بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ([1])
الم (1 (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونََ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينََ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(٢٠)
{الم}
اختَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَلَى سِتَّةِ أَقوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا مِنَ المُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا حُرُوفٌ مِن أَسمَاءِ اللهِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا حُرُوفٌ أَقسَمَ اللهُ بِهَا، وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ أَشَارَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الحُرُوفِ إِِلَى سَائِرِهَا، وَالمَعنَى: أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الحُرُوفُ أُصُولًا لِلكَلَامِ المُؤَلَّفِ أَخبَرَ أَنَّ هَذَا القُرآنَ إِنَّمَا هُوَ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، وَالخَامِسُ: أَنَّهَا أَسمَاءٌ لِلسُّوَرِ. وَالسَّادِسُ: أَنَّهَا مِنَ الرَّمزِ الَّذِي تَستَعمِلُهُ العَرَبُ فِي كَلَامِهَا([2]).اهـ
- ذِكرُ صِفَاتِ المُؤمِنِينَ
{ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}
{ذَٰلِكَ}
أَيِ القُرءَانُ.
{الْكِتَابُ}
أَيِ الكَامِلُ، كَمَا تَقُولُ: هُوَ الرَّجُلُ، أَيِ الكَامِلُ فِي الرُّجُولِيَّةِ الجَامِعُ لِمَا يَكُونُ فِي الرِّجَالِ مِن مَرضِيَّاتِ الخِصَالِ، أَو {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ} مُبتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ قَولُهُ:
{لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ}
لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ وَأَنَّهُ مِن عِندِ اللهِ([3])، أَو لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ أَن يَرتَابَ فِيهِ لِإِتقَانِهِ وَإِحكَامِهِ.
{هُدًى}
أَي هُوَ هَادٍ بِإِذنِ اللهِ([4]).
{لِّلْمُتَّقِينَ}
الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللهَ تَعَالَى بِامتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجتِنَابِ مَعَاصِيهِ، أَو يُقَالُ {فِيهِ ۛ هُدًى} عَلَى قِرَاءَةِ الوَقفِ بَعدَ {رَيْبَ} أَي فِي هَذَا الكِتَابِ إِرشَادٌ وَبَيَانٌ {لِّلْمُتَّقِينَ} وَالمُتَّقُونَ مُهتَدُونَ، مَعنَاهُ: القُرآنُ فِيهِ إِرشَادٌ وَبَيَانٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ اللهَ تَعَالَى بِامتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجتِنَابِ مَعَاصِيهِ.
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}
{الَّذِينَ}
أَي هُمُ الَّذِينَ.
{يُؤْمِنُونَ}
أَي يُصَدِّقُونَ.
{بِالْغَيْبِ}
أَي بِمَا غَابَ عَنهُم مِمَّا أَنبَأَهُم بِهِ النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ([5]) مِن أَمرِ البَعثِ وَالنُّشُورِ وَالحِسَابِ وَغَيرِ ذَلِكَ، فَيُؤمِنُونَ بِاللهِ الَّذِي لَم يَرَوهُ، وَالآخِرَةِ الَّتِي لَم يَرَوهَا مَعَ ذَلِكَ يُصَدِّقُونَ بِهَا، هَذَا مَعنَى الغَيبِ، أَي مَا خَفِيَ عَلَى النَّاسِ، أَي مَا لَم يُشَاهِدُوهُ بَعدُ.
{وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}
أَي يُؤَدُّونَهَا وَيُحَافِظُونَ عَلَيهَا، فَعَبَّرَ عَنِ الأَدَاءِ بِالإِقَامَةِ، لِأَنَّ القِيَامَ بَعضُ أَركَانِهَا، كَمَا عَبَّرَ عَنهَا بِالقُنُوتِ وَهُوَ القِيَامُ، وَبِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّسبِيحِ لِوُجُودِهَا فِيهَا([6]). وَمِن صِفَةِ هَؤُلَاءِ المُتَّقِينَ أَيضًا:
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}
أَي وَمِنَ الَّذِي أَعطَينَاهُم يَتَصَدَّقُونَ([7])، فَيَدفَعُونَ الزَّكَاةَ الوَاجِبَةَ وَغَيرَهَا.
{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}
{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}
هُم مُؤمِنُو أَهلِ الكِتَابِ، كَعَبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ وَأَمثَالِهِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِكُلِّ وَحيٍ أُنزِلَ مِن عِندِ اللهِ وَأَيقَنُوا بِالآخِرَةِ إِيقَانًا تَامًّا.
{بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}
يَعنِي القُرءَانَ، فَالقُرآنُ هُدًى لَهُم أَيضًا لِأَنَّهُم آمَنُوا بِهِ كُلِّهِ.
{وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}
يَعنِي سَائِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلَى النَّبِيِّينَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ([8]).
{وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}
أَي يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ([9]) وَلَا يَشُكُّونَ، وَالإِيقَانُ إِتقَانُ العِلمِ بِانتِفَاءِ الشَّكِّ وَالشُّبهَةِ عَنهُ.
{أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
وَلَمَّا أَخبَرَ عَن أَفعَالِهِمُ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ أَخبَرَ بِثَمَرَتِهَا فَقَالَ:
{أُولَٰئِكَ}
المَوصُوفُونَ بِمَا ذُكِرَ.
{عَلَىٰ هُدًى}
أَي رَشَادٍ وَنُورٍ وَاستِقَامَةٍ، أُوتُوهُ.
{مِّن}
عِندِ.
{رَّبِّهِمْ}
عِندِيَّةَ تَشرِيفٍ.
{وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
أَيِ الظَّافِرُونَ بِمَا طَلَبُوا وَهُوَ الجَنَّةُ، النَّاجُونَ مِمَّا هَرَبُوا وَهُوَ النَّارُ، فَالفَلَاحُ دَركُ البُغيَةِ، وَالمُفلِحُ الفَائِزُ بِالبُغيَةِ.
- ذِكرُ صِفَاتِ الكَافِرِينَ
لَمَّا قَدَّمَ رَبُّنَا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ذِكرَ أَولِيَائِهِ بِصِفَاتِهِمُ المُقَرِّبَةِ إِلَيهِ وَبَيَّنَ أَنَّ الكِتَابَ هُدًى لَهُم أَتبَعَ ذَلِكَ بِذِكرِ أَضدَادِهِم وَهُمُ العُتَاةُ المَرَدَةُ الَّذِينَ لَم يَكُونُوا عَلَى الهُدَى.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}
وَهُم أُنَاسٌ عَلِمَ اللهُ([10]) أَنَّهُم لَا يُؤمِنُونَ، كَأَبِي جَهلٍ وَأَبِي لَهَبٍ وَأَمثَالِهِمَا وَطَائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ، مِنهُم حُيَيُّ ابنُ أَخطَبٍ، فَأَمَّا تَفسِيرُهَا: فَالكُفرُ فِي اللُّغَةِ: التَّغطِيَةُ. تَقُولُ: كَفَرتُ الشَّىءَ إِذَا غَطَّيتَهُ، فَسُمِّيَ الكَافِرُ كَافِرًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي الحَقَّ([11]).
{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ}
أَيِ استَوَت حَالَتُهُم فِي أَنَّهُم.
{لَا يُؤْمِنُونَ}
أَي أَنَّهُم قَد حُتِّمَ عَلَيهِم بِالكُفرِ لِعِلمِ اللهِ مِنهُم ذَلِكَ، فَسَوَاءٌ إِنذَارُكَ وَتَركُهُ، فَلَا تَطمَع فِي إِيمَانِهِم، وَالمَعنَى: مَن أَضَلَّهُ اللهُ هَذَا الإِضلَالَ لَم يَنفَعهُ الإِنذَارُ، وَالإِنذَارُ هُوَ الإِعلَامُ مَعَ التَّخوِيفِ مِن عِقَابِ اللهِ بِالزَّجرِ عَنِ المَعَاصِي، وَالحِكمَةُ فِي إِنذَارِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَبَقَ فِي عِلمِ اللهِ تَعَالَى أَنَّهُم يَمُوتُونَ عَلَى الكُفرِ: إِقَامَةُ الحُجَّةِ عَلَيهِم، وَلِيَكُونَ الإِرسَالُ عَامًّا، وَلِيُثَابَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى إِنذَارِهِم.
{خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}
ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ عَدَمِ اهتِدَائِهِم بِالقُرآنِ مَعَ أَنَّ فِيهِ هُدًى لِلنَّاسِ، فَقَالَ:
{خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم فَلَا يَعقِلُونَ الخَيرَ، يَعنِي أَنَّ اللهَ طَبَعَ عَلَيهَا فَجَعَلَهَا بِحَيثُ لَا يَخرُجُ مِنهَا مَا فِيهَا مِنَ الكُفرِ وَلَا يَدخُلُهَا مَا لَيسَ فِيهَا مِنَ الإِيمَانِ، أَي أَنَّ اللهَ قَد خَلَقَ الظُّلمَةَ وَالضِّيقَ فِي صَدرِ بَعضِ عِبَادِهِ فَلَا يُؤمِنُونَ مَا دَامَت تِلكَ الظُّلمَةُ فِي قُلُوبِهِم.
{وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ}
أَي عَلَى مَوَاضِعِهِ.
{وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}
الغِشَاوَةُ: الغِطَاءُ، وَالمُرَادُ نَوعٌ مِنَ التَّغطِيَةِ غَيرُ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ، وَهُوَ غِطَاءُ التَّعَامِي عَن آيَاتِ اللهِ، فَلَا يَسمَعُونَ وَلَا يُبصِرُونَ الحَقَّ وَلَا يَنتَفِعُونَ بِهِ([12]).
وَبَعدَ أَن ذَكَرَ صِفَتَهُم ذَكَرَ مَصِيرَهُم فَقَالَ:
{وَلَهُمْ عَذَابٌ}
نَوعٌ مِنَ العَذَابِ لَا يَعلَمُ كُنهَهُ إِلَّا اللهُ.
{عَظِيمٌ}
قَوِيٌّ دَائِمٌ، وَاستَوجَبُوا ذَلِكَ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِم لِلنَّبِيِّ ﷺ وَكُفرِهِم بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ([13]).
- ذِكرُ صِفَاتِ المُنَافِقِينَ
افتَتَحَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِذِكرِ الَّذِينَ أَخلَصُوا دِينَهُم للهِ، وَوَافَقَت فِيهِ قُلُوبُهُم أَلسِنَتَهُم، ثُمَّ ثَنَّى بِالكَافِرِينَ قُلُوبًا وَأَلسِنَةً، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالمُنَافِقِينَ([14])
المُتَسَتِّرِينَ بِالقَولِ وَقَد خَالَفَت قُلُوبُهُم أَلسِنَتَهُم، فَقَالَ تَعَالَى مُظهِرًا لِأَسرَارِهِم هَاتِكًا لِأَستَارِهِم فِي سِيَاقٍ شَامِلٍ لِقِسمَيهِم:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}
{وَمِنَ النَّاسِ}
وَهُمُ المُنَافِقُونَ([15]) الَّذِينَ آمَنُوا بِأَفوَاهِهِم وَلَم تُؤمِن قُلُوبُهُم.
{مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ}
يَقُولُونَ ذَلِكَ بِأَلسِنَتِهِم.
{وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}
بِقُلُوبِهِم، وَالمُرَادُ إِنكَارُ مَا ادَّعَوهُ وَنَفيُهُ عَلَى أَبلَغِ وَجهٍ وَآكَدِهِ، وَهُوَ إِخرَاجُ ذَوَاتِهِم مِن أَن تَكُونَ طَائِفَةً مِنَ المُؤمِنِينَ.
ثُمَّ قَالَ جَوَابًا لِسُؤَالِ مَن كَأَنَّهُ قَالَ: مَا قَصدُهُم مِنَ الكَذِبِ بِإِظهَارِ الإِيمَانِ وَإِخفَاءِ الكُفرِ؟:
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ}
أَي يُخَادِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَحَذَفَ المُضَافَ كَقَولِهِ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ([16])، وَقِيلَ: مَعنَاهُ يُخَادِعُونَ اللهَ فِي زَعمِهِم، لِأَنَّهُم يَظُنُّونَ أَنَّ اللهَ مِمَّن يَصِحُّ خِدَاعُهُ([17])، وَالمَعنَى أَنَّهُم يُظهِرُونَ غَيرَ مَا فِي أَنفُسِهِم مِنَ الكُفرِ لِيَدفَعُوا عَنهُم أَحكَامَهُ الدُّنيَوِيَّةَ، فَالخِدَاعُ إِظهَارُ غَيرِ مَا فِي النَّفسِ.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا}
أَي يُخَادِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالمُؤمِنِينَ.
{وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ}
لِأَنَّ وَبَالَ فِعلِهِم رَاجِعٌ عَلَيهِم وَضَرَرَ الخِدَاعِ يَلحَقُهُم، فَيُفتَضَحُونَ فِي الدُّنيَا بِإِطلَاعِ اللهِ نَبِيَّهُ عَلَى مَا أَبطَنُوهُ وَيُعَاقَبُونَ فِي الآخِرَة.
{وَمَا يَشْعُرُونَ}
أَي لَا يَعلَمُونَ أَنَّهُم يَخدَعُونَ أَنفُسَهُم، وَعَبَّرَ بِالشُّعُورِ وَهُوَ العِلمُ بِالشَّىءِ حِسًّا لِيُفِيدَ أَنَّهُم لِتَمَادِي غَفلَتِهِم كَالَّذِي لَا حِسَّ لَهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ الغَفلَةِ الَّتِي هُم فِيهَا أَنَّ آلَةَ إِدرَاكِهِم مَرِيضَةٌ، فَشَغَلَهَا
المَرَضُ عَن إِدرَاكِ مَا فِيهِ مَصلَحَتُهُم، فَقَالَ تَعَالَى:
{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}
{فِي قُلُوبِهِم}
أَيِ المُنَافِقِينَ.
{مَّرَضٌ}
وَهُوَ الشَّكُّ وَالنِّفَاقُ، فَهُوَ يُمرِضُ قُلُوبَهُم أَي يُضعِفُهَا.
{فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}
أَي زَادَهُم ضَعفًا عَنِ الِانتِصَارِ وَعَجزًا عَنِ الِاقتِدَارِ بِمَا أَنزَلَهُ مِنَ القُرآنِ لِكُفرِهِم بِهِ.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
مُؤلِمٌ.
{بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}
أَي بِسَبَبِ كَذِبِهِم فِي قَولِهِم: آمَنَّا بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ}
أَي لِلمُنَافِقِينَ.
{لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}
بِالكُفرِ، أَوِ المَعَاصِي، أَوِ النِّفَاقِ، أَوِ الصَّدِّ عَنِ الإِيمَانِ وَمُسَاعَدَةِ الكُفَّارِ وَمُعَاوَنَتِهِم عَلَى المُسلِمِينَ بِإِفشَاءِ أَسرَارِهِم إِلَيهِم وَإِغرَائِهِم عَلَيهِم وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَهيِيجِ الفِتَنِ بَينَهُم.
{قَالُوا}
أَيِ المُنَافِقُونَ.
{إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}
بَينَ المُؤمِنِينَ وَالكَافِرِينَ بِالمُدَارَاةِ، وَلَيسَ مَا نَحنُ فِيهِ بِفَسَادٍ عَلَى زَعمِهِم، أَو قَالُوا: أَرَدنَا فِي مُصَافَاةِ الكُفَّارِ صَلَاحًا لَا فَسَادًا، أَو قَالُوا: مَا فَعَلنَا شَيئًا يُوجِبُ الفَسَادَ، أَو أَنَّهُم ظَنُّوا أَنَّ مُصَافَاةَ الكُفَّارِ صَلَاحٌ فِي الدُّنيَا لَا فِي الدِّينِ، لِأَنَّهُمُ اعتَقَدُوا أَنَّ الدَّولَةَ إِن كَانَت لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَد أَمِنُوهُ بِمُتَابَعَتِهِ، وَإِن كَانَت لِلكُفَّارِ فَقَد أَمِنُوهُم بِمُصَافَاتِهِم، أَو أَنكَرُوا مَا عُرِفُوا بِهِ، أَو أَنَّهُم أَرَادُوا أَنَّ فِعلَنَا هَذَا هُوَ الصَّلَاحُ وَتَصدِيقَ مُحَمَّدٍ هُوَ الفَسَادُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
فَقَالَ اللهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَى مَا ادَّعَوهُ مِنَ الِانتِظَامِ فِي جُملَةِ المُصلِحِينَ أَبلَغَ رَدٍّ وَأَدَلَّهُ عَلَى سَخَطِ اللهِ عَلَيهِم:
{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ}
{أَلَا}
لِلتَّنبِيهِ عَلَى تَحقِيقِ مَا بَعدَهَا.
{إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ}
أَنَّهُم مُفسِدُونَ، أَو لَا يَشعُرُونَ أَنَّ اللهَ يُطلِعُ نَبِيَّهُ عَلَى فَسَادِهِم.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ}
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ}
لِلمُنَافِقِينَ، أَو لِليَهُودِ.
{آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ}
أَي آمِنُوا إِيمَانًا مِثلَ إِيمَانِ النَّاسِ، أَي كَمَا آمَنَ الرَّسُولُ ﷺ([18]) وَمَن مَعَهُ، أَو هُم نَاسٌ مُعَيَّنُونَ، أَو عَبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وَمَن أَسلَمَ مَعَهُ مِنَ اليَهُودِ، أَي كَمَا آمَنَ أَصحَابُكُم وَإِخوَانُكُم إِذَا كَانَ الخِطَابُ لِليَهُودِ، أَو كَمَا آمَنَ الكَامِلُونَ فِي الإِنسَانِيَّةِ، أَو جَعَلَ المُؤمِنِينَ كَأَنَّهُمُ النَّاسُ عَلَى الحَقِيقَةِ وَمَن عَدَاهُم كَالبَهَائِمِ، فَكَانَ مِن جَوَابِهِم أَن سَفَّهُوهُم لِتَمَادِي جَهلِهِم.
{قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}
أَيِ الجُهَّالُ، وَعَنَوا بِالسُّفَهَاءِ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ، أَوِ النِّسَاءَ وَالصِّبيَانَ، أَوِ ابنَ سَلَامٍ وَأَصحَابَهُ، أَي لَا نَفعَلُ كَفِعلِهِم، فَاعتَقَدُوا لِجَهلِهِم أَنَّ مَا هُم فِيهِ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا عَدَاهُ بَاطِلٌ، وَهَذَا فِيهِ حَملٌ لِلعَالِمِ عَلَى الصَّبرِ عَلَى مَا يَلقَى مِنَ الجَاهِلِينَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَيهِم أَيضًا:
{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ}
أَنَّهُم هُمُ السُّفَهَاءُ.
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}
{وَإِذَا لَقُوا}
أَي إِذَا استَقبَلَ المُنَافِقُونَ.
{الَّذِينَ آمَنُوا}
كَذَبُوا وَ
{قَالُوا آمَنَّا}
لِلِاستِهزَاءِ بِهِم وَلِإِيهَامِهِم أَنَّهُم مَعَهُم، قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: وَهَذِهِ كَانَت حَالَ المُنَافِقِينَ، إِظهَارَ الإِيمَانِ لِلمُؤمِنِينَ وَإِظهَارَ الكُفرِ لِبَعضِهِمُ البَعضِ فِي خَلَوَاتِهِم.
{وَإِذَا خَلَوْا}
مِنَ المُؤمِنِينَ وَرَجَعُوا.
{إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ}
وَانفَرَدُوا بِهِم، وَشَيَاطِينُهُم هُمُ الَّذِينَ مَاثَلُوا الشَّيَاطِينَ فِي تَمَرُّدِهِم، وَهُمُ اليَهُودُ، أَو رُؤُوسُهُم فِي الكُفرِ، أَو إِخوَانُهُم فِي الشِّركِ، أَوِ الكَهَنَةُ.
{قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ}
مُصَاحِبُوكُم وَمُوَافِقُوكُم عَلَى دِينِكُم، أَو مَعَكُم بِالنُّصرَةِ وَالمُعَاضَدَةِ، أَو مَعَكُم بِالسُّخرِيَةِ.
{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}
بِالمُسلِمِينَ بِإِظهَارِ الإِيمَانِ وَلِقَائِهِم بِوُجُوهِ المُصَادِقِينَ وَإِيهَامِهِم أَنَّنَا مَعَهُم، وَهَذَا مِنهُم رَدٌّ لِلإِسلَامِ وَدَفعٌ لَهُ.
{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}
{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}
أَي يُجَازِيهِم عَلَى استِهزَائِهِم بِمَا يَلِيقُ بِهِم بِالذُّلِّ وَالنَّكَالِ وَالهَوَانِ، وَالِاستِهزَاءُ الحَقِيقِيُّ المَعرُوفُ لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَنَّهُ مِن بَابِ العَبَثِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ، فَلَا يَجُوزُ أَن يُسَمَّى اللهُ مُستَهزِئًا لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى النَّقصِ، وَلَيسَ مِن أَسمَائِهِ تَعَالَى المُستَهزِئُ، بَل مَعنَى الِاستِهزَاءِ المُضَافِ إِلَى اللهِ فِي الآيَةِ: جَزَاءُ الِاستِهزَاءِ الَّذِي حَصَلَ مِنَ الكُفَّارِ، فَسَمَّى الجَزَاءَ استِهزَاءً مِن بَابِ المُشَاكَلَةِ([19])
{وَيَمُدُّهُمْ}
أَي يُمهِلُهُم.
{فِي طُغْيَانِهِمْ}
أَي فِي غُلُوِّهِم فِي كُفرِهِم وَتَجَاوُزِهِمُ الحَدَّ فِيهِ.
{يَعْمَهُونَ}
أَي يَتَحَيَّرُونَ وَيَتَرَدَّدُونَ.
{أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}
{أُولَٰئِكَ}
أَيِ المُنَافِقُونَ، أَوِ اليَهُودُ، أَو جَمِيعُ الكُفَّارِ.
{الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ}
استَبدَلُوا الضَّلَالَةَ بِالهُدَى وَاختَارُوهَا عَلَيهِ، وَالضَّلَالَةُ هِيَ الجَورُ عَنِ الحَقِّ وَفَقدُ الِاهتِدَاءِ، وَإِنَّمَا قَالَ: {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ} وَالكُفَّارُ لَيسُوا عَلَى هُدًى لِأَنَّهَا نَزَلَت فِي قَومٍ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، أَو فِي اليَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا مُؤمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمَّا جَاءَهُم كَفَرُوا بِهِ.
{فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ}
أَي فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِم بَل خَسِرُوا لِمَصِيرِهِم إلَى النَّارِ المُؤَبَّدَةِ عَلَيهِم.
{وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}
فِيمَا فَعَلُوا، أَي مَا كَانُوا مُهتَدِينَ لِطُرُقِ التِّجَارَةِ كَمَا يَكُونُ التُّجَّارُ المُتَصَرِّفُونَ العَالِمُونَ بِمَا يُربَحُ فِيهِ وَيُخسَرُ، وَالمَعنَى أَنَّ مَطلُوبَ التُّجَّارِ سَلَامَةُ رَأسِ المَالِ وَالرِّبحُ، وَهَؤُلَاءِ قَد أَضَاعُوهُمَا، فَرَأسُ مَالِهِمُ الهُدَى وَلَم يَبقَ لَهُم إِلَّا الضَّلَالَةُ، وَإِذَا لَم يَبقَ لَهُم إِلَّا الضَّلَالَةُ لَم يُوصَفُوا بِإِصَابَةِ الرِّبحِ وَإِن ظَفِرُوا بِالأَغرَاضِ الدُّنيَوِيَّةِ، لِأَنَّ الضَّالَّ خَاسِرٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَن لَم يَسلَم لَهُ رَأسُ مَالِهِ: قَد رَبِحَ([20]).
- ذِكرُ بَعضِ الأَمثَالِ فِي صِفَةِ المُنَافِقِينَ
وَلَمَّا عُلِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَذَكَرَ رَبُّنَا حَقِيقَةَ صِفَةِ المُنَافِقِينَ عَقَّبَهَا بِضَربِ المَثَلِ زِيَادَةً فِي الكَشفِ وَتَتمِيمًا لِلبَيَانِ، لِأَنَّ المَثَلَ أَكشَفُ لِلأَحوَالِ، وَالتَّمثِيلَ يُوصِلُ المَعَانِي عَادَةً حَتَّى لِلأَفهَامِ الجَامِدَةِ وَيُقَرِّرُهَا فِيهَا، فَقَالَ:
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ}
{مَثَلُهُمْ}
أَي صِفَتُهُم فِي نِفَاقِهِم.
{كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ}
أَوقَدَ.
{نَارًا}
فِي ظُلمَةٍ، وَالمَعنَى أَنَّ حَالَ المُنَافِقِينَ العَجِيبَةَ الشَّأنِ كَحَالِ الَّذِي أَوقَدَ نَارًا عَظِيمَةً.
{فَلَمَّا أَضَاءَتْ}
أَنَارَتِ النَّارُ.
{مَا حَوْلَهُ}
مَا حَولَ الَّذِي يُوقِدُهَا فَأَبصَرَ وَاستَدفَأَ وَأَمِنَ مِمَّا يَخَافهُ.
{ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}
أَطفَأَهُ، أَي أَذهَبَ نُورَهُم وَأَزَالَهُ.
{وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ}
أَي لَا يُبصِرُونَ مَا حَولَهُم مُتَحَيِّرِينَ عَنِ الطَّرِيقِ خَائِفِينَ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ أَمِنُوا بِإِظهَارِ كَلِمَةِ الإِيمَانِ، فَإِذَا مَاتُوا جَاءَهُمُ الخَوفُ وَالعَذَابُ، فَمَثَّلَ هُدَاهُمُ الَّذِي بَاعُوهُ بِالنَّارِ المُضِيئَةِ مَا حَولَ المُستَوقِدِ، وَمَثَّلَ الضَّلَالَةَ الَّتِي اشتَرَوهَا بِذَهَابِ اللهِ بِنُورِهِم وَتَركِهِ إِيَّاهُم فِي الظُّلُمَاتِ.
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}
وَهُم مَعَ ذَلِكَ
{صُمٌّ}
عَنِ الحَقِّ فَلَا يَسمَعُونَهُ سَمَاعَ قَبُولٍ.
{بُكْمٌ}
خُرسٌ عَنِ الخَيرِ فَلَا يَقُولُونَهُ.
{عُمْيٌ}
عَن طَرِيقِ الهُدَى فَلَا يَرَونَهُ، وَقَد كَانَت حَوَاسُّهُم سَلِيمَةً وَلَكِن لَمَّا سَدُّوا مَسَامِعَهُم عَنِ الِاستِمَاعِ إِلَى الحَقِّ وَأَبَوا أَن تَنطِقَ أَلسِنَتُهُم بِالحَقِّ وَأَن يَنظُرُوا أَو يَتَبَصَّرُوا بِعُيُوبِهِم جُعِلُوا كَأَنَّمَا فَسَدَت مَشَاعِرُهُم.
{فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}
أَي لَا يَعُودُونَ إِلَى الهُدَى بَعدَ أَن بَاعُوهُ، أَو عَنِ الضَّلَالَةِ بَعدَ أَنِ اشتَرَوهَا، أو أَرَادَ أَنَّهُم بِمَنزِلَةِ المُتَحَيِّرِينَ الَّذِينَ بَقُوا جَامِدِينَ فِي مَكَانِهِم لَا يَبرَحُونَ وَلَا يَدرُونَ أَيَتَقَدَّمُونَ أَم يَتَأَخَّرُونَ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الرُّجُوعَ إِلَيهِم لِأَنَّهُمُ انصَرَفُوا بِاختِيَارِهِم، لِغَلَبَةِ أَهوَائِهِم عَن رُؤيَةِ الهُدَى وَسَمَاعِهِ وَالكَلَامِ فِيهِ، وَلَم يَكُن بِهِم صَمَمٌ وَلَا بَكَمٌ وَلَا عَمًى حَقِيقَةً، وَلَكِنَّهُم لَمَّا التَفَتُوا عَن سَمَاعِ الحَقِّ وَرُؤيَتِهِ وَالنُّطقِ بِهِ كَانُوا كَالصُّمِّ العُميِ البُكمِ، وَالعَرَبُ تُسَمِّي المُعرِضَ عَنِ الشَّىءِ أَعمًى وَالمُعرِضَ عَن سَمَاعِهِ أَصَمَّ.
وَبَعدَ أَن شَبَّهَ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقَ فِي التَّمثِيلِ الأَوَّلِ بِالمُستَوقِدِ نَارًا، وَشَبَّهَ إِظهَارَ المُنَافِقِ الإِيمَانَ بِإِضَاءَةِ النَّارِ، وَشَبَّهَ انقِطَاعَ انتِفَاعِهِ بِالإِيمَانِ بِانطِفَاءِ النَّارِ، كَمَا جَاءَ فِي بَعضِ التَّفَاسِيرِ، ثَنَّى اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي شَأنِهِم بِتَمثِيلٍ آخَرَ لِزِيَادَةِ الكَشفِ وَالإِيضَاحِ، فَقَالَ تَعَالَى:
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}
{أَوْ}
مَثَلُهُم.
{كَصَيِّبٍ}
الصَّيِّبُ المَطَرُ، أَي كَأَصحَابِ نَوعٍ مِنَ المَطَرِ شَدِيدٍ هَائِلٍ.
{مِّنَ السَّمَاءِ}
السَّحَابِ.
{فِيهِ}
أَي فِي السَّحَابِ.
{ظُلُمَاتٌ}
دَاجِيَةٌ مُتَكَاثِفَةٌ بِسَبَبِ تَتَابُعِ القَطرِ.
{وَرَعْدٌ}
هُوَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، أَو صَوتُهُ حِينَ يَزجُرُ السَّحَابَ([21])
{وَبَرْقٌ}
هُوَ لَمَعَانُ سَوطِ مَلَكِ الرَّعدِ الَّذِي يَزجُرُ السَّحَابَ وَيَسُوقُهُ بِهِ.
{يَجْعَلُونَ}
أَي أَصحَابُ هَذَا الصَّيِّبِ.
{أَصَابِعَهُمْ}
أَي رُؤُوسَ أَصَابِعِهِم وَهِيَ الأَنَامِلُ.
{فِي آذَانِهِم مِّنَ}
أَجلِ.
{الصَّوَاعِقِ}
لِئَلَّا يَسمَعُوهَا، وَالصَّوَاعِقُ جَمعُ صَاعِقَةٍ، وَهِيَ صَوتٌ شَدِيدٌ مِن صَوتِ الرَّعدِ يَقَعُ مَعَهُ قِطعَةٌ مِن نَارٍ تَحرِقُ مَا تُصِيبُهُ، أَو تَنقَدِحُ مِنَ السَّحَابِ إِذَا اصطَكَّت أَجرَامُهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَت صَاعِقَةً لِأَنَّهَا إِذَا أَصَابَت قَتَلَت.
{حَذَرَ}
خَوفَ.
{الْمَوْتِ}
بِسَبَبِ سَمَاعِهَا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ إِذَا نَزَلَ القُرآنُ وَفِيهِ ذِكرُ الكُفرِ المُشَبَّهِ بِالظُّلُمَاتِ، وَالوَعِيدِ عَلَيهِ المُشَبَّهِ بِالرَّعدِ، وَالحُجَجِ البَيِّنَةِ المُشَبَّهَةِ بِالبَرقِ، يَسُدُّونَ آذَانَهُم لِئَلَّا يَسمَعُوهُ فَيَمِيلُوا إِلَى الإِيمَانِ وَتَركِ دِينِهِم، وَهُوَ عِندَهُم مَوتٌ.
{وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}
عِلمًا وَقُدرَةً([22]) فَلَا يَفُوتُونَهُ، بَل هُم تَحتَ قَهرِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى عِقَابِهِم([23]).
{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ}
يَقرُبُ قُربًا شَدِيدًا مِن أَن يَخطَفَ.
{أَبْصَارَهُمْ}
أَي أَن يَأخُذَهَا بِسُرعَةٍ وَيَسلُبَهَا، قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: تَكَادُ حُجَجُ القُرءَانِ وَبَرَاهِينُهُ وَآيَاتُهُ السَّاطِعَةُ تُبهِرُ المُنَافِقِينَ.
{كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم}
أَي كُلَّ وَقتٍ أَضَاءَ لَهُمُ البَرقُ فِيهِ.
{مَّشَوْا فِيهِ}
أَي فِي ضَوئِهِ.
{وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}
وَقَفُوا وَثَبَتُوا فِي مَكَانِهِم، قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ وَغَيرِهِ: كُلَّمَا سَمِعَ المُنَافِقُونَ القُرءَانَ وَظَهَرَت لَهُمُ الحُجَجُ أَنِسُوا وَمَشَوا مَعَهُ، وَإِذَا نَزَلَ مِنَ القُرءَانِ مَا يَضِلُّونَ بِهِ ثَبَتُوا عَلَى نِفَاقِهِم، وَهَذَاَ تَمثِيلٌ لِشِدَّةِ الأَمرِ عَلَى المُنَافِقِينَ وَلِمَا هُم فِيهِ مِن غَايَةِ التَّحَيُّرِ وَالجَهلِ فِي أَفعَالِهِم، كَأَصحَابِ الصَّيِّبِ الَّذِينَ إِذَا صَادَفُوا مِنَ البَرقِ خَفقَةً انتَهَزُوا تِلكَ الخَفقَةَ فُرصَةً فَخَطَوا فِيهَا خَطَوَاتٍ يَسِيرَةً مَعَ خَوفِ أَن يَخطَفَ أَبصَارَهُم، فَإِذَا خَفِيَ وَفَتَرَ لَمَعَانُهُ بَقُوا وَاقِفِينَ.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ}
بِقَصفِ الرَّعدِ.
{وَأَبْصَارِهِمْ}
بِوَمِيضِ البَرقِ، أَي لَو شَاءَ اللهُ أَن يَذهَبَ بِسَمعِهِم وَأَبصَارِهِم لَذَهَبَ بِهِمَا عُقُوبَةً لَهُم، أَو لَو شَاءَ اللهُ لَأَوقَعَ بِهِم مَا يَتَخَوَّفُونَهُ مِنَ الزَّجرِ وَالوَعِيدِ، أَو لَفَضَحَهُم عِندَ المُؤمِنِينَ وَسَلَّطَهُم عَلَيهِم.
{إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
أَي قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىءٍ وَمِنهُ إِذهَابُ مَا ذُكِرَ.
قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: ضَرَبَ لَهُم مَثَلَينِ لَمَّا كَانَ لَهُم حَالَانِ وَلِلقُرآنِ عَلَيهِم تَنَزُّلَانِ، مِنهُ مَا يَرغَبُونَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِن مَصلَحَةِ دُنيَاهُم، فَضَرَبَ لَهُ المَثَلَ الأَوَّلَ، وَقَدَّمَهُ لِأَنَّهُ سَبَبُ دُخُولِهِم مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا رَأَوا مِن مُعَاجَلَةِ عِقَابِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الدُّنيَا، وَمِنهُ مَا يَرهَبُونَهُ وَلَا يَستَطِيعُونَ سَمَاعَهُ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِن أُمُورٍ شَاقَّةٍ عَلَيهِم لَا يَحمِلُهَا إِلَّا مُؤمِنٌ حَقًّا وَلَا يَتَحَمَّلُهَا إِلَّا مَن آمَنَ، وَلِمَا يَلزَمُ مِنهُ مِن فَضِيحَةِ خِدَاعِهِم، فَضَرَبَ لَهُ المَثَلَ الثَّانِيَ؛ فَلَن يَخرُجَ حَالُهُم عِندَ نُزُولِ القُرآنِ عَن مُقتَضَى هَذَينِ المَثَلَينِ، انتَهَى.
([1]) سَبَقَ كَلَامِي فِي تَفسِيرِ البَسمَلَةِ فِي كِتَابِي فِي تَفسِيرِ الفَاتِحَةِ وَغَيرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَبَيَانُ وَإِثبَاتُ أَنَّهَا آيَةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ مِن سُوَرِ القُرآنِ الكَرِيمِ إِلَّا سُورَةَ التَّوبَةِ، وَأَنَّهُ يُسَنُّ الِابتِدَاءُ بِهَا فِي كُلِّ أَمرٍ لَهُ شَرَفٌ شَرعًا مَا لَم يَرِد غَيرُ ذَلِكَ.
([2]) مُلَخَّصًا مِن كِتَابِ: زَادِ المَسِيرِ فِي عِلمِ التَّفسِيرِ، لِأَبِي الفَرَجِ بنِ الجَوزِيِّ (ج1 ص24-26).
([3]) وَمِن هُنَا يُعلَم أَنَّهُ مَن يَدَّعِي أَنَّ القُرآنَ مِن تَألِيفِ جِبرِيلَ أَو مِن تَألِيفِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَد كَذَّبَ الدِّينَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ القُرآنَ مِن عِندِ اللهِ.
([4]) وَالمَعنَى أَنَّهُ هَادٍ لِمَن شَاءَ اللهُ لَهُ الهِدَايَةَ، فَكَم مِن أُنَاسٍ سَمِعُوا وَقَرَؤُوا القُرآنَ وَضَلُّوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَهُوَ سُبحَانَهُ يَهدِي مَن يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَن يَشَاءُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ.
([5]) وَهُوَ ﷺ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا أَخبَرَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنِ اللهِ تَعَالَى، سَوَاءٌ كَانَ مِن أَخبَارِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ أَم مِمَّا سَيَحصُلُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ أَم مَا سَيَحصُلُ بَعدَ ذَلِكَ أَم مِن أُمُورِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، لَا يُخطِئُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِن أُمُورِ الدُّنيَا أَمِ الآخِرَةِ.
([6]) وَلَا يَخفَى أَنَّ أَفضَلَ الأَعمَالِ الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، لِقَولِهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الأَعمَالِ أَفضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ».اهـ ثُمَّ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، أَي فِعلُهَا كَمَا أَمَرَ اللهُ بَعدَ مَعرِفَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالحَجَّ وَبِرَّ الوَالِدَينِ كُلَّ ذَلِكَ يَنفَعُ بَعدَ مَعرِفَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ كَمَا يَجِبُ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَقبَلُ أَيَّ عَمَلٍ بِدُونِ مَعرِفَتِهِ كَمَا يَجِبُ، وَمَعرِفَةُ اللهِ مَعنَاهَا الإِيمَانُ بِوُجُودِهِ عَزَّ وَجَلَّ بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ، وَلَا تُطلَبُ مَعرِفَتُهُ سُبحَانَهُ بِالتَّصَوُّرِ وَالتَّخَيُّلِ.
([7]) فَالمَالُ مَالُ اللهِ، وَالرَّازِقُ هُوَ اللهُ، وَمَن فَهِمَ هَذَا وَاعتَقَدَهُ يَسهُلُ عَلَيهِ أَن يُؤَدِّيَ الحَقَّ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ فِي المَالِ، وَمَعَ شِدَّةِ تَعَلُّقِ بَعضِ النُّفُوسِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُم يُؤَدُّونَ هَذَا الحَقَّ مِن زَكَاةٍ وَاجِبَةٍ أَو صَدَقَاتٍ، فَكَانَت هَذِهِ بَعضَ صِفَةِ عِبَادِ اللهِ المُتَّقِينَ فِي أَوَائِلِ البَقَرَةِ، وَمَا أَعظَمَهَا مِن مَرتَبَةٍ.
([8]) وَعَدَدُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ مِائَةٌ وَأَربَعَةٌ مَعَ القُرآنِ الكَرِيمِ، كَمَا رَوَى ابنُ حِبَّانَ مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَم كِتَابًا أَنزَلَهُ اللهُ؟ قَالَ: «مِائَةُ كِتَابٍ وَأَربَعَةُ كُتُبٍ، أُنزِلَ عَلَى شِيثٍ خَمسُونَ صَحِيفَةً، وَأُنزِلَ عَلَى أَخنُوخَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً، وَأُنزِلَ عَلَى إِبرَاهِيمَ عَشَرُ صَحَائِفَ، وَأُنزِلَ عَلَى مُوسَى قَبلَ التَّورَاةِ عَشرُ صَحَائِفَ، وَأُنزِلَ التَّورَاةُ وَالإِنجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالقُرآنُ».
([9]) وَالآخِرَةُ هِيَ اسمٌ يُطلَقُ عَلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُهُ مِن خُرُوجِ النَّاسِ مِن قُبُورِهِم إِلَى دُخُولِ أَهلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَأَهلِ النَّارِ النَّارَ.
([10]) اللَّهُ تَعَالَى يَعلَمُ كُلَّ شَىءٍ بِعِلمِهِ الأَزَلِىِّ، يَعلَمُ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحدِثُهُ مِن مَخلُوقَاتِهِ بِعِلمٍ وَاحِدٍ شَامِلٍ لِكُلِّ المَعلُومَاتِ، لا يَتَجَدَّدُ وَلا يَتَغَيَّرُ وَلا يَنقُصُ وَلا يَزِيدُ، وَلَا يَغِيبُ عَنهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
([11]) ذَكَرَ الفُقَهَاءُ أَنَّ الكُفرَ ثَلاثَةُ أَبوَابٍ: إِمَّا تَشبِيهٌ، أَو تَكذِيبٌ، أَو تَعطِيلٌ. أَحَدُهَا التَّشبِيهُ: أَي تَشبِيهُ اللَّهِ بِخَلقِهِ، كَمَن يَصِفُهُ بِالحُدُوثِ أَوِ الفَنَاءِ أَوِ الجِسمِ أَوِ اللَّونِ أَوِ الشَّكلِ أَوِ الكَمِيَّةِ أَي مِقدَارِ الحَجمِ، أَمَّا مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ»، فَلَيسَ مَعنَاهُ جَمِيلَ الشَّكلِ، وَإِنَّمَا مَعنَاهُ جَمِيلُ الصِّفَاتِ أَو مُحسِنٌ. ثَانِيهَا التَّكذِيبُ: أَي تَكذِيبُ مَا وَرَدَ فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ أَو مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى وَجهٍ ثَابِتٍ وَكَانَ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَاعتِقَادِ فَنَاءِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَو أَنَّ الجَنَّةَ لَذَّاتٌ غَيرُ حِسِيَّةٍ، وَأَنَّ النَّارَ ءَالامٌ مَعنَوِيَّةٌ، أَو إِنكَارِ بَعثِ الأَجسَادِ وَالأَروَاحِ مَعًا، أَوِ إِنكَارِ وُجُوبِ الصَّلاةِ أَوِ الصِّيَامِ أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ اعتِقَادِ تَحرِيمِ الطَّلاقِ أَوِ تَحلِيلِ الخَمرِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا ثَبَتَ بِالقَطعِ وَظَهَرَ بَينَ المُسلِمِينَ. وَهَذَا بِخِلافِ مَن يَعتَقِدُ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيهِ مَثَلًا لَكِنَّهُ لا يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا لا كَافِرًا كَمَن يَعتَقِدُ عَدَمَ وُجُوبِهَا عَلَيهِ. ثَالِثُهَا التَّعطِيلُ: أَي نَفيُ وُجُودِ اللَّهِ، وَهُوَ أَشَدُّ الكُفرِ.
([12]) الكَافِرُ لَمَّا لَم يَسمَع قَولَ الحَقِّ وَلَم يَنظُر فِي نَفسِهِ وَغَيرِهِ مِنَ المَخلُوقَاتِ لِيَرَى آثَارَ الحُدُوثِ وَيَعلَمَ أَن لَا بُدَّ لَهُ مِن صَانِعٍ، صَارَ كَأَنَّ عَلَى بَصَرِهِ وَسَمعِهِ غِشَاوَةً، وَإِن لَم يَكُن ذَلِكَ حَقِيقَةً. وَالآيَةُ حُجَّةٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ عَلَى المُعتَزِلَةِ فِي قَولِهِم: يَجِبُ عَلَى اللهِ فِعلُ الأَصلَحِ لِلعِبَادِ، فَإِنَّهُ أَخبَرَ أَنَّهُ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِم، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَركَ الخَتمِ أَصلَحُ لَهُم، مَعلُومٌ أَنَّهُ لَو لَم يَختِم عَلَى قُلُوبِهِم كَانَ خَيرًا لَهُم، فَاللهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَىءٌ، هَذِهِ عَقِيدَةُ أَهلِ الحَقِّ أَهلِ السُّنَّةِ، وَمَن أَوجَبَ عَلَى اللهِ شَيئًا فَقَد جَعَلَ اللهَ مَغلُوبًا عَلَى أَمرِهِ، وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمرِهِ، فَمَن أَوجَبَ عَلَى اللهِ شَيئًا فَهُوَ ضَالٌّ مُضِلٌّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
([13]) الهِدَايَةُ وَالضَّلَالُ بِمَشِيئَةِ اللهِ: الهِدَايَةُ عَلَى وَجهَينِ: أَحَدُهُمَا: إِبَانَةُ الحَقِّ أَى إِظهَارُهُ وَإِيضَاحُهُ وَالدُّعَاءُ إِلَيهِ أَىِ الأَمرُ بِهِ وَنَصبُ الأَدِلَّةِ عَلَيهِ أَى إِقَامَتُهَا وَإِيضَاحُهَا، فَيَصِحُّ عَلَى هَذَا الوَجهِ إِضَافَةُ الهِدَايَةِ إِلَى الرُّسُلِ وَإِلَى كُلِّ دَاعٍ للهِ تَعَالَى، كَقَولِهِ تَعَالَى فِى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: {وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [سُورَةُ الشُّورَى:52]، أَى تَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ القَوِيمِ وَتُبَيِّنُهُ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّكَ تَخلُقُ الِاهتِدَاءَ فِى قُلُوبِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} أَي لَا تَستَطِيعُ أَن تَخلُقَ الِاهتِدَاءَ فِى قَلبِ مَن أَحبَبتَ اهتِدَاءَهُ { وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ} [سُورَةُ القَصَصِ:56]، أَى لَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِى يَخلُقُ الِاهتِدَاءَ فِى قَلبِ مَن شَاءَ لَهُ الِاهتِدَاءَ فِى الأَزَلِ.
وَجَاءَتِ الهِدَايَةُ أَيضًا عَلَى مَعنَى تَبيِينِ الحَقِّ وَالدِّلَالَةِ عَلَيهِ فِى قَولِهِ تَعَالَى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} أَى بَيَّنَّا لَهُم طَرِيقَ الهُدَى وَأَرسَلنَا فِيهِم نَبِيَّنَا صَالِحًا {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} [سُورَةُ فُصِّلَت:17]، وَكَذَّبُوا نَبِىَّ اللهِ وَاختَارُوا الضَّلَالَ وَلَم يَقبَلُوا الإِيمَانَ.
وَالثَّانِى مِن مَعَانِى الهِدَايَةِ: مَا يَكُونُ مِن جِهَةِ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ عَلَى مَعنَى خَلقِ الِاهتِدَاءِ فِى قُلُوبِهِم، كَقَولِهِ تَعَالَى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} أَي أَن يَجعَلَهُ مُهتَدِيًا {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} أَي يَفتَح قَلبَهُ لِلإِسلَامِ حَتَّى يَدخُلَهُ، وَيُزَيِّنُهُ لَهُ وَيُوَفِّقُهُ إِلَيهِ وَيَخلُقُ الِاهتِدَاءَ فِيهِ {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ} أَي أَن يَجعَلَهُ ضَالًّا { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [سُورَةُ الأَنعَامِ:125]، أَي يَجعَلْهُ شَدِيدَ الضِّيقِ ذَا حَرَجٍ وَيَخلُقُ الضَّلَالَ فِيهِ.
فَالإِضلَالُ هُوَ خَلقُ الضَّلَال فِى قُلُوبِ أَهلِ الضَّلَالِ، فَمَن شَاءَ اللهُ لَهُ أَن يَكُونَ كَافِرًا يَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ الإِيمَانِ، فَيَضِيقُ صَدرُهُ عَنهُ وَيَنفِرُ قَلبُهُ عَن قَبُولِهِ، فَالعِبَادُ مَخلُوقُونَ مُحتَاجُونَ مَقهُورُونَ فِى قَبضَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَحتَ سُلطَانِهِ، وَمَشِيئَتُهُم تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللهِ لَا غَالِبَةٌ لَهَا، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [سُورَةُ الإِنسَانِ:30]، وَهَذِهِ الآيَةُ مِن أَوضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى ضَلَالِ القَدَرِيَّةِ النَّافِينَ لِتَقدِيرِ اللهِ لِكُلِّ شَىءٍ.
([14]) قَالَ مُجَاهِدٌ: «أَربَعُ آيَاتٍ مِن أَوَّلِ السُّورَةِ فِي نَعتِ المُؤمِنِينَ، وَآيَتَانِ فِي ذِكرِ الكَافِرِينَ، وَثَلَاثَ عَشرَةَ آيَةً فِي المُنَافِقِينَ، نَعَى عَلَيهِم فِيهَا مَكرَهُم وَخُبثَهُم وَسَفَهَهُم وَاستِجهَالَهُم، وَأَنكَرَ فِعلَهُم وَطُغيَانَهُم، وَدَعَاهُم صُمًّا بُكمًا عُميًا، وَضَرَبَ لَهُمُ الأَمثَالَ الشَّنِيعَةَ».اهـ مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج1 ص47).
([15]) وَهُم مِن أَخبَثِ الكَفَرَةِ وَأَشَدِّهِم ضَرَرًا، لِأَنَّهُ قَد أَشكَلَ حَالُهُم وَالتَبَسَ وَخَلَطُوا بِالكُفرِ استِهزَاءً وَخِدَاعًا، وَلِذَا أَنزَلَ فِيهِم: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [سُورَةُ النِّسَاءِ:145]، فَأَخطَرُ الأَعدَاءِ مَن يُرِيكَ الصَّدَاقَةَ فَيَأخُذُكَ مِنَ المَأمَنِ، قَالَ ابنُ جُزَيٍّ: «وَكَانُوا جَمَاعَةً مِنَ الأَوسِ وَالخَزرَجِ، رَأسُهُم عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ ابنُ سَلُولَ، يُظهِرُونَ الإِسلَامَ وَيُسِرُّونَ الكُفرَ، وَيُسَمَّى الآنَ مَن كَانَ كَذَلِكَ زِندِيقًا، وَهُم فِي الآخِرَةِ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ».اهـ التَّسهِيلُ لِعُلُومِ التَّنزِيلِ، لِابنِ جُزَيٍّ الكَلبِيِّ (ج1 ص71). وَقَالَ قَتَادَةُ: «هَذِهِ الآيَةُ نَعتُ المُنَافِقِ، يَعرِفُ بِلِسَانِهِ وَيُنكِرُ بِقَلبِهِ، وَيُصَدِّقُ بِلِسَانِهِ وَيُخَالِفُ بِعَمَلِهِ، وَيُصبِحُ عَلَى حَالٍ وَيُمسِي عَلَى غَيرِهَا، وَيَتَكَفَّأُ تَكَفُّؤَ السَّفِينَةِ كُلَّمَا هَبَّت رِيحٌ هَبَّ مَعَهَا».اهـ الدُّرُّ المَنثُورُ فِي التَّفسِيرِ بِالمَأثُورِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص74). وَقَد نَفَى اللهُ تَعَالَى الإِيمَانَ عَنِ المُنَافِقِينَ، لِأَنَّ الإِيمَانَ إِقرَارٌ بِاللِّسَانِ وَتَصدِيقٌ بِالجَنَانِ أَي بِالقَلبِ، فَالقَولُ وَحدَهُ لَا يَكفِي عِندَ اللهِ بِدُونِ الِاعتِقَادِ.
([16]) [سُورَةُ يُوسُفَ:82]. وَهَذَا فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ كَثِيرٌ، كَقَولِهِ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «يَنزِلُ رَبُّنَا» أَي يَنزِلُ مَلَكُ رَبُّنَا، أَو تَنزِلُ رَحمَتُهُ وَتَلَطُّفُهُ بِالدَّاعِينَ فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ وَغَيرُهُ مِن أَهلِ العِلمِ.اهـ مُلَخَّصًا مِن: فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (ج3 ص30). المِنهَاجِ بِشَرحِ صَحِيحِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ، لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ (ج6 ص37).
([17]) لَا يَجُوزُ وَصفُ اللهِ تَعَالَى بِصِفَةِ نَقصٍ أَو قُبحٍ كَالمَكرِ وَالخِدَاعِ وَالنِّسيَانِ وَالمَلَلِ وَالِاستِهزَاءِ وَالفَرَحِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي فِيهِ الِانفِعَالُ كَمَا المَخلُوقُ وَالغَضَبِ الَّذِي فِيهِ الِانفِعَالُ، وَغَيرِهَا مِن صِفَاتِ الخَلقِ. أَمَّا إِذَا جَاءَت بَعضُ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ المُتَشَابِهَةِ الَّتِي فِيهَا هَذِهِ الأَلفَاظُ فَاعلَم أَنَّ لَهَا مَعنًى لَائِقًا بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَلَى مِثلِ ذَلِكَ يُحمَلُ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ:{ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ} [سُورَةُ التَّوبَةِ:67]، أَي تَرَكُوا طَاعَةَ اللهِ بِالإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَرَكَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِن رَحمَتِهِ خَالِدِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لَا يُخَفَّفُ عَنهُم عَذَابُهَا. وَقَولُهُ تَعَالَى: : {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [سُورَةُ النِّسََاءِ:142]، فَمَعنَى: { يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أَي يُخَادِعُونَ المُؤمِنِينَ، فَجَعَلَ مُخَادَعَةَ المُؤمِنِينَ مُخَادَعَةً للهِ تَعَالَى:: { وَهُوَ خَادِعُهُمْ} يُجَازِيهِم عَلَى خِدَاعِهِم. لَيسَ كُلُّ لَفظٍ أُضِيفَ إِلَى اللهِ تَعَالَى هُوَ صِفَةً لَهُ حَملًا عَلَى المَعنَى الظَّاهِرِ لِهَذَا اللَّفظِ، فَإِذَا وَرَدَ فِي آيَةٍ أَو حَدِيثٍ لَفظٌ ظَاهِرُهُ لَا يَجُوزُ إِطلَاقُهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى فَلَا بُدَّ أَن يُصَارَ إِلَى تَأوِيلِهِ بِحَيثُ يُعطِي مَعنًى لَائِقًا بِاللهِ لَا يُعَارِضُ الآيَةَ المُحكَمَةَ: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [سُورَةُ الشُّورَى:11]. فَإِسنَادُ هَذِهِ الأَلفَاظِ إِلَى اللهِ تَعَالَى هُوَ فِي سِيَاقِ المُشَاكَلَةِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: اللَّفظُ المُستَعمَلُ فِي المُشَاكَلَةِ نَحوُ: { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:54].اهـ قَالَ ابنُ نُجَيمٍ الحَنَفِيُّ فِي البَحرِ الرَّائِقِ: المُشَاكَلَةُ: ذِكرُ الشَّىءِ بِلَفظِ غَيرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحبَتِهِ.اهـ
([18]) لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عَلَى غَيرِ الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ، بَلِ النَّبِيُّ مُنذُ نَشأَتِهِ وَشَبَابِهِ لَم يَكُن لَحظَةً عَلَى غَيرِ الإِيمَانِ الحَقِّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ ﷺ عَارِفًا بِرَبِّهِ، عَارِفًا بِضَلَالِ قَومِهِ وَكُفرِهِم، وَلَم يُشَارِكهُم فِي زَيغِهِم وَضَلَالِهِم طَرفَةَ عَينٍ، لَا قَبلَ النُّبُوَّةِ وَلَا بَعدَهَا، وَإِنَّمَا المَعنَى: آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّبِيُّ ﷺ، أَي لِيَكُن إِيمَانُكُم حَقًّا وَصِدقًا كَمَا هُوَ حَالُ نَبِيِّنَا ﷺ، وَلَيسَ المَعنَى مُسَاوَاةَ يَقِينِهِم إِن آمَنُوا بِيَقِينِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهُوَ أَثبَتُ الخَلقِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
([19]) المُشَاكَلَةُ ضَربٌ مِن ضُرُوبِ البَلَاغَةِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَهُوَ: ذِكرُ الشَّىءِ بِلَفظِ غَيرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحبَتِهِ، وَهُوَ مِثلُ قَولِهِ تَعَالَى: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [سُورَةُ الشُّورَى:40]، فَعَبَّرَ سُبحَانَهُ عَنِ الجَزَاءِ عَلَى السَّيِّئَةِ بِالسَيِّئَةِ، وَهُوَ لَيسَ سَيِّئَةً حَقِيقَةً، وَلَكِن عَبَّرَ بِذَلِكَ لِمُنَاسَبَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي سَبَقتهُ، وَمِنهُ قَولُ الشَّاعِرِ: [الكامل]
قَالُوا اقتَرِح شَيئًا نُجِد لَكَ طَبخَهُ *** قُلتُ اطبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا
فَالجُبَّةُ وَالقَمِيصُ لَا يُطبَخَانِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَذَا اللَّفظِ لِمُنَاسَبَةِ قَولِهِم: “نُجِد لَكَ طَبخَهُ”، وَمِنهُ أَيضًا قَولُ عَمرِو بنِ كُلثُومٍ: [الوافر]
أَلَا لَا يَجهَلَن أَحَدٌ عَلَينَا *** فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجَاهِلِينَا
فَجَعَلَ مُعَاقَبَةَ الجَاهِلِ بِجَهلِهِ جَهلًا لِمُشَاكَلَةِ الجَهلِ المَذكُورِ، مُلَخَّصًا مِن: عَرُوسِ الأَفرَاحِ فِي شَرحِ تَلخِيصِ المِفتَاحِ، لِبَهَاءِ الدِّينِ السُّبكِيِّ (ج2 ص237)، عُلُومِ البَلَاغَةِ، لِلمَرَاغِيِّ (ص324).
([20]) وَمِن هُنَا يُعلَمُ مَا قَالَهُ بَعضُ مَشَايِخِنَا: «مَن لَم يَخسَر رَأسَ مَالِهِ فَكَأَنَّهُ لَم يَخسَر، رَأسُ مَالِ المُسلِمِ العَقِيدَةُ، عَقِيدَةُ أَهلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ بِحَمدِ اللهِ مَوجُودَةٌ فِينَا، الجُمهُورُ بَعدُ عَلَى تِلكَ العَقِيدَةِ، وَإِن قَصَّرنَا فِي الأَعمَالِ، نَحمَدُ اللهَ عَلَى ذَلِكَ».اهـ وَقَالَ: «مَن فَقَدَ العَقِيدَةَ فَقَدَ كُلَّ شَىءٍ، العَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ رَأسُ مَالِ كُلِّ مُسلِمٍ».اهـ
([21]) رَوَى البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ عَن عُمَرَ بنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: سَمِعتُ عِكرِمَةَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَن قَولِهِ: { وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} [سُورَةُ الرَّعدِ:13]؟ قَالَ: «مَلَكٌ يَزجُرُ السَّحَابَ كَمَا يَزجُرُ الحَادِي الإِبِلَ».اهـ السُّنَنُ الكُبرَى، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج3 ص506). قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: قَالَ الزَّجَّاجُ: الزَّجرُ: النَّهرُ.اهـ وَقَالَ أَيضًا: هُوَ مِن زَجَرَ الإِبلَ يَزجُرُها إِذَا حَثَّها وَحَمَلَهَا عَلَى السُّرعَةِ. وَمِنهُ الحَدِيثُ: فَسَمِعَ وَرَاءَهُ زَجرًا أَي صِيَاحًا عَلَى الإِبِلِ وَحَثًّا.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج4 ص319).
([22]) فَالمُحِيطُ مِن أَسمَاءِ اللهِ: هُوَ الَّذِي أَحَاطَت قُدرَتُهُ بِجَمِيعِ خَلقِهِ، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَىءٍ عِلمًا فَلَا يَغِيبُ عَن عِلمِهِ شَىءٌ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَىءٍ، وَقَد أَحَاطَ بِكُلِّ شَىءٍ قُدرَةً وَعِلمًا لَا إِحَاطَةَ الأَجسَامِ بِالأَجسَامِ، فَهَذَا يَستَحِيلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى جَوَازِ تَأوِيلِ النُّصُوصِ الَّتِي قَد يَتَوَهَّمُ مِنهَا البَعضُ مَعنًى مُخَالِفًا لِلتَّوحِيدِ، فَلَا يُوجَدُ فِي القُرآنِ وَلَا فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا فِيهِ تَشبِيهٌ للهِ بِخَلقِهِ، بَلِ الَّذِي فِيهِمَا هُوَ تَعظِيمُ اللهِ وَتَنزِيهُهُ عَزَّ وَجَلَّ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ.
([23]) فَهُوَ سُبحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىءٍ لَا يُعجِزُهُ شَىءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.