الحَمدُ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعينُهُ وَنَستَغفِرُهُ وَنَستَهدِيهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَنَعوذُ بِاللَّهِ مِن شُرورِ أَنفُسِنا وَمِن سَيِّئاتِ أَعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرشِدًا. وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَلا شَبيهَ لَهُ، وَلا مَثيلَ لَهُ، وَلا نَظيرَ لَهُ، وَلا ضِدَّ لَهُ وَلا نِدَّ لَهُ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وَحَبيبَنا وَنَبِيَّنا وَعَظيمَنا وَقائِدَنا وَقُرَّةَ عُيونِنا مُحَمَّدًا عَبدُ اللَّهِ وَرَسولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَحَبيبُهُ. أَشهَدُ أَنَّكَ يا سَيِّدي يا رَسولَ اللَّهِ قَد بَلَّغتَ الرِّسالَةَ، وَأَدَّيتَ الأَمانَةَ، وَنَصَحتَ لِلأُمَّةِ، وَجاهَدتَ فِي اللَّهِ حَقَّ الجِهادِ، فَجَزَى اللَّهُ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيرًا. اللَّهُمَّ صَلِّ صَلاةً كامِلَةً، وَسَلِّم سَلامًا تامًّا عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ الَّذي تَنحَلُّ بِهِ العُقَدُ، وَتَنفَرِجُ بِهِ الكُرَبُ، وَتُقضى بِهِ الحَوائِجُ، وَتُنالُ بِهِ الرَّغائِبُ، وَحُسنُ الخَواتيمِ، وَيُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ الكَريمِ، وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّم.
عِبادَ اللَّهِ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ. يَقولُ الحَقُّ تَبارَكَ وَتَعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدࣰى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتࣲ مِنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرࣲ فَعِدَّةࣱ مِنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (البقرة 185).
الشُّكرُ لِلَّهِ عَلى ما أَسبَغَ عَلَينا مِنَ النِّعَمِ. الشُّكرُ لِلَّهِ الَّذي بَلَّغَنا رَمَضانَ. الشُّكرُ لِلَّهِ، وَالحَمدُ لِلَّهِ، الَّذي أَعانَنا فِيهِ عَلَى الصِّيامِ وَالقِيامِ. الحَمدُ لِلَّهِ، وَالشُّكرُ لِلَّهِ، الَّذي بَلَّغَنا يَومَ الجَوائِزِ، يَومَ عِيدِ الفِطرِ، بَعدَ شَهرِ رَمَضانَ.
كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ سِتَّةَ أَشهُرٍ قَبلَ شَهرِ رَمَضانَ يَدعونَ اللَّهَ. أَتَدرونَ ماذا كانوا يَسأَلونَ؟ كانوا يَسأَلونَ اللَّهَ أَن يُبَلِّغَهُم شَهرَ رَمَضانَ. سِتَّةَ أَشهُرٍ، لَيسَ مِن شَعبانَ أَو رَجَبٍ فَقَط، بَل سِتَّةَ أَشهُرٍ قَبلَ رَمَضانَ، وَهُم يَسأَلونَ اللَّهَ تَعالى أَن يُبَلِّغَهُم رَمَضانَ. فَإِذا بَلَّغَهُم وَصاموهُ، سَأَلوا اللَّهَ أَشهُرًا بَعدَ رَمَضانَ أَن يَتَقَبَّلَ مِنهُم صِيامَهُم فِي رَمَضانَ.
قَبولُ العَمَلِ كانَ مَحلَّ عِنايَةٍ كَبيرَةٍ عِندَ السَّلَفِ، وَعِندَ أَهلِ القُرآنِ، وَعِندَ أَهلِ الذِّكرِ. أَمَّا العَمَلُ، إِخوَتي، فَقَد عَمِلنا، وَلَكِن كَما جاءَ فِي جُملَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنهُ: أَنَّهُ كانَ يُنادِي فِي آخِرِ لَيلَةٍ مِن رَمَضانَ: أَيُّهَا النّاسُ، أَيُّهَا المُسلِمونَ، مَن مَقبولٌ فَيُهَنَّى، وَمَن مَحرومٌ فَيُعَزَّى؟!
العِيدُ لِمَن قُبِلَ عَمَلُهُ، العِيدُ لِمَن فِي الطّاعَةِ يَزيدُ، العِيدُ لِمَن كانَ مِنَ الخَيرِ يَزيدُ، كَما قالَ المُصطَفى ﷺ: «لَا يَشبَعُ مُؤمِنٌ مِن خَيرٍ حَتّى يَكونَ مُنتَهاهُ الجَنَّةَ».
يَروي الإِمامُ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَن أُمِّ المُؤمِنينَ الصِّدِّيقَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنها وَعَن أَبيها، قالَت: سُئِلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّ الأَعمالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقالَ ﷺ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». وَلِذَلِكَ جاءَ فِي حَديثٍ آخَرَ: «خَيْرُ العَمَلِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ».
الثَّباتُ عَلَى العَمَلِ. إِذا انقَضى رَمَضانُ بِما فِيهِ مِنَ الخَيرِ وَالرَّحمَةِ وَالغُفرانِ، فَماذا نَحنُ فاعِلونَ بَعدَ رَمَضانَ؟ الوَصِيَّةُ أَن نَثبُتَ عَلَى طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ الثَّباتَ عَلَى الطّاعَةِ، مَعَ شُكرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالزِّيادَةِ، عَلَامَةٌ عَلَى القَبولِ.
يَقولُ أَهلُ العِلمِ: مَن عَلَامَةِ قَبولِ العَمَلِ أَن يَكونَ حالُنا بَعدَ العَمَلِ أَفضَلَ مِن حالِنا قَبلَهُ. كَيفَ كُنّا قَبلَ رَمَضانَ، وَكَيفَ صِرنا بَعدَ رَمَضانَ؟ كُنّا فِي رَمَضانَ نَحفَظُ اللِّسانَ عَنِ الغيبَةِ، وَعَنِ النَّميمَةِ، وَعَنِ الكَذِبِ، وَعَن شَهادَةِ الزّورِ. وَحَفِظنا أَعيُنَنا عَنِ النَّظَرِ المُحَرَّمِ. وَحَفِظنا بُطونَنا مِن أَكلِ المالِ الحَرامِ. وَحَفِظنا أَنفُسَنا مِن أَكلِ مالِ الرِّبا. وَحَفِظنا أَنفُسَنا مِن شُربِ الخَمرِ. فَبَعدَ رَمَضانَ ماذا كانَ حالُنا؟ إِذا ثَبَتنا عَلَى اجتِنابِ المَعاصي، فَإِن شاءَ اللَّهُ أَنَّها عَلَامَةُ قَبولٍ، وَأَنَّنا قُبِلنا.
نَثبُتُ عَلَى الطّاعَةِ وَنَزيدُ. هَل سَنَهجُرُ المَساجِدَ بَعدَ رَمَضانَ؟ تَلَذَّذنا بِقِيامِ اللَّيلِ، فَإِذا انقَضى رَمَضانُ، هَل سَنَترُكُ قِيامَ اللَّيلِ؟ نَعَم، الشَّهرُ المَفروضُ عَلَينا فِي الصِّيامِ كَشَهرٍ هُوَ شَهرُ رَمَضانَ، وَلَكِنَّنا وَجَدنا بَرَكَةَ الصِّيامِ، وَوَجَدنا نَفعَهُ وَأَثَرَهُ، فَهَل نَنتَقِلُ إِلَى مَرحَلَةٍ جَديدَةٍ، فَنَصومُ الِاثنَينِ وَالخَميسِ، أَو نَصومُ ثَلاثَةَ أَيّامٍ فِي مُنتَصَفِ الشَّهرِ، أَيّامَ البِيضِ؟ هَل سَنَثبُتُ عَلَى ذَلِكَ؟ سَنَصومُ هَذِهِ الأَيّامَ المُبارَكَةَ، أَم وَدَّعنا شَهرَ الصِّيامِ وَانقَضى، وَبَعدَ ذَلِكَ لا صِيامَ؟
وَلا يَخفى، يا عِبادَ اللَّهِ، أَنَّ مَن كانَ عَلَيهِ قَضاءٌ، وَخُصوصًا إِذا كانَ التَّركُ لِغَيرِ عُذرٍ، فَليُعَجِّل بِالقَضاءِ؛ فَالفَرضُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفلِ. فَإِذا لَم يَكُن عَلَيكَ ذَلِكَ، فَتَذَكَّرِ الآنَ وَأَنتَ فِي شَوّالٍ ما صَحَّ عِندَ مُسلِمٍ، عَن أَبي أَيّوبَ الأَنصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنهُ، قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ».
وَذَلِكَ أَنَّ الحَسَنَةَ أَقَلُّ ما تُضاعَفُ إِلى عَشرِ أَمثالِها؛ فَالشَّهرُ، شَهرُ رَمَضانَ، بِعَشرَةِ أَشهُرٍ، ثُمَّ سِتَّةُ أَيّامٍ مِن شَوّالٍ إِلى عَشرَةِ أَمثالِها، فَسِتّونَ، فَالمَجموعُ ثَلاثُمِئَةٍ وَسِتّونَ يَومًا عَلَى التَّقريبِ. فَهَذا مَعنى قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». وَالمُرادُ بِالدَّهرِ هُنا: السَّنَةُ.
السُّنَّةُ أَن نَصومَ سِتَّةً مِن شَوّالٍ، وَالأَفضَلُ أَن تَكونَ مُتَتابِعَةً؛ يَعني أَن نَبدَأَ مِن ثانِي شَوّالٍ، فَإِنَّ يَومَ العِيدِ يَحرُمُ صِيامُهُ. فَمِنَ اليَومِ الثّاني، الأَفضَلُ أَن تَبدَأَ بِصِيامِ السِّتِّ مِن شَوّالٍ، وَأَن تَكونَ مُتَتابِعَةً. لَكِن إِن فَرَّقَها، وَلَو كانَ تَفريقُها يَومَي الِاثنَينِ وَالخَميسِ إِلى نِهايَةِ شَوّالٍ، حَصَلَت لَهُ السُّنَّةُ كَذَلِكَ. وَلَكِنَّ الأَفضَلَ أَن يَجعَلَها مُتَتالِيَةً مُتَتابِعَةً. وَهَكَذا، مَعَ صِيامِ رَمَضانَ، يَكونُ كَأَنَّهُ قَد صامَ دَهرًا، أَي سَنَةً كامِلَةً.
عِبادَ اللَّهِ، فِي هَذِهِ الأَيّامِ، مَعَ ما مَضى عَلَينا مِنَ الشَّهرِ الكَريمِ، وَما فِيهِ مِنَ الرَّحمَةِ وَالبَرَكَةِ وَالمَغفِرَةِ وَالرِّضوانِ وَالعِتقِ مِنَ النِّيرانِ، وَمَعَ ما كُنّا فِيهِ مِن لَذَّةِ العِبادَةِ، فَإِنَّنا كَذَلِكَ لا نَزالُ نَشهَدُ فِي غَزَّةَ وَالضِّفَّةِ وَالقُدسِ وَفِلسطينَ مِن أَشَدِّ ما مَرَّ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. لَم يَتَوَقَّف قَتلُ أَهلِنا فِي غَزَّةَ فِي رَمَضانَ، بَل كانَت أَعدادُ مَن نَسأَلُ اللَّهَ أَن يَتَقَبَّلَهُم شُهَداءَ تَزدادُ.
وَكَأَنِّي بِبَعضِ الأَطفالِ، وَقَد سَمِعتُم عَن بَعضِهِم، كَيفَ تَجِدُ هَذِهِ البِنتَ الصَّغيرَةَ فِي غَزَّةَ، عِندَما تُسأَلُ: كَيفَ العِيدُ عِندَكُم؟ فَتَقولُ: قَتَلوا أُمِّي، وَقَتَلوا أُختِي، وَقَتَلوا تِسعينَ مِن عائِلَتي. ثُمَّ تُريدُ أَن تُكمِلَ، فَتَحتَبِسُ أَنفاسُها، وَلا تَنطِقُ بَعدَ ذَلِكَ بِشَيءٍ. هَكَذا مَرَّ عَلَيهِمُ العِيدُ. لَيسَ الأَمرُ أَنَّهُم فَقَدوا الحَلوى فَقَط، أَو فَقَدوا مَعانيَ ما نَتَعارَفُ عَلَيهِ فِي العِيدِ مِنَ التَّزاوُرِ وَالفَرَحِ وَثِيابِ العِيدِ لِأَطفالِنا. لَيسَ الأَمرُ أَنَّهُ لا تُوجَدُ ثِيابٌ لِبَعضِهِم فَقَط، بَل لَم يَبقَ لَهُ أَبٌ وَلا أُمٌّ وَلا بَيتٌ.
هَكَذا حالُنا. الحَمدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حالٍ. وَالفَرَجُ لا بُدَّ أَن يَأتيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَصَبرُ إِخوانِنا هُناكَ، بِإِذنِ اللَّهِ تَعالى، رِفعَةٌ لَهُم فِي الدَّرَجاتِ. هَنيئًا لَهُم شُهَداؤُهُم، وَهَنيئًا لَهُم صَبرُهُم، وَيا وَيلَ مَن قَصَّرَ فِي عَونِهِم وَكانَ قادِرًا عَلَى ذَلِكَ.
هَذا حالُ أُمَّتِنا. فَرِحنا بِالطّاعَةِ، لَكِن لا يَعني ذَلِكَ أَن نَنسى، أَو نَتَناسى، هَمَّ أُمَّتِنا وَمَصائِبَ أُمَّتِنا. لا يَعني أَن نَنسى أَرضَنا وَقَضِيَّتَنا. لا فِلسطينُ تُنسى، وَلا القُدسُ تُنسى، وَلا المَسجِدُ الأَقصى يُنسى، وَلا غَزَّةُ وَما حَصَلَ فيها يُنسى. أَجيالٌ لَعَلَّها تَأتي بَعدَنا، وَهِيَ تَذكُرُ شَيئًا لَم يَشهَدْهُ العَصرُ الحَديثُ، وَلا حَتّى فِيما يُسَمّى بِالحَربِ العالَمِيَّةِ الأُولى وَالثّانِيَةِ، وَحَتّى عِندَما استُعمِلَتِ القَنابِلُ النَّوَوِيَّةُ، لَم نَشهَدْ كَالَّذي حَصَلَ فِي غَزَّةَ، بِكُلِّ أَنواعِ التَّخويفِ وَالتَّعذيبِ، وَما بَرَزَ مِن أَنواعِ الإِجرامِ وَالقَتلِ: القَتلُ، وَإِخافَةُ الحَيِّ ثُمَّ قَتلُهُ، ثُمَّ تَقطيعُ أَعضائِهِ وَسَرِقَتُها، ثُمَّ إِلقاءُ التُّرابِ عَلَيهِ بِالجَرّافاتِ، فَلا تُعرَفُ مَن ماتَ، وَأَينَ ماتَ. كانَ بَعضُهُم فَقَط يَقولُ: أُريدُ أَن أَعرِفَ أَخي، أَو أَبي، أَو أُمِّي، أَفِي الأَحياءِ هُم أَم فِي الأَمواتِ؟
نَسأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَن يَرفَعَ هَذا البَلاءَ عَن غَزَّةَ، حَتّى يَكونَ فَرَحُنا، بِإِذنِ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى، بِأَن زالَ هَذا الظُّلمُ الشَّديدُ عَن غَزَّةَ، وَتَوَقَّفَ القَتلُ فيها، وَرُفِعَ الحِصارُ عَنها. بَل لا يَزالُ لَنا فَرَحٌ، وَفِينا عُروقٌ تَنبِضُ، تُذَكِّرُنا بِهَذا الفَرَحِ الَّذي نَنتَظِرُهُ، عِندَما نَرى، بِإِذنِ اللَّهِ تَعالى، فِلسطينَ كُلَّها مُحَرَّرَةً. بِإِذنِ اللَّهِ تَعالى، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.
يا فَوزَ المُستَغفِرينَ.
الخطبة الثانية
الحَمدُ لِلَّهِ وَكَفى، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا وَنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ المُصطَفى، وَعَلى آلِهِ وَأَصحابِهِ أُولِي الفَضلِ وَالوَفا. عِبادَ اللَّهِ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ.
مِن دُعاءِ المُصطَفى ﷺ: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». الثَّباتُ عَلَى الطّاعَةِ، يا إِخواني، وَاللُّجوءُ إِلَى اللَّهِ، وَالتَّضَرُّعُ إِلَى اللَّهِ، وَأَلّا نَرجِعَ إِلَى المَعصِيَةِ. وَلَو لَم يَكُن هُناكَ قَتلٌ فِي بِلادِنا وَفِي غَزَّةَ، فَكَيفَ وَهُناكَ هَذا القَتلُ وَهَذا البَلاءُ؟! نَحتاجُ إِلَى أَهلِ الخَيرِ وَالصَّلاحِ، الَّذينَ يَتَّقونَ اللَّهَ، وَالَّذينَ يَسأَلونَ اللَّهَ تَعالى. لا بُدَّ أَن تَكونَ الإِجابَةُ: الثَّباتَ عَلَى الطّاعَةِ، وَأَلّا نَرجِعَ إِلَى المَعصِيَةِ.
«اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»؛ لِأَنَّ القَلبَ يَتَقَلَّبُ. وَكَذَلِكَ، يا عِبادَ اللَّهِ، فَإِنَّكَ تَستَحضِرُ حَديثَ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ». كَيفَ يَكونُ خِتامُنا؟ قَضَينا شَهرًا كَريمًا، وَقَضَينا، وَالحَمدُ لِلَّهِ، عَمَلًا صالِحًا، وَلَكِنَّنا نَسأَلُ اللَّهَ تَعالى الثَّباتَ عَلَى العَمَلِ الصّالِحِ حَتّى نَلقى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَالعِبرَةُ بِالخَواتيمِ.
أَستَحضِرُ قِصَّةَ رَجُلٍ كانَ شَديدَ الإِيذاءِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قاتَلَهُ يَومَ بَدرٍ، وَيَومَ أُحُدٍ، وَيَومَ الأَحزابِ، وَاستَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلى يَومِ الفَتحِ، حَتّى إِنَّهُ ـ وَهُوَ عِكرِمَةُ بنُ أَبي جَهلٍ ـ لَمّا جاءَ أَحَدُ الصَّحابَةِ، فَضَرَبَ أَباهُ، فَأَطنَّهُ فِي ساقِهِ، وَأَرادَ أَن يُعاجِلَهُ بِضَربَةٍ ثانِيَةٍ، قامَ عِكرِمَةُ وَقتَها، وَلَم يَكُن قَد أَسلَمَ، فَضَرَبَهُ ضَربَةً عَلى عاتِقِهِ، فَقَطَعَ عاتِقَهُ، فَتَدَلَّت يَدُهُ، وَبَقِيَت مَوصُولَةً بِجِلدَةٍ واحِدَةٍ. كانَ شَديدَ العَداءِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَيَومَ فَتحِ مَكَّةَ، لِأَنَّهُ يَعرِفُ كَم آذَى رَسولَ اللَّهِ ﷺ، هَرَبَ، وَذَهَبَ إِلى مَكانٍ بَعيدٍ. فَجاءَت زَوجَتُهُ إِلى النَّبِيِّ ﷺ تَتَشَفَّعُ، وَقالَت: هُوَ يَرجِعُ، وَبَعَثوا لَهُ: لِماذا لا تُسلِمُ؟ اُنظُرْ، الإِسلامُ انتَشَرَ، وَهَذِهِ مَكَّةُ قَدِ انتَشَرَ فِيها الإِسلامُ، فَلِماذا تَبقى عَلَى كُفرِكَ؟ ماذا تَرجو؟ ظَهَرَ الحَقُّ، وَدينُ مُحَمَّدٍ هُوَ الحَقُّ. فَأَسلَمَ، وَأَعطاهُ النَّبِيُّ ﷺ الأَمانَ، وَجاءَ إِلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ ﷺ: «مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ المُهَاجِرِ».
فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بَعدَ إِسلامِهِ حُبَّ القُرآنِ الكَريمِ، فَكانَ إِذا تَلا القُرآنَ الكَريمَ أُغشِيَ عَلَيهِ، لِشِدَّةِ ما كانَ يَجِدُ مِنَ اللَّذَّةِ وَالرّاحَةِ فِي تِلاوَةِ القُرآنِ. يَبكي حَتّى يُغشَى عَلَيهِ، فَإِذا أَفاقَ رَفَعَ الصُّحُفَ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُقَبِّلُها، وَيَضَعُها عَلَى وَجهِهِ، وَيَقولُ: ما أَحلَى كَلامَ اللَّهِ! بَدَّلَهُ اللَّهُ تَعالى. «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ».
وَيَومَ اليَرموكِ قامَ عِكرِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنهُ يَقولُ: مَن يُبايِعُني عَلَى المَوتِ؟ فَقامَ أَربَعُمِئَةٍ، وَكانَ جَيشُ الرّومِ عَرَمرَمًا. قالَ: مَن يُبايِعُني عَلَى المَوتِ؟ فَجاءَهُ خالِدُ بنُ الوَليدِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنهُ، فَقالَ: يا عِكرِمَةُ، أَرفِق بِنَفسِكَ. فَقالَ: إِلَيكَ عَنِّي يا خالِدُ، أَنتَ كانَ لَكَ سَبقٌ فِي القِتالِ مَعَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَمّا أَنا فَكانَ مِنِّي ما كانَ. فَنَزَلَ أَرضَ المَعرَكَةِ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنهُ. عَلَى ماذا خُتِمَ لَهُ؟ شَهيدًا. «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ».
لِذَلِكَ فَالثَّباتُ عَلَى الطّاعَةِ، وَسُؤالُ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى أَن يُثَبِّتَنا بَعدَ شَهرِ رَمَضانَ عَلَى طاعَتِهِ، هُوَ المَطلوبُ.
عِبادَ اللَّهِ، اللَّهُ عَظَّمَ قَدرَ جاهِ مُحَمَّدٍ، وَأَنالَهُ فَضلًا لَدَيهِ عَظيمًا، فِي مُحكَمِ التَّنزيلِ قالَ لِخَلقِهِ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰۤىِٕكَتَهُۥ یُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِیِّۚ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَیۡهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمًا﴾ (الأحزاب 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيتَ عَلى إِبراهيمَ وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، وَبارِك عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما بارَكتَ عَلى إِبراهيمَ وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، فِي العالَمينَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.
عِبادَ اللَّهِ، إِنِّي داعٍ، فَلَعَلَّها تَكونُ ساعَةَ إِجابَةٍ. اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ، الأَحياءِ مِنهُم وَالأَمواتِ. اللَّهُمَّ اغفِر لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَصَغيرِنا وَكَبيرِنا، وَذَكَرِنا وَأُنثانا، وَشاهِدِنا وَغائِبِنا. اللَّهُمَّ مَن أَحيَيتَهُ مِنّا فَأَحيِهِ عَلَى الإِيمانِ، وَمَن تَوَفَّيتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسلامِ. اللَّهُمَّ اغفِر لِإِخوانِنا الَّذينَ سَبَقونا بِالإِيمانِ، اللَّهُمَّ لا تَحرِمنا أَجرَهُم، وَلا تَفتِنّا بَعدَهُم، وَاغفِرِ اللَّهُمَّ لَنا وَلَهُم.
اللَّهُمَّ ارحَم أَمواتَنا، وَتَقَبَّلهُم شُهَداءَ فِي غَزَّةَ وَفِلسطينَ. اللَّهُمَّ انشُر عَلَى غَزَّةَ وَجَنينَ وَالضِّفَّةِ وَالقُدسِ وَالمَسجِدِ الأَقصى وَكُلِّ فِلسطينَ رَحمَتَكَ، يا رَبَّ العالَمينَ. يا رَبِّ، ارفَعِ البَلاءَ عَن غَزَّةَ وَفِلسطينَ. يا رَبِّ، الطُف بِعِبادِكَ المُسلِمينَ. يا رَبِّ، ارحَمهُم. يا رَبِّ، انصُرهُم. يا رَبِّ، عافِهِم. يا رَبِّ، اعفُ عَنهُم. يا رَبِّ، أَفرِغ عَلَى قُلوبِهِم صَبرًا. يا رَبِّ، ثَبِّت أَقدامَهُم. يا رَبِّ، ثَبِّت أَقدامَهُم. يا رَبِّ، ثَبِّت أَقدامَهُم، وَانصُرهُم عَلَى القَومِ الكافِرينَ. يا رَبِّ، وَاشفِ صُدورَ قَومٍ مُؤمِنينَ.
اللَّهُمَّ اضرِبِ الكافِرينَ بِالكافِرينَ، وَأَخرِجِ المُسلِمينَ مِن بَينِ أَيديهِم سالِمينَ. يا رَبِّ، عَلَيكَ بِكُلِّ مَن يَتَآمَرُ عَلَينا فِي غَزَّةَ وَفِلسطينَ. يا رَبِّ، فَرِّق جَمعَهُم، وَفَرِّق كَلِمَتَهُم، وَاجعَلِ الرُّعبَ مَقذوفًا فِي قُلوبِهِم. يا رَبِّ، رُدَّهُم عَنّا، رُدَّهُم عَنّا، رُدَّهُم عَن بِلادِ المُسلِمينَ، رُدَّهُم عَن فِلسطينَ، وَعَن بِلادِنا، وَعَن بِلادِ الإِسلامِ، رُدَّهُم عَنّا، يا رَبَّ العالَمينَ. وَأَرِنا فِلسطينَ كُلَّها مُحَرَّرَةً، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.
اللَّهُمَّ يا اللَّهُ، يا اللَّهُ، يا اللَّهُ، يا رَبَّنا، أَمَرتَنا بِالصِّيامِ فَصُمنا، وَأَمَرتَنا بِالقِيامِ فَقُمنا، يا رَبِّ، تَقَبَّل مِنّا صِيامَ رَمَضانَ. يا رَبِّ، أَعتِق رِقابَنا مِنَ النّارِ. يا رَبِّ، اجعَلنا مِمَّن نالَ الجائِزَةَ فِي يَومِ الجَوائِزِ. يا رَبِّ، اجعَلنا مِمَّن قَبِلتَهُم فِي رَمَضانَ. يا رَبِّ، ثَبِّتنا عَلَى الطّاعَةِ بَعدَ شَهرِ رَمَضانَ.
اللَّهُمَّ اجعَل بَلَدَنا هَذا سَخاءً رَخاءً، آمِنًا مُطمَئِنًّا، وَسائِرَ بِلادِ المُسلِمينَ. اللَّهُمَّ وَفِّق مَلِكَ البِلادِ لِخَيرِ البِلادِ وَالعِبادِ. رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ، وَأَدخِلنا الجَنَّةَ مَعَ الأَبرارِ، بِرَحمَتِكَ يا عَزيزُ يا غَفّارُ.
عِبادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأمُرُ بِٱلعَدلِ وَٱلإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي ٱلقُربَىٰ وَيَنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَاءِ وَٱلمُنكَرِ وَٱلبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل 90). وَلِذِكرُ اللَّهِ أَكبَرُ، وَاللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعونَ.