مقدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِعِبادِهِ الصِّيامَ، وَجَعَلَهُ عِبادَةً عَظِيمَةً تُزَكِّي النُّفُوسَ، وَتُهَذِّبُ القُلُوبَ، وَتُحَقِّقُ مَعنَى العُبُودِيَّةِ الصَّادِقَةِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
إِنَّ الصَّومَ لَيسَ مُجَرَّدَ إِمساكٍ عَنِ الطَّعامِ وَالشَّرابِ، بَل هُوَ عِبادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَقُربَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَظهَرٌ صادِقٌ مِن مَظاهِرِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعالَى.
حَقِيقَةُ الصِّيَامِ وَمَعنَاهُ الشَّرعِيُّ
إِنَّ الصِّيامَ تَعَبُّدٌ لِلَّهِ تَعالَى بِالإِمساكِ عَنِ المُفَطِّراتِ، مِن طُلُوعِ الفَجرِ الصّادِقِ إِلَى غُرُوبِ كامِلِ قُرصِ الشَّمسِ، بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَالمُفَطِّراتُ هِيَ الأَكلُ، وَالشُّربُ، وَنَحوُ ذلِكَ مِمَّا يَصِلُ إِلَى الجَوفِ، وَيُغَذِّي البَدَنَ، أَو يُفسِدُ الصِّيامَ.
فَمَن أَكَلَ أَو شَرِبَ فِي نَهارِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، بَطَلَ صَومُهُ، وَوَجَبَ عَلَيهِ التَّوبَةُ إِلَى اللهِ تَعالَى، وَالإِمساكُ بَقِيَّةَ يَومِهِ تَعظِيمًا لِحُرمَةِ الزَّمانِ، ثُمَّ قَضاءُ ذلِكَ اليَومِ بَعدَ رَمَضَانَ.
أَمَّا مَن أَكَلَ أَو شَرِبَ ناسِيًا، فَلا إِثمَ عَلَيهِ، وَصَومُهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النِّسيانَ مَرفُوعٌ عَنِ الأُمَّةِ.
إِدخَالُ الأَعيَانِ إِلَى الجَوفِ
وَمِثلُ الأَكلِ وَالشُّربِ، يَجِبُ عَلَى الصّائِمِ أَن يَكُفَّ عَن إِدخالِ كُلِّ ما لَهُ جِرمٌ إِلَى جَوفِهِ مِن مَنفَذٍ مَفتُوحٍ.
فَمَن استَعمَلَ القَطرَةَ فِي أَنفِهِ مُتَعَمِّدًا، مُختارًا، غَيرَ ناسٍ وَلا مُكرَهٍ، فَجاوَزَتِ الخَيشُومَ، وَهُوَ مُنتَهَى الأَنفِ، فَسَدَ صَومُهُ.
وَذلِكَ لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي رَواهُ التِّرمِذِيُّ: «وَبَالِغ فِي الِاستِنشَاقِ إِلَّا أَن تَكُونَ صائِمًا».
فَقَد نَهَى ﷺ الصّائِمَ عَنِ المُبالَغَةِ فِي الِاستِنشاقِ؛ لِئَلَّا يَصِلَ المَاءُ إِلَى الحَلقِ، فَيُخِلَّ بِصِيامِهِ.
أَمَّا استِعمالُ الإِبرَةِ فِي العَضَلِ، فَلا يُؤَثِّرُ عَلَى صِحَّةِ الصِّيامِ.
الأَدوِيَةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا
أَمَّا الدَّواءُ الَّذِي يَستَعمِلُهُ المُصابُ بِالرَّبوِ، فَإِنَّهُ يُفسِدُ الصِّيامَ؛ لِأَنَّهُ يَنفَصِلُ مِنهُ عَينٌ تَصِلُ إِلَى الجَوفِ.
بِخِلافِ ما تَتَشَرَّبُهُ المَسامُّ مِنَ الدُّهُونِ، أَوِ الكُحلِ، أَو نَحوِ ذلِكَ؛ فَإِنَّهُ لا يَضُرُّ الصِّيامَ، لِعَدَمِ وُصُولِ عَينٍ إِلَى الجَوفِ.
الجِمَاعُ وَالاستِمنَاءُ
وَمِن مُفسِداتِ الصِّيامِ الجِماعُ، فَمَن جامَعَ فِي نَهارِ رَمَضَانَ فَسَدَ صَومُهُ، وَوَجَبَ عَلَيهِ التَّوبَةُ إِلَى اللهِ تَعالَى، وَالإِمساكُ بَقِيَّةَ يَومِهِ، وَقَضاءُ ذلِكَ اليَومِ، مَعَ وُجُوبِ الكَفّارَةِ المُغَلَّظَةِ.
وَكَذلِكَ مِنَ المُفسِداتِ الِاستِمناءُ، وَهُوَ إِنزالُ المَنِيِّ بِمُباشَرَةٍ دُونَ جِماعٍ.
أَمَّا مَن احتَلَمَ وَهُوَ نائِمٌ فِي نَهارِ رَمَضَانَ فَأَنزَلَ، فَلا يُؤَثِّرُ ذلِكَ عَلَى صِيامِهِ؛ لِأَنَّهُ بِغَيرِ اختِيارِهِ، وَإِنَّما يَجِبُ عَلَيهِ الِاغتِسالُ فَقَط.
الاستِقَاءَةُ وَأَحكامُها
وَمِن مُفسِداتِ الصِّيامِ الِاستِقاءَةُ، وَهِيَ طَلَبُ القَيءِ.
فَمَن تَقَيَّأَ بِطَلَبٍ مِنهُ، كَإِدخالِ إِصبَعِهِ، أَو إِدخالِ شَيءٍ فِي حَلقِهِ، مَعَ العِلمِ بِالتَّحرِيمِ، وَذِكرِ الصِّيامِ، وَعَدَمِ الإِكراهِ، فَإِنَّهُ يُفطِرُ، سَواءٌ عادَ مِنَ القَيءِ إِلَى الجَوفِ شَيءٌ أَم لا.
أَمَّا مَن غَلَبَهُ القَيءُ بِغَيرِ اختِيارِهِ، فَصِيامُهُ صَحِيحٌ، إِلَّا إِذا بَلَعَ شَيئًا مِنَ القَيءِ عَمدًا، أَو بَلَعَ الرِّيقَ المُتَغَيِّرَ عَمدًا، فَإِنَّهُ يُفطِرُ.
وَقَد رَوى أَبُو داوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن ذَرَعَهُ القَيءُ وَهُوَ صائِمٌ فَلَيسَ عَلَيهِ قَضاءٌ، وَمَنِ استَقَاءَ فَليَقضِ».
الحَيضُ وَالنِّفاسُ
وَمِن مَوانِعِ صِحَّةِ الصِّيامِ الحَيضُ وَالنِّفاسُ، فَالحائِضُ وَالنُّفَساءُ يَجِبُ عَلَيهِما الفِطرُ مُدَّةَ الحَيضِ وَالنِّفاسِ، وَلا يَجُوزُ لَهُما الصِّيامُ، وَلا يَصِحُّ مِنهُما.
وَيَجِبُ عَلَيهِما قَضاءُ ما أَفطَرَتاهُ مِن أَيَّامٍ بَعدَ الطُّهرِ.
الرِّدَّةُ وَأَثَرُها عَلَى الصِّيَامِ
وَمِن شُرُوطِ صِحَّةِ الصِّيامِ الإِمساكُ عَنِ الرِّدَّةِ، أَي: عَن قَطعِ الإِسلامِ – وَالعِياذُ بِاللهِ تَعالَى – طَوالَ النَّهارِ.
فَمَن ارتَدَّ وَلَو لَحظَةً واحِدَةً مِن نَهارِ رَمَضَانَ، بَطَلَ صَومُهُ، سَواءٌ كانَ كُفرُهُ بِالقَولِ، كَسَبِّ اللهِ تَعالَى، أَو بِوَصفِ اللهِ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ البَشَرِ، أَو بِالفِعلِ، كَالدَّوسِ عَلَى المُصحَفِ، أَو بِالِاعتِقادِ، كَاعتِقادِ أَنَّ اللهَ جِسمٌ، أَو أَنَّهُ يُشبِهُ شَيئًا مِنَ المَخلُوقاتِ.
فَهَذا لا صِيامَ لَهُ، وَيَجِبُ عَلَيهِ الرُّجُوعُ فَورًا إِلَى الإِسلامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهادَتَينِ: «أَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ».
كَما يَجِبُ عَلَيهِ الإِمساكُ بَقِيَّةَ اليَومِ، وَقَضاءُ ذلِكَ اليَومِ بَعدَ عِيدِ الفِطرِ المُبارَكِ.
خاتِمَةٌ وَوَصِيَّةٌ
فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ، وَحافِظُوا عَلَى صِيامِكُم مِنَ المُفسِداتِ؛ فَقَد جَعَلَ اللهُ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَناوُلِ ما تَحتاجُونَ إِلَيهِ، أَو تَشتَهُونَهُ مِمَّا أَباحَ اللهُ لَكُم، أَمَّا النَّهارُ فَاحفَظُوهُ بِالصِّيامِ، وَالطّاعَةِ، وَتَعظِيمِ حُدُودِ اللهِ.
اللَّهُمَّ بارِك لَنا فِي شَهرِ رَمَضَانَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ، وَشُكرِكَ، وَحُسنِ عِبادَتِكَ.
قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].