الحَمدُ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعينُهُ وَنَستَغفِرُهُ وَنَستَهدِيهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَنَعوذُ بِاللَّهِ مِن شُرورِ أَنفُسِنا وَمِن سَيِّئاتِ أَعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرشِدًا. وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَلا شَبيهَ لَهُ، وَلا مَثيلَ لَهُ، وَلا نَظيرَ لَهُ، وَلا ضِدَّ لَهُ، وَلا نِدَّ لَهُ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وَحَبيبَنا وَنَبِيَّنا وَعَظيمَنا وَقائِدَنا وَقُرَّةَ عُيونِنا مُحَمَّدًا عَبدُ اللَّهِ وَرَسولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَحَبيبُهُ. أَشهَدُ أَنَّكَ يا سَيِّدي يا رَسولَ اللَّهِ قَد بَلَّغتَ الرِّسالَةَ، وَأَدَّيتَ الأَمانَةَ، وَنَصَحتَ لِلأُمَّةِ، وَجاهَدتَ فِي اللَّهِ حَقَّ الجِهادِ. اللَّهُمَّ اجزِ رَسولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيرَ الجَزاءِ. اللَّهُمَّ صَلِّ صَلاةً كامِلَةً، وَسَلِّم سَلامًا تامًّا، عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ الَّذي تَنحَلُّ بِهِ العُقَدُ، وَتَنفَرِجُ بِهِ الكُرَبُ، وَتُقضى بِهِ الحَوائِجُ، وَتُنالُ بِهِ الرَّغائِبُ، وَحُسنُ الخَواتيمِ، وَيُستَسقى الغَمامُ بِوَجهِهِ الكَريمِ، وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّم.
عِبادَ اللَّهِ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ. يَقولُ اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة 198-199).
يَومٌ مُبارَكٌ، يَومُ الجُمُعَةِ هَذا الَّذي نَحنُ فِيهِ، اليَومُ الثّامِنُ مِن أَيّامِ ذِي الحِجَّةِ، يَومُ التَّروِيَةِ. فِي هَذا الوَقتِ المُبارَكِ هُناكَ حُجّاجُ بَيتِ اللَّهِ الحَرامِ الآنَ فِي مِنى، يُلَبُّونَ، تَرتَفِعُ أَصواتُهُم مُلَبِّينَ لِلَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شَريكَ لَكَ لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لَكَ وَالمُلكَ، لا شَريكَ لَكَ. كَلِماتٌ عَظيمَةٌ فِي تَوحيدِ اللَّهِ، وَفِي تَنزيهِ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى. نُطيعُكَ يا اللَّهُ طاعَةً بَعدَ طاعَةٍ، نُرضيكَ يا اللَّهُ رِضًا بَعدَ رِضًا. لا شَريكَ لَكَ يا رَبِّ، لا شَبيهَ لَكَ يا رَبِّ، لا مَثيلَ لَكَ يا رَبِّ، لا نِدَّ لَكَ يا رَبِّ، لا غالِبَ لَكَ يا رَبِّ، لا مُعينَ لَكَ يا رَبِّ، أَنتَ ناصِرُنا. لَبَّيكَ يا اللَّهُ، أَنتَ تُعينُ إِخوانَنا وَأَهلَنا فِي فِلسطينَ. لَبَّيكَ يا اللَّهُ، أَنتَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ. لَبَّيكَ يا اللَّهُ، الغَوثَ نَسأَلُكَ لِإِخوانِنا فِي فِلسطينَ. أَنتَ يا اللَّهُ. لَبَّيكَ يا اللَّهُ. نَقولُها لِلَّهِ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شَريكَ لَكَ لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ وَالنِّعمَةَ لَكَ وَالمُلكَ، لا شَريكَ لَكَ.
وَالمُسلِمونَ جَميعًا، يا عِبادَ اللَّهِ، يَرقُبونَ الغَدَ، يَرقُبونَ يَومَ عَرَفَةَ. رَوَى ابنُ حِبّانَ مِن حَديثِ جابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أَفْضَلُ الأَيَّامِ يَوْمُ عَرَفَةَ». عِبادَ اللَّهِ، خَيرُ يَومٍ تَطلُعُ عَلَيهِ شَمسٌ هُوَ يَومُ عَرَفَةَ.
يَروي الإِمامُ مُسلِمٌ فِي «صَحيحِهِ» عَن أُمِّ المُؤمِنينَ عائِشَةَ بِنتِ أَبي بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما، قالَت: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ». وَفِي رِوايَةٍ بِزِيادَةِ لَفظٍ: «فَتَقُولُ المَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، هَؤُلَاءِ عِبَادُكَ جَاءُوكَ شُعْثًا غُبْرًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: أُشْهِدُكُمْ مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ».
أَكثَرُ يَومٍ تُعتَقُ فِيهِ الرِّقابُ مِنَ النّارِ، يا عِبادَ اللَّهِ، هُوَ يَومُ عَرَفَةَ. هَذا اليَومُ المُبارَكُ أَفضَلُ أَيّامِ الدَّهرِ، وَأَكثَرُ ما يَكونُ فِيهِ العِتقُ مِنَ النّارِ. وَإِنَّ اللَّهَ سُبحانَهُ وَتَعالى يُنزِلُ فِيهِ الرَّحمَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدنو. وَالدُّنُوُّ هُنا دُنُوُّ الإِكرامِ وَدُنُوُّ الرَّحمَةِ، حَيثُ يُنزِلُ اللَّهُ تَعالى مَلائِكَتَهُ فِي ذَلِكَ اليَومِ المُبارَكِ، ثُمَّ يُباهي بِهِمُ المَلائِكَةَ، يُظهِرُ اللَّهُ تَعالى فَضلَ عِبادِهِ السّائِلينَ، وَفَضلَ الحُجّاجِ، وَفَضلَ الدّاعينَ، وَفَضلَ الصّائِمينَ، وَفَضلَ الطّائِعينَ فِي ذَلِكَ اليَومِ، يُباهي بِهِمُ المَلائِكَةَ، يُظهِرُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِلمَلائِكَةِ، فَيَقولُ ـ وَهُوَ أَعلَمُ ـ: ما أَرادَ هَؤُلاءِ الَّذينَ سَأَلوني، وَالَّذينَ أَطاعوني؟
تَتَنَزَّلُ المَلائِكَةُ، وَإِنَّهُ لَيَدنو. لَيسَ المُرادُ دُنُوًّا حِسِّيًّا؛ فَاللَّهُ تَعالى يَتَنَزَّهُ عَنِ الِانتِقالِ، وَاللَّهُ يَتَنَزَّهُ عَنِ التَّغَيُّرِ وَالتَّحَوُّلِ. وَإِنَّما الَّذي يَتَنَزَّلُ هُمُ المَلائِكَةُ. وَيَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ الإِمامُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي «مُوَطَّئِهِ» أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ فِي يَوْمٍ هُوَ أَصْغَرُ فِيهِ، وَلَا أَدْحَرُ، وَلَا أَحْقَرُ، وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ العِظَامِ، إِلَّا مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ». قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وَما رُئِيَ يَومَ بَدرٍ؟ قالَ: «رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ المَلَائِكَةَ»، أَي يَصُفُّ المَلائِكَةَ لِلقِتالِ.
رَوَى مُسلِمٌ فِي «صَحيحِهِ» عَن أَبي قَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنهُ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ». نَعَم، يا عِبادَ اللَّهِ، صَومُ يَومِ عَرَفَةَ يُسَنُّ لِغَيرِ الحاجِّ. صَيامُ يَومِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَينِ: سَنَةً ماضِيَةً، وَسَنَةً قابِلَةً باقِيَةً.
وَرُوِيَ عَنِ الأَوزاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أَنَّهُ قالَ: «أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا كَانُوا يُخَبِّئُونَ الدُّعَاءَ لِقَضَاءِ الحَاجَاتِ لِيَوْمِ عَرَفَةَ». وَجاءَ فِي الحَديثِ، وَهُوَ عِندَ البَيهَقِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ». وَرَواهُ التِّرمِذِيُّ.
اختَبِئوا حَوائِجَكُم، يا عِبادَ اللَّهِ، لِيَومِ الغَدِ، وادَّخِروها لِيَومِ عَرَفَةَ. اغتَنِموا كُلَّ لَحظَةٍ فِي يَومِكُم مِن طُلوعِ الفَجرِ، اغتَنِموا كُلَّ دَقيقَةٍ فِي هَذا اليَومِ المُبارَكِ، اليَومِ الَّذي تَتَنَزَّلُ فِيهِ المَلائِكَةُ، وَالَّذي تَنتَشِرُ فِيهِ الرَّحَماتُ، اليَومِ الَّذي تَهُبُّ فِيهِ النَّفَحاتُ، اليَومِ الَّذي تَعُمُّ فِيهِ البَرَكاتُ. أَكثِروا مِن دُعاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَلا نَنسى، يا عِبادَ اللَّهِ، لا نَنسى أَنَّ أُمَّتَنا جَريحَةٌ فِي قَلبِها، مُصابَةٌ فِي صَميمِ فُؤادِها. لا نَنسى أَنَّ أَهلَنا وَإِخوانَنا، حَتّى السّاعَةِ، يُقتَلونَ فِي غَزَّةَ، وَمَجازِرُ تُرتَكَبُ فِي حَقِّهِم فِي رَفَحَ. تَذَكَّروا المُرابِطينَ فِي المَسجِدِ الأَقصى، تَذَكَّروا القُدسَ الشَّريفَ، تَذَكَّروا أَرضَ فِلسطينَ. خَصِّصوا فِي دُعائِكُم فِي يَومِ عَرَفَةَ، وَعَمِّموا، ادعوا لِأُمَّةِ الإِسلامِ، ادعوا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَن يُهَيِّئَ اللَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى لَها أَسبابَ النَّصرِ. ادعوا اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعالى أَن يَجمَعَ هَذِهِ الأُمَّةَ، وَأَن يُوَحِّدَ كَلِمَةَ المُسلِمينَ، ادعوا اللَّهَ تَعالى أَن يَنصُرَ هَذا الدِّينَ، ادعوا اللَّهَ أَن يَنصُرَ مَن نَصَرَ الإِسلامَ وَالمُسلِمينَ.
يا عِبادَ اللَّهِ، يَومٌ مُبارَكٌ، وَالسّاعَةُ الأَخيرَةُ فِيهِ، ما بَينَ العَصرِ وَالمَغرِبِ، تِلكَ العَشِيَّةُ، عَشِيَّةُ يَومِ عَرَفَةَ، تِلكَ العَشِيَّةُ عَشِيَّةٌ مُبارَكَةٌ. اجتَمِعوا فِيها فِي بُيوتِ اللَّهِ، تَذاكَروا القُرآنَ، وَادعُوا اللَّهَ تَعالى فِيها، وَاذكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. وَكانَ مِن زَمانِ السَّلَفِ الصّالِحِ أَنَّهُم كانوا يَجتَمِعونَ فِي يَومِ عَرَفَةَ، الَّذينَ لَم يَخرُجوا إِلَى الحَجِّ، يَجتَمِعونَ فِي بُيوتِ اللَّهِ، وَفِي مُجتَمَعاتٍ عامَّةٍ، وَحَتّى أَهلُ البَيتِ يَتَحَلَّقونَ وَيَجتَمِعونَ، فَيَذكُرونَ وَيَدعونَ جَماعَةً، يَذكُرونَ حُجّاجَ بَيتِ اللَّهِ الحَرامِ.
عِبادَ اللَّهِ، تُوبوا إِلَى اللَّهِ؛ «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».
يا فَوزَ المُستَغفِرينَ.
الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ لِلَّهِ وَكَفى، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا وَنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ المُصطَفى، وَعَلى آلِهِ وَأَصحابِهِ أُولِي الفَضلِ وَالوَفا. عِبادَ اللَّهِ، أُوصيكُم وَنَفسي بِتَقوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظيمَ وَأَطيعوهُ.
إِخوَةَ الإِسلامِ وَالإِيمانِ، ما أَعظَمَ فَريضَةَ الحَجِّ، وَما أَجمَلَ تِلكَ الشَّعيرَةَ، وَما أَجمَلَ تِلكَ المَشاعِرَ! يَتَرَدَّدُ الحُجّاجُ بَينَ مِنى وَمُزدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ، ثُمَّ طائِفينَ طَوافَ الإِفاضَةِ بِبَيتِ اللَّهِ الحَرامِ، ثُمَّ ساعِينَ بَينَ الصَّفا وَالمَروَةِ، ثُمَّ مُحَلِّقينَ، ثُمَّ رامِينَ لِلجَمَراتِ، اقْتِداءً بِخَليلِ اللَّهِ إِبراهيمَ عَلَيهِ السَّلامُ.
حَجُّهُم كَما أَمَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ، الَّذي نَستَذكِرُهُ كَذَلِكَ بِأَبي هُوَ وَأُمِّي ﷺ يَومَ حَجَّةِ الوَداعِ، يَومَ وَقَفَ ﷺ مَوقِفَهُ العَظيمَ فِي أَرضِ عَرَفاتٍ، يَومَ وَعَظَ مَوعِظَةً بَليغَةً وَجِلَت مِنها القُلوبُ، وَذَرَفَت مِنها العُيونُ الدُّموعَ. قالوا: وَكَأَنَّها، يا رَسولَ اللَّهِ، مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ. وَقَد كانَت كَذَلِكَ وَداعًا مِن رَسولِ اللَّهِ ﷺ لِهَذِهِ الأُمَّةِ. كانَ يُوصِي ﷺ بِالتَّمَسُّكِ بِالكِتابِ، وَبِالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وَكانَ يُوصِي بِالثَّباتِ عَلَى الدِّينِ. وَاكْتَمَلَت قَواعِدُ الدِّينِ، وَنَزَلَ عَلَيهِ ﷺ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة 3).
إِخوَةَ الإِسلامِ وَالإِيمانِ، وَمِمَّا جاءَ عَنِ المُصطَفى ﷺ: «ضَحُّوا وَطَيِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَسْتَقْبِلُ بِذَبِيحَتِهِ القِبْلَةَ إِلَّا كَانَ دَمُهَا وَفَرْثُهَا وَصُوفُهَا حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». لَهُ أَجرٌ عَظيمٌ عِندَ اللَّهِ، بِوَزنِ ذَبيحَتِهِ حَسَناتٍ يَومَ القِيامَةِ.
عِبادَ اللَّهِ، اللَّهُ عَظَّمَ قَدرَ جاهِ مُحَمَّدٍ، وَأَنالَهُ فَضلًا لَدَيهِ عَظيمًا، فِي مُحكَمِ التَّنزيلِ قالَ لِخَلقِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيتَ عَلى إِبراهيمَ، وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، وَبارِك عَلى مُحَمَّدٍ، وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما بارَكتَ عَلى إِبراهيمَ، وَعَلى آلِ إِبراهيمَ، فِي العالَمينَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.
عِبادَ اللَّهِ، أَخلِصوا فِي هَذِهِ الجُمُعَةِ الأَخيرَةِ مِن جُمَعِ العَشرِ مِن ذِي الحِجَّةِ، أَخلِصوا فِيها بِالدُّعاءِ. اللَّهُمَّ اغفِر لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَصَغيرِنا وَكَبيرِنا، وَذَكَرِنا وَأُنثانا، وَشاهِدِنا وَغائِبِنا. اللَّهُمَّ مَن أَحيَيتَهُ مِنّا فَأَحيِهِ عَلَى الإِيمانِ، وَمَن تَوَفَّيتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسلامِ. اللَّهُمَّ ارحَم شُهَداءَنا فِي غَزَّةَ وَرَفَحَ وَفِلسطينَ. اللَّهُمَّ ارحَم أَمواتَنا هُناكَ. اللَّهُمَّ اشفِ مَرضانا. اللَّهُمَّ فُكَّ أَسرانا. اللَّهُمَّ عافِ مُبتَلانا. اللَّهُمَّ رَحمَتَكَ نَرجو لِرَفَحَ وَغَزَّةَ، اللَّهُمَّ رَحمَتَكَ نَرجو لِرَفَحَ وَغَزَّةَ وَالقُدسِ وَفِلسطينَ. اللَّهُمَّ أَنزِل عَلَيهِمُ الرَّحَماتِ الخاصَّةَ. اللَّهُمَّ ارحَمهُم. اللَّهُمَّ أَعِنهُم. اللَّهُمَّ أَغِثهُم. اللَّهُمَّ أَيِّدهُم. اللَّهُمَّ رُدَّ عَنهُم. اللَّهُمَّ انصُرهُم عَلى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِم. اللَّهُمَّ ثَبِّتهُم فِي أَرضِهِم، صابِرينَ، ثابِتينَ، مُرابِطينَ، ظاهِرينَ عَلَى الحَقِّ، بِرَحمَتِكَ يا اللَّهُ، بِرَحمَتِكَ يا أَرحَمَ الرّاحِمينَ. ارفَع عَنهُم هَذا الظُّلمَ، يا رَبَّ العالَمينَ، ارفَع عَنهُمُ البَلاءَ، وَعَجِّل لَهُم، يا رَبَّ العالَمينَ، بِالفَرَجِ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.
اللَّهُمَّ أَعِن حُجّاجَ بَيتِ اللَّهِ الحَرامِ فِي هَذا العامِ. اللَّهُمَّ أَعِنهُم عَلى أَن يَكونَ حَجُّهُم عَلَى الكِتابِ وَالسُّنَّةِ. اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنهُم بِرَحمَتِكَ يا أَرحَمَ الرّاحِمينَ. اللَّهُمَّ وَإِنّا نَسأَلُكَ، يا اللَّهُ، يا اللَّهُ، يا اللَّهُ، أَن تَرزُقَنا نَحنُ حَجًّا مَبرورًا قَبلَ المَوتِ. اللَّهُمَّ ارزُقنا حَجًّا مَبرورًا. اللَّهُمَّ ارزُقنا زِيارَةً قَريبَةً إِلى نَبِيِّكَ وَرَسولِكَ وَحَبيبِكَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
اللَّهُمَّ اجعَل بَلَدَنا هَذا سَخاءً رَخاءً، آمِنًا مُطمَئِنًّا، وَسائِرَ بِلادِ المُسلِمينَ. اللَّهُمَّ وَفِّق مَلِكَ البِلادِ لِخَيرِ البِلادِ وَالعِبادِ. رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ، وَأَدخِلنا الجَنَّةَ مَعَ الأَبرارِ، بِرَحمَتِكَ يا عَزيزُ يا غَفّارُ.
عِبادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل 90). وَلِذِكرُ اللَّهِ أَكبَرُ، وَاللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعونَ.