الحَمدُ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعينُهُ وَنَستَغفِرُهُ وَنَستَهدِيهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَنَعوذُ بِاللَّهِ مِن شُرورِ أَنفُسِنا وَمِن سَيِّئاتِ أَعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرشِدًا. وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَلا شَبيهَ لَهُ، وَلا مَثيلَ لَهُ، وَلا نَظيرَ لَهُ، وَلا ضِدَّ لَهُ وَلا نِدَّ لَهُ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وَحَبيبَنا وَنَبِيَّنا وَعَظيمَنا وَقائِدَنا وَقُرَّةَ عُيونِنا مُحَمَّدًا عَبدُ اللَّهِ وَرَسولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَحَبيبُهُ. أَشهَدُ أَنَّكَ يا سَيِّدي يا رَسولَ اللَّهِ قَد بَلَّغتَ الرِّسالَةَ، وَأَدَّيتَ الأَمانَةَ، وَنَصَحتَ لِلأُمَّةِ، وَجاهَدتَ فِي اللَّهِ حَقَّ الجِهادِ، فَجَزَى اللَّهُ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيرًا. اللَّهُمَّ صَلِّ صَلاةً كامِلَةً، وَسَلِّم سَلامًا تامًّا، عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ الَّذي تَنحَلُّ بِهِ العُقَدُ، وَتَنفَرِجُ بِهِ الكُرَبُ، وَتُقضى بِهِ الحَوائِجُ، وَتُنالُ بِهِ الرَّغائِبُ، وَحُسنُ الخَواتيمِ، وَيُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ الكَريمِ، وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمَ.
عِبادَ اللَّهِ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ. يَقولُ اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى فِي الآياتِ الكَريمَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَیء مِّنَ ٱلخَوفِ وَٱلجُوعِ وَنَقص مِّنَ ٱلأَموَ ٰلِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَ ٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِینَ (155) ٱلَّذِینَ إِذَا أَصَـٰبَتهُم مُّصِیبَةࣱ قَالُوۤا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاۤ إِلَیهِ رَ ٰجِعُونَ (156)﴾.
البُشرى لِلصّابِرينَ. نَحنُ اليَومَ فِي وَقتٍ ما أَحوَجَنا فِيهِ إِلَى الصَّبرِ؛ لِأَنَّ أُمَّتَنا اليَومَ تَتَعَرَّضُ فِي فِلسطينَ، وَفِي غَزَّةَ، لِمَقتَلَةٍ عَظيمَةٍ، وَلِمَجازِرَ لَم يُسبَقْ إِلى مِثلِها فِي هَذا الوَقتِ. أَن يَكونَ هُناكَ كُلُّ هَذا العَدَدِ مِمَّن يُقتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ، بِإِذنِ اللَّهِ، شُهَداءَ إِن شاءَ اللَّهُ عِندَ اللَّهِ، مِن أُمَّتِنا فِي غَزَّةَ وَفِلسطينَ! فِتَنٌ كَثيرَةٌ، وَمِحَنٌ، وَعَواصِفُ حَقيقِيَّةٌ. نَحنُ فِي صَيفٍ غَيرِ حَرارَتِهِ؛ فِي صَيفٍ عاصِفٍ، العَواصِفُ حَولَنا وَقعُها عَلَينا أَكثَرُ مِن وَقعِ حَرارَةِ الشَّمسِ عَلَينا فِي هَذا الصَّيفِ. أَعداؤُنا يَتَرَبَّصونَ بِنا، وَيَتَآمَرونَ عَلَينا، وَيَمكُرونَ بِنا، وَيُدَبِّرونَ لَنا. كُلَّ يَومٍ عِندَنا مُصيبَةٌ، وَكُلَّ يَومٍ عِندَنا عَدَدٌ مِمَّن يَسقُطُ، مِمَّن يَقتُلُهُ الِاحتِلالُ مِن أَبنائِنا وَإِخوانِنا وَأَهلِنا فِي غَزَّةَ. تَبدَأُ تَسمَعُ فِي بَعضِ الأَيّامِ رَقمَ الخَمسينَ، خَمسونَ! وَهَذا الَّذي ظَهَرَ، وَقَد يَكونُ مِئَةً فِي اليَومِ الواحِدِ. ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾. البُشرى لِأَهلِ الصَّبرِ. إِن شاءَ اللَّهُ أَنَّ أَهلَنا فِي غَزَّةَ مِن أَهلِ الصَّبرِ.
امرَأَةٌ تُوَدِّعُ طِفلَها، وَاسمُهُ أَيّوبُ، وَقالَت: جاءَني بَعدَ صَبرٍ طَويلٍ، وَتَأَخَّرَ الوَلَدُ حَتّى جاءَ، فَلَمّا جاءَني، وَهَذِهِ فِي غَزَّةَ، سَمَّيتُهُ أَيّوبَ؛ جاءَني بَعدَ صَبرٍ طَويلٍ، فَقُتِلَ بَينَ يَدَيها. قالَت: وَأَنا اليَومَ أَحتَسِبُهُ لِوَجهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. كَم سَمِعنا مِن هَؤُلاءِ! عِندَما يَكونُ الواحِدُ مَيِّتُهُ بَينَ يَدَيهِ، مَعَ حُزنِهِ وَالحالِ الَّذي هُوَ فِيهِ، يَقولُ: سَلِّم لي عَلى رَسولِ اللَّهِ. تَقولُ المَرأَةُ: سَلِّم لي عَلى زَوجي الشَّهيدِ، وَسَلِّم لي عَلى أَخي الشَّهيدِ. بُشراهُم! وَيا خاسِرَةَ مَن خَذَلَهُم. ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾. ما حالُهُم؟ ﴿ٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَصَـٰبَتهُم مُّصِیبَةࣱ قَالُوۤا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاۤ إِلَیهِ رَ ٰجِعُونَ﴾.
جاءَ فِي «صَحيحِ مُسلِمٍ» أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِن مُسلِمٍ تُصيبُهُ مُصيبَةٌ فَيَقولُ ما أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرني فِي مُصيبَتي، وَأَخلِف لي خَيرًا مِنها؛ إِلّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصيبَتِهِ، وَأَخلَفَ لَهُ خَيرًا مِنها». وَيَروي الطَّبَرانيُّ وَالبَيهَقيُّ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنِ استَرجَعَ إِذا أُصيبَ بِمُصيبَةٍ، جَبَرَ اللَّهُ مُصيبَتَهُ، وَأَحسَنَ عُقباهُ، وَأَخلَفَ لَهُ صالِحًا يَرضاهُ».
الِاستِرجاعُ عِندَ المُصيبَةِ يُعينُ المُسلِمَ عَلَى الصَّبرِ. ما مَعنى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَیهِ رَ ٰجِعُونَ﴾؟ «إِنَّا لِلَّهِ»: إِقرارٌ لِلَّهِ بِالمُلكِ. وَ«إِنَّا إِلَيهِ راجِعونَ»: إِقرارٌ عَلى أَنفُسِنا بِالهَلَكِ وَالرُّجوعِ. ذَكَرَ ذَلِكَ الإِمامُ القُرطُبِيُّ فِي «جامِعِهِ» فِي التَّفسيرِ. وَالمَعنى: «إِنَّا لِلَّهِ»؛ تَنزِلُ بِكَ مُصيبَةٌ، فَأَوَّلًا: ما مَعنى المُصيبَةِ؟ هَلِ المُصيبَةُ فَقَط إِذا ماتَ لِي قَريبٌ؟ المُصيبَةُ أَوسَعُ مِن ذَلِكَ. مَرَّةً كانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجلِسٍ، فَانطَفَأَ السِّراجُ، فَقالَ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ راجِعُونَ». فَقالَ بَعضُ الصَّحابَةِ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَهِيَ مُصيبَةٌ؟ هُنا البَيانُ. فَقالَ ﷺ: «كُلُّ ما يُؤذي المُسلِمَ فَهُوَ مُصيبَةٌ». تَعَثَّرتَ فَوَقَعتَ: مُصيبَةٌ. شَيءٌ آذاكَ. سَبَّكَ واحِدٌ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ راجِعُونَ». انكَسَرَ مِنكَ شَيءٌ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ راجِعُونَ». فاتَكَ شَيءٌ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ راجِعُونَ». بَلَغَكَ أَنَّ فُلانًا اغتابَكَ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ راجِعُونَ». وَلَدُكَ تَعَرَّضَ لِمُصيبَةٍ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ راجِعُونَ». كُلُّ ما يُؤذينا، يا عِبادَ اللَّهِ، فَهُوَ مِنَ المَصائِبِ.
وَالمَصائِبُ تَختَلِفُ، وَقَد تَقَدَّمَ فِي الآيَةِ الَّتي قَبلَها أَنَّها قَد تَكونُ فِي النَّفسِ، وَقَد تَكونُ فِي المالِ، وَقَد تَكونُ فِي الوَلَدِ. حَتّى جاءَ فِي الحَديثِ فِي «صَحيحِ مُسلِمٍ» عَن رَسولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن مُسلِمٍ تُصيبُهُ مُصيبَةٌ فِي نَفسِهِ وَوَلَدِهِ وَأَهلِهِ، إِلّا كانَت كَفّارَةً لَهُ». وَالمَعنى الَّذي جاءَ عَن رَسولِ اللَّهِ ﷺ: «ما يَزالُ البَلاءُ بِالمُسلِمِ فِي نَفسِهِ وَوَلَدِهِ وَمالِهِ حَتّى يَخرُجَ مِنَ الدُّنيا وَلَيسَ عَلَيهِ خَطيئَةٌ». مَعنى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ المَصائِبَ إِذا نَزَلَت، فَهِيَ رِفعَةٌ لَكَ فِي الدَّرَجَةِ عِندَ اللَّهِ، حَتّى إِنَّكَ تَخرُجُ مِنَ الدُّنيا، وَخُصوصًا بَعضُ النّاسِ فِي آخِرِ أَوقاتِ حَياتِهِ تَكثُرُ عَلَيهِ المَصائِبُ، فَتَكونُ كَفّارَةً لَهُ، فَتَرتَفِعُ دَرَجَتُهُ، وَتُحَطُّ خَطاياهُ، فَيَخرُجُ أَحَدُهُم مِنَ الدُّنيا وَلَيسَ عَلَيهِ خَطيئَةٌ.
«إِنَّا لِلَّهِ» مَعناهُ: نَحنُ مُلكٌ لِلَّهِ، وَعَبيدٌ لِلَّهِ، وَهَذا إِقرارٌ لِلَّهِ بِالمُلكِ. نَحنُ عَبيدٌ لِلَّهِ، تُصيبُنا المُصيبَةُ فَنَستَرجِعُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَیهِ رَ ٰجِعُونَ﴾. نَستَرجِعُ؛ مَعنى ذَلِكَ: هَذِهِ مُصيبَةٌ يا رَبِّ، إِنَّا لِلَّهِ، نَحنُ عَبيدُ اللَّهِ، أَنتَ يا رَبِّ خالِقُنا، أَنتَ يا رَبَّ العالَمينَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ، أَنتَ اللَّهُ، أَنتَ رَبُّ العالَمينَ، أَنتَ لا تَحتاجُ إِلَينا، أَنتَ يا رَبِّ غَنِيٌّ عَنّا، أَنتَ لا تَحتاجُ إِلى خَلقِكَ، لا تَحتاجُ إِلى زَمانٍ، وَلا إِلى مَكانٍ، وَلا إِلى إِنسانٍ، وَلا إِلى مَلَكٍ، وَلا إِلى أَحَدٍ مِنَ الخَلقِ، وَنَحنُ عَبيدٌ لَكَ يا رَبَّ العالَمينَ. وَفِي هَذا إِشارَةٌ إِلى ماذا؟ يا رَبِّ، مَهما أَصابَتْنا، وَمَهما نَزَلَت بِنا المَصائِبُ، فَلا تَكونُ ظالِمًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ المَصائِبَ هِيَ اختِبارٌ، اختِبارٌ لِهَذا المُسلِمِ.
وَ«إِنَّا إِلَيهِ راجِعونَ»: إِقرارٌ عَلى أَنفُسِنا بِالهَلَكِ، وَإِقرارٌ بِالبَعثِ. وَإِنَّا إِلَى اللَّهِ راجِعونَ، نَحنُ مَبعوثونَ يَومَ القِيامَةِ. وَالبَعثُ، يا عِبادَ اللَّهِ، خُروجُ المَوتى مِنَ القُبورِ بَعدَ إِعادَةِ الجَسَدِ الَّذي كانَ مِنَ الأَجسادِ الَّتي يَأكُلُها التُّرابُ؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ أَجسادًا لا يَأكُلُها التُّرابُ، وَلَو بَعدَ آلافِ السِّنينَ: أَجسادُ الأَنبِياءِ، وَشُهَداءُ المَعرَكَةِ، وَمَن شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الصّالِحينَ. فَنَحنُ نُقِرُّ بِالحَياةِ البَرزَخِيَّةِ فِي القَبرِ، وَنُؤمِنُ بِعَذابِ القَبرِ، وَبِنَعيمِ القَبرِ؛ هَذِهِ كُلُّها حَياةٌ بَرزَخِيَّةٌ. وَنُؤمِنُ كَذَلِكَ بِأَنَّهُ لا بُدَّ أَن يَكونَ بَعثٌ مِنَ القُبورِ، خُروجٌ مِنَ القُبورِ، تُعادُ الأَجسادُ إِن كانَت قَد أَكَلَها التُّرابُ. يَومَ يَقومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمينَ، وَيُساقُ النّاسُ إِلى أَرضِ المَحشَرِ وَالمَنشَرِ، وَيُجمَعونَ عَلى تِلكَ الأَرضِ، وَهِيَ أَرضُ الشّامِ، لَكِنَّ الأَرضَ تُبَدَّلُ: ﴿يَومَ تُبَدَّلُ ٱلأَرضُ غَیرَ ٱلأَرضِ﴾ (إبراهيم 48). فَيَكونُ البَعثُ، وَالسُّؤالُ، وَالحِسابُ. وَيَومُ القِيامَةِ يَومٌ قَريبٌ؛ هُم يَرَونَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَريبًا.
يا فَوزَ المُستَغفِرينَ.
الخطبة الثانية
الحَمدُ لِلَّهِ، ثُمَّ الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا وَنَبِيِّنا وَشَفيعِنا يَومَ الدِّينِ، وَحَبيبِنا مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ، وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن والاهُ. عِبادَ اللَّهِ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ؛ اتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ.
جاءَ فِي «صَحيحِ مُسلِمٍ» وَغَيرِهِ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «صِيامُ يَومِ عاشوراءَ أَحتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَن يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبلَهُ». يُسَنُّ صِيامُ يَومِ عاشوراءَ، وَيَومُ عاشوراءَ هُوَ اليَومُ العاشِرُ مِن شَهرِ اللَّهِ المُحَرَّمِ. وَكانَ ﷺ قالَ أَيضًا: «لَئِن بَقِيتُ إِلى قابِلٍ لَأَصومَنَّ التّاسِعَ». وَقالَ إِمامُنا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالأَفضَلُ أَن يَصومَ التّاسِعَ وَالعاشِرَ وَالحادِيَ عَشَرَ مِن شَهرِ اللَّهِ المُحَرَّمِ، احتِياطًا لِما قَد يَحصُلُ فِي أَوَّلِ الشَّهرِ، وَفِيهِ أَيضًا مُبالَغَةٌ فِي مُخالَفَةِ اليَهودِ.
فِي «صَحيحِ البُخارِيِّ» لَمّا دَخَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ المَدينَةَ وَجَدَ اليَهودَ يَصومونَ يَومَ عاشوراءَ، فَسَأَلَ ﷺ عَن ذَلِكَ، فَقالوا: هَذا يَومٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ موسى، وَأَغرَقَ فِرعَونَ، فَنَحنُ نَصومُهُ تَعظيمًا لَهُ. فَماذا قالَ ﷺ؟ «نَحنُ أَولى بِموسى مِنكُم». نَحنُ أَولى بِموسى؛ لِأَنَّ دينَ موسى لَيسَ اليَهودِيَّةَ، دينُ موسى هُوَ الإِسلامُ، وَدينُ عيسى ﷺ هُوَ الإِسلامُ، وَدينُ آدَمَ وَإِبراهيمَ عَلَيهِما الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَدينُ جَميعِ الأَنبِياءِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، هُوَ الإِسلامُ، وَدينُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ الإِسلامُ، لَكِنَّ الشَّرائِعَ اختَلَفَت. فَلَيسَت هُناكَ دِياناتٌ سَماوِيَّةٌ مُختَلِفَةٌ، بَل قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّینَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسلَـٰمُ﴾ (آل عمران 19). فَقالَ ﷺ: «نَحنُ أَولى بِموسى مِنكُم»، فَصامَهُ ﷺ، وَأَمَرَ بِصِيامِهِ، أَي أَمرَ استِحبابٍ.
نَسأَلُ اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعالى أَن يَجعَلَ لِأُمَّتِنا فِي هَذا العامِ الهِجرِيِّ، وَفِي هَذا الشَّهرِ الحَرامِ، الفَرَجَ فِي غَزَّةَ وَفِلسطينَ.
عِبادَ اللَّهِ، اللَّهُ عَظَّمَ قَدرَ جاهِ مُحَمَّدٍ، وَأَنالَهُ فَضلًا لَدَيهِ عَظيمًا، فِي مُحكَمِ التَّنزيلِ قالَ لِخَلقِهِ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰۤىِٕكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسلِیمًا﴾ (الأحزاب 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيتَ عَلى إِبراهيمَ وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، وَبارِك عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما بارَكتَ عَلى إِبراهيمَ وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، فِي العالَمينَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.
عِبادَ اللَّهِ، إِنِّي داعٍ، فَلَعَلَّها تَكونُ ساعَةَ إِجابَةٍ. اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ، الأَحياءِ مِنهُم وَالأَمواتِ. اللَّهُمَّ اغفِر لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَصَغيرِنا وَكَبيرِنا، وَذَكَرِنا وَأُنثانا، وَشاهِدِنا وَغائِبِنا. اللَّهُمَّ مَن أَحيَيتَهُ مِنّا فَأَحيِهِ عَلَى الإِيمانِ، وَمَن تَوَفَّيتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسلامِ. اللَّهُمَّ اغفِر لِإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقونا بِالإِيمانِ. اللَّهُمَّ لا تَحرِمنا أَجرَهُم، وَلا تَفتِنّا بَعدَهُم، وَاغفِرِ اللَّهُمَّ لَنا وَلَهُم.
اللَّهُمَّ انصُرِ الإِسلامَ وَالمُسلِمينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكينَ. اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِأَعداءِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِالصَّهايِنَةِ المُحتَلِّينَ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَن رَفَحَ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَن غَزَّةَ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَن جَنينَ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَنِ الضِّفَّةِ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَنِ القُدسِ الشَّريفِ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَنِ المَسجِدِ الأَقصى المُبارَكِ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَن كُلِّ فِلسطينَ. اللَّهُمَّ رُدَّ إِلَينا كُلَّ فِلسطينَ، إِنَّكَ يا رَبُّ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ. اللَّهُمَّ ارحَم مَوتانا شُهَداءَنا فِي غَزَّةَ وَفِلسطينَ. اللَّهُمَّ أَفرِغ عَلى قُلوبِهِم صَبرًا. اللَّهُمَّ ثَبِّت أَقدامَهُم. اللَّهُمَّ انصُرهُم عَلَى القَومِ الكافِرينَ. اللَّهُمَّ عافِ مُبتَلاهُم. اللَّهُمَّ فُكَّ أَسراهُم. اللَّهُمَّ رُدَّ عَنهُم الكَيدَ وَالمَكرَ يا رَبَّ العالَمينَ. وَاجعَل نارَ العَدُوِّ بَردًا وَسَلامًا عَلَيهِم، يا أَرحَمَ الرّاحِمينَ. اللَّهُمَّ اجعَل بَلَدَنا هَذا سَخاءً رَخاءً، آمِنًا مُطمَئِنًّا، وَسائِرَ بِلادِ المُسلِمينَ. اللَّهُمَّ وَفِّق مَلِكَ البِلادِ لِخَيرِ البِلادِ وَالعِبادِ. رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ، وَأَدخِلنا الجَنَّةَ مَعَ الأَبرارِ، بِرَحمَتِكَ يا عَزيزُ يا غَفّارُ.
عِبادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأمُرُ بِٱلعَدلِ وَٱلإِحسَـٰنِ وَإِیتَاۤىِٕ ذِی ٱلقُربَىٰ وَیَنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَاۤءِ وَٱلمُنكَرِ وَٱلبَغیِۚ یَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل 90). وَلِذِكرُ اللَّهِ أَكبَرُ، وَاللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعونَ.