الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، جَاعِلِ النُّورِ وَالضِّيَاءِ، تَنَزَّهَ رَبِّي وَتَعَالَى عَنِ الشَّرِيكِ وَالأَشْبَاهِ وَالنُّظَرَاءِ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَرْكَانِ وَالأَعْضَاءِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا مِثِيلَ لَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ، سُبْحَانَهُ القَائِلُ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ (الإسراء: 82). وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا وَرَسُولَنَا وَقَائِدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الأَوْلِيَاءِ وَإِمَامُ الأَتْقِيَاءِ ﷺ. اللَّهُمَّ صَلِّ صَلَاةً كَامِلَةً، وَسَلِّمْ سَلَامًا تَامًّا، عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي تَنْحَلُّ بِهِ العُقَدُ، وَتَنْفَرِجُ بِهِ الكُرَبُ، وَتُقْضَى بِهِ الحَوَائِجُ، وَتُنَالُ بِهِ الرَّغَائِبُ، وَحُسْنُ الخَوَاتِيمِ، وَيُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظِيمَ وَأَطِيعُوهُ. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82).
هٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنْ سُورَةِ الإِسْرَاءِ فِيهَا بَيَانُ عَظِيمِ فَضْلِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ البَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالشِّفَاءِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ لَيْسَتْ «مِنْ» فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، بَلْ هِيَ بَيَانِيَّةٌ؛ أَيْ إِنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ شِفَاءٌ، كُلُّهُ رَحْمَةٌ، كُلُّهُ بَرَكَةٌ. فَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّ بَعْضَ القُرْآنِ فِيهِ شِفَاءٌ وَبَعْضَهُ لَا، بَلِ القُرْآنُ جَمِيعُهُ شِفَاءٌ لِلْقُلُوبِ وَالأَرْوَاحِ.
وَهٰذَا الشِّفَاءُ هُوَ شِفَاءُ القُلُوبِ مِنْ أَمْرَاضِهَا؛ شِفَاءٌ مِنَ الحِقْدِ وَالحَسَدِ، وَمِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالمُسْلِمِينَ، وَمِنْ أَمْرَاضِ الكِبْرِ وَالغُرُورِ، وَمِنْ كُلِّ مَا يُفْسِدُ القَلْبَ وَيُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وَتَدَبَّرَهُ كَانَ لَهُ دَوَاءً لِقَلْبِهِ، وَرَحْمَةً لِنَفْسِهِ، وَنُورًا لِطَرِيقِهِ.
إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ فِيهِ تَفْرِيجُ الكُرُوبِ، وَسَتْرُ العُيُوبِ، وَتَطْهِيرُ القُلُوبِ مِنَ الذُّنُوبِ. وَهٰذَا الكِتَابُ العَظِيمُ هُوَ دَلِيلُنَا وَهُدَانَا، وَبِهِ نَهْتَدِي وَبِهِ نَعْمَلُ، وَهُوَ حُجَّتُنَا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنْ أَخَذْنَا بِهِ وَعَمِلْنَا بِمَا فِيهِ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُوَرِ القُرْآنِ أَسْرَارًا عَظِيمَةً وَبَرَكَاتٍ كَثِيرَةً. فَمِنْ ذٰلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَرَأَ سُورَةَ الفَاتِحَةِ عَلَى رَجُلٍ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، فَبَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ». فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى عِظَمِ مَا فِي الفَاتِحَةِ مِنَ البَرَكَةِ وَالشِّفَاءِ.
وَقَدْ ذَكَرَ العُلَمَاءُ أَنَّ مِنْ أَنْفَعِ مَا يُتَدَاوَى بِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ أَنْ يَضَعَ الإِنْسَانُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الأَلَمِ، وَيَقْرَأَ سُورَةَ الفَاتِحَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ بِإِخْلَاصٍ وَيَقِينٍ؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الشِّفَاءِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي فَضْلِهَا: «إِنَّهَا أُمُّ القُرْآنِ وَالسَّبْعُ المَثَانِي».
وَمِنْ سُوَرِ القُرْآنِ العَظِيمَةِ أَيْضًا سُورَةُ الكَهْفِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ».
وَكَذٰلِكَ سُورَةُ «يٰس»، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يٰس قَلْبُ القُرْآنِ»، وَاسْتُحِبَّ قِرَاءَتُهَا عَلَى المَوْتَى لِمَا فِيهَا مِنَ البَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ السُّوَرِ الَّتِي تُنْجِي مِنْ عَذَابِ القَبْرِ سُورَةُ المُلْكِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ المَانِعَةُ المُنْجِيَةُ، تُنْجِي مِنْ عَذَابِ القَبْرِ». فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى قِرَاءَتِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ كَانَ لَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ مِنَ الحِفْظِ وَالنَّجَاةِ نَصِيبٌ.
وَمِنْ فَضَائِلِ القُرْآنِ أَيْضًا مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ عَنْ سُورَةِ الإِخْلَاصِ: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»، وَعَنْ سُورَةِ الكَافِرُونَ أَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ، فَمَنْ قَرَأَهَا عِنْدَ نَوْمِهِ كَانَ فِيهَا تَجْدِيدٌ لِلتَّوْحِيدِ وَالإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ المُصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الفَضْلِ وَالوَفَاءِ.
عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَأْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُصْبِحُ وَحِينَ تُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ كُلَّ شَيْءٍ». فَالقُرْآنُ كُلُّهُ شِفَاءٌ، وَكُلُّهُ رَحْمَةٌ، وَكُلُّهُ بَرَكَةٌ لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِقَلْبٍ صَادِقٍ وَإِيمَانٍ رَاسِخٍ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبَنَا. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي فِلَسْطِينِ، وَفِي غَزَّةَ وَرَفَحَ وَالقُدْسِ، وَفِي سَائِرِ بِلَادِ المُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْفَعِ البَلَاءَ عَنْهُمْ، وَاشْفِ جَرْحَاهُمْ، وَارْحَمْ شُهَدَاءَهُمْ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُمْ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَقَالَ تَعَالَى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90).