الحَمدُ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعينُهُ وَنَستَغفِرُهُ وَنَستَهدِيهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَنَعوذُ بِاللَّهِ مِن شُرورِ أَنفُسِنا وَمِن سَيِّئاتِ أَعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرشِدًا. وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَلا شَبيهَ لَهُ، وَلا نَظيرَ لَهُ، وَلا ضِدَّ لَهُ وَلا نِدَّ لَهُ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وَحَبيبَنا وَنَبِيَّنا وَعَظيمَنا وَقائِدَنا وَقُرَّةَ عُيونِنا مُحَمَّدًا عَبدُ اللَّهِ وَرَسولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَحَبيبُهُ. أَشهَدُ أَنَّكَ يا سَيِّدي يا رَسولَ اللَّهِ قَد بَلَّغتَ الرِّسالَةَ، وَأَدَّيتَ الأَمانَةَ، وَنَصَحتَ لِلأُمَّةِ، وَجاهَدتَ فِي اللَّهِ حَقَّ الجِهادِ، فَجَزَى اللَّهُ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيرًا. اللَّهُمَّ صَلِّ صَلاةً كامِلَةً، وَسَلِّم سَلامًا تامًّا عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ الَّذي تَنحَلُّ بِهِ العُقَدُ، وَتَنفَرِجُ بِهِ الكُرَبُ، وَتُقضى بِهِ الحَوائِجُ، وَتُنالُ بِهِ الرَّغائِبُ، وَحُسنُ الخَواتيمِ، وَيُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ الكَريمِ، وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ.
عِبادَ اللَّهِ، مَعاشِرَ الصّائِمينَ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ. يَقولُ الحَقُّ تَبارَكَ وَتَعالى فِي سُورَةِ آلِ عِمرانَ: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرࣲ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةࣱۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ مُنزَلِينَ﴾.
شَهرُ رَمَضانَ شَهرُ الجِهادِ فِي سَبيلِ اللَّهِ. وَالصِّيامُ بِحَدِّ ذاتِهِ جِهادٌ، وَكَيفَ إِذا اجتَمَعَ مَعَ جِهادِ النَّفسِ بِحَبسِها عَنِ الطَّعامِ وَالشَّرابِ وَالمُفَطِّراتِ، وَاجتَمَعَ مَعَ ذَلِكَ جِهادُ السِّنانِ؟! وَقَد كانَت أَعظَمُ الغَزَواتِ وَأَكبَرُ الفُتوحاتِ فِي شَهرِ الجِهادِ، شَهرِ رَمَضانَ: غَزوَةُ بَدرٍ الكُبرى، وَفَتحُ مَكَّةَ، وَغَيرُ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا هُوَ أَشهَرُها.
إِخوَةَ الإِسلامِ وَالإِيمانِ، ظُلِمَ وَأُوذِيَ أَصحابُ المُصطَفى ﷺ كَثيرًا فِي مَكَّةَ؛ مِنهُم مَن قُتِلَ، كَبَعضِ آلِ ياسِرٍ، وَمِنهُم مَن سُلِبَت أَموالُهُ، وَنُكِّلَ بِهِم، وَجُعِلَ عَلَيهِم الحِصارُ بِالتَّجويعِ سِنِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَسَيِّدُ الخَلقِ مُحَمَّدٌ ﷺ يَمضي فِي الدَّعوَةِ إِلَى اللَّهِ، جِهادَ البَيانِ؛ ما كانَ الإِذنُ قَد جاءَ فِي مَكَّةَ بِجِهادِ السِّنانِ، فَكانَ يُجاهِدُ بِالبَيانِ، يَدورُ ﷺ عَلَى المَواسِمِ بَينَ النّاسِ: قُولوا: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفلِحوا.
عُودِيَ ﷺ، وَهُوَ الصّادِقُ الأَمينُ. وَلِماذا عُودِيَ؟ لِأَنَّهُ يَعلَمُ الحَقَّ. وَلِماذا عُودِيَ أَنبِياءُ اللَّهِ؟ وَمِنهُم مَن قُتِلَ؟ لِأَنَّهُم يَعلَمونَ الحَقَّ. وَهَكَذا فِي كُلِّ زَمانٍ مِنَ الأَزمِنَةِ.
هاجَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المَدينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَفِي السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ المُبارَكَةِ جاءَ الإِذنُ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ بِالجِهادِ. وَهُنا مِن أَعظَمِ المَقاصِدِ فِي الجِهادِ فِي سَبيلِ اللَّهِ: نَشرُ الإِسلامِ، لَيسَ فَقَط أَن نُدافِعَ، بَل وَأَن نَنشُرَ الإِسلامَ؛ لِذَلِكَ كانَتِ الفُتوحاتُ الإِسلامِيَّةُ، وَكانَ يُقالُ: فَتحُ الأَندَلُسِ، فَتحُ بِلادِ الشّامِ، فَتحُ بِلادِ العِراقِ. كانَت أَرضُ الرّومِ فيها، وَالفُرسُ فيها، يَعيثونَ الفَسادَ. وَأَرضُنا، خُصوصًا أَرضُ الشّامِ، مُنذُ زَمَنٍ بَعيدٍ، وَهِيَ مَقصِدٌ لِهَؤُلاءِ؛ لِما يَعلَمونَهُ مِنَ الخَيراتِ العَظيمَةِ فِي بِلادِ الشّامِ. فَدائِمًا كانَ المُستَعمِرونَ وَالجَبابِرَةُ وَالكُفّارُ يَستَهدِفونَ بِلادَ الشّامِ، وَبِالأَخَصِّ كانُوا يَستَهدِفونَ فِلسطينَ الَّتي هِيَ أُمُّ بَرِّ الشّامِ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كانَت تَدورُ الدّائِرَةُ، وَلَو بَعدَ زَمانٍ، سَيُهزَمُ الجَمعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. ﴿وَقُلۡ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَـٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾. لا بُدَّ، إِن شاءَ اللَّهُ تَعالى، كَما كانَ فَرَجٌ فِيما مَضى، أَن يَأتيَ فَرَجٌ، بِإِذنِ اللَّهِ، مِن عِندِ اللَّهِ رَبِّ العالَمينَ، عَلى غَزَّةَ، وَالضِّفَّةِ، وَالقُدسِ، وَالأَقصى، وَفِلسطينَ.
إِذًا، يا عِبادَ اللَّهِ، جاءَ الإِذنُ بِالجِهادِ. قافِلَةٌ لِلمُشرِكينَ تَخرُجُ عَلى طَريقِ القَوافِلِ، فَيَصِلُ الخَبَرُ إِلى قائِدِ الأُمَّةِ ﷺ، وَيَخرُجُ النَّبِيُّ ﷺ إِلى تِلكَ القافِلَةِ. وَيَصِلُ المُشرِكينَ فِي مَكَّةَ الخَبَرُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ سَيَأخُذُ قافِلَتَكُم. فَجُمِعَ جَيشُ المُشرِكينَ، وَكانَ أَلفًا. وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، وَكانَ مَعَهُ ثَلاثُمِئَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وَمِن هَؤُلاءِ أَهلُ بَدرٍ؛ «لا يَدخُلُ النّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدرًا وَالحُدَيبِيَةَ». قِلَّةٌ مِن حَيثُ العَدَدِ وَالعُدَّةِ، وَهَذا مَعنى «أَذِلَّةٌ». ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرࣲ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةࣱ﴾؛ وَهُمُ الأَعِزَّاءُ، لَكِنَّ المَعنى: مِن حَيثُ العَدَدِ وَالعَتادِ كانُوا قِلَّةً مِن حَيثُ العَدَدِ، وَلَكِنَّها كانَت أُمَّةً؛ الأُمَّةُ الَّتي بِهَذِهِ الغَزوَةِ الكُبرى فَتَحَتِ الطَّريقَ إِلى فَتحِ مَكَّةَ، الَّذي كانَ فِي العاشِرِ مِن رَمَضانَ، السَّنَةِ الثّامِنَةِ لِلهِجرَةِ. أَمّا بَدرٌ، فَكانَت فِي السَّنَةِ الثّانِيَةِ، وَيُقالُ: إِنَّهُ كانَ يَومَ جُمُعَةٍ، فِي رَمَضانَ، فِي السّابِعِ عَشَرَ مِن شَهرِ رَمَضانَ؛ سَبعَةَ عَشَرَ رَمَضانَ كانَت غَزوَةُ بَدرٍ الكُبرى.
أَقبَلَت جُيوشُ المُشرِكينَ بِجَحافِلِها وَخُيَلائِها، وَوَقَفَ القائِدُ العَظيمُ ﷺ يَستَنهِضُ الهِمَمَ. فَنَظَرَ إِلى المُهاجِرينَ: ما قَولُكُم؟ فَقامَ المِقدادُ، فَقالَ: وَاللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، لا نَقولُ لَكَ كَما قالَت بَنو إِسرائيلَ: ﴿ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾، وَلَكِن نَقولُ لَكَ: نَحنُ بَينَ يَدَيكَ، وَعَن يَمينِكَ، وَعَن شِمالِكَ، وَمِن خَلفِكَ، نُقاتِلُ مَعَكَ. فَاستَبشَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوقِفِ المُهاجِرينَ. وَمِنَ المُهِمِّ أَن يَكونَ الجَيشُ، وَلَو كانَ قَليلًا، أَن يَكونَ فِيهِ قُوَّةُ قَلبٍ، فِيهِ رَغبَةٌ فِي الإِقدامِ، فِيهِ رَغبَةٌ فِي الجِهادِ، فِيهِ طَلَبٌ لِلشَّهادَةِ؛ فَيَصيرُ عَلى يَدَيهِ الكَثيرُ.
ثُمَّ نَظَرَ ﷺ إِلى الأَنصارِ، فَقامَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، لَقَد آمَنّا بِكَ، وَصَدَّقناكَ، وَشَهِدنا أَنَّ ما جِئتَ بِهِ هُوَ الحَقُّ، وَأَعطَيناكَ عَلى ذَلِكَ عُهودَنا وَمَواثيقَنا عَلى السَّمعِ وَالطّاعَةِ، فَامضِ يا رَسولَ اللَّهِ لِما أَرَدتَ، فَوَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَوِ استَعرَضتَ بِنا هَذا البَحرَ فَخُضتَهُ لَخُضناهُ مَعَكَ، ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، وَما نَكرَهُ أَن تَلقى بِنا عَدُوَّنا غَدًا، إِنّا لَصُبُرٌ فِي الحَربِ، صُدُقٌ فِي اللِّقاءِ، سِر عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيَكَ مِنّا ما تَقَرُّ بِهِ عَينُكَ. فَاستَبشَرَ وَجهُ المُصطَفى ﷺ.
نُصِبَ العَريشُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَوُضِحَت خُطَّةُ المَعرَكَةِ، ثُمَّ قامَ ﷺ يَدعو: اللَّهُمَّ أَنجِز لي ما وَعَدتَني، اللَّهُمَّ نَصرَكَ الَّذي وَعَدتَ. وَأَبو بَكرٍ إِلى جِوارِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرِداءُ النَّبِيِّ يَنزِلُ، وَأَبو بَكرٍ يَقولُ: يا رَسولَ اللَّهِ، اللَّهُ مُنجِزٌ وَعدَهُ، سَيُؤتيكَ اللَّهُ ما وَعَدَكَ. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَتَضَرَّعُ إِلى اللَّهِ.
وَيَقولُ سَيِّدُنا عَلِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ، وَقَد قامَ يُحَمِّسُ النّاسَ: فَجاءَت ريحٌ شَديدَةٌ، وَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَقالَ: هَذا جِبريلُ، جاءَ بِجَيشٍ مِنَ المَلائِكَةِ، بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ. ثُمَّ شَهَقَ ﷺ ثانِيَةً، فَقالَ: وَهَذا ميكائيلُ، جاءَ بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ. ثُمَّ الثّالِثَةَ، فَقالَ: وَهَذا إِسرافيلُ، جاءَ بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ. فَبَلَغوا ثَلاثَةَ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنزَلينَ. فَاستَبشَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ، وَقالَ: أَتى وَعدُ اللَّهِ، أَتى نَصرُ اللَّهِ.
يَقولُ القُرطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَم يَختَلِفِ المُسلِمونَ فِي أَمرِ نُزولِ المَلائِكَةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَدرٍ، وَقِتالِهِم مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَدرٍ؛ لَم يَختَلِفوا فِي ذَلِكَ. قَد يَكونُ هُناكَ مَنِ اختَلَفَ فِي العَدَدِ: أَلِفٌ، ثُمَّ ثَلاثَةٌ، ثُمَّ خَمسَةٌ، فَالمَجموعُ تِسعَةٌ، عَلى ما ذَهَبَ إِلَيهِ البَعضُ. قالَ: أَمّا مِن حَيثُ أَنَّ المَلائِكَةَ قاتَلَت وَنَزَلَت، فَهَذا نَصُّ القُرآنِ الكَريمِ، أَنَّ المَلائِكَةَ نَزَلَت يَومَ بَدرٍ تَأييدًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذي صَدَعَ بِالحَقِّ، وَثَبَتَ عَلى أَمرِ اللَّهِ، وَجاهَدَ فِي سَبيلِ اللَّهِ. وَعِندَما ضاقَتِ الأَرضُ بِالأَسبابِ، أَنزَلَ اللَّهُ تَعالى مَدَدًا مِنَ السَّماءِ. اللَّهُمَّ أَنزِل عَلَينا فِي غَزَّةَ وَفِلسطينَ مَدَدًا مِنَ السَّماءِ.
أَقولُ قَولي هَذا، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ العَظيمَ لي وَلَكُم.
الخطبة الثانية
الحَمدُ لِلَّهِ، ثُمَّ الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن والاهُ. عِبادَ اللَّهِ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ.
إِخوَةَ الإِسلامِ وَالإِيمانِ، فُتوحاتٌ إِسلامِيَّةٌ عَظيمَةٌ، وَمِن بَدرٍ الكُبرى إِلى أُمِّ القُرى، مَكَّةَ، وَإِلى فَتحِ مَكَّةَ، وَهُناكَ العَشَرَةُ الآلافِ كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَدَخَلوا مِن جِهاتِ مَكَّةَ المُختَلِفَةِ، وَالنَّصرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَالمُشرِكونَ عَرَفوا أَنَّهُم لَن يَقدِروا عَلى مُواجَهَةِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ. دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فاتِحًا؛ هَذِهِ مَكَّةُ الَّتي كانَ فيها ما كانَ مِن أَذى الكُفّارِ، وَلَكِن بَعدَ الصَّبرِ وَالمُضيِّ فِي أَمرِ اللَّهِ وَالدَّعوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعالى، ماذا جاءَ؟ جاءَ نَصرُ اللَّهِ: ﴿وَرَأَیۡتَ ٱلنَّاسَ یَدۡخُلُونَ فِی دِینِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجࣰا﴾. دَخَلَ ﷺ، وَقَد أَخفَضَ رَأسَهُ تَواضُعًا، وَيَنظُرُ إِلى مَن كانوا يُعادونَهُ، فَقالَ: «ما تَظُنّونَ أَنِّي فاعِلٌ بِكُم؟» قالوا: أَخٌ كَريمٌ وَابنُ أَخٍ كَريمٍ. قالَ: «اذهَبوا فَأَنتُمُ الطُّلَقاءُ». هَذا مُحَمَّدٌ ﷺ. فَدَخَلوا فِي الإِسلامِ أَفواجًا، وَهَذا نَصرُ اللَّهِ وَفَتحٌ مُبينٌ.
كانَ هَذا، أَيُّهَا الصّائِمونَ، فِي مِثلِ هَذا الشَّهرِ، فِي شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، الَّذي قَدِ انتَصَفَ عَلَينا، وَسَنَدخُلُ فِي نِصفِهِ الأَخيرِ. عِبادَ اللَّهِ، كُلُّ لَيلَةٍ فِي رَمَضانَ عُتَقاءُ مِنَ النّارِ؛ أَلفُ أَلفِ عَتيقٍ. لَعَلَّكَ تَكونُ هَذِهِ اللَّيلَةُ مِن عُتَقاءِ النّارِ. قُم لَيلَكَ، يا عِبادَ اللَّهِ، جِدُّوا؛ رَبٌّ داعٍ لا يُرَدُّ، لا يَقومُ اللَّيلَ إِلّا مَن لَهُ عَزمٌ وَجِدٌّ.
عِبادَ اللَّهِ، اللَّهُ عَظَّمَ قَدرَ جاهِ مُحَمَّدٍ، وَأَنالَهُ فَضلًا لَدَيهِ عَظيمًا، فِي مُحكَمِ التَّنزيلِ قالَ لِخَلقِهِ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰۤىِٕكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيتَ عَلى إِبراهيمَ وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، وَبارِك عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما بارَكتَ عَلى إِبراهيمَ وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، فِي العالَمينَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.
عِبادَ اللَّهِ، إِنِّي داعٍ، فَلَعَلَّها تَكونُ ساعَةَ إِجابَةٍ. اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ، الأَحياءِ مِنهُم وَالأَمواتِ. اللَّهُمَّ اغفِر لِإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقونا بِالإِيمانِ. اللَّهُمَّ لا تَحرِمنا أَجرَهُم، وَلا تَفتِنّا بَعدَهُم، وَاغفِرِ اللَّهُمَّ لَنا وَلَهُم. اللَّهُمَّ انصُرِ الإِسلامَ وَالمُسلِمينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكينَ. اللَّهُمَّ اجعَل بَأسَ الكافِرينَ بَينَهُم. اللَّهُمَّ اضرِبِ الكافِرينَ بِالكافِرينَ، وَأَخرِجِ المُسلِمينَ مِن بَينِ أَيديهِم سالِمينَ، يا واسِعَ الكَرَمِ. اللَّهُمَّ سَلِّم فِلسطينَ مِن أَيدي الكافِرينَ الماكِرينَ المُتآمِرينَ. اللَّهُمَّ عَجِّل بِرَفعِ الحِصارِ وَالبَلاءِ عَن غَزَّةَ. اللَّهُمَّ استُرهُم، اللَّهُمَّ اكسُهُم، اللَّهُمَّ اسقِهِم، اللَّهُمَّ أَطعِمهُم، اللَّهُمَّ آمِنهُم، اللَّهُمَّ سَلِّمهُم، اللَّهُمَّ اجعَل لَهُم فَرَجًا قَريبًا، فَإِنَّكَ أَعلَمُ بِهِم مِنّا، يا رَبَّ العالَمينَ. اللَّهُمَّ سَلِّمِ القُدسَ وَالأَقصى وَالضِّفَّةَ وَفِلسطينَ، وَسَلِّم بِلادَنا وَبِلادَ المُسلِمينَ. اللَّهُمَّ أَعِنّا عَلَى الصِّيامِ، اللَّهُمَّ أَعِنّا عَلَى القِيامِ، اللَّهُمَّ أَعِنّا عَلَى حِفظِ القُرآنِ وَتِلاوَةِ القُرآنِ وَالصَّدَقَةِ وَالبِرِّ وَالإِحسانِ. اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنّا صِيامَنا، وَلا تَرُدَّنا خائِبينَ. اللَّهُمَّ يا اللَّهُ، يا اللَّهُ، يا اللَّهُ، اجعَلنا مِن عُتَقاءِ هَذِهِ اللَّيالي. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن عُتَقاءِ شَهرِ رَمَضانَ. اللَّهُمَّ أَعتِق رِقابَنا مِنَ النّارِ. اللَّهُمَّ أَعتِق رِقابَ آبائِنا وَأُمَّهاتِنا مِنَ النّارِ. اللَّهُمَّ بَلِّغنا لَيلَةَ القَدرِ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ، فَاعفُ عَنّا، يا كَريمُ. اللَّهُمَّ اجعَل بَلَدَنا هَذا سَخاءً رَخاءً، آمِنًا مُطمَئِنًّا، وَسائِرَ بِلادِ المُسلِمينَ. اللَّهُمَّ وَفِّق مَلِكَ البِلادِ لِخَيرِ البِلادِ وَالعِبادِ. رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ، وَأَدخِلنا الجَنَّةَ مَعَ الأَبرارِ، بِرَحمَتِكَ يا عَزيزُ يا غَفّارُ.
عِبادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَـٰنِ وَإِیتَاۤىِٕ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾. وَلِذِكرُ اللَّهِ أَكبَرُ، وَاللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعونَ.