِيَهُ فِي دَعْوَتِهِ: «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللهِ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللهِ وَمَا يُوذَى أَحَدٌ»، وَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِأَهْلِ الدَّعْوَةِ أَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ لَيْسَ طَرِيقَ رَفَاهِيَةٍ، وَأَنَّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ اللهِ فَقَدْ يَتَعَرَّضُ لِلْأَذَى، وَلَكِنَّهُ يُؤَيَّدُ بِالتَّثْبِيتِ وَيُعَانُ بِالْمَعُونَةِ.
وَمِنْ مَعَالِمِ زُهْدِهِ ﷺ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ نَصِيبَهُ مِنَ الدُّنْيَا غَايَةً، وَلَا يَبْنِي عَلَيْهَا أَمَلًا طَوِيلًا، بَلْ كَانَ يَعِيشُ عَلَى الْيَسِيرِ، وَيَصْبِرُ عَلَى قِلَّةِ الزَّادِ، وَيُقَدِّمُ هِمَّتَهُ لِمَا بَعْدَ الدُّنْيَا، وَيَجْعَلُ قُرَّةَ عَيْنِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَفِي صَلَاتِهِ، وَفِي مُنَاجَاتِهِ، وَفِي بَلَاغِ رِسَالَتِهِ، فَكَانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَمَا بَعْدَهَا تَثْبِيتًا لَهُ ﷺ عَلَى هَذَا الْمَشْرَبِ الْعَالِي، وَتَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ أَنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى زِينَةِ الدُّنْيَا يُضْعِفُ الْهِمَّةَ، وَيُثَقِّلُ الْقَلْبَ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا صَدَقَ فِي نَظَرِهِ إِلَى الآخِرَةِ، هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَمَتَاعُهَا، وَلَمْ يَعُدْ فِي قَلْبِهِ لِمَا فِي أَيْدِي الْخَلْقِ مَكَانٌ يَسْتَوْلِي عَلَى هَمِّهِ أَوْ يُشْغِلُهُ عَنْ رِضَا رَبِّهِ.