الحَمدُ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعينُهُ وَنَستَغفِرُهُ وَنَستَهدِيهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَنَعوذُ بِاللَّهِ مِن شُرورِ أَنفُسِنا وَمِن سَيِّئاتِ أَعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرشِدًا. وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَلا شَبيهَ لَهُ، وَلا مَثيلَ لَهُ، وَلا نَظيرَ لَهُ، وَلا ضِدَّ لَهُ وَلا نِدَّ لَهُ، هُوَ سُبحانَهُ الأَوَّلُ فَلَيسَ قَبلَهُ شَيءٌ، وَالآخِرُ فَلَيسَ بَعدَهُ شَيءٌ، وَالظّاهِرُ فَلَيسَ فَوقَهُ شَيءٌ، وَالباطِنُ فَلَيسَ دُونَهُ شَيءٌ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وَنَبِيَّنا وَعَظيمَنا وَقائِدَنا وَقُرَّةَ عُيونِنا مُحَمَّدًا عَبدُ اللَّهِ وَرَسولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَحَبيبُهُ. أَشهَدُ أَنَّكَ يا سَيِّدي يا رَسولَ اللَّهِ قَد بَلَّغتَ الرِّسالَةَ، وَأَدَّيتَ الأَمانَةَ، وَنَصَحتَ لِلأُمَّةِ، وَجاهَدتَ فِي اللَّهِ حَقَّ الجِهادِ، فَجَزَى اللَّهُ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيرًا. اللَّهُمَّ صَلِّ صَلاةً كامِلَةً، وَسَلِّم سَلامًا تامًّا، عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ الَّذي تَنحَلُّ بِهِ العُقَدُ، وَتَنفَرِجُ بِهِ الكُرَبُ، وَتُقضى بِهِ الحَوائِجُ، وَتُنالُ بِهِ الرَّغائِبُ، وَحُسنُ الخَواتيمِ، وَيُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ الكَريمِ، وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّم.
عِبادَ اللَّهِ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ. يَقولُ الحَقُّ تَبارَكَ وَتَعالى فِي سُورَةِ الإِسراءِ: ﴿وَيَدعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء 11).
مِمّا قِيلَ فِي تَفسيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَريمَةِ: أَنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَدعُو عَلى نَفسِهِ بِالشَّرِّ فِي حالِ غَضَبِهِ وَضَجَرِهِ وَقِلَّةِ صَبرِهِ، وَيَدعُو عَلى مالِهِ، وَيَدعُو عَلى وَلَدِهِ، كَما أَنَّهُ يَدعُو لِنَفسِهِ بِالخَيرِ. فَهُوَ نَفسُهُ فِي بَعضِ الأَحيانِ، بِسَبَبِ قِلَّةِ الصَّبرِ وَكَثرَةِ الضَّجَرِ، يَدعُو عَلى نَفسِهِ. ﴿وَيَدعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيرِ﴾ (الإسراء 11).
وَرَسولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا تَدعُوا عَلى أَنفُسِكُم، وَلا تَدعُوا عَلى أَموالِكُم، وَلا تَدعُوا عَلى أَولادِكُم». وَالنَّبِيُّ ﷺ كَذَلِكَ قالَ: «لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ المَوتَ لِضُرٍّ أَصابَهُ، فَإِن كانَ لا بُدَّ قائِلًا، فَليَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحيِني ما كانَتِ الحَياةُ خَيرًا لي، وَتَوَفَّني إِذا كانَتِ الوَفاةُ خَيرًا لي».
فَيُكرَهُ لَنا أَن نَتَمَنَّى المَوتَ إِلّا إِذا كانَ لِسَبَبٍ شَرعِيٍّ؛ كَأَن نَسأَلَ اللَّهَ الشَّهادَةَ. فَهُنا نَحنُ نَسأَلُ غَرَضًا شَريفًا، وَالشَّهيدُ سَيُقتَلُ وَسَيَموتُ، وَلَكِنَّهُ يَموتُ عَلى غايَةٍ عَظيمَةٍ. وَحَتّى إِنَّ الفاروقَ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ دَعا بَعدَ آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها، لَمّا رَأى الأُمَّةَ وَكَيفَ صارَ حالُها بِفَضلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ القُوَّةِ وَالظُّهورِ عَلى أَعداءِ الدِّينِ، وَانتَشَرَ العَدلُ فِي الأَرضِ، وَفاضَ المالُ فِي المُسلِمينَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إِنّي أَسأَلُكَ شَهادَةً فِي سَبيلِكَ، وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَنَحنُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، صَباحَ مَساءَ، نَدعُو اللَّهَ الشَّهادَةَ. وَحَتّى مِمّا جاءَ فِي الأَحاديثِ: أَنَّ الَّذي يَدعُو قَبلَ أَن يَدخُلَ فِي الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ آتِني أَفضَلَ ما تُؤتي عِبادَكَ الصّالِحينَ»، فَهَذا بِإِذنِ اللَّهِ يَنالُ الشَّهادَةَ؛ هَكَذا عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ.
فَنَحنُ إِن تَمَنَّينا الشَّهادَةَ، فَهَذا خَيرٌ، وَسُؤالُنا اللَّهَ الشَّهادَةَ يَدُلُّ ـ بِإِذنِ اللَّهِ ـ عَلى أَنَّنا نُحِبُّ لِقاءَ اللَّهِ، وَلا نَتَمَسَّكُ بِهَذِهِ الدُّنيا الفانِيَةِ. وَهَذِهِ الأُمَّةُ فيها مِنَ الشُّهَداءِ، وَلا تَزالُ إِلى هَذِهِ الصَّبيحَةِ، فِي جَبالِيا، وَفِي غَزَّةَ، وَفِي الضِّفَّةِ، وَفِي القُدسِ، وَفِي فِلسطينَ، وَفِي لُبنانَ، وَفِي كَثيرٍ مِنَ البُلدانِ؛ أُمَّةٌ تُحِبُّ الشَّهادَةَ. الَّذي يَخافُهُ عَدُوُّنا هُوَ المَوتُ، وَهُوَ الَّذي نَتَمَنّاهُ. فَماذا نُريدُ بِحَياةٍ نَشعُرُ فيها بِذِلَّةٍ، وَنَشعُرُ فيها بِعارٍ؟! نَثبُتُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتّى نَلقى اللَّهَ.
أَمّا لِغَيرِ غَرَضٍ شَرعِيٍّ، يا عِبادَ اللَّهِ، فَلا تَتَمَنَّوا المَوتَ. وَفِي المُقابِلِ بَعضُ النّاسِ أَحيانًا، إِذا قِيلَ لَهُ: لا تَفعَل كَذا، فَهَذا يُؤَدّي إِلى المَوتِ؛ قالَ: بَعدَ الشَّرِّ! وَالمَوتُ لَيسَ فِي كُلِّ الأَحوالِ شَرًّا؛ فَالمَوتُ لِلأَتقِياءِ راحَةٌ، وَمُخلَصٌ، وَأَمّا لِلأَشقِياءِ فَهُوَ هَلاكٌ وَعَذابٌ.
وَأَمّا الأَتقِياءُ، فَهَذا لَهُم راحَةٌ وَخَلاصٌ. كَما كانَ بِلالٌ الحَبَشِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَلى فِراشِ المَوتِ، وَمَعَ الأَلَمِ، وَزَوجَتُهُ تَبكي، فَنَظَرَ إِلَيها، فَقالَت: واحُزنَاه! فَماذا أَجابَها بِلالٌ؟ قالَ: قولي: واطَرَباه! غَدًا نَلقى الأَحِبَّةَ، نَلقى مُحَمَّدًا وَصَحبَهُ.
فَكِّر فِيها: سَتَرحَلُ عَن هَذِهِ الدُّنيا، وَنَرحَلُ ـ إِن شاءَ اللَّهُ تَعالى ـ عَلى الإِيمانِ وَالتَّقوَى وَالصَّلاحِ. فَمَن نَلقى بَعدَ هَذا العَناءِ، بَعدَ الدُّنيا، بَعدَ الكَربِ؟ نَلقى رَسولَ اللَّهِ ﷺ، نَلقى أَبا بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمانَ، وَعَلِيًّا، نَلقى أَصحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ. هَذِهِ هِيَ الرّاحَةُ.
فَأَنتَ ماذا تَفعَلُ؟ تَثبُتُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وَتَصبِرُ، وَتَأخُذُ بِالأَسبابِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال 60). تَأخُذُ بِالأَسبابِ، وَمِن جُملَةِ الأَسبابِ أَن تَجتَنِبَ الحَرامَ، وَأَن تَجتَنِبَ الفَواحِشَ، وَأَن تَجتَنِبَ الرِّبا. تَقولُ: أَنا عاطِفَتي مَعَ فِلسطينَ وَمَعَ ما يَحصُلُ، وَأَنتَ تَأكُلُ الرِّبا! وَأَنتَ تَشرَبُ الخَمرَ! وَمِنهُم مَن يَقَعُ فِي الزِّنا، وَالعِياذُ بِاللَّهِ، وَمِنهُم مَن هُوَ عاقٌّ لِوالِدَيهِ. فَمَن كانَ عاقًّا لِوالِدَيهِ، ماذا سَيَفعَلُ لِفِلسطينَ؟ وَماذا سَيَفعَلُ لِأُمَّةِ الإِسلامِ؟ وَهُوَ قاطِعُ رَحِمٍ، وَهُوَ لَعّانٌ، يَشتُمُ صَباحَ مَساءَ، يَلعَنُ هَذا، وَهُوَ فِي السَّيّارَةِ يَلعَنُ هَذا، وَيَسُبُّ هَذا! وَ«سِبابُ المُسلِمِ فُسوقٌ». أَيُّ نَفعٍ يَكونُ مِن هَذا الإِنسانِ إِلّا أَن يَرحَمَهُ اللَّهُ؟ اللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ، لَكِنَّهُ وَهُوَ عَلى هَذِهِ الحالِ، مَن كانَ مِثلَ ذَلِكَ، فَأَيُّ قُوَّةٍ سَتَكونُ عِندَهُ حَتّى يَذهَبَ وَيُقاتِلَ فِي سَبيلِ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى؟!
فَعَلَيكَ أَن تَجتَنِبَ الحَرامَ، وَأَن تُؤَدِّيَ الواجِباتِ، وَأَن يَكونَ أَكلُكَ حَلالًا، وَمَطعَمُكَ حَلالًا، وَمَشرَبُكَ حَلالًا، وَأَن تُنفِقَ المالَ فِي سَبيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. هَكَذا يَكونُ المُسلِمُ. وَعِندَها يَتُوقُ إِلى الرّاحَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَّرَ الآخِرَةَ، فَلا يُبالي بِدُنيا فيها الخَرابُ، وَلا يَأسَى عَلَيها. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾ (الزمر 30). وَالخِطابُ لِمَن؟ لِسَيِّدِ الخَلقِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾ (الزمر 30).
قَد يَكونُ الإِنسانُ فِي بَلَدٍ لَيسَ فيها حَربٌ وَلا شَيءٌ، وَفَجأَةً ـ وَهَذا نَكادُ كُلَّ يَومٍ نَسمَعُهُ ـ سَرَطانٌ، أَو مَرَضٌ مِنَ الأَمراضِ، أَو داءٌ يَأتي فِي يَومٍ وَلَيلَةٍ. مِن أَينَ جاءَ المَوتُ؟ لا بُدَّ مِنهُ، وَهُوَ نازِلٌ. وَالبَلاءُ، يا عِبادَ اللَّهِ، لا بُدَّ مِنهُ. لَكِن ماذا عَلَينا أَن نَفعَلَ؟ نَدعُو اللَّهَ تَعالى، وَنَأخُذُ بِالأَسبابِ، وَنَنتَبِهُ لِشَيءٍ آخَرَ: نَدعُو وَلا نَعجَلُ، «وَلَكِنَّكُم تَستَعجِلونَ».
رَوَى البُخارِيُّ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يُستَجابُ لِأَحَدِكُم ما لَم يَعجَل، يَقولُ: دَعَوتُ رَبّي فَلَم يُستَجَب لي». لا تَعجَلوا، «وَلَكِنَّكُم تَستَعجِلونَ». ﴿وَيَدعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيرِ﴾ (الإسراء 11)، وَفِيها مَعنى العَجَلَةِ أَيضًا؛ لِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء 11). ما يَأتي عَلى بالِهِ، وَما يَخطُرُ عَلى بالِهِ، يَدعُو بِهِ الآنَ، وَيُريدُ أَن يَتَحَقَّقَ لَهُ الآنَ. إِذا دَعَوتَ بِخَيرٍ، فَلَكَ ثَوابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلا تَعجَل. مَتى يَأتي الفَرَجُ؟ اللَّهُ تَعالى أَعلَمُ بِهِ.
وَإِلى أَن يَأتي الفَرَجُ، لا تَقعُد هَكَذا فَقَط مُتَحَسِّرًا؛ بَل قُم تائِبًا لِلَّهِ، طائِعًا لِلَّهِ، عابِدًا لِلَّهِ، مُصَلِّيًا لِلَّهِ، تالِيًا كِتابَ اللَّهِ، مُتَدارِسًا حَديثَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، وَابقَ عَلى الدُّعاءِ، فَلَن تَرجِعَ صِفرًا، وَلَن تَرجِعَ صِفرَ اليَدَينِ. نَدعُو اللَّهَ تَعالى بِالنَّصرِ، وَبِالفَرَجِ، وَأَن يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعالى فِي رَفعِ البَلاءِ. وَمَتى يَكونُ هَذا؟ عَلى ما أَرادَ اللَّهُ سُبحانَهُ وَتَعالى. لَكِن عَلَينا أَن نَثبُتَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وَأَلّا نَتَسَخَّطَ عَلى اللَّهِ، وَأَلّا نَعتَرِضَ عَلى اللَّهِ.
وَمِن ناحِيَةٍ أُخرى: أَلّا نَهِنَ، وَأَلّا نَفشَلَ، وَأَلّا نَجبُنَ، وَأَلّا يُصيبَنا الضَّعفُ؛ لِأَنَّ عَدُوَّنا إِن رَأى أَنَّنا فِي ضَعفٍ، زادَ فِي ظُلمِهِ وَطُغيانِهِ، وَزادَ فِي قَتلِهِ وَعُدوانِهِ. كُلَّما رَأى مِنّا رايَةَ ذِلَّةٍ، أَو رايَةَ ضَعفٍ، أَو هَوانٍ، أَو أَنَّنا فِي خَوفٍ مِنهُ، زادَ فِي طُغيانِهِ.
رَجُلٌ مِن أَصحابِ النَّبِيِّ ﷺ اسمُهُ القَعقاعُ بنُ عَمرو التَّميمِيُّ، فِي أَيّامِ الفُتوحاتِ الإِسلامِيَّةِ، وَفِي جَيشِ الصِّدّيقِ أَبي بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنهُ، وَكانَت ساحاتُ القِتالِ ما بَينَ الشّامِ وَالعِراقِ، وَكانَت تُفتَحُ البُلدانُ، وَتَسيرُ الجُيوشُ بَعدَ قِتالِ أَهلِ الرِّدَّةِ. بَعدَ ذَلِكَ، الصِّدّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، المَعروفُ بِالرَّحمَةِ وَالرَّأفَةِ، وَهَذا مِن رَحمَتِهِ وَرَأفَتِهِ، بَعَثَ الجُيوشَ بِنَشرِ الإِسلامِ؛ لِأَنَّ الجِهادَ فِي سَبيلِ اللَّهِ كَذَلِكَ لِنَشرِ الإِسلامِ.
وَفِي بَعضِ المَعارِكِ اشتَدَّ القِتالُ عَلى المُسلِمينَ، فَبَعَثوا إِلى أَبي بَكرٍ: الأَعداءُ يَتَكاثَرونَ، وَلَيسَ هُناكَ مَدَدٌ لِلمُسلِمينَ، وَالمَسافَةُ بَعِيدَةٌ. فَبَعَثوا إِلى أَبي بَكرٍ يَطلُبونَ المَدَدَ. فَبَعَثَ لَهُم أَبو بَكرٍ. وَكانَ جَيشُ المُسلِمينَ فِي القِتالِ يَنتَظِرُ، يَنتَظِرُ أَن سَيَأتيَ جَيشٌ. فَنَظَروا، فَلَم يَكُن هُناكَ غُبارٌ يَثورُ يَدُلُّ عَلى أَنَّ جَيشًا قَد جاءَ، وَإِذا بِفارِسٍ واحِدٍ، رَجُلٍ واحِدٍ، قَد بُعِثَ مَدَدًا لِجَيشِ الصَّحابَةِ! نَظَرَ بَعضُهُم إِلى بَعضٍ: يُرسِلُ لَنا رَجُلًا واحِدًا؟! لَكِنَّ هَذا الرَّجُلَ كانَ القَعقاعَ.
فَلَمّا وَصَلَ، نَزَلَ فَورًا إِلى القِتالِ. ماذا فَعَلَ؟ شَهَرَ سَيفَهُ، وَأَمامَهُ آلَافٌ مِن جَيشِ الكُفّارِ، وَحدَهُ، فَاختَرَقَ قَلبَ الجَيشِ، قَلبَ جَيشِ الكُفّارِ، يَضرِبُ يَمينًا وَيَسارًا، وَجَيشٌ بِأَكمَلِهِ أَمامَ فارِسٍ واحِدٍ يُقاتِلُهُ. فَقَذَفَ اللَّهُ الرُّعبَ فِي قُلوبِ ذَلِكَ الجَيشِ، كَأَنَّهُم رَأَوا القَعقاعَ أُمَّةً كَثيرَةً، فَكانَ سَبَبًا لِنَصرِ المُسلِمينَ. فَكانَ أَبو بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ لَهُ مَقالَةٌ مَشهورَةٌ: لا يُهزَمُ جَيشٌ فيهِ القَعقاعُ.
وَمَعنى ذَلِكَ: أَنَّهُ عِندَما يَكونُ أَمثالُ هَؤُلاءِ الرِّجالِ، وَلا نَجبُنُ وَلا نَخافُ، وَلَو كانَ العَدُوُّ كائِنًا مَن كانَ، فَقُوَّتُنا بِاللَّهِ، وَعِزَّتُنا بِاللَّهِ، وَعِزَّتُنا بِدينِ الإِسلامِ، وَعِزَّتُنا لِرَسولِ الإِسلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
يا فَوزَ المُستَغفِرينَ.
الخطبة الثانية
الحَمدُ لِلَّهِ وَكَفى، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبارِك عَلى عَبدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، النَّبِيِّ المُصطَفى، وَعَلى آلِهِ وَأَصحابِهِ أُولِي الفَضلِ وَالوَفا. عِبادَ اللَّهِ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ.
﴿وَيَدعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء 11).
وَذَكَرَ بَعضُ أَهلِ التَّفسيرِ مَعنى آخَرَ عَظيمًا، دَقيقًا، جَليلًا لِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالوا: يَدعُو الإِنسانُ بِالنافِعِ العاجِلِ وَإِن قَلَّ، وَهُوَ فِي حَقيقَتِهِ قَد يَكونُ ضَرَرًا آجِلًا وَإِن جَلَّ. يَدعُو بِالعاجِلِ النّافِعِ وَإِن قَلَّ. وَما يُدريكَ أَنَّ الشَّيءَ الَّذي أَنتَ تَستَعجِلُهُ الآنَ ـ وَهُوَ نافِعٌ فِي الظّاهِرِ وَإِن قَلَّ ـ لَعَلَّهُ إِذا أُعطيتَهُ كانَ فِيهِ ضَرَرٌ آجِلٌ قَد جَلَّ وَعَظُمَ.
فَإِذا دَعَوتَ اللَّهَ تَعالى، فَلا تَعجَل، وَسَلِّم لِلَّهِ. أَنتَ تَدعُو اللَّهَ؛ وَأَنتَ لَو دَعَوتَ كَريمًا لَقُلتَ: الكَريمُ لا يَرُدُّني. وَنَحنُ نَدعُو أَكرَمَ الأَكرَمينَ، اللَّهَ رَبَّ العالَمينَ، أَن يَنصُرَنا فِي غَزَّةَ، وَفِي فِلسطينَ، وَفِي لُبنانَ، وَفِي كُلِّ البُلدانِ. فَإِذا سَأَلنا أَكرَمَ الأَكرَمينَ، فَلا نَخافُ بَعدَ ذَلِكَ مِن بَأسِ الكافِرينَ، وَلا مِن نِفاقِ المُنافِقينَ، وَلا مِن تَآمُرِ المُتآمِرينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ خالِقُنا أَجمَعينَ.
عِبادَ اللَّهِ، اللَّهُ عَظَّمَ قَدرَ جاهِ مُحَمَّدٍ، وَأَنالَهُ فَضلًا لَدَيهِ عَظيمًا. فِي مُحكَمِ التَّنزيلِ قالَ لِخَلقِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾ (الأحزاب 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيتَ عَلى إِبراهيمَ وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، وَبارِك عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما بارَكتَ عَلى إِبراهيمَ وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، فِي العالَمينَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.
عِبادَ اللَّهِ، إِنّي داعٍ، فَلَعَلَّها تَكونُ ساعَةَ إِجابَةٍ.
اللَّهُمَّ اغفِر لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَصَغيرِنا وَكَبيرِنا، وَذَكَرِنا وَأُنثانا، وَشاهِدِنا وَغائِبِنا. اللَّهُمَّ مَن أَحيَيتَهُ مِنّا فَأَحيِهِ عَلَى الإِيمانِ، وَمَن تَوَفَّيتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسلامِ. اللَّهُمَّ اغفِر لِإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقونا بِالإِيمانِ، اللَّهُمَّ لا تَحرِمنا أَجرَهُم، وَلا تَفتِنّا بَعدَهُم، وَاغفِرِ اللَّهُمَّ لَنا وَلَهُم.
اللَّهُمَّ يا اللَّهُ، يا اللَّهُ، يا اللَّهُ، انصُر هَذا الدِّينَ. اللَّهُمَّ انصُرِ الإِسلامَ وَالمُسلِمينَ. اللَّهُمَّ أَذِلَّ المُعتَدينَ الكافِرينَ. اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِالبُغاةِ الطُّغاةِ المُعتَدينَ الكافِرينَ. اللَّهُمَّ اضرِبِ الكافِرينَ بِالكافِرينَ، وَأَخرِجِ المُسلِمينَ مِن بَينِ أَيديهِم سالِمينَ. اللَّهُمَّ رُدَّ المُشرِكينَ المُغتَصِبينَ الظّالِمينَ عَن بِلادِ المُسلِمينَ. اللَّهُمَّ رُدَّ عَنّا المُتآمِرينَ. اللَّهُمَّ رُدَّ عَنّا الماكِرينَ. اللَّهُمَّ رُدَّ عَنّا المُنافِقينَ. اللَّهُمَّ أَظهِر هَذا الدِّينَ. اللَّهُمَّ اجعَل لَنا ظُهورًا فِي غَزَّةَ وَفِلسطينَ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَن غَزَّةَ. اللَّهُمَّ ارفَعِ الحِصارَ عَن جَبالِيا. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَنِ الضِّفَّةِ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَنِ القُدسِ. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَنِ المَسجِدِ الأَقصى. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَن فِلسطينَ، وَعَنِ اليَمَنِ، وَعَنِ العِراقِ، وَعَنِ السُّودانِ، وَعَنِ المُسلِمينَ فِي سائِرِ البُلدانِ. اللَّهُمَّ اجعَل بَلَدَنا سَخاءً رَخاءً، آمِنًا مُطمَئِنًّا، وَسائِرَ بِلادِ المُسلِمينَ. اللَّهُمَّ اسقِنا الغَيثَ، وَلا تَجعَلنا مِنَ القانِطينَ. اللَّهُمَّ وَفِّق مَلِكَ البِلادِ لِخَيرِ البِلادِ وَالعِبادِ. رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ، وَأَدخِلنا الجَنَّةَ مَعَ الأَبرارِ، بِرَحمَتِكَ يا عَزيزُ يا غَفّارُ.
عِبادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل 90). وَلَذِكرُ اللَّهِ أَكبَرُ، وَاللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعونَ.