بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ(26) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36) فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}
- الحَثُّ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى بِالتَّرهِيبِ
عَدَّدَ اللهُ تَعَالَى فِرَقَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ وَالكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ وَذَكَرَ صِفَاتِهِم وَأَحوَالَهُم وَمَا اختَصَّت بِهِ كُلُّ فِرقَةٍ مِمَّا يُسعِدُهَا وَيُشقِيهَا وَيُنَجِّيهَا وَيُهلِكُهَا ثُمَّ خَاطَبَهُم رَجَاءَ أَن يَكُونُوا قَد دَخَلُوا فِي حَيِّزِ المُتَأَهِّلِ لِلخِطَابِ وَتَحَرَّكُوا لِلإِيمَانِ وَتَنَشَّطُوا لِقَبُولِ مَا يُلقَى إِلَيهِم، فَقَالَ:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ} ([1])
خِطَابٌ لِمُشرِكِي مَكَّةَ.
{ اعْبُدُوا}
أَي وَحِّدُوا([2])
{رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ}
أَنشَأَكُم وَلَم تَكُونُوا شَيئًا([3])
{وَالَّذِينَ}
وَخَلَقَ الَّذِينَ.
{مِن قَبْلِكُمْ}
احتَجَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِم بِأَنَّهُ خَالِقُهُم وَخَالِقُ مَن كَانَ قَبلَهُم لِأَنَّهُم كَانُوا مُقِرِّينَ بِذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُم: إِن كُنتُم مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ خَالِقُكُم فَاعبُدُوهُ وَلَا تَعبُدُوا الأَصنَامَ.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
بِعِبَادَتِهِ عِقَابَهُ، أَي إِن عَبَدتُمُ اللهَ تَعَالَى وَوَحَّدتُمُوهُ وَاتَّقَيتُمُوهُ نَجَوتُم بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ العَذَابِ.
وَقَد دَلَّلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى استِحقَاقِهِ لِلعِبَادَةِ بَعدَ أَن أَمَرَ بِهَا بِإِثبَاتِ قُدرَتِهِ عَلَى الخَلقِ فَقَالَ:
{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}
{الَّذِي جَعَلَ}
خَلَقَ وَصَيَّرَ.
{لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا}
بِسَاطًا وَاسِعًا تَقعُدُونَ عَلَيهَا وَتَنَامُونَ وَتَتَقَلَّبُونَ، لَيسَت صَلبَةً جِدًّا وَلَا لَيِّنَةً جِدًّا بِحَيثُ لَا يُمكِنُ الِاستِقرَارُ عَلَيهَا.
{ وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}
أَي سَقفًا، كَقَولِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًً} ([4])، أَي مَحفُوظًا مِنَ الهُوِيِّ إِلَى أَسفَلَ، لِأَنَّهُ لَولَا أَنَّ اللهَ أَمسَكَ السَّمَاءَ بِقُدرَتِهِ لَهَوَت إِلَى الأَرضِ وَدَمَّرَتهَا.
{وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ}
السَّحَابِ.
{مَاءً}
أَي مَطَرًا.
{فَأَخْرَجَ بِهِ}
بِسَبَبِ المَطَرِ.
{مِنَ}
أَنوَاعِ.
{الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ}
خُرُوجُ الثَّمَرَاتِ بِقُدرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِيجَادِهِ، وَلَكِن جَعَلَ المَاءَ سَبَبًا فِي خُرُوجِهَا، وَهُوَ سُبحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى إِنشَاءِ الكُلِّ بِلَا سَبَبٍ، وَلَكِن لَهُ فِي إِنشَاءِ الأَشيَاءِ مُدَرِّجًا لَهَا مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ وَنَاقِلًا لَهَا مِن مَرتَبَةٍ إِلَى مَرتَبَةٍ حِكَمًا وَعِبَرًا لِلنُّظَّارِ بِعُيُونِ الِاستِبصَارِ([5]).
{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا}
أَمثَالًا وَشُرَكَاءَ فِي العِبَادَةِ، لِأَنَّ أَصلَ العِبَادَةِ وَأَسَاسَهَا التَّوحِيدُ وَأَن لَا يُجعَلَ لَهُ نِدٌّ وَلَا شَرِيكٌ.
{ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}
أَنَّ الأَصنَامَ لَا تَخلُقُ شَيئًا وَلَا تَرزُقُ، وَأَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الرَّزَّاقُ، وَجَعلُ الأَصنَامِ للهِ أَندَادًا غَايَةُ الجَهلِ.
وَلَمَّا احتَجَّ عَلَيهِم بِمَا يُثبِتُ الوَحدَانِيَّةَ وَيُبطِلُ الإِشرَاكَ([6]) عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ مَا هُوَ الحُجَّةُ عَلَى إِثبَاتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَا يُقَرِّرُ إِعجَازَ القُرآنِ، فَقَالَ:
{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}
{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ}
شَكٍّ.
{مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}
مُحَمَّدٍ ﷺ، أَي فَإِن كُنتُم فِي شَكٍّ مِنَ القُرآنِ أَنَّهُ مِن عِندِ اللهِ، قَالَ ابنُ جُزَيٍّ: فِي الآيَةِ إِثبَاتٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ القُرآنَ جَاءَ بِهِ مِن عِندِ اللهِ، فَلَمَّا قَدَّمَ إِثبَاتَ الأُلُوهِيَّةِ أَعقَبَهَا بِإِثبَاتِ النُّبُوَّةِ.
{فَأْتُوا}
أَمرٌ يُرَادُ بِهِ التَّعجِيزُ لَا الحَثُّ عَلَى الفِعلِ.
{بِسُورَةٍ}
قِطعَةٍ لَهَا أَوَّلٌ وَآخِرٌ وَأَقَلُّهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَقِيلَ: حَدُّ السُّورَةِ قُرآنٌ يَشتَمِلُ عَلَى آيَاتٍ لَهَا فَاتِحَةٌ وَخَاتِمَةٌ وَأَقَلُّهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ([7])
{مِّن مِّثْلِهِ}
مِمَّا هُوَ عَلَى صِفَةِ المُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فِي البَيَانِ وَعُلُوِّ الطَّبَقَةِ فِي حُسنِ النَّظمِ.
{وَادْعُوا}
أَمرٌ يُرَادُ بِهِ التَّعجِيزُ.
{شُهَدَاءَكُم}
أَيِ ادعُوا الَّذِينَ اتَّخَذتُمُوهُم آلِهَةً مِن دُونِ اللهِ وَزَعَمتُم أَنَّهُم يَشهَدُونَ لَكُم يَومَ القِيَامَةِ أَنَّكُم عَلَى الحَقِّ، أَو مَن يَشهَدُ لَكُم بِأَنَّهُ مِثلُ القُرآنِ.
{مِّن دُونِ اللَّهِ}
أَي مِن غَيرِهِ.
{إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}
أَي فِي دَعوَاكُم بِأَنَّ ذَلِكَ مُختَلَقٌ وَأَنَّهُ مِن كَلَامِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأتُوا أَنتُم بِمِثلِهِ وَاستَعِينُوا بِمَا تَعبُدُونَهُ مِن دُونِ اللهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَمَّا أَرشَدَهُم إِلَى الجِهَةِ الَّتِي مِنهَا يَتَعَرَّفُونَ صِدقَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُم:
{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا}
مَا ذُكِرَ لِعَجزِكُم.
{وَلَن تَفْعَلُوا}
ذَلِكَ أَبَدًا لِظُهُورِ إِعجَازِهِ.
{فَاتَّقُوا النَّارَ}
بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَأَنَّهُ لَيسَ مِن كَلَامِ البَشَرِ
{الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ}
الكُفَّارُ وَبَعضُ عُصَاةِ المُسلِمِينَ، لَكِنَّ المُسلِمَ الفَاسِقَ الَّذِي شَاءَ اللهُ تَعَالَى لَهُ أَن يُعَذَّبَ بِالنَّارِ لَيسَ وَقُودًا دَائِمًا، أَمَّا الكَافِرُ فَهُوَ وَقُودٌ دَائِمٌ.
{وَالْحِجَارَةُ}
أَيِ الأَصنَامُ المَعبُودَةُ فَهِيَ أَشَدُّ تَحسِيرًا، أَو حِجَارَةُ الكِبرِيتِ فَهِيَ أَشَدُّ تَوَقُّدًا وَأَبطَأُ خُمُودًا وَأَنتَنُ رَائِحَةً وَأَلصَقُ بِالبَدَنِ، فَهِيَ لَيسَت كَنَارِ الدُّنيَا تَتَّقِدُ بِالحَطَبِ وَنَحوِهِ.
{أُعِدَّتْ}
هُيِّئَت([8])
{ لِلْكَافِرِينَ}
يُعَذَّبُونَ بِهَا لِكُفرِهِم، أَي فَإِذَا لَم تَأتُوا بِمِثلِهِ وَبَانَ عَجزُكُم فَآمِنُوا وَخَافُوا العَذَابَ المُعَدَّ لِمَن كَذَّبَ وَعَانَدَ، وَفِيهِ دَلِيلَانِ عَلَى إِثبَاتِ النُّبُوَّةِ: صِحَّةُ كَونِ المُتَحَدَّى بِهِ مُعجِزَةً، وَالإِخبَارُ بِأَنَّهُم لَن يَفعَلُوا، وَهُوَ غَيبٌ لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللهُ.
- الحَثُّ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى بِالتَّرغِيبِ
مِن سُنَّةِ اللهِ فِي كِتَابِهِ أَن يَذكُرَ التَّرغِيبَ مَعَ التَّرهِيبِ، تَنشِيطًا لِعَمَلِ مَا يُنَجِّي وَإِبعَادًا عَنِ اقتِرَافِ مَا يُهلِكُ، فَلَمَّا ذَكَرَ رَبُّنَا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الكُفَّارَ وَأَعمَالَهُم وَأَوعَدَهُم بِالعِقَابِ أَتبَعَهُ بِذِكرِ المُؤمِنِينَ وَأَعمَالِهِم وَتَبشِيرِهِم بِالثَّوَابِ، فَقَالَ:
{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
{وَبَشِّرِ}
أَخبِر يَا مُحَمَّدُ.
{الَّذِينَ آمَنُوا}
صَدَّقُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
مِنَ الفُرُوضِ وَالنَّوَافِلِ وَكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ وَاجتَنَبُوا المُحَرَّمَاتِ.
بـ{ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ}
حَدَائِقَ ذَاتَ أَشجَارٍ وَمَسَاكِنَ، وَهِيَ مَخلُوقَةٌ الآنَ([9])، لِقَولِ اللهِ تَعَالَى لِآدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}، وَلَا تَزَالُ بَاقِيَةً إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ، فَلَا تَفنَى وَلَا يَفنَى أَهلُهَا.
{تَجْرِي مِن تَحْتِهَا}
أَي تَحتَ أَشجَارِهَا وَقُصُورِهَا.
{ الْأَنْهَارُ}
أَيِ مِيَاهُ الأَنهَارِ، وَأَنهَارُ الجَنَّةِ تَجرِي فِي غَيرِ أُخدُودٍ، وَأَنزَهُ البَسَاتِينِ مَا كَانَت أَشجَارُهَا مُظِلَّةً وَالأَنهَارُ فِي خِلَالِهَا جَارِيَةً.
{كُلَّمَا رُزِقُوا}
أُطعِمُوا.
{ مِنْهَا}
مِن تِلكَ الجَنَّاتِ.
{مِن ثَمَرَةٍ}
مِن أَيِّ ثَمَرَةٍ كَانَت مِن تُفَّاحِهَا أَو رُمَّانِهَا أَو غَيرِ ذَلِكَ.
{رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي}
أَي مِثلُ مَا.
{زِقْنَا مِن قَبْلُ}
فِي الجَنَّةِ، لِتَشَابُهِ ثِمَارهَا فِي المَنظَرِ وَاللَّونِ وَاختِلَافِهَا فِي الطَّعمِ، أَو أَنَّهُ يُشبِهُ ثِمَارَ الدُّنيَا فِي الخِلقَةِ وَالِاسمِ غَيرَ أَنَّهُ أَحسَنُ فِي المَنظَرِ وَالطَّعمِ، أَو لِأَنَّ المُؤمِنَ إِذَا أَخَذَ ثَمَرَةً مِنَ الشَّجَرَةِ خَلَفَهَا فَورًا قَبلَ أَن تَصِلَ إِلَى فِيهِ ثَمَرَةٌ أُخرَى تُشبِهُهَا.
{وَأُتُوا بِهِ}
أَي جِيئُوا بِالرِّزقِ.
{مُتَشَابِهًا}
يُشبِهُ بَعضُهُ بَعضًا لَونًا وَيَختَلِفُ طَعمًا.
{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ}
مِنَ الحُورِ وَغَيرِهَا.
{مُّطَهَّرَةٌ}
مِنَ الحَيضِ وَالِاستِحَاضَةِ وَالبَولِ وَالغَائِطِ وَسَائِرِ الأَقذَارِ وَالأَدنَاسِ، وَكَذَلِكَ هُنَّ مُطَهَّرَاتٌ مِن مَسَاوِئِ الأَخلَاقِ.
{وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
مَاكِثُونَ أَبَدًا لَا يَفنَونَ وَلَا يَمُوتُونَ وَلَا يَخرُجُونَ، فَحَيَاتُهُم فِيهَا مُستَمِرَّةٌ إِلَى غَيرِ نِهَايَةٍ، جَعَلَهُمُ اللهُ بَاقِينَ فِيهَا بَقَاءً لَا يَتَخَلَّلُهُ فَاقَةٌ وَلَا بُؤسٌ وَلَا مَرَضٌ، فِي نَعِيمٍ لَا يَنقَطِعُ([10])، وَبَقَاءُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَهلِهِمَا لَيسَ كَبَقَاءِ اللهِ تَعَالَى، فَبَقَاءُ اللهِ تَعَالَى ذَاتِيٌّ لَا شَىءَ غَيرُهُ أَوجَبَ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا الجَنَّةُ وَالنَّارُ وَأَهلُهُمَا فَبَقَاؤُهُم بِإِبقَاءِ اللهِ لَهُم وَمَشِيئَتِهِ.
- ذِكرُ هِدَايَةِ القُرءَانِ لِلمُؤمِنِينَ
لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الذُّبَابَ وَالعَنكَبُوتَ فِي كِتَابِهِ وَضَرَبَ بِهِ مَثَلًا ضَحِكَتِ اليَهُودُ وَقَالُوا: مَا يُشبِهُ هَذَا كَلَامَ اللهِ، فَنَزَلَ:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ}
يَجعَلَ.
{مَثَلًا مَّا}
أَي أَيَّ مَثَلٍ كَانَ.
{بَعُوضَةً}
مُفرَدُ البَعُوضِ.
{فَمَا فَوْقَهَا}
أَي مَا تَجَاوَزَهَا وَزَادَ عَلَيهَا فِي المَعنَى الَّذِي ضُرِبَت فِيهِ مَثَلًا وَهُوَ القِلَّةُ وَالحَقَارَةُ، أَو مَا زَادَ عَلَيهَا فِي الحَجمِ، أَي لَا يَترُكُ بَيَانَ وَضَربَ المَثَلِ بِالبَعُوضَةِ تَركَ مَن يَستَحِي أَن يَتَمَثَّلَ بِهَا لِحَقَارَتِهَا، وَلَا يَترُكُ ضَربَ المَثَلِ بِمَا هُوَ أَكبَرُ مِنهَا حَجمًا كَالذُّبَابِ وَالعَنكَبُوتِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ، مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ تَركَ إِظهَارِ الحَقِّ، فَلَا يَترُكُهُ لِلِاستِحيَاءِ كَمَا يَفعَلُ الخَلقُ، وَأَصلُ الحَيَاءِ: تَغَيُّرٌ وَانكِسَارٌ وَانفِعَالٌ يَعتَرِي الإِنسَانَ مِن تَخَوُّفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ، وَيَجُوزُ أَن تَقَعَ هَذِهِ العِبَارَةُ فِي مُقَابَلَةِ كَلَامِ الكَفَرَةِ حَيثُ قَالُوا: أَمَا يَستَحيِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أَن يَضرِبَ مَثَلًا بِالذُّبَابِ وَالعَنكَبُوتِ، فَجَاءَت عَلَى سَبِيلِ المُقَابَلَةِ وَإِطبَاقِ الجَوَابِ عَلَى السُّؤَالِ، وَهُوَ فَنٌّ بَدِيعٌ مِن كَلَامِ العَرَبِ([11])، وَلَا يَجُوزُ تَسمِيَةُ اللهِ بِالمُستَحيِي.
{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ}
أَيِ المَثَلُ.
{الْحَقُّ}
الثَّابِتُ الوَاقِعُ مَوقِعَهُ الَّذِي لَا يَسُوغُ إِنكَارُهُ.
{مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا}
أَي بِهَذَا المَثَلِ، أَي يَقُولُونَ ذَلِكَ مِن بَابِ الِاستِحقَارِ، أَي أَيُّ فَائِدَةٍ فِيهِ؟ فَقَالَ تَعَالَى فِي جَوَابِهِم:
{يُضِلُّ}
عَنِ الحَقِّ.
{بِهِ}
أَي بِهَذَا المَثَلِ، أَوِ القُرءَانِ.
{كَثِيرًا}
لِكُفرِهِم بِهِ.
{وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا}
مِنَ المُؤمِنِينَ لِتَصدِيقِهِم بِهِ، فَيَهتَدِي بِهِ مَن شَاءَ اللهُ لَهُ الهُدَى، وَيَهلِكُ بِهِ مَن شَاءَ اللهُ لَهُ الضَّلَالَ، وَاللهُ تَعَالَى مَا أَنزَلَ القُرآنَ لِيَهتَدِيَ بِهِ كُلُّ فَردٍ مِن أَفرَادِ العَالَمِ، بَل أَنزَلَهُ ابتِلَاءً لِعِبَادِهِ، لِيُؤمِنَ بِهِ بَعضُهُم فَيَفُوزَ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي لَا انقِطَاعَ لَهُ فِي الحَيَاةِ الدَّائِمَةِ الهَنِيَّةِ، وَيَهلِكَ الآخَرُونَ([12])
{وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}
الخَارِجِينَ عَن طَاعَتِهِ، وَالمُرَادُ اليَهُودُ، أَوِ المُنَافِقُونَ، أَو جَمِيعُ الكُفَّارِ.
- ذِكرُ صِفَةِ الضَّالِّينَ
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الفَاسِقِينَ بِقَولِهِ:
{الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}
{الَّذِينَ}
أَي هُمُ الَّذِينَ.
{يَنقُضُونَ}
يَفسَخُونَ وَيَفُكُّونَ.
{عَهْدَ اللَّهِ}
حِينَ أَخَذَ المِيثَاقَ عَلَيهِم بِأَنَّهُم إِذَا بُعِثَ إِلَيهِم رَسُولٌ يُصَدِّقُهُ اللهُ بِمُعجِزَاتِهِ صَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوهُ وَلَم يَكتُمُوا ذِكرَهُ، أَو حِينَ أَخَذَ اللهُ العَهدَ عَلَيهِم أَن لَا يَسفِكُوا دِمَاءَهُم وَلَا يَبغِيَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ وَلَا يَقطَعُوا أَرحَامَهُم، وَالمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ النَّاقِضِينَ لِعَهدِ اللهِ أَحبَارُ اليَهُودِ المُتَعَنِّتُونَ، أَو مُنَافِقُوهُم، أَوِ الكُفَّارُ جَمِيعًا، وَعَهدُ اللهِ مَا رَكَزَ فِي عُقُولِهِم مِنَ الحُجَّةِ عَلَى التَّوحِيدِ، كَأَنَّهُ أَمرٌ وَصَّاهُم بِهِ وَوَثَّقَهُ عَلَيهِم([13])
{مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}
تَوكِيدِهِ وَإِحكَامِهِ عَلَيهِم، أَو مَا وَثَّقُوا بِهِ عَهدَ اللهِ مِن قَبُولِهِ وَإِلزَامِهِم أَنفُسَهُم، وَمِن صِفَتِهِم:
{وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}
مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، أَو هُوَ قَطعُهُمُ الأَرحَامَ وَعَدَمُ مُوَالَاةِ المُؤمِنِينَ، أَو قَطعُهُم مَا بَينَ الأَنبِيَاءِ مِنَ الوَصلَةِ وَالِاجتِمَاعِ عَلَى الحَقِّ فِي إِيمَانِهِم بِبَعضٍ وَكُفرِهِم بِبَعضٍ، وَمِن صِفَتِهِم:
{وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ}
بِالتَّعوِيقِ عَنِ الإِيمَانِ وَبِالمَعَاصِي وَقَطعِ السَّبِيلِ.
{أُولَٰئِكَ}
المَوصُوفُونَ بِمَا ذُكِرَ.
{هُمُ الْخَاسِرُونَ}
لِمَصِيرِهِم إِلَى النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا، فَهُمُ المَغبُونُونَ حَيثُ اختَارُوا النَّقضَ بِدَلَ الوَفَاءِ، وَالقَطعَ بِدَلَ الوَصلِ، وَالفَسَادَ بِدَلَ الصَّلَاحِ، وَالعِقَابَ بِدَلَ الثَّوَابِ.
- ذِكرُ بَعضِ الأَدِلَّةِ عَلَى تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى
لَمَّا دَلَّلَ سُبحَانَهُ عَلَى التَّوحِيدِ وَبَشَّرَ المُؤمِنِينَ وَأَنذَرَ الكَافِرِينَ قَالَ عَلَى سَبِيلِ التَّبكِيتِ لِلكَافِرِينَ:
{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ}
تَعَالَى، وَالِاستِفهَامُ لِتَعجِيبِ المُؤمِنِينَ مِن كُفرِهِم مَعَ قِيَامِ البُرهَانِ، أَيِ اعجَبُوا مِن هَؤُلَاءِ كَيفَ يَكفُرُونَ وَقَد ثَبَتَت حُجَّةُ اللهِ عَلَيهِم، أَو لِلتَّقرِيرِ وَالتَّوبِيخِ.
{وَكُنتُمْ}
وَقَد كُنتُم.
{أَمْوَاتًا}
أَي نُطَفًا فِي أَصلَابِ آبَائِكُم لَا رُوحَ فِيهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ المُفَسِّرُونَ([14])
{فَأَحْيَاكُمْ}
فِي الأَرحَامِ بِنَفخِ المَلَكِ الرُّوحَ فِيكُم([15])
{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}
أَي عِندَ انقِضَاءِ آجَالِكُم.
{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}
لِلبَعثِ.
{ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
تُرَدُّونَ بَعدَ البَعثِ فَيُجَازِيكُم بِأَعمَالِكُم، أَو {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} فِي قُبُورِكُم {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أَي لِلنُّشُورِ([16]).
ثُمَّ زَادَ سُبحَانَهُ فِي ذِكرِ امتِنَانِهِ عَلَيهِم بِأَنوَاعِ الإِحسَانِ مُفَصِّلًا بَعدَ الإِجمَالِ فَقَالَ:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ}
أَيِ الأَرضَ وَمَا فِيهَا.
{جَمِيعًا}
لِتَنتَفِعُوا بِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَالنَّظَرُ فِي خَلقِ اللهِ وَمَا فِيهِ مِنَ العَجَائِبِ يَدُلُّ عَلَى صَانِعٍ قَادِرٍ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، وَيُذَكِّرُ بِالآخِرَةِ، لِأَنَّ مَلَاذَّ الدُّنيَا تُذَكِّرُ بِثَوَابِ الآخِرَةِ، وَمَكَارِهَ الدُّنيَا تُذَكِّرُ بِعِقَابِ الآخِرَةِ.
{ثُمَّ}
بَعدَ خَلقِ الأَرضِ.
{اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ}
أَي أَتبَعَ ذَلِكَ بِخَلقِ السَّمَاءِ، أَي خَلَقَ الأَرضَ ثُمَّ أَلحَقَ السَّمَاءَ بِالأَرضِ، فَيَكُونُ المَعنَى: وَخَلَقَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ السَّمَاءَ بَعدَ الأَرضِ([17])، قَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ فِي التَّفسِيرِ الكَبِيرِ: «الِاستِوَاءُ فِي كَلَامِ العَرَبِ قَد يَكُونُ بِمَعنَى الِانتِصَابِ، وَضِدُّهُ الِاعوِجَاجُ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ([18]) مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ فَاللهُ تَعَالَى يَجِبُ أَن يَكُونَ مُنَزَّهًا عَن ذَلِكَ»([19]).اهـ
{فَسَوَّاهُنَّ}
وَمَعنَى تَسوِيَتِهِنَّ تَعدِيلُ خَلقِهِنَّ([20]) وَإِخلَاؤُهُ مِنَ العِوَجِ وَالفُطُورِ وَإِتمَامُ خَلقِهِنَّ.
{سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
يَعلَمُهُ جُملَةً وَتَفصِيلًا، فَمِن ثَمَّ خَلَقَهُنَّ خَلقًا مُستَوِيًا مُحكَمًا مِن غَيرِ تَفَاوُتٍ([21]) مَعَ خَلقِ مَا فِي الأَرضِ عَلَى حَسَبِ حَاجَاتِ أَهلِهَا وَمَنَافِعِهِم، أَفَلَا تَعتَبِرُونَ أَنَّ القَادِرَ عَلَى خَلقِ ذَلِكَ ابتِدَاءً هُوَ أَعظَمُ مِنكُم وَقَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِكُم.
- ذِكرُ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ
بَعدَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَدِلَّةِ وَالبَرَاهِينِ ذَكَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قِصَّةَ آدَمَ دَلِيلًا ظَاهِرًا وَمِثَالًا بَيِّنًا لِخُلَاصَةِ مَا أُرِيدَ بِمَا تَقَدَّمَ، فَقَالَ:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
{وَإِذْ}
وَاذكُر يَا مُحَمَّدُ أَيِ اقصُص عَلَى قَومِكَ إِذ.
{قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ}
خَالِقٌ.
{فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}
وَهُوَ آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ([22])، وَكَانَ نَبِيًّا كَرِيمًا أَبَا البَشَرِ وَأَوَّلَ الأَنبِيَاءِ، تَامَّ الخِلقَةِ مُعتَدِلًا مُستَوِيَ الخَلقِ جَمِيلَ الصُّورَةِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ([23])، أَي أَنَّه سُبحَانَهُ أَعلَمَ المَلَائِكَةَ بِخَلقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ يَخلُفُ بَعضُهُم بَعضًا.
{قَالُوا}
أَيِ المَلَائِكَةُ سَائِلِينَ عَلَى وَجهِ الِاستِكشَافِ وَالِاستِعلَامِ عَن وَجهِ الحِكمَةِ، لَا عَلَى وَجهِ الِاعتِرَاضِ وَالتَّنَقُّصِ لِبَنِي آدَمَ وَالحَسَدِ لَهُم:
{قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}
بِالمَعَاصِي.
{وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}
يُرِيقُهَا بِالقَتلِ([24])؟ فَأَطلَعَ اللهُ المَلَائِكَةَ عَلَى أَحوَالِ بَنِي آدَمَ وَمَا يَحدُثُ مِنهُم مِن سَفكِ الدِّمَاءِ بِغَيرِ حَقٍّ وَمِنَ الظُّلمِ فِيمَا بَينَهُم([25])
{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}
أَي نَقُولُ: سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ.
{وَنُقَدِّسُ لَكَ}
أَي: نَعبُدُكَ دَائِمًا لَا يَعصِيكَ مِنَّا أَحَدٌ. وَرَوَى النَّسَفِيُّ أَنَّهُ وَرَدَ فِي تَسبِيحِ المَلَائِكَةِ قَولُهُم: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، وَرَوَى مُسلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ»([26]).
{قَالَ}
تَعَالَى.
{إِنِّي أَعْلَمُ}
مِنَ الحِكَمِ وَالمَصلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي خَلقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ وَاستِخلَافِهِم.
مَا لَا تَعْلَمُونَ}
مَا خَفِيَ عَلَيكُم، مِن أَنَّهُ سَيُوجَدُ مِنهُمُ الأَنبِيَاءُ وَالمُرسَلُونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالأَولِيَاءُ وَالعُلَمَاءُ([27])([28]).
ثُمَّ بَيَّنَ سُبحَانَهُ لِلمَلَائِكَةِ شَرَفَ آدَمَ وَفَضلَهُ عَلَى المَلَائِكَةِ فِي العِلمِ، فَقَالَ:
{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}
{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ}
أَي أَسَمَاءَ المُسَمَّيَاتِ أَيِ الأَشيَاءِ.
{كُلَّهَا}
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هِيَ هَذِهِ الأَسمَاءُ الَّتِي يَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ: إِنسَانٌ وَدَابَّةٌ وَأَرضٌ وَسَهلٌ وَبَحرٌ وَجَبَلٌ وَجَمَلٌ وَحِمَارٌ وَأَشبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الأُمَمِ وَغَيرِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَّمَهُ اسمَ الصَّحفَةِ وَالقِدرِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ} حَتَّى القَصعَةَ وَالقُصَيعَةَ([29]). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَّمَهُ اسمَ كُلِّ دَابَّةٍ، وَكُلِّ طَيرٍ، وَكُلِّ شَىءٍ. وَرَوَى شَيبَانُ عَن قَتَادَةَ قَالَ: عَلَّمَ آدَمَ مِنَ الأَسمَاءِ أَسمَاءِ خَلقِهِ مَا لَم يُعَلِّمِ المَلَائِكَةَ، وَسَمَّى كُلَّ شَىءٍ بِاسمِهِ، وَأَنحَى([30]) مَنفَعَةَ كُلِّ شَىءٍ إِلَى جِنسِهِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا أَحسَنُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا. وَالمَعنَى: عَلَّمَهُ أَسمَاءَ الأَجنَاسِ وَعَرَّفَهُ مَنَافِعَهَا، هَذَا كَذَا، وَهُوَ يَصلُحُ لِكَذَا([31]).اهـ فَأَلقَى فِي قَلبِهِ عِلمَهَا مِن غَيرِ أَن يَسبِقَ لَهُ تَعَلُّمٌ مِن أَحَدٍ، وَهَذَا مِن فَضلِ آدَمَ عَلَى المَلَائِكَةِ([32])، فَالمَلَائِكَةُ خُلِقُوا قَبلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ وَمَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ عِندَهُم عِلمٌ بِأَسمَاءِ كُلِّ شَىءٍ، أَمَّا هُوَ مَا كَانَ مَضَى عَلَيهِ زَمَانٌ طَوِيلٌ مُنذُ خُلِقَ([33])
{ ثُمَّ عَرَضَهُمْ}
أَيِ المُسَمَّيَاتِ.
{عَلَى الْمَلَائِكَةِ}
امتِحَانًا لَهُم لِيُرِيَهُم فَضلَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ.
{فَقَالَ أَنبِئُونِي}
أَخبِرُونِي.
{بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ}
المُسَمَّيَاتِ.
{إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}
وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ فِيمَن يَستَخلِفُهُم مِنَ الفَوَائِدِ العِلمِيَّةِ -الَّتِي هِيَ أُصُولُ الفَوَائِدِ كُلِّهَا- مَا يَستَأهِلُونَ لِأَجلِهِ أَن يُستَخلَفُوا.
{قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}
{قَالُوا سُبْحَانَكَ}
أَي: نُنَزِّهُكَ يَا رَبِّ عَن أَن يَخفَى عَلَيكَ شَىءٌ، فَلَا اعتِرَاضَ عَلَيكَ فِي تَدبِيرِكَ.
{لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا}([34])
العِلمُ هُنَا بِمَعنَى المَعلُومِ، أَي لَا مَعلُومَ لَنَا إِلَّا الَّذِي عَلَّمتَنَا، مَعنَاهُ: العِلمُ الَّذِي فِينَا أَنتَ خَلَقتَهُ يَا اللهُ([35])، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعمَالِنَا البَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ وَخَلقِهِ، فَقَولُهُ: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} مَعنَاهُ أَنتَ تَخلُقُ فِينَا الإِدرَاكَاتِ، لَسنَا نَحنُ نَخلُقُهَا، أَمَّا المُعتَزِلَةُ فَقَالُوا: عُلُومُنَا وَإِدرَاكَاتُنَا نَحنُ نَخلُقُهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ وَكُفرٌ.
{إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ}
الَّذِي لَا يَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ.
{الْحَكِيمُ}
فِيمَا قَضَيتَ وَقَدَّرتَ، لَا يَخرُجُ شَىءٌ عَن عِلمِكَ وَحِكمَتِكَ، أَي أَنتَ يَا رَبِّ مَوصُوفٌ بِصِفَةِ العِلمِ الَّذِي لَا يُبتَدَأُ وَلَا يُختَتَمُ وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنقُصُ وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَأَنتَ الحَكِيمُ أَيِ المُحكِمُ لِخَلقِ الأَشيَاءِ، أَيِ المُتقِنُ لِخَلقِكَ سُبحَانَكَ([36]).
{قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}
{قَالَ}
تَعَالَى.
{يَا آدَمُ أَنبِئْهُم}
أَي أَنبِئِ المَلَائِكَةَ.
{بِأَسْمَائِهِمْ}
أَي بِأَسمَاءِ المُسَمَّيَاتِ، فَسَمَّى كُلَّ شَىءٍ بِاسمِهِ، وَذَكَرَ حِكمَتَهُ الَّتِي خُلِقَ لَهَا.
{فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ}
عَرَفُوا فَضلَ آدَمَ وَالخُصُوصِيَّةَ الَّتِي خَصَّهُ اللهُ بِهَا.
فـ{ قَالَ}
تَعَالَى.
{أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
أَي أَعلَمُ مَا غَابَ فِيهِمَا عَنكُم مِمَّا كَانَ وَمِمَّا سَيَكُونُ.
{وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ}
أَي مَا أَظهَرتُمُوهُ مِنَ السَّمعِ وَالطَّاعَةِ للهِ حِينَ مَرَرتُم عَلَى جَسَدِ آدَمَ، وَهَذَا هُوَ شَأنُ المَلَائِكَةِ أَنَّهُم يُطِيعُونَ اللهَ، فَقَالَ إِبلِيسُ: إِن فُضِّلَ عَلَيكُم هَذَا مَا تَصنَعُونَ؟ فَقَالُوا: نُطِيعُ رَبَّنَا، فَقَالَ إِبلِيسُ فِي نَفسِهِ: لَئِن فُضِّلتُ عَلَيهِ لَأُهلِكَنَّهُ، وَلَئِن فُضِّلَ عَلَيَّ لَأَعصِيَنَّهُ.
{وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}
أَي مَا أَسَرَّهُ إِبلِيسُ مِنَ الكِبرِ وَالعِصيَانِ.
وَلَمَّا أَظهَرَ اللهُ تَعَالَى فَضلَ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي العِلمِ أَمَرَ المَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ فَقَالَ:
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}
{وَإِذْ}
وَاذكُر إِذ.
{قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}
سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَإِكرَامٍ لَا عِبَادَةٍ لِآدَمَ، بَلِ اعتِرَافًا بِفَضلِهِ وَأَدَاءً لِحَقِّهِ، وَهَذَا كَانَ بَعدَ أَن أَنبَأَهُم بِأَسمَائِهِم وَعَلَّمَهُم مَا لَم يَعلَمُوا، وَقِيلَ: أَمَرَهُم بِهِ قَبلَ أَن يُسَوِّيَ خَلقَهُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ }([37])، إِظهَارًا لِفَضلِهِ وَتَحِيَّةً لَهُ.
{فَسَجَدُوا}
وَكَانَ سُجُودُ المَخلُوقِ لِلمَخلُوقِ عَلَى وَجهِ التَّحِيَّةِ لَا العِبَادَةِ جَائِزًا فِي شَرَائِعِ الأَنبِيَاءِ، ثُمَّ حَرَّمَهُ اللهُ فِي شَرعِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَانَ السُّجُودُ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ بِالِانحِنَاءِ كَهَيأَةِ الرَّاكِعِ.
{إِلَّا إِبْلِيسَ}
وهُوَ أَبُو الجِنِّ، كَانَ يَعبُدُ اللهَ بَينَ المَلَائِكَةِ.
{أَبَىٰ}
امتَنَعَ عَمَّا أُمِرَ بِهِ مِنَ السُّجُودِ وَلَم يَمتَثِل لِأَمرِ اللهِ.
{وَاسْتَكْبَرَ}
تَكَبَّرَ وَاعتَرَضَ عَلَى اللهِ، وَقَالَ: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}([38])، فَكَفَرَ وَظَهَرَ مِنهُ مَا قَد سَبَقَ فِي عِلمِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ مِن كُفرِهِ وَاعتِرَاضِهِ بِاختِيَارِهِ، وَقَد وَرَدَ فِي الأَثَرِ أَنَّهُ كَانَ قَبلَ كُفرِهِ يُسَمَّى عَزَازِيلَ.
{وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}
أَي وَصَارَ مِنَ الكَافِرِينَ بِإِبَائِهِ وَاستِكبَارِهِ وَرَدِّهِ الأَمرَ اعتِرَاضًا عَلَى اللهِ، لَا بِتَركِ العَمَلِ بِالأَمرِ بِالسُّجُودِ، لِأَنَّ تَركَ السُّجُودِ لَا يُخرِجُ مِنَ الإِيمَانِ وَلَا يَكُونُ كُفرًا عِندَ أَهلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلمُعتَزِلَةِ وَالخَوَارِجِ، أَو كَانَ مِنَ الكَافِرِينَ فِي عِلمِ اللهِ، أَي وَكَانَ فِي عِلمِ اللهِ أَنَّهُ يَكفُرُ بَعدَ إِيمَانِهِ، فَقَد كَانَ إِبلِيسُ قَبلَ ذَلِكَ الوَقتِ مُسلِمًا مُؤمِنًا مِنَ الجِنِّ يَعبُدُ اللهَ مَعَ المَلَائِكَةِ([39]).
ثُمَّ أَمَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سَيِّدَنَا آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالإِقَامَةِ فِي الجَنَّةِ هُوَ وَزَوجُهُ السَّيِّدَةُ حَوَّاءُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لِنِعمَةِ التَّفضِيلِ بِشَرَفِ المَسكَنِ بَعدَ أَن بَيَّنَ نِعمَةَ التَّفضِيلِ فِي صِفَاتِ آدَمَ الذَّاتِيَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى:
{وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}
{وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ}
حَوَّاءُ، وَكَانَ خَلَقَهَا مِن ضِلَعِهِ الأَيسَرِ([40])
{الْجَنَّةَ}
أَي أَقِم أَنتَ وَزَوجَتُكَ فِي الجَنَّةِ([41])، وَهِيَ جَنَّةُ الخُلدِ الَّتِي تَكَوَّنَ فِيهَا هَيكَلُ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، الجَنَّةُ الَّتِي وَعَدَ اللهُ المُؤمِنِينَ بِهَا فِي الآخِرَةِ، لَيسَت بُستَانًا مِن بَسَاتِينِ الأَرضِ كَمَا قَالَتِ المُعتَزِلَةُ، وَقَد دَخَلَهَا النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَيلَةَ المِعرَاجِ ثُمَّ خَرَجَ مِنهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ.
{وَكُلَا مِنْهَا}
مِن ثِمَارِهَا أَكلًا.
{رَغَدًا}
وَاسِعًا لَا حَجرَ فِيهِ.
{حَيْثُ شِئْتُمَا}
مِن أَيِّ مَكَانٍ مِنَ الجَنَّةِ شِئتُمَا، أَبَاحَ اللهُ لَهُمَا كُلَّ شَىءٍ فِي الجَنَّةِ إِلَّا تِلكَ الشَّجَرَةَ، فَقَالَ تَعَالَى:
{وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ}
لَا بِالأَكلِ وَلَا بِالِاقتِرَابِ مِنهَا.
{فَتَكُونَا}
فَتَصِيرَا.
{مِنَ الظَّالِمِينَ}
مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم، أَو مِنَ الضَّارِّينَ أَنفُسَهُم، اللهُ تَعَالَى أَعلَمَهُمَا بِوَاسِطَةِ المَلَائِكَةِ أَن لَا يَقرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ، وَهَذَا لَيسَ عَلَى طَرِيقِ وَحيِ النُّبُوَّةِ، هَذَا مُجَرَّدُ إِعلَامٍ عَلَى لِسَانِ المَلَائِكَةِ، اللهُ أَمَرَ المَلَكَ أَن يَقُولَ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ: يَا آدَمُ وَيَا حَوَّاءُ، لَا تَأكُلَا مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَلَا يُغوِيَنَّكُمَا الشَّيطَانُ، فَإِنَّهُ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ.
{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}
فَوَسوَسَ لَهُمَا إِبلِيسُ لِيَأكُلَا مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَأَكَلَا مِنهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى:
{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ}
{عَنْهَا}
أَي عَنِ الشَّجَرَةِ، أَي فَحَمَلَهُمَا الشَّيطَانُ عَلَى الزَّلَّةِ بِسَبَبِهَا([42])، فَقَالَ لَهُمَا لِيُغرِيَهُمَا عَلَى ذَلِكَ: هَذِهِ شَجَرَةُ الخُلدِ، إِن أَكَلتُمَا مِنهَا تَعِيشَانِ إِلَى غَيرِ نِهَايَةٍ بِلَا مَوتٍ، وَحَلَفَ لَهُمَا بِاللهِ إِنَّهُ لَهُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَأَكَلَا مِنهَا، ثُمَّ نَدِمَا وَتَابَا فَتَابَ اللهُ عَلَيهِمَا، وَقَد كَانَت تِلكَ المَعصِيَةُ مَعصِيَةً صَغِيرَةً لَيسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَلَا دَنَاءَةٌ، وَلَيسَت مِن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَلَيسَت مِن نَوعِ السَّرِقَةِ([43])
{فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}
مِنَ الجَنَّةِ.
{وَقُلْنَا اهْبِطُوا}
انزِلُوا إِلَى الأَرضِ([44])، أَي أَنتُمَا بِمَا اشتَمَلتُمَا عَلَيهِ مِن ذُرِّيَّتِكُمَا، لِأَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا أَصلَ الإِنسِ وَمُتَشَعَّبَهُم جُعِلَا كَأَنَّهُمَا الإِنسُ كُلُّهُم، أَوِ الخِطَابُ لَهُمَا مَعَ إِبلِيسَ.
{بَعْضُكُمْ}
أَي بَعضُ الذُّرِّيَّةِ.
{لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}
وَالمُرَادُ بِهِ مَا عَلَيهِ بَعضُ النَّاسِ مِنَ التَّبَاغِي وَالتَّعَادِي وَتَضلِيلِ بَعضِهِم لِبَعضٍ، أَو إِبلِيسُ عَدُوٌّ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ، أَو إِبلِيسُ عَدُوٌّ لِلمُؤمِنِينَ وَهُم أَعدَاؤُهُ.
{وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ}
مَوضِعُ استِقرَارٍ.
{وَمَتَاعٌ}
مَا تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِن نَبَاتِهَا.
{إِلَىٰ حِينٍ}
إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، أَو إِلَى المَوتِ([45]).
{فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
{فَتَلَقَّىٰ آدَمُ}
أَيِ استَقبَلَ بِالأَخذِ وَالقَبُولِ وَالعَمَلِ.
{مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}
أَلهَمَهُ إِيَّاهَا، وَهُنَّ مَا جَاءَ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}([46])، وَفِيهِ مَوعِظَةٌ لِذُرِّيَّتِهِمَا حَيثُ عَرَفُوا كَيفِيَّةَ السَّبِيلِ إِلَى التَّنَصُّلِ مِنَ الذُّنُوبِ.
{فَتَابَ عَلَيْهِ}
قَبِلَ تَوبَتَهُ وَرَجَعَ عَلَيهِ بِالرَّحمَةِ وَالقَبُولِ، وَاكتُفِيَ بِذِكرِ تَوبَةِ آدَمَ لِأَنَّ حَوَّاءَ كَانَت تَبَعًا لَهُ، وَلَيسَ ذَلِكَ لِأَنَّ تَوبَةَ حَوَّاءَ لَم تُقبَل.
{إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ}
الَّذِي يَقبَلُ التَّوبَةَ كُلَّمَا تَكَرَّرَت.
{إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
فَلَمَّا بَيَّنَ العَدَاوَةَ اللَّازِمَةَ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَا وَجهُ الخَلَاصِ مِنهَا؟ فَقَالَ: اتِّبَاعُ شَرعِنَا المَشرُوعِ لِلتَّوبَةِ وَالرَّحمَةِ، فَإِنَّا
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا}
مِنَ الجَنَّةِ.
{جَمِيعًا ۖ}
أَي مُجتَمِعِينَ، فَنَزَلَ آدَمُ بِأَرضٍ فِي الهِندِ تُسَمَّى سَرَندِيبَ، وَحَوَّاءُ نَزَلَت بِجُدَّةَ، وَإِبلِيسُ اللَّعِينُ نَزَلَ بِالأُبُلَّةِ فِي العِرَاقِ، ثُمَّ جَمَعَ اللهُ تَعَالَى بَينَ آدَمَ وَحَوَّاءَ فَكَانَ تَلَاقِيهِمَا فِي عَرَفَاتٍ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ عَرَفَةَ، وَقِيلَ فِي المُزدَلِفَةِ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ، وَكَرَّرَ الأَمرَ بِالهُبُوطِ لِلتَّأكِيدِ، أَو لِأَنَّ الهُبُوطَ الأَوَّلَ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ وَالثَّانِيَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ.
{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}
كِتَابٌ أُنزِلُهُ عَلَيكُم، أَو رَسُولٌ أَبعَثُهُ إِلَيكُم.
{فَمَن تَبِعَ هُدَايَ}
بِالقَبُولِ وَالإِيمَانِ بِي وَبِهِ وَبِالعَمَلِ بِطَاعَتِي.
{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}
فِي الآخِرَةِ بِأَن يَدخُلُوا الجَنَّةَ.
{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
عَلَى مَا خَلَّفُوا، فَإِنَّ اللهَ يُذهِبُ عَنهُمُ الحُزنَ عَلَى مَا تَرَكُوا مِنَ الأَهلِ وَغَيرِهِ([49])([50]).
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}
كُتُبِنَا
{أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ}
أَي أَهلُهَا وَمُستَحِقُّوهَا.
{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
مَاكِثُونَ أَبَدًا لَا يَفنَونَ وَلَا يَخرُجُونَ([51]).
- حَثُّ بَنِي إِسرَائِيلَ عَلَى الإِيمَانِ بِذِكرِ نِعَمِ اللهِ عَلَيهِم وَعَلَى أَسلَافِهِم
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}
لَمَّا قَدَّمَ دَعوَةَ النَّاسِ عُمُومًا وَذَكَرَ مَبدَأَهُم دَعَا بَنِي إِسرَائِيلَ خُصُوصًا، وَهُمُ اليَهُودُ، فَتَارَةً دَعَاهُم بِالمُلَاطَفَةِ وَذِكرِ الإِنعَامِ عَلَيهِم وَعَلَى آبَائِهِم، وَتَارَةً بِالتَّخوِيفِ، وَتَارَةً بِإِقَامَةِ الحُجَّةِ وَتَوبِيخِهِم عَلَى سُوءِ أَعمَالِهِم وَذِكرِ العُقُوبَاتِ الَّتِي عَاقَبَهُم بِهَا، فَقَالَ مُبتَدِئًا بِتَذكِيرِهِم بِنِعَمِهِ سُبحَانَهُ عَلَيهِم آمِرًا لَهُم بِالوَفَاءِ بِالعُهُودِ الَّتِي مِن أَعظَمِهَا مُتَابَعَةُ هَذَا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ:
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}
أَي يَا أَولَادَ يَعقُوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَ(إِسرَائِيلُ) لَقَبٌ لَهُ، وَمَعنَاهُ فِي لِسَانِهِم: (صَفوَةُ اللهِ) أَو (عَبدُ اللهِ)، فَـ(إِسرَا) هُوَ العَبدُ أَوِ الصَّفوَةُ، وَ(إِيلُ) مَعنَاهُ اللهُ بِالعِبرِيَّةِ، فَسَيِّدُنَا يَعقُوبُ لَهُ اسمَانِ: يَعقُوبُ وَإِسرَائِيلُ، وَكَذَلِكَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُ اسمَانِ أَشهَرُ مِن غَيرِهِمَا: أَحَدُهُمَا مُحَمَّدٌ وَالآخَرُ أَحمَدُ.
{اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ}
أَي مَا أَنعَمتُ بِهِ عَلَى آبَائِكُم مِنَ الإِنجَاءِ مِن فِرعَونَ وَعَذَابِهِ، وَمِنَ الغَرَقِ، وَفَلقِ البَحرِ، وَتَظلِيلِ الغَمَامِ، وَمِنَ العَفوِ عَنِ اتِّخَاذِ العِجلِ وَالتَّوبَةِ عَلَيهِم، فَقَد عَبَدَ العِجلَ قِسمٌ مِنهُم ثُمَّ عَفَى اللهُ عَنهُم بِتَوبَتِهِم بِرُجُوعِهِم عَن عِبَادَةِ العِجلِ وَدُخُولِهِم فِي الإِسلَامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ، أَو مَا أَنعَمتُ بِهِ عَلَيكُم مِن إِدرَاكِ زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ المُبَشَّرِ بِهِ فِي التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ، فَيَكُونُ الخِطَابُ لِلمَوجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالمُرَادُ: اذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ بِأَن تُؤمِنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيهِ السَّلَامُ.
{الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}
وَشُكرُهَا يَكُونُ بِأَن لَا تُخِلُّوا بِشُكرِهَا وَبِأَن تُطِيعُوا مَانِحَهَا.
{ وَأَوْفُوا}
أَي أَدُّوا أَدَاءً وَافِيًا تَامًّا.
{بِعَهْدِي}
بِمَا عَاهَدتُمُونِي عَلَيهِ مِنَ الإِيمَانِ بِي وَطَاعَتِي، أَو مِنَ الإِيمَانِ بِنَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالكِتَابِ المُعجِزِ.
{أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}
أَي بِمَا عَاهَدتُكُم عَلَيهِ مِن حُسنِ الثَّوَابِ عَلَى حَسَنَاتِكُم وَدُخُولِ الجَنَّةِ.
{وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}
خَافُونِ فِي تَركِ الوَفَاءِ بِهِ دُونَ غَيرِي، وَلَا تَنقُضُوا عَهدِي.
ثُمَّ أَمَرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى اليَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ نُزُولِ القُرآنِ بِالإِيمَانِ بِالقُرآنِ فَقَالَ تَعَالَى:
{وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}
{وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ}
أَي بِمَا أَنزَلتُهُ وَهُوَ القُرآنُ.
{مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ}
مِنَ التَّورَاةِ، فَلَيسَ بَينَ التَّورَاةِ الَّتِي نَزَلَت عَلَى مُوسَى وَبَينَ القُرآنِ المُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيهِ السَّلَامُ اختِلَافٌ فِي الأَمرِ بِالعِبَادَةِ وَالتَّوحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَفِي وَصفِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مَا جَاءَ بِمَا يُخَالِفُ مَا كَانَ عَلَيهِ سَيِّدُنَا مُوسَى فِي العَقِيدَةِ، التَّورَاةُ الأَصلِيَّةُ وَالإِنجِيلُ الأَصلِيُّ يَأمُرَانِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وَأَن لَا يُشرَكَ بِهِ شَىءٌ، وَجَاءَ فِيهِمَا ذِكرُ أَنَّهُ سَيَأتِي نَبِيٌّ آخِرَ الزَّمَانِ فَاتَّبِعُوهُ.
{وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ}
مِن أَهلِ الكِتَابِ، أَو أَوَّلَ حِزبٍ أَو فَوجٍ كَفَرَ.
{بِهِ ۖ}
أَي بِالقُرآنِ، لِأَنَّ مَن خَلفَكُم تَبَعٌ لَكُم، فَإِثمُهُم عَلَيكُم، وَهَذَا تَعرِيضٌ بِأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَن يَكُونُوا أَوَّلَ مَن يُؤمِنُ بِهِ لِمَعرِفَتِهِم بِهِ وَبِصِفَتِهِ.
{وَلَا تَشْتَرُوا}
أَي وَلَا تَستَبدِلُوا.
{بِآيَاتِي}
الَّتِي فِي كِتَابِكُم مِن نَعتِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِتَغيِيرِهَا وَتَحرِيفِهَا.
{ثَمَنًا قَلِيلًا}
عَرَضًا يَسِيرًا مِنَ الدُّنيَا، قَالَ الحَسَنُ: هُوَ الدُّنيَا بِحَذَافِيرِهَا، فَإِنَّ الدُّنيَا بِالنِّسبَةِ لِلآخِرَةِ شَىءٌ قَلِيلٌ، ثَمَنٌ قَلِيلٌ، أَي لَا تَكتُمُوهَا خَوفَ فَوَاتِ مَا تَأخُذُونَهُ مِن سَفِلَتِكُم.
{وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}
فَخَافُونِي وَارهَبُونِي فِي ذَلِكَ دُونَ غَيرِي.
{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}
{وَلَا تَلْبِسُوا}
أَي وَلَا تَخلِطُوا.
{الْحَقَّ}
الَّذِي أَنزَلتُ عَلَيكُم.
{بِالْبَاطِلِ}
الَّذِي تَفتَرُونَهُ، أَي فَلَا تَكتُبُوا فِي التَّورَاةِ مَا لَيسَ مِنهَا فَيَختَلِطَ الحَقُّ المُنزَلُ بِالبَاطِلِ الَّذِي كَتَبتُم حَتَّى لَا يُمَيَّزَ بَينَ حَقِّهَا وَبَاطِلِكُم.
{وَتَكْتُمُوا}
وَلَا تَكتُمُوا.
{الْحَقَّ}
وَهُوَ نَعتُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَوِ الإِسلَامُ، أَو لَا تَقُولُوا: لَا نَجِدُ فِي التَّورَاةِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَو لَا نَجِدُ حُكمَ كَذَا.
{وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}
أَنَّهُ الحَقُّ، أَو فِي حَالِ عِلمِكُم أَنَّكُم لَابِسُونَ وَكَاتِمُونَ.
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}
أَي صَلَاةَ المُسلِمِينَ وَزَكَاتَهُم.
{وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}
مِنهُم، أَي أَسلِمُوا وَاعمَلُوا عَمَلَ أَهلِ الإِسلَامِ مِن إِقَامَةِ صَلَاةِ المُسلِمِينَ وَإِيتَاءِ زَكَاتِهِم وَلتَكُن صَلَاتُكُم مَعَ المُصَلِّينَ يَعنِي فِي جَمَاعَةٍ لَا مُنفَرِدِينَ.
([1]) قَالَ عَلقَمَةُ: «مَا فِي القُرآنِ مِن: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، فَهُوَ خِطَابٌ لِأَهلِ مَكَّةَ، وَمَا فِيهِ مِن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فَهُوَ خِطَابٌ لِأَهلِ المَدِينَةِ».اهـ مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج1 ص61).
([2]) قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «كُلُّ عِبَادَةٍ فِي القُرآنِ فَهِيَ تَوحِيدٌ»، مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج1 ص62)، أَي كُلُّ أَمرٍ فِي القُرآنِ بِعِبَادَةِ اللهِ فَهُوَ أَمرٌ بِالتَّوحِيدِ، وَقَالَ الإِمَامُ الجُنَيدُ البَغدَادِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُوَ إِمَامُ وَسَيِّدُ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ: «التَّوحِيدُ إِفرَادُ القَدِيمِ مِنَ المُحدَثِ»، الرِّسَالَةُ القُشَيرِيَّةُ، لِعَبدِ الكَرِيمِ القُشَيرِيِّ (ج1 ص21)، أَي تَنزِيهُ القَدِيمِ الأَزَلِيِّ وَهُوَ اللهُ عَن مُشَابَهَةِ المُحدَثِ وَهُوَ المَخلُوقُ، فَمَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فَهُوَ غَيرُ عَارِفٍ بِرَبِّهِ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ 321هـ: «وَمَن وَصَفَ اللهَ بِمَعنًى مِن مَعَانِي البَشَرِ فَقَد كَفَرَ»، العَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ، لِأَبِي جَعفَرٍ الطَّحَاوِيِّ (ص13)، أَي مَن وَصَفَ اللهَ وَلَو بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِن صِفَاتِ البَشَرِ فَقَد كَفَرَ، وَصِفَاتُ البَشَرِ كَثِيرَةٌ، مِنهَا: الوُجُودُ بَعدَ عَدَمٍ، وَالتَّغَيُّرُ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالحَرَكَةُ، وَالسُّكُونُ، وَالجُلُوسُ، وَالقُعُودُ، وَالِانفِعَالُ، وَالصُّعُودُ الحَقِيقِيُّ، وَالنُّزُولُ الحَقِيقِيُّ، فَاللهُ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ وَفِي صِفَاتِهِ وَفِي فِعلِهِ، وَلَا يَكُونُ العَبدُ مُؤمِنًا إِلَّا بِاعتِقَادِ أَنَّ اللهَ هُوَ وَحدَهُ الخَالِقُ لِكُلِّ شَىءٍ وَأَنَّهُ لَا خَالِقَ سِوَاهُ.
([3]) فهُوَ سُبحَانَهُ الخَالِقُ ومَا سِواهُ مَخلُوق. فكلُّ حَادِثٍ دَخَلَ في الوجُودِ مِنَ الأَعيَانِ والأَعمَالِ مِنَ الذَّرَّةِ إلى العَرشِ وَمِن كُلِّ حَرَكَةٍ لِلعِبَادِ وَسُكُونٍ والنَّوَايَا وَالخَواطِرِ فَهُوَ بِخَلقِ اللهِ، لَم يَخلُقهُ أَحَدٌ سِوىَ اللهِ، لَا طَبِيعَةٌ وَلَا عِلَّةٌ، بَل دُخُولُهُ في الوجُودِ بِمَشيئَةِ اللهِ وقُدرَتِهِ، بِتَقدِيرِهِ وَعِلمِهِ الأَزَليِّ، لِقَولِ اللهِ تَعَالى: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}، [سُورَةُ الفُرقَانِ:2]، أَي أَحدَثَهُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، فَلَا خَلقَ بِهَذَا المَعنَى لِغَيرِ اللهِ، قالَ اللهُ تَعَالَى: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ}، [سُورَةُ فَاطِرٍ:3].
([4]) [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:32].
([5]) كُلُّ هَذِهِ المَذكُورَاتِ وَغَيرُهَا دَلَائِلُ حِسِّيَّةٌ عَلَى عَظِيمِ قُدرَةِ اللهِ فِي الخَلقِ وَإِبرَازِهِ لِلمَعدُومَاتِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، فَهِيَ شَوَاهِدُ وَاضِحَةٌ مِمَّا يَرَونَهُ وَيُعَايِنُونَهُ بِحَوَاسِّهِم عَلَى وَحدَانِيَّةِ اللهِ سُبحَانَهُ، فَنَاسَبَ بَعدَهَا التَّذكِيرُ بِالأَصلِ وَهُوَ الأَمرُ بِالتَّوحِيدِ وَالثَّبَاتِ عَلَيهِ، وَالمَعنَى: فَكَيفَ بَعدَ كُلِّ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ عَلَى الوَحدَانِيَّةِ جَعَلتُم لَهُ أَندَادًا وَشُرَكَاءَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
([6]) وَكَانَ الِاحتِجَاجُ بِأَنَّهُ خَلَقَهُم أَحيَاءَ قَادِرِينَ، وَأَنَّهُ خَلَقَ الأَرضَ الَّتِي هِيَ مَثوَاهُم وَمُستَقَرُّهُم، وَخَلَقَ السَّمَاءَ الَّتِي هِيَ كَالقُبَّةِ المَضرُوبَةِ وَالخَيمَةِ المَشدُودَةِ عَلَى هَذَا القَرَارِ، وَمَا سَوَّاهُ عَزَّ وَجَلَّ مِن إِنزَالِ المَاءِ مِنهَا عَلَيهَا وَإِخرَاجِ الثِّمَارِ مِن بَطنِهَا رِزقًا لِبَنِي آدَمَ، فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ مُوصِلٌ إِلَى التَّوحِيدِ مُبطِلٌ لِلإِشرَاكِ، لِأَنَّ المَخلُوقَاتِ لَا تَقدِرُ عَلَى شَىءٍ مِن ذَلِكَ.
([7]) الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص186).
([8]) هَذَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّارَ مَخلُوقَةٌ الآنَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ، فَلَا تَفنَى وَلَا يَفنَى أَهلُهَا. فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِوُجُودِ جَهَنَّمَ وَبِأَنَّهَا مَخلُوقَةٌ الآنَ، فَهِيَ حَقٌّ كَمَا يُفهَمُ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَهِيَ مَكَانٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لِعَذَابِ الكُفَّارِ الَّذِي لَا يَنتَهِي أَبَدًا وَبَعضِ عُصَاةِ المُسلِمِينَ، ثُمَّ يَخرُجُ المُسلِمُونَ مِنهَا، وَمَكَانُهَا تَحتَ الأَرضِ السَّابِعَةِ مِن غَيرِ أَن تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِهَا، وَيَزِيدُ اللَّهُ فِي حَجمِ الكَافِرِ فِي النَّارِ لِيَزدَادَ عَذَابًا حَتَّى يَكُونَ ضِرسُهُ كَجَبَلِ أُحُدٍ، وَهُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ أَبَدًا لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحيَا حَيَاةً فِيهَا رَاحَةٌ، لَيسَ لَهُم فِيهَا طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ، وَشَرَابُهُم مِنَ المَاءِ الحَارِّ المُتَنَاهِي فِي الحَرَارَةِ.
([9]) الجَنَّةُ حَقٌّ يَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا وَبِأَنَّهَا مَخلُوقَةٌ الآنَ، كَمَا يُفهَمُ ذَلِكَ مِنَ القُرءَانِ وَالحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَهِيَ فَوقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ كَمَا فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ البَيهَقِيُّ، وَقَالَ تَعَالَى: {عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ} [سُورَةُ النَّجمِ:15]، أَي عِندَ سِدرَةِ المُنتَهَى، وَهِيَ لَيسَت مُتَّصِلَةً بِهَا، وَسَقفُهَا عَرشُ الرَّحمٰنِ، وَأَهلُهَا عَلَى صُورَةِ أَبِيهِم ءَادَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا طُولًا فِي سَبعَةِ أَذرُعٍ عَرضًا، جَمِيلُو الصُّورَةِ، جُردٌ مُردٌ، فِي عُمُرِ ثَلاثَةٍ وَثَلاثِينَ عَامًا، خَالِدُونَ فِيهَا لا يَخرُجُونَ مِنهَا أَبَدًا.
([10]) وَفِي هَذِهِ الآيَةِ بُطلَانُ قَولِ الجَهمِيَّةِ أَتبَاعِ جَهمِ بنِ صَفوَانَ المُبتَدِعِ الضَّالِّ، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ بِفَنَاءِ الجَنَّةِ وَأَهلِهَا، وَهَذَا تَكذِيبٌ لِلدِّينِ.
([11]) وَلَا يَجُوزُ وَصفُ اللهِ بِالحَيَاءِ الَّذِي هُوَ انفِعَالٌ يَحصُلُ فِي البَدَنِ، فَهَذَا غَيرُ لَائِقٍ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّهُ سُبحَانَهُ لَا يُوصَفُ بِالجِسمِيَّةِ وَلَا بِصِفَاتِ الأَجسَامِ، مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }، [سُورَةُ الشُّورَى:11].
([12]) وَمَا أَحسَنَ قَولَ مَن قَالَ: القُرآنُ كَالشَّمسِ، فَالشَّمسُ يَرَاهَا البَصِيرُ دُونَ الأَعمَى، كَذَلِكَ آيَاتُ القُرآنِ نُورٌ لَكِن لَا يَهتَدِي بِهَا إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ لَهُ الهِدَايَةَ، أَمَّا الَّذِي أَقفَلَ اللهُ قَلبَهُ فَهُوَ كَالأَعمَى الَّذِي لَا يُبصِرُ الشَّمسَ.
([13]) وَقِيلَ: عَهِدَ اللهُ إِلَى خَلقِهِ ثَلَاثَةَ عُهُودٍ، العَهدُ الأَوَّلُ: الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ بِأَن يُقِرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ} ، [سُورَةُ الأَعرَافِ:172]، وَعَهدٌ خَصَّ بِهِ النَّبِيِّينَ أَن يُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ وَيُقِيمُوا الدِّينَ، وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ}، [سُورَةُ الأَحزَابِ:7]، وَعَهدٌ خَصَّ بِهِ العُلَمَاءَ، وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} ، [سُورَةُ آلِ عِمرَانِ:187].
وَفِي المُستَدرَكِ لِلحَاكِمِ عَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ فِي قَولِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [سُورَةُ الأَعرَافِ:172]، قَالَ: جَمَعَهُم لَهُ يَومَئِذٍ جَمِيعًا، مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، فَجَعَلَهُم أَزوَاجًا ثُمَّ صَوَّرَهُم فَاستَنطَقَهُم فَتَكَلَّمُوا وَأَخَذَ عَلَيهِمُ العَهدَ وَالمِيثَاقَ وَأَشهَدَهُم عَلَى أَنفُسِهِم أَنَّهُ رَبُّهُم، قَالُوا بَلَى شَهِدنَا، قَالَ فَإِنِّي أُشهِدُ عَلَيكُمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ، وَأُشهِدُ عَلَيكُم أَبَاكُم ءَادَمَ، أَن تَقُولُوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غَافِلِينَ، فَلَا تُشرِكُوا بِي شَيئًا، فَإِنِّي أُرسِلُ إِلَيكُم رُسُلًا يُذَكِّرُونَكُم عَهدِي وَمِيثَاقِي وَأُنزِلُ عَلَيكُم كُتُبِي، فَقَالُوا نَشهَدُ أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا لَا رَبَّ لَنَا غَيرُكَ، ثُمَّ رَآهُم أَبُوهُم ءَادَمُ وَرَأَى فِيهِمُ الغَنِيَّ وَالفَقِيرَ وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَغَيرَ ذَلِكَ، وَرَأَى فِيهِمُ الأَنبِيَاءَ مِثلَ السُّرُجِ، وَخُصُّوا بِمِيثَاقٍ ءَاخَرَ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَذَلِكَ قَولُهُ:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} ، [سُورَةُ الأَحزَابِ:7].
([14]) قَولُ بَعضِهِم إِنَّ المَنِيَّ فِيهِ رُوحٌ بَاطِلٌ، وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
([15]) وَيَكُونُ هَذَا بَعدَ أَربَعَةِ أَشهُرٍ، لِأَنَّهُ لَا يُنفَخُ الرُّوحُ فِي الجَنِينِ إِلَّا بَعدَ اكتِمَالِ مِائَةٍ وَعِشرِينَ يَومًا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :«يُجَمَعُ خَلقُ أَحَدِكُم فِي بَطنِ أُمِّهِ أَربَعُونَ يَومًا نُطفَةً، وَأَربَعُونَ يَومًا عَلقَةً، وَأَربَعُونَ يَومًا مُضغةً، ثُمَّ يُنفَخُ فِيهِ الرُّوحُ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ التَّوحِيدِ – بَابُ قَولِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ}، رَقمُ الحَدِيثِ: (7454).
([16]) مِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ مِمَّا أَخبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنهُ: البَعثُ، وَهُوَ خُرُوجُ المَوتَى مِنَ القُبُورِ بَعدَ إِعَادَةِ الجَسَدِ الَّذِي أَكَلَهُ التُّرَابُ إِن كَانَ مِنَ الأَجسَادِ الَّتِي يَأكُلُهَا التُّرَابُ وَهِيَ أَجسَادُ غَيرِ الأَنبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ المَعرَكَةِ وَكَذَلِكَ بَعضُ الأَولِيَاءِ لا يَأكُلُ التُّرَابُ أَجسَادَهُم لِمَا تَوَاتَرَ مِن مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ، وَمِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ مِمَّا أَخبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنهُ: الحَشرُ، وَهُوَ أَن يُجمَعَ النَّاسُ وَيُسَاقُوا بَعدَ البَعثِ إِلَى المَحشَرِ وَقَد وَرَدَ أَنَّهُ الشَّامُ ثُمَّ يُنقَلُونَ عِندَ دَكِّ الأَرضِ إِلَى ظُلمَةٍ عِندَ الصِّرَاطِ ثُمَّ يُعَادُونَ إِلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ فَيَكُونُ الحِسَابُ عَلَيهَا.
([17]) ذَكَرَ الإِمَامُ أَبُو جَعفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ [ت310هـ] فِي تَفسِيرِهِ جَامِعِ البَيَانِ أَنَّ الاستِوَاءَ فِي كَلَامِ العَرَبِ مُنصَرِفٌ عَلى وُجُوهٍ، مِنهَا: الاحتِيَازُ وَالاستِيلَاءُ، ثُمَّ أَوَّلَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: { ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ} [سُورَةُ البَقَرَةِ:29] فَقَالَ: عَلَا عَلَيهَا عُلُوَّ مُلكٍ وَسُلطَانٍ لَا عُلُوَّ انتِقَالٍ وَزَوَالٍ.اهـ جَامِعُ البَيَانِ فِي تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج1 ص457).
([19]) التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج2 ص380).
([20]) السَّمَاءُ لَيسَت مُشَقَّقَةً، وَاللهُ تَعَالَى أَحكَمَ صُنعَهَا، لَكِن لَهَا أَبوَابٌ، وَقَد أَخبَرَنَا اللهُ بِأَنَّهُ خَلَقَ سَبعَ سَمَاوَاتٍ وَسَبعَ أَرَضِينَ، قَالَ رَبُّنَا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﱡﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘﳙﱠ، [سُورَةُ الطَّلَاقِ:12]، وَالسَّمَاوَاتُ مَشحُونَةٌ بِالمَلَائِكَةِ، وَهِيَ مَسكَنُ المَلَائِكَةِ، قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا فِي السَّمَاءِ مَوضِعُ أَربَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَو رَاكِعٌ أَو سَاجِدٌ»، وَمَا بَينَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمسِمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَينَ كُلِّ أَرضٍ وَأَرضٍ كَذَلِكَ، وَمَا بَينَ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ كَذَلِكَ، وَسَمكُ كُلِّ سَمَاءٍ كَذَلِكَ، وَكُلُّ سَمَاءٍ لَهَا بَابٌ وَلَهَا رَئِيسٌ مِنَ المَلَائِكَةِ.
([21]) وَخَلقُ اللهِ لِلسَّمَاوَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسكُنُهَا سُبحَانَهُ، فَالسُّكنَى مُحَالَةٌ عَلَى اللهِ، وَهُوَ خَالِقُ السَّمَاءِ، كَانَ قَبلَهَا بِدُونِهَا، وَلَمَّا خَلَقَهَا لَم يَتَغَيَّر، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ، وَلَا يَجرِي عَلَيهِ زَمَانٌ، غَنِيٌّ عَنِ السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَالمَكَانِ وَالزَّمَانِ، ﱡﱐ ﱑ ﱒﱓﱠ، [سُورَةُ الشُّورَى:11].
([22]) كَيفَ خُلِقَ ءَادَمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ }، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:33]. سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ هُوَ أَبُو البَشَرِ وَأَوَّلُ إِنسَانٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى، فَهُوَ أَوَّلُ النَّوعِ البَشَرِيِّ. وَكَانَ خَلقُهُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي الجَنَّةِ ءَاخِرَ سَاعَةٍ مِن يَومِ الجُمُعَةِ مِنَ الأَيَّامِ السِّتِّ الَّتِي خَلَقَ اللهُ فِيهَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُسلِمٍ، وَرَوَى مُسلِمٌ وَغَيرُهُ أَيضًا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَيرُ يَومٍ طَلَعَت فِيهِ الشَّمسُ يَومُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ ءَادَمُ». شَاءَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَشِيئَتِهِ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَغَيَّرُ وُجُودَ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَأَبرَزَهُ بِقُدرَتِهِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ. فَقَد أَمَرَ اللهُ تَعَالَى مَلَكًا مِن مَلَائِكَتِهِ الكِرَامِ أَن يَأخُذَ مِن جَمِيعِ أَنوَاعِ تُرَابِ الأَرضِ الَّتِي نَعِيشُ عَلَيهَا لِيَخلُقَ مِنهُ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَأَخَذَ هَذَا المَلَكُ مِن جَمِيعِ أَنوَاعِ تُرَابِ الأَرضِ، مِن أَبيَضِهَا وَأَسوَدِهَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ، وَمِن سَهلِهَا وَحَزنِهَا أَي قَاسِيهَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ، وَمِن طَيِّبِهَا وَرَدِيئِهَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ قَبَضَ قَبضَةً مِنَ الأَرضِ مِن أَبيَضِهَا وَأَسوَدِهَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ، وَمِن طَيِّبِهَا وَرَدِيئِهَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ، فَجَاءَ ذُرِّيَّةُ ءَادَمَ عَلَى قَدرِ ذَلِكَ»، رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ وَغَيرُهُ، وَعِندَ أَحمَدَ: «فَجَاءَ بَنُو ءَادَمَ عَلَى قَدرِ الأَرضِ، فَجَاءَ مِنهُمُ الأَبيَضُ وَالأَحمَرُ وَالأَسوَدُ وَبَينَ ذَلِكَ، وَالسَّهلُ وَالحَزنُ وَبَينَ ذَلِكَ، وَالخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَينَ ذَلِكَ». أَي جَاءَت أَحوَالُ وَأَلوَانُ ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مُختَلِفَةً بِسَبَبِ هَذَا التُّرَابِ المُختَلِفِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ ءَادَمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَسُمِّيَ ءَادَمُ بِهَذَا الِاسمِ لِأَنَّهُ مِن أَدِيمِ الأَرضِ.
([23]) الخِلقَةُ الَّتِي خُلِقَ عَلَيهَا ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ: خَلَقَ اللهُ سَيِّدَنَا ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ جَمِيلَ الشَّكلِ وَالصُّورَةِ وَحَسَنَ الصَّوتِ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَنبِيَاءِ اللهِ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللهُ لِهِدَايَةِ النَّاسِ كَانُوا عَلَى صُورَةٍ جَمِيلَةٍ وَشَكلٍ حَسَنٍ، وَكَذَلِكَ كَانُوا جَمِيلِي الصَّوتِ، قَالَ ﷺ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الوَجهِ حَسَنَ الصَّوتِ، وَإِنَّ نَبِيَّكُم أَحسَنُهُم وَجهًا وَأَحسَنُهُم صَوتًا»، وَلَقَد كَانَ طُولُ سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَكَانَ وَافِرَ الشَّعَرِ، شَبَّهَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الطُّولِ بِالنِّخلَةِ السَّحُوقِ، لَمَّا خَلَقَهُ اللهُ قَالَ: اذهَب فَسَلِّم عَلَى أُولَئِكَ -نَفَرٍ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٍ- فَاستَمِع مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيكَ وَرَحمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحمَةُ اللهِ. فَائِدَةٌ: رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا صَوَّرَ ءَادَمَ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَترُكَهُ، فَجَعَلَ إِبلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَجوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خَلقٌ لَا يَتَمَالَكُ»، وَعِندَ أَبِي يَعلَى: «فَكَانَ إِبلِيسُ يَمُرُّ بِهِ فَيَقُولُ: لَقَد خُلِقتَ لِأَمرٍ عَظِيمٍ». فَفِي هَذَا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِبلِيسَ كَانَ فِي الجَنَّةِ لَمَّا خُلِقَ ءَادَمُ، وَذَلِكَ قَبلَ أَن يَكفُرَ، لِأَنَّهُ كَانَ مُسلِمًا يَتَعَبَّدُ مَعَ المَلَائِكَةِ، وَلَم يَكُن مِنهُم مِن حَيثُ الجِنسُ وَالأَصلُ، لِأَنَّ المَلَائِكَةَ أَصلُهُمُ النُّورُ وَإِبلِيسُ أَصلُهُ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ أَي لَهَبِ النَّارِ، وَفِيهِ أَنَّ إِبلِيسَ كَانَ يَدُورُ حَولَ هَيكَلِ ءَادَمَ وَذَلِكَ قَبلَ أَن يُنفَخَ فِيهِ الرُّوحُ فَرَءَاهُ أَجوَفَ أَي شَيئًا غَيرَ مُصمَتٍ بَل لَهُ جَوفٌ، فَعَرَفَ أَنَّهُ خَلقٌ لَا يَتَمَالَكُ أَي لَيسَ كَالمَلَائِكَةِ وَلَا كَالجَمَادَاتِ بَل هُوَ أَضعَفُ مِن ذَلِكَ. وَلَم يَكُن آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ قِردًا وَلَا يُشبِهُ القُرُودَ وَلَا مُنحَنِيَ الظَّهرِ وَلَا مَكشُوفَ العَورَةِ، فَمِنَ الكَذِبِ الظَّاهِرِ مَا شَاعَ مِن نَظَرِيَّةٍ ابتَدَعَهَا بَعضُ الكُفَّارِ، وَهِيَ أَنَّ أَصلَ البَشَرِ قِردٌ أَو يُشبِهُ القِردَ، وَهَذَا فِيهِ تَكذِيبٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، [سُورَةُ التِّينِ:4]، فَسَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ أَوَّلُ إِنسَانٍ خَلَقَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَم يَكُن أَصلُهُ قِردًا ثُمَّ تَرَقَّى حَتَّى صَارَ إِنسَانًا، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}، [سُورَةُ الكَهفِ:5]، فَنَظَرِيَّةُ «دَاروِينَ» الَّتِي تَقُولُ: إِنَّ الإِنسَانَ أَصلُهُ قِردٌ ثُمَّ تَرَقَّى بِسَبَبِ العَوَامِلِ المَجهُولَةِ حَتَّى صَارَ هَذَا الإِنسَانَ هِيَ نَظَرِيَّةٌ بَاطِلَةٌ لَا تَقُومُ عَلَى أَسَاسٍ عِلمِيٍّ، وَتَرُدُّهَا دَلَائِلُ النَّقلِ، وَإِن تَلَقَّفَهَا المُفتَرُونَ بِكُلِّ جَدِيدٍ وَلَو كَانَ سَخِيفًا بَاطِلًا. وَمَا جَاءَ فِي القُرءَانِ مِن مَسخِ بَعضِ اليَهُودِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ فَهُوَ حَالَةٌ نَادِرَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَذَابًا لِليَهُودِ الَّذِينَ اعتَدَوا فِي السَّبتِ وَعَصَوُا اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمَوعِظَةً وَعِبرَةً لِلمُتَّقِينَ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:65]. عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ مَسَخَهُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِرَدَةً لَم يَعِيشُوا طَوِيلًا، بَل عَاشُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مَاتُوا وَلَم يَترُكُوا نَسلًا مِن جِنسِ مَا مُسِخُوا إِلَيهِ. فَاللهُ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَصَوَّرَهُ عَلَى هَيئَتِهِ المَذكُورَةِ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبعَةِ أَذرُعٍ، وَرَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ هُوَ المُصَوِّرُ وَلَيسَ المُصَوَّرَ، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ الصُّوَرَ وَلَا يُوصَفُ بِالشَّكلِ وَالكَيفِيَّةِ وَالصُّورَةِ، قَالَ أَبُو سُلَيمَانَ الخَطَّابِيُّ: إِنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَينَا وَعَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَعلَمَهُ أَنَّ رَبَّنَا لَيسَ بِذِي صُورَةٍ وَلَا هَيئَةٍ، فَإِنَّ الصُّورَةَ تَقتَضِي الكَيفِيَّةَ، وَهِيَ عَنِ اللهِ وَعَن صِفَاتِهِ مَنفِيَّةٌ.اهـ وَقَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ الكَنزِ المَدفُونِ مَا نَصُّهُ: «لَا يُقَالُ لِلمَعبُودِ: كَيفَ هُوَ، لِأَنَّهُ يُستَخبَرُ بِكَيفَ عَنِ الهَيئَةِ وَالحَالِ، وَاللهُ سُبحَانَهُ لَا هَيئَةَ لَهُ وَلَا حَالَ».اهـ أَمَّا مَعنَى مَا رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» فَيَجُوزُ أَن يَكُونَ مَعنَى هَذَا الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ ءَادَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، أَي عَلَى صُورَةِ ءَادَمَ الأَصلِيَّةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيهَا طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَعَرضُهُ سَبعَةُ أَذرُعٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي «صُورَتِهِ» عَائِدًا إِلَى ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي «صُورَتِهِ» عَائِدًا إِلَى اللهِ، فَيَكُونُ التَّقدِيرُ: عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ وَجَعَلَهَا مُشَرَّفَةً مُكَرَّمَةً، وَتُسَمَّى هَذِهِ الإِضَافَةُ إِضَافَةَ المِلكِ وَالتَّشرِيفِ لَا إِضَافَةَ الجُزئِيَّةِ، كَإِضَافَةِ الكَعبَةِ إِلَى نَفسِهِ، كَقَولِ اللهِ تَعَالَى لِإِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ: { أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:125]، لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ لَا يُوصَفُ بِالجِسمِيَّةِ وَالجُزئِيَّةِ، فَلَيسَ هُوَ أَصلًا لِشَىءٍ وَلَا هُوَ فَرعًا عَن شَىءٍ وَلَا يَتَحَيَّزُ فِي جِهَةٍ وَمَكَانٍ، لِأَنَّ التَّحَيُّزَ لِلجِسمِ اللَّطِيفِ وَالكَثِيفِ. وَقَد غَلِطَ البَعضُ فِي هَذَا الحَدِيثِ فَأَجرَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وقال: لِلَّهِ تَعَالَى صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِرُ الفَسَادِ، لِأَنَّ الصُّورَةَ تُفِيدُ التَّركِيبَ، وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحدَثٌ، وَاللهُ تَعَالَى لَيسَ بِمُحدَثٍ، فَلَيسَ هُوَ مُرَكَّبًا، وَلَيسَ مُصَوَّرًا، وَهَذَا كَقَولِ المُجَسِّمَةِ: جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ، لَمَّا رَأَوا أَهلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: البَارِئُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى شَىءٌ لَا كَالأَشيَاءِ، طَرَدُوا الِاستِعمَالَ فَقَالُوا: جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ، وَالفَرقُ أَنَّ لَفظَ (شَىءٍ) لَا يُفِيدُ الحُدُوثَ وَلَا يَتَضَمَّنُ مَا يَقتَضِيهِ، وَأَمَّا (جِسمٌ) وَ(صُورَةٌ) فَيَتَضَمَّنَانِ التَّألِيفَ وَالتَّركِيبَ، وَذَلِكَ دَلِيلُ الحُدُوثِ.
([24]) هَذِهِ الآيَةُ تُخبِرُ أَنَّ اللهَ قَضَى عَلَى ءَادَمَ وَبَنِيهِ بِاستِخلَافِ الأَرضِ لِعِمَارَتِهَا وَالِانتِفَاعِ بِمَا أَودَعَهُ فِيهَا مِنَ نَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ وَمَعَادِنَ وَيَتَوَلَّى بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ بِالحُكمِ وَغَيرِ ذَلِكَ. وَقَد أَخبَرَ اللهُ المَلَائِكَةَ وَأَعلَمَهُم أَنَّهُ سَيَجعَلُ بَنِي ءَادَمَ خُلَفَاءَ فِي الأَرضِ يَسعَونَ فِيهَا، وَيَمشُونَ فِي مَنَاكِبِهَا، وَيَنتَشِرُ نَسلُهُم فِي أَرجَائِهَا، وَيَأكُلُونَ مِن نَبَاتِهَا، وَيَستَخرِجُونَ الخَيرَاتِ مِن بَاطِنِهَا. فَسَأَلَتِ المَلَائِكَةُ رَبَّهَا لِلِاستِكشَافِ عَنِ الحِكمَةِ فِي جَعلِهِم خُلَفَاءَ فِي الأَرضِ، لَا لِلِاعتِرَاضِ عَلَى اللهِ، وَقَالَت: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:30] أَي نَحنُ نَعبُدُكَ دَائمًا وَلَا يَعصِيكَ مِنَّا أَحَدٌ. فَبَيَّنَ اللهُ لِلمَلَائِكَةِ الحِكمَةَ مِن جَعلِ بَنِي ءَادَمَ خُلَفَاءَ فِي الأَرضِ، وَهُوَ أَنَّ البَشَرَ وَإِن كَانَ فِيهِم مَن يَسفِكُ الدِّمَاءَ وَيُفسِدُ فِي الأَرضِ، لَكِن مِنهُمُ الأَنبِيَاءُ وَالأَولِيَاءُ، وَنَصَبَ لَهُم دَلِيلًا عَلَى فَضلِ ءَادَمَ أَن عَلَّمَهُ أَسمَاءَ كُلِّ شَىءٍ فَتَفَوَّقَ عَلَى المَلَائِكَةِ بِذَلِكَ، وَقَالَ اللهُ لِآدَمَ: { أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:33] فَصَارَ ءَادَمُ يَقُولُ لَهُم: هَذَا اسمُهُ كَذَا، هَذَا اسمُهُ كَذَا.
([25]) قَولُ بَعضِ النَّاسِ: إِنَّ آدَمَ لَيسَ هُوَ أَوَّلَ النَّوعِ الإِنسَانِيِّ بَل قَبلَهُ أَوَادِمُ كَثِيرَةٌ بِزَعمِهِم، هُوَ كَلَامٌ مَردُودٌ، فَقَد زَعَمَت بَعضُ الجَمَاعَاتِ فِي الهِندِ أَنَّ عِمرَانَ بِلَادِهِم أَقدَمُ مِن خَلقِ آدَمَ، وَقَد كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّ آدَمَ كَانَ عَبدًا مِن عَبِيدِهِم هَرَبَ إِلَى الغَربِ وَجَاءَ بِأَولَادِهِ، وَقَالَ البَعضُ إِنَّهُ قَبلَ آدَمَ كَانَ هُنَاكَ مِائَةُ أَلفِ آدَمَ، وَهَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ غَيرُ مُستَنِدٍ إِلَى دَلِيلٍ، وَالرَّدُّ عَلَيهِ مَا رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعوَةٍ فَرُفِعَ إِلَيهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَت تُعجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنهَا نَهسَةً وَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ القَومِ يَومَ القِيَامَةِ، هَل تَدرُونَ بِمَن يَجمَعُ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُبصِرُهُمُ النَّاظِرُ وَيُسمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَتَدنُو مِنهُمُ الشَّمسُ فَيَقُولُ بَعضُ النَّاسِ: أَلَا تَرَونَ إِلَى مَا أَنتُم فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُم؟ أَلَا تَنظُرُونَ إِلَى مَن يَشفَعُ لَكُم إِلَى رَبِّكُم؟ فَيَقُولُ بَعضُ النَّاسِ: أَبُوكُم آدَمُ (قَالَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ جَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَذَكَرَ آدَمَ أَنَّهُ أَبُوهُم فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَشَرَ قَبلَهُ) فَيَأتُونَهُ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنتَ أَبُو البَشَرِ».اهـ فَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّ آدَمَ هُوَ أَوَّلُ الجِنسِ البَشَرِيِّ.
([26]) وَالتَّسبِيحُ مَعنَاهُ: التَّنزِيهُ للهِ تَعَالَى عَنِ السُّوءِ وَالنَّقَائِصِ وَصِفَاتِ الأَجسَامِ، كَالجُلُوسِ وَالمَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَقَد رَوَى الحَاكِمُ عَن طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن تَفسِيرِ «سُبحَانَ اللَّهِ» فَقَالَ: «هُوَ تَنزِيهُ اللَّهِ عَن كُلِّ سُوءٍ»، أَي أَنَّ اللهَ مُنَزهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَصِفَاتِ الأَجسَامِ كَالمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالقُعُودِ وَالجُلُوسِ وَالنُّزُولِ الحَقِيقِيِّ وَسَائِرِ صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ.اهـ
([27]) وَهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا إِثبَاتُ صِفَةِ العِلمِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ عَالِمٌ لَا كَالعُلَمَاءِ، يَعلَمُ سُبحَانَهُ كُلَّ شَىءٍ، وَعِلمُهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ المَعلُومَاتِ، لَا يَخفَى عَلَيهِ شَىءٌ مِن خَلقِهِ، فَعِلمُهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لَا ابتِدَاءَ لَهُ، لَا يَزِيدُ وَلَا يَنقُصُ وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَعِلمُ غَيرِهِ حَادِثٌ يَتَغَيَّرُ.
([28]) لَا يَعلَمُ كُلَّ الغَيبِ إِلَّا اللهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه} [سُورَةُ النَّملِ:65]، فَنَفَى عَنِ الخَلقِ عِلمَ جَمِيعِ الغَيبِ، أَمَّا بَعضُ الغَيبِ فَإِنَّ اللَّهَ يُطلِعُ عَلَيهِ بَعضَ مَخلُوقَاتِهِ، وَهُمُ الأَنبِيَاءُ وَالأَولِيَاءُ وَالمَلائِكَةُ، فمَنِ ادَّعَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُهُ اللَّهُ فَقَد سَوَّى الرَّسُولَ ﷺ بِاللَّهِ، وَذَلِكَ ضَلَالٌ مُبِينٌ. وَلَا فَرقَ بَينَ مِن يَقُولُ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُهُ اللهُ مِن بَابِ العَطَاءِ، أَي أَنَّ اللَّهَ أَعطَاهُ ذَلِكَ، وَبَينَ مَن يَقُولُ إِنَّهُ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُهُ اللَّهُ مِن غَيرِ أَن يُعطِيَهُ اللَّهُ ذَلِكَ، وَكِلا الِاعتِقَادَينِ فَاسِدٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَصِحُّ عَقلًا وَلا شَرعًا أَن يُعطِيَ أَحَدًا مِن خَلقِهِ جَمِيعَ مَا يَعلَمُهُ، لِأَنَّ مَعنَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُ اللَّهُ مِن بَابِ العَطَاءِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسَاوِي خَلقَهُ بِنَفسِهِ، وَهَذَا مُستَحِيلٌ. فَهَذَا القَائِلُ كَأَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُ يَجعَلُ بَعضَ خَلقِهِ مِثلَهُ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ. وَكَيفَ خَفِيَ عَلَى بَعضِ النَّاسِ فَسَادُهُ فَتَجَرَّؤُوا عَلَيهِ، بَل صَارُوا يَرَونَ هَذَا مِن جَوَاهِرِ العِلمِ، فَلَو قِيلَ لِهَؤُلاءِ: فَعَلَى قَولِكُم هَذَا يَصِحُّ أَن يَجعَلَ اللَّهُ الرَّسُولَ ﷺ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَىءٍ اللَّهُ قَادِرٌ عَلَيهِ، فَمَاذَا يَقُولُونَ؟ وَهَذَا مِنَ الغُلُوِّ الَّذِي نَهَانَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ عَنهُ. وَهَؤُلاءِ يَزعُمُونَ أَنَّ هَذَا مِن قُوَّةِ تَعظِيمِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَحَبَّتِهِ.
([29]) قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: القَصعَةُ: الصَّحفَةُ، وَالجَمعُ: قَصعَاتٌ، وَالقُصَيعَةُ، كَجُهَينَةَ: تَصغِيرُهَا.اهـ القَامُوسُ المُحِيطُ، لِلفَيرُوزأَبَادِيِّ (ص751).
([31]) الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج1 ص282).
([32]) قَالَ الرَّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى فَضلِ العِلمِ، فَإِنَّهُ سُبحَانَهُ مَا أَظهَرَ كَمَالَ حِكمَتِهِ فِي خَلقِهِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَّا بِأَن أَظهَرَ عِلمَهُ، فَلَو كَانَ شَىءٌ أَشرَفَ مِنَ العِلمِ لَكَانَ إِظهَارُ فَضلِهِ بِذَلِكَ الشَّىءِ لَا بِالعِلمِ.اهـ وَقَالَ الرَّازِيُّ أَيضًا: العَالِمُ أَرأَفُ بِالتِّلمِيذِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ، لِأَنَّ الآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ يَحفَظُونَهُ مِن نَارِ الدُّنيَا وَآفَاتِهَا، وَالعُلَمَاءَ يَحفَظُونَهُ مِن نَارِ الآخِرَةِ وَشَدَائِدِهَا.اهـ وَقَالَ بَعضُ السَّلَفِ: أَلَيسَ المَرِيضُ إِذَا امتَنَعَ عَنهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالدَّوَاءُ يَمُوتُ؟ فَكَذَا القَلبُ إِذَا امتَنَعَ عَنهُ العِلمُ وَالفِكرُ وَالحِكمَةُ يَمُوتُ.اهـ وقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: العِلمُ أَفضَلُ مِنَ المَالِ بِسَبعَةِ أَوجُهٍ: أَوَّلُهَا: العِلمُ مِيرَاثُ الأَنبِيَاءِ، وَالمَالُ مِيرَاثُ الصَّالِحِ وَالطَّالِحِ. الثَّانِي: العِلمُ لَا يَنقُصُ بِالنَّفَقَةِ، وَالمَالُ يَنقُصُ. وَالثَّالِثُ: يَحتَاجُ المَالُ إِلَى الحَافِظِ، وَالعِلمُ هو يَحفَظُ صَاحِبَهُ. وَالرَّابِعُ: إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ يَبقَى مَالُهُ، وَالعِلمُ يَدخُلُ مَعَ صَاحِبِهِ قَبرَهُ. وَالخَامِسُ: المَالُ يَحصُلُ لِلمُؤمِنِ وَالكَافِرِ، وَالعِلمُ النَّافِعُ لَا يَحصُلُ إِلَّا لِلمُؤمِنِ. وَالسَّادِسُ: جَمِيعُ النَّاسِ يَحتَاجُونَ إِلَى صَاحِبِ العِلمِ فِي أَمرِ دِينِهِم، وَلَا يَحتَاجُونَ إِلَى صَاحِبِ المَالِ. وَالسَّابِعُ: العِلمُ يُقَوِّي الرَّجُلَ عَلَى المُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالمَالُ إِذَا أَنفَقَهُ فِي الحَرَامِ يَمنَعُهُ.اهـ
([33]) وَكَانَ آدُمُ عَلَيهِ السَّلَامُ يَتَكَلَّمُ كُلَّ اللُّغَاتِ، فَأُصُولُ اللُّغَاتِ تَوقِيفِيَّةٌ، أَي عَلِمَهَا الأَنبِيَاءُ بِالوَحيِ كَمَا قَالَ الجُمهُورُ، قَالَ ابنُ فُورَكٍ: وَالجُمهُورُ أَنَّ اللُّغَاتِ (أَي أُصُولَهَا) تَوقِيفِيَّةٌ، عَلَّمَها اللهُ تَعَالَى بِالوَحيِ.اهـ قَالَ القُرطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ أَوَّلَ مَن تَكَلَّمَ بِاللُّغَاتِ كُلِّهَا مِنَ البَشَرِ آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَالقُرآنُ يَشهَدُ لَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:31]، وَاللُّغَاتُ كُلُّهَا أَسمَاءٌ فَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحتَهُ.اهـ وَأَكثَرُ كَلَامِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ بِالسُّريَانِيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيهِ حَدِيثُ ابنِ حِبَّانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، أَربَعَةٌ سُريَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثٌ، وَأَخنُوخُ، وَهُوَ إِدرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ، وَنُوحٌ».اهـ
([34]) تَنبِيهٌ: فِي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلَى المُعتَزِلَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ اللهَ مَا شَاءَ الضَّلَالَةَ لِلعِبَادِ، وَلِذَلِكََ قَالَ الحُسَينُ ابنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم فِيمَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ: وَاللَّهِ مَا قَالَتِ القَدَرِيَّةُ بِقَولِ اللَّهِ، وَلَا بِقَولِ المَلَائِكَةِ، وَلَا بِقَولِ النَّبِيِّينَ، وَلَا بِقَولِ أَهلِ الجَنَّةِ، وَلَا بِقَولِ أَهلِ النَّارِ، وَلَا بِقَولِ صَاحِبِهِم إِبلِيسَ، فَقَالُوا لَهُ: تُفَسِّرُهُ لَنَا يَا ابنَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ}، [سُورَةُ يُونُسَ:25]، وَقَالَتِ المَلَائِكَةُ: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:32]، وَقَالَ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ: {وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}، [سُورَةُ هُودٍ:34]، فَأَمَّا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَقَالَ: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ}، [سُورَةُ الأَعرَافِ:155]، وَأَمَّا أَهلُ الجَنَّةِ فَإِنَّهُم قَالُوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا}، [سُورَةُ الأعراف:٤٣]، وَأَمَّا أَهلُ النَّارِ فَإِنَّهُم قَالُوا: { لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ}، [سُورَةُ إِبرَاهِيمَ:21]، وَأَمَّا أَخُوهُم إِبلِيسُ فَقَالَ: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}، [سُورَةُ الأَعرَافِ:16]، فَزَعَمَتِ القَدَرِيَّةُ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُغوِي أَحَدًا.اهـ القَضَاءُ وَالقَدَرُ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ص301).
([35]) قَالَ بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَيُستَحَبُّ عِندَ إِرَادَةِ الإِفتَاءِ أَن يَستَعِيذَ مِنَ الشَّيطَانِ، وَيُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَحمَدَهُ، وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيَقُولَ: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَيَقُولَ: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}، [سُورَةُ طَهَ:25]، وَيَقُولَ: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:32]. وَيُستَحَبُّ أَن يَكتُبَ فِي أَوَّلِ فَتوَاهُ: الحَمدُ لِلَّهِ، أَوِ: اللَّهُ المُوَفِّقُ، أَو: حَسبُنَا اللَّهُ، أَو: حَسبِيَ اللَّهُ، وَنَحوَ ذَلِكَ، وَلَا يَدَعُ أَن يَختِمَ جَوَابَهُ بِقَولِهِ: وَاللَّهُ أَعلَمُ، أَو: وَبِاللَّهِ التَّوفِيقُ، وَنَحوِهِ.اهـ
([36]) قَالَ الرَّازِيُّ: العَلِيمُ مِن صِفَاتِ المُبَالَغَةِ التَّامَّةِ فِي العِلمِ، وَالمُبَالَغَةُ التَّامَّةُ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا عِندَ الإِحَاطَةِ بِكُلِّ المَعلُومَاتِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لَهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلِذَلِكَ قَالَ: {إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، [سُورَةُ البَقَرَةِ:32]. عَلَى سَبِيلِ الحَصرِ. وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُرَادَ المَلَائِكَةِ مِنَ الحَكِيمِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَكَمَ بِجَعلِ آدَمَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ.اهـ وَقَالَ الرَّازِيُّ أَيضًا: احتَجَّ أَهلُ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعرِفَةِ المُغَيَّبَاتِ إِلَّا بِتَعلِيمِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا يُمكِنُ التَّوَصُّلُ إِلَيهَا بِعِلمِ النُّجُومِ وَالكَهَانَةِ وَالعِرَافَةِ.اهـ
([38]) [سُورَةُ الأَعرَافِ:12].
([39]) سُجُودُ المَلَائِكَةِ لِآدَمَ وَاعتِرَاضُ إِبلِيسَ وَعَدَمُ سُجُودِهِ وَطَردُهُ مِنَ الجَنَّةِ: أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى المَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَامتَثَلَ المَلَائِكَةُ لِأَمرِ اللهِ وَسَجَدُوا كُلُّهُم لِأَنَّ المَلَائِكَةَ كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى: {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، [سُورَةُ التَّحرِيمِ:6]. وَأَمَّا إِبلِيسُ فَقَدِ استَكبَرَ وَاعتَرَضَ عَلَى اللهِ وَلَم يَمتَثِل لِأَمرِهِ وَقَالَ: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}، [سُورَةُ الأَعرَافِ:12]، فَكَفَرَ وَظَهَرَ مِنهُ مَا قَد سَبَقَ فِي عِلمِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ مِن كُفرِهِ وَاعتِرَاضِهِ بِاختِيَارِهِ، وَقَد وَرَدَ فِي الأَثَرِ أَنَّهُ كَانَ قَبلَ كُفرِهِ يُسَمَّى عَزَازِيلَ. وَرَوَى مُسلِمٌ وَغَيرُهُ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا قَرَأَ ابنُ ءَادَمَ السَّجدَةَ فَسَجَدَ اعتَزَلَ الشَّيطَانُ يَبكِي، يَقُولُ: يَا وَيلَه، أُمِرَ ابنُ ءَادَمَ بِالسُّجُودِ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيتُ فَلِيَ النَّارُ». ثُمَّ بَعدَ أَن عَرَفَ إِبلِيسُ اللَّعِينُ أَنَّهُ مَلعُونٌ طَلَبَ مِنَ اللهِ أَن يُنظِرَهُ أَي يُؤَخِّرَهُ إِلَى يَومِ البَعثِ أَي يَومِ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ وَلَكِنَّ اللهَ لَم يُجِبهُ إِلَى ذَلِكَ بَل أَخَّرَهُ إِلَى النَّفخَةِ الأُولَى لِيَذُوقَ المَوتَ الَّذِي حَكَمَ اللهُ بِهِ عَلَى خَلقِهِ، قَالَ تَعَالَى مُخبِرًا عَن قَولِ إِبلِيسَ: { قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)، [سُورَةُ ص:79-81] أَي إِلَى زَمَنِ نَفخَةِ الإِهلَاكِ وَهِيَ نَفخَةُ إِسرَافِيلَ فِي البُوقِ فَيَمُوتُ كُلُّ حَيٍّ مِنَ الإِنسِ وَالجِنِّ مِن هَولِ ذَلِكَ الصَّوتِ. ثُمَّ إِنَّ إِبلِيسَ اللَّعِينَ لَمَّا اعتَرَضَ وَكَفَرَ أَمَرَهُ اللهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، لَكِنَّهُ لَم يَخرُج مِنهَا فَورًا، بَل قَامَ فِيهَا مُدَّةً لِيُوَسوِسَ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ بِعِصيَانِ اللهِ تَعَالَى لِيَكُونَ سَبَبًا فِي إِخرَاجِهِمَا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا}، [سُورَةُ الأَعرَافِ:18]، وَقَالَ تَعَالَى: { قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (78)، [سُورَةُ ص:77-78]. وَقَد كَانَ إِبلِيسُ قَبلَ ذَلِكَ الوَقتِ مُسلِمًا مُؤمِنًا مِنَ الجِنِّ يَعبُدُ اللهَ مَعَ المَلَائِكَةِ، وَذَلِكَ قَبلَ أَن يَكفُرَ وَيَعتَرِضَ عَلَى اللهِ، وَلَيسَ صَحِيحًا أَنَّ إِبلِيسَ كَانَ طَاوُوسَ المَلَائِكَةِ وَلَا رَئِيسًا لَهُم كَمَا يَزعُمُ بَعضُ الجُهَّالِ، قَالَ الحَسَنُ البِصرِيُّ: «لَم يَكُن إِبلِيسُ مِنَ المَلَائِكَةِ طَرفَةَ عَينٍ قَطُّ»، النُّكَتُ وَالعُيُونُ، لِلمَاوَردِيِّ (ج3 ص313)، وَقَالَ شَهرُ بنُ حَوشَبٍ: «كَانَ مِنَ الجِنِّ»، الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى، لِلقَاضِي عِيَاضٍ المَالِكِيِّ (ج2 ص404)، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}، [سُورَةُ الكَهفِ:50]، وَقَولُهُ تَعَالَى: { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}، [سُورَةُ الحِجرِ:30]، فَلَو كَانَ مِنَ المَلَائِكَةِ لَم يَعصِ رَبَّهُ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَهُم فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ بِقَولِهِ: { لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، [سُورَةُ التَّحرِيمِ:6]. وَمِمَّا يَدُلُّ أَيضًا عَلَى أَنَّ إِبلِيسَ لَيسَ مِنَ المَلَائِكَةِ بَل هُوَ مِنَ الجِنِّ قَولُهُ تَعَالَى: { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}، [سُورَةُ الأَعرَافِ:12]، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِبلِيسَ مَخلُوقٌ مِن نَارٍ، بِخِلَافِ المَلَائِكَةِ فَإِنَّهُم خُلِقُوا مِن نُورٍ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ وَغَيرِهِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِن نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ، وَخُلِقَ ءَادَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم»، صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الزُّهدِ وَالرَّقَائِقِ – بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ.
([40]) خَلقُ حَوَّاءَ عَلَيهَا السَّلَامُ: خَلَقَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سَيِّدَتَنَا حَوَّاءَ مِن ضِلَعِ ءَادَمَ الأَيسَرِ الأَقصَرِ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيخَانِ: «وَلَأَمَ مَكَانَهُ لَحمًا»، قِيلَ: لِذَلِكَ سُمِّيَت حَوَّاءُ بِهَذَا الِاسمِ، لِأَنَّهُا خُلِقَت مِن شَىءٍ حَيٍّ، وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «استَوصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرأَةَ خُلِقَت مِن ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعوَجَ شَىءٍ فِي الضِّلَعِ أَعلَاهُ، فَإِن ذَهَبتَ تُقِيمُهُ كَسَرتَهُ، وَإِن تَرَكتَهُ لَم يَزَل أَعوَجَ، فَاستَوصُوا بِالنِّسَاءِ»، الحَدِيثَ. وَلَم يَخلُقِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَوَّاءَ طِفلَةً صَغِيرَةً ثُمَّ طَوَّرَهَا إِلَى الكِبَرِ، بَل خَلَقَهَا عَلَى هَيأَتِهَا الَّتِي عَاشَت عَلَيهَا كَبِيرَةً طَوِيلَةً مُنَاسِبَةً لِطُولِ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}، [سُورَةُ النِّسَاءِ:1]. وَقَالَ تَعَالَى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}، [سُورَةُ الأَعرَافِ:189]، وَقَد زَوَّجَ اللهُ تَعَالَى ءَادَمَ وَحَوَّاءَ وَجَعَلَهَا لَهُ حَلَالًا فِي الجَنَّةِ ثُمَّ كَانَا كَذَلِكَ فِي الأَرضِ.
([41]) سُكنَى ءَادَمَ وَزَوجَتِهِ حَوَّاءَ الجَنَّةَ: أَمَرَ اللهُ سَيِّدَنَا ءَادَمَ وَزَوجَتَهُ حَوَّاءَ الَّتِي جَعَلَهَا حَلَالًا لَهُ أَن يَسكُنَا الجَنَّةَ، وَهِيَ جَنَّةُ الخُلدِ الَّتِي سَيَدخُلُهَا المُؤمِنُونَ يَومَ القِيَامَةِ. وَقَد أَبَاحَ اللهُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ سُكنَى الجَنَّةِ وَالأَكلَ مِن ثِمَارِهَا وَالشُّربَ مِن مِيَاهِهَا وَالتَّنَعُّمَ بِنَعِيمِهَا مِن غَيرِ مَشَقَّةٍ وَلَا تَعَبٍ يَلحَقُهُمَا فِي الحُصُولِ عَلَى مَا يُرِيدَانِ مِن طَعَامٍ وَشَرَابٍ، إِلَّا شَجَرَةً وَاحِدَةً حَرَّمَهَا عَلَيهِمَا وَنَهَاهُمَا عَنِ الأَكلِ مِنهَا، وَحَذَّرَهُمَا مِن عَدَاوَةِ إِبلِيسَ وَإِغوَائِهِ لَهُمَا، وَلَم يَرِد فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ وَلَا فِي الحَدِيثِ الثَّابِتِ الصَّحِيحِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا هِيَ هَذِهِ الشَّجَرَةُ، لِذَلِكَ اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَعيِينِهَا فَقِيلَ: هِيَ الحِنطَةُ، وَقِيلَ: هِيَ التُّفَّاحُ، وَقِيلَ: هِيَ النَّخلَةُ، وَقِيلَ: التِّينُ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ، فَقَد تَكُونُ وَاحِدَةً مِن هَذِهِ وَقَد تَكُونُ غَيرَهَا، وَقَالَ بَعضُهُم: هَذَا الخِلَافُ لَا طَائِلَ تَحتَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِتَعيِينِهَا حُكمٌ شَرعِيٌّ وَلَا فَائِدَةٌ تَارِيخِيَّةٌ وَإِلَّا لَعَيَّنَهَا لَنَا القُرءَانُ. وَسَكَنَ ءَادَمُ وَزَوجَتُهُ حَوَّاءُ الجَنَّةَ وَصَارَا يَتَنَعَّمَانِ بِمَا فِيهَا مِن نَعِيمٍ وَمَا فِيهَا مِن كُلِّ مَا تَشتَهِي الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعيُنُ، فَكَانَ يَتَنَقَّلُ بَينَ أَشجَارِهَا وَيَقطِفُ مِن ثِمَارِهَا وَيَتَنَعَّمُ بِفَاكِهَتِهَا وَيَشرَبُ مِن عَذبِ أَنهَارِهَا وَمِيَاهِهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ (119)، [سُورَةُ طَهَ:117-119].
([42]) لِيُعلَم أَنَّ هَذِهِ المَعصِيَةَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا آدَمُ وَزَوجَتُهُ هِيَ مَعصِيَةٌ صَغِيرَةٌ لَيسَ فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ، وَكَانَت مِن آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَبلَ أَن يُنَبَّأَ، أَي قَبلَ أَن يَنزِلَ عَلَيهِ الوَحيُ بِالنُّبُوَّةِ، وَتَابَ مِنهَا فَورًا فَتَابَ اللهُ عَلَيهِ.
([43]) بَيَانٌ مُهِمٌّ: هَذَا الأَمرُ حَصَلَ قَبلَ نُزُولِ الوَحيِ عَلَى سَيِّدِنَا آدَمَ، وَلَم يَكُن هُنَاكَ بَشَرٌ سِوَاهُمَا. إِبلِيسُ لَمَّا اعتَرَضَ عَلَى اللهِ فَصَارَ مِنَ الكَافِرِينَ أُمِرَ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، لَكِنَّهُ مَا خَرَجَ فِي الحَالِ، لَو أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَن يُخرِجَهُ قَهرًا فِي اللَّحظَةِ لَأَخرَجَهُ، لَكِن مَا شَاءَ ذَلِكَ، وَالعَبدُ إِن كَانَ بَشَرًا وَإِن كَانَ جِنِيًّا قَد يُؤمَرُ بِالشَّىءِ مِن قِبَلِ اللهِ تَعَالَى ثُمَّ لَا يُنَفِّذُهُ فَورًا بَل يَتَأَخَّرُ فِي تَنفِيذِهِ، قَد يَحصُلُ هَذَا، كَذَلِكَ إِبلِيسُ مَا نَفَّذَ الأَمرَ بِالخُرُوجِ فَورًا بَل تَأَخَّرَ إِلَى الوَقتِ الَّذِي سَبَقَ فِي عِلمِ اللهِ أَنَّهُ يَخرُجُ مِنَ الجَنَّةِ فِيهِ، وَالشَّيطَانُ لَا يَستَطِيعُ أَن يُغرِقَ نَبِيًّا أَو وَلِيًّا فِي المَعَاصِي، وَلَا يَستَطِيعُ أَن يَدخُلَ فِي جَسَدِ أَيِّ نَبِيٍّ، وَلَا يَستَطِيعُ أَن يَتَشَكَّلَ بِشَكلِ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِيَاءِ. قَالَ تَعَالَى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}، [سُورَةُ الحِجرِ:42]، أَي لَا يَتَمَكَّنُ مِنهُم وَلَا يُغرِقُهُم فِي المَعَاصِي وَلَا يُوقِعُهُم فِي الكُفرِ، الشَّيطَانُ القَرِينُ يَدخُلُ فِي غَيرِ الأَنبِيَاءِ إِلَى صُدُورِهِم لِيُوَسوِسَ لَهُم، أَمَّا فِي الأَنبِيَاءِ لَا يَستَطِيعُ أَن يَدخُلَ إِلَى أَجسَامِهِم بِالمَرَّةِ وَلَكِن يُوَسوِسُ لَهُم مِن بَعِيدٍ، إِبلِيسُ تَمَثَّلَ بِشَكلٍ فَكَلَّمَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَحَوَّاءَ فَأَثَّرَ فِيهِمَا كَلَامُهُ.
([44]) سَبَبُ خُرُوجِ ءَادَمَ مِنَ الجَنَّةِ: السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ ءَادَمَ خَالَفَ النَّهيَ الَّذِي نَهَاهُ اللهُ لِأَنَّهُ أَعلَمَهُ بِالمَنعِ مِن أَكلِ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ مِن أَشجَارِ الجَنَّةِ وَأَبَاحَ لَهُ مَا سِوَاهَا، فَوَسوَسَ الشَّيطَانُ لَهُ وَلِحَوَّاءَ أَن يَأكُلَا مِنهَا، فَأَكَلَا مِنهَا فَأَخرَجَهُمَا اللهُ تَعَالَى مِنَ الجَنَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبلَ أَن تَنزِلَ عَلَيهِ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا نُبِّئَ بَعدَ أَن خَرَجَ مِنَ الجَنَّةِ، فَتَابَا مِن تِلكَ المَعصِيَةِ، وَلَا تُعَدُّ تِلكَ المَعصِيَةُ مَعصِيَةً كَبِيرَةً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}، [سُورَةُ طَهَ:122]. وَمِمَّا ابتُلِيَ بِهِ ءَادَمُ وَحَوَّاءُ بَعدَ أَكلِ الشَّجَرَةِ أَنَّهُ نُزِعَ عَنهُمَا لِبَاسُهُمَا وَانكَشَفَت لَهُمَا سَوءَاتُهُمَا، فَطَفِقَا يُلصِقَانِ عَلَيهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ، وَكَانَ لِبَاسُهُمَا الَّذِي كَانَ عَلَيهِمَا مِن نُورٍ. ثُمَّ بَعدَ أَن نَزَلَا إِلَى الأَرضِ عَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى أَسبَابَ المَعِيشَةِ، فَأَنزَلَ لَهُ القَمحَ وَعَلَّمَهُ كَيفَ يُبذَرُ وَكَيفَ يُحصَدُ وَكَيفَ يُعمَلُ لِلأَكلِ، وَعَلَّمَهُ النَّقدَينِ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ فَعَمِلَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ. فَآدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ لَهُ فَضلٌ كَبِيرٌ عَلَى البَشَرَ لِمَا لَهُ عَلَيهِم مِن حَقِّ الأُبُوَّةِ وَتَعلِيمِ أُصُولِ المَعِيشَةِ، فَلَا يَجُوزُ تَنقِيصُهُ، فَمَن نَقَّصَهُ أَو أَنكَرَ رِسَالَتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ. فَلَو كَانَ الأَمرُ كَمَا ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّ ءَادَمَ لَم يَكُن رَسُولًا لَسَاوَى البَشَرُ البَهَائِمَ، وَلَكَانَت ذُرِّيَّتُهُ كَذُرِّيَّةِ البَهَائِمِ. تَنبِيهٌ: لَا يُقَالُ: طَرَدَ اللهُ ءَادَمَ مِنَ الجَنَّةِ، لِأَنَّ هَذَا اللَّفظَ فِيهِ تَحقِيرٌ لِسَيِّدِنَا ءَادَمَ، بَل يُقَالُ: أُهبِطَ، كَمَا يُفِيدُ نَصُّ القُرءَانِ. مُدَّةُ إِقَامَةِ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي الجَنَّةِ وَاليَومُ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنَ الجَنَّةِ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي مِقدَارِ مُقَامِ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي الجَنَّةِ فَرَوَى الحَاكِمُ فِي مُستَدرَكِهِ أَنَّ ءَادَمَ لَم يَمكُث فِي الجَنَّةِ إِلَّا مَا بَينَ العَصرِ إِلَى الغُرُوبِ، وَالأَقوَى أَنَّهُ مَكَثَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَد وَرَدَ أَنَّ اليَومَ الَّذِي أُخرِجَ فِيهِ ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ الجَنَّةِ وَهَبَطَ فِيهِ إِلَى الأَرضِ كَانَ يَومَ الجُمُعَةِ، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَيرُ يَومٍ طَلَعَت فِيهِ الشَّمسُ يَومُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ ءَادَمُ، وَفِيهِ أُدخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخرِجَ مِنهُ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ وَأَحمَدُ بِنَحوِهِ. مَكَانُ نُزُولِ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى الأَرضِ: أَمَرَ اللهُ سَيِّدَنَا ءَادَمَ وَحَوَّاءَ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى الأَرضِ، وَأَمَرَ إِبلِيسَ بِالهُبُوطِ إِلَيهَا أَيضًا، وَأَخبَرَهُمَا أَنَّ العَدَاوَةَ بَينَهُمَا وَبَينَ إِبلِيسَ اللَّعِينِ سَتَظَلُّ قَائِمَةً، وَبِالتَّالِي سَتَكُونُ بَينَ إِبلِيسَ وَبَنِي ءَادَمَ، فَيُروَى أَنَّ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ نَزَلَ فِي أَرضِ الهِندِ فِي أَرضٍ تُسَمَّى سَرَندِيبَ عَلَى أَشهَرِ الأَقوَالِ، وَنَزَلَت حَوَّاءُ عَلَيهَا السَّلَامُ فِي أَرضٍ أُخرَى قِيلَ إِنَّهَا جُدَّةُ، فَجَاءَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ فِي طَلَبِهَا حَتَّى أَتَى جَمعًا فَازدَلَفَت إِلَيهِ حَوَّاءُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ المُزدَلِفَةَ وَهِيَ بَينَ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ، وَقِيلَ إِنَّهُمَا تَعَارَفَا فِي عَرَفَاتٍ لِذَلِكَ سُمِّيَت عَرَفَاتٍ، وَأَمَّا إِبلِيسُ اللَّعِينُ فَقِيلَ إِنَّهُ نَزَلَ بِالأُبُلَّةِ أَرضٍ فِي العِرَاقِ. فَائِدَةٌ: قِيلَ إِنَّ أَطيَبَ بُقعَةٍ فِي الأَرضِ رِيحًا الأَرضُ الَّتِي أُهبِطَ بِهَا ءَادَمُ فَعَلِقَ بِشَجَرِهَا مِن رِيحِ الجَنَّةِ، قِيلَ إِنَّ تِلكَ الأَرضَ الَّتِي نَزَلَ بِهَا ءَادَمُ مِن أَصَحِّ بِلَادِ الأَرضِ.
([45]) تَنبِيهٌ: مِنَ الضَّلَالِ وَالتَّكذِيبِ لِلشَّرِيعَةِ كَمَا هُوَ مَعلُومٌ فِي دِينِ اللهِ إِنكَارُ نُبُوَّةِ نَبِيٍّ مُجمَعٍ عَلَى نُبُوَّتِهِ كَآدَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبرَاهِيمَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَدِ اتَّفَقَ المُسلِمُونَ وَأَجمَعُوا عَلَى نُبُوَّةِ آدَمَ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ التَّمِيمِيُّ البَغدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ أُصُولِ الدِّينِ، أُصُولُ الدِّينِ، لِلإِمَامِ أَبِي مَنصُورٍ البَغدَادِيِّ (ص159). وَهَذَا الإِجمَاعُ مُستَنِدٌ إِلَى النُّصُوصِ القُرآنِيَّةِ وَالحَدِيثِيَّةِ. فَمِنَ القُرآنِ قَولُهُ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}، [سُورَةُ المَائِدَةِ:27]، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى رِسَالَةِ آدَمَ، وَأَنَّ أَبنَاءَهُ كَانُوا عَلَى شَرِيعَةٍ أُنزِلَت عَلَى أَبِيهِم، وَلَو لَم يَكُن نَبِيًّا مُرسَلًا فَكَيفَ كَانُوا يَعرِفُونَ الأَحكَامَ مِن تَحلِيلٍ وَتَحرِيمٍ. وَقَالَ تَعَالَى: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}، [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:33]، فَذَكَرَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ اصطِفَاءَ اللهِ لِهَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا اصطَفَاهُم بِالنُّبُوَّةِ، وَمِنَ السُّنَّةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنهَا حَدِيثُ التِّرمِذِيِّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا فَخرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمدِ وَلَا فَخرَ، وَمَا مِن نَبِيٍّ يَومَئِذٍ آدَمُ فَمَن سِوَاهُ إِلَّا تَحتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَن تَنشَقُّ عَنهُ الأَرضُ وَلَا فَخرَ»، سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج6 ص210). وَأَمَّا حَدِيثُ البُخَارِيِّ الَّذِي فِيهِ: «إِنَّ النَّاسَ يَأتُونَ نُوحًا يَومَ القِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: أَنتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهلِ الأَرضِ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ – كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنبِيَاءِ – بَابُ قَولِهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ}، رَقمُ الحَدِيثِ: (3340)، فَمَعنَاهُ أَنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ أُرسِلَ إِلَى أَهلِ الأَرضِ بَعدَ ظُهُورِ الكُفرِ بَينَ البَشَرِ، فَالأَنبِيَاءُ قَبلَ نُوحٍ هُم إِدرِيسُ وَشِيثٌ وَآدَمُ أُرسِلُوا وَلَم يَكُنِ الكُفرُ حَاصِلًا بَينَ النَّاسِ، فَكَانَ نُوحٌ بَعدَ ذَلِكَ أَوَّلَ الرُّسُلِ إِلَى أَهلِ الأَرضِ بَعدَ ظُهُورِ الكُفرِ بَينَ البَشَرِ.
([46]) [سُورَةُ الأَعرَافِ:23].
([47]) تَنبِيهٌ: يَجِبُ الحَذَرُ مِن قَولِ بَعضِ النَّاسِ إِنَّ ءَادَمَ كَانَ مَأمُورًا بَاطِنًا بِالأَكلِ مِنَ الشَّجَرَةِ مَنهِيًّا ظَاهِرًا، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ عَلَى الدَّردِيرِ، وَهَذَا كَلَامٌ لَا مَعنَى لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجتَمِعُ الأَمرُ وَالنَّهيُ فِي شَىءٍ وَاحِدٍ.
([48]) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ الخَصَائِصِ: أَخرَجَ الحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيرُهُم عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَمَّا اقتَرَفَ آدَمُ الخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرتَ لِي (وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَبلَ وِلَادَتِهِ، وَبَيَانِ أَنَّ لَهُ جَاهًا وَمَنزِلَةً عَظِيمَةً عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاستَدَلَّ بِهَذَا الحَدِيثِ السُّبكِيُّ وَغَيرُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَن أَنكَرَ التَّوَسُّلَ بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَنَقَلَ الإِجمَاعَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، شِفَاءُ السَّقَامِ، لِتَقِيِّ الدِّينِ السُّبكِيِّ (ص357)، وَالتَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ مُجمَعٌ عَلَى جَوَازِهِ قَبلَ وِلَادَتِهِ وَفِي حَيَاتِهِ وَبَعدَ وَفَاتِهِ ﷺ، لَم يَختَلِفِ المُسلِمُونُ فِي جَوَازِهِ عَلَى مَعنَى السَّبَبِ، فَنَحنُ نَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِمَعنَى أَنَّنَا نَجعَلُهُ سَبَبًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَكَم مِنَ الأَسبَابِ جَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ تُقَوِّي إِجَابَةَ الدُّعَاءِ، كَالدُّعَاءِ فِي آخِرِ اللَّيلِ أَو فِي السُّجُودِ أَو فِي عَرَفَةَ يَومَ عَرَفَةَ، وَكَذَلِكَ مِن جُملَةِ الأَسبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَقَد ثَبَتَ وَصَحَّ فِي الأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَّمَ أَصحَابَهُ أَن يَتَوَسَّلُوا بِهِ عِندَ نُزُولِ البَلَاءِ، فَالتَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا المَعنَى لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَهَذَا الحَدِيثُ وَغَيرُهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ)، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا آدَمُ! وَكَيفَ عَرَفتَ مُحَمَّدًا وَلَم أَخلُقهُ (سَأَلَهُ وَهُوَ أَعلَمُ بِالإِجَابَةِ، لَكِن لِإِظهَارِ السَّبَبِ لِلنَّاسِ، فَرَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لَا يَخفَى عَلَيهِ شَىءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)؟ قَالَ: لِأَنَّكَ يَا رَبِّ لَمَّا خَلَقتَنِي بِيَدِكَ (أَي بِعِنَايَتِكَ) وَنَفَختَ فِيَّ مِن رُوحِكِ (أَي مِنَ الرُّوحِ المُشَرَّفِ عِندَكَ) رَفَعَتُ رَأسِي فَرَأَيتُ عَلَى قَوَائِمِ العَرشِ مَكتُوبًا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَعَلِمتُ أَنَّكَ لَم تُضِف إِلَى اسمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الخَلقِ إِلَيكَ، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقتَ يَا آدَمُ إِنَّهُ لَأُحِبُّ الخَلقِ إِلَيَّ، وَإِذ سَأَلتَنِي بِحَقِّهِ فَقَد غَفَرتُ لَكَ، وَلَولَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقتُكَ».اهـ المُستَدرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ (ج5 ص194)، المُعجَمُ الأَوسَطُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج6 ص313)، دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج5 ص489).
([49]) فَائِدَةٌ: لَمَّا خَرَجَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ اللهُ تَعَالَى أَخرَجَ مَعَهُ مِن ثِمَارِ شَجَرِ الجَنَّةِ، لَكِنَّهَا بَعدَمَا نَزَلَت وَغَرَسَهَا آدَمُ فِي الأَرضِ تَغَيَّرَت صِفَتُهَا. وَلَم يَرِد فِي الحَدِيثِ أَنَّ العُودَ الهِندِيَّ الَّذِي رَائِحَتُهُ طَيِّبَةٌ مِن أَثَرِ عَرَقِ آدَمَ، يَجُوزُ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَرِد، تِلكَ الأَرضُ الَّتِي نَزَلَ بِهَا آدَمُ رَائِحَتُهَا جَمِيلَةٌ وَهَوَاؤُهَا وَنَبَاتُهَا طَيِّبُ الرَّائِحَةِ.
([50]) مَوتُ سَيِّدِنَا ءَادَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ: عَاشَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ أَلفَ سَنَةٍ، قِيلَ: قَضَى مِنهَا مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً فِي الجَنَّةِ وَبَقِيَّةُ الأَلفِ عَاشَهَا عَلَى هَذِهِ الأَرضِ الَّتِي نَزَلَ إِلَيهَا، وَلَمَّا مَاتَ بَقِيَت ذُرِّيَّتُهُ عَلَى دِينِ الإِسلَامِ يَعبُدُونَ اللهَ تَعَالَى وَحدَهُ وَلَم يُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، فَعَاشَ البَشَرُ أَلفَ سَنَةٍ أُخرَى عَلَى دِينِ الإِسلَامِ وَلَم يَكُن فِيهِم كُفرٌ وَلَا شِركٌ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الكُفرُ وَالشِّركُ بَعدَ نَبِيِّ اللهِ إِدرِيسَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَكَانَ سَيِّدُنَا نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ أَوَّلَ نَبِيٍّ بُعِثَ إِلَى الكُفَّارِ. وَقَد وَرَدَ فِي الأَثَرِ أَنَّ ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ دُفِنَ فِي مَكَّةَ أَو فِي مِنًى قُربَ مَسجِدِ الخَيفِ حَيثُ دُفِنَ سَبعُونَ نَبِيًّا، وَقُبُورُهُم مُخفَاةٌ وَلَا يُوجَدُ عَلَامَاتٌ تَدُلُّ عَلَيهَا، وَقِيلَ: دُفِنَ عِندَ الجَبَلِ الَّذِي أُهبِطَ عِندَهُ فِي الهِندِ، وَقِيلَ بِجَبَلِ أَبِي قُبَيسٍ. وَاللهُ أَعلَمُ. وَيُروَى أَنَّ زَوجَهُ حَوَّاءُ عَلَيهَا السَّلَامُ عَاشَت بَعدَ سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ سَنَةً ثُمَّ مَاتَت، وَيُقَالُ إِنَّهَا دُفِنَت فِي جُدَّةَ.
([51]) فَائِدَةٌ: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يُسَلِّمَ أُمُورَهُ للهِ تَعَالَى وَيَتَوَكَّلَ عَلَيهِ وَلَا يَعتَرِضَ عَلَيهِ، لِأَنَّ الَّذِي يَعتَرِضُ عَلَى اللهِ إِذَا أَصَابَتهُ نَكبَةٌ أَو مُصِيبَةٌ فَهُوَ أَخُو إِبلِيسَ، سَبِيلُهُ سَبِيلُ إِبلِيسَ، إِن مَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِن أَهلِ النَّارِ يَخلُدُ فِيهَا أَبَدًا، لِأَنَّ إِبلِيسَ أَوَّلُ مَن كَفَرَ بِاللهِ، وَكَانَ كُفرُهُ بِالِاعتِرَاضِ عَلَى اللهِ، وَلَو سَلَّمَ للهِ تَسلِيمًا كَالمَلَائِكَةِ لَسَلِمَ مِنَ الكُفرِ، لَكِنَّ اللهَ شَاءَ لَهُ أَن يَعِيشَ عَلَى الكُفرِ وَيَمُوتَ عَلَى الكُفرِ وَيُبعَثَ عَلَى الكُفرِ، أَمَّا مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ البَشَرِ فَيَجُوزُ أَن يَتُوبَ إِلَى اللهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى الإِسلَامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ وَيَمُوتَ عَلَيهِ.