مقدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي امتَنَّ عَلَى عِبادِهِ بِمَواسمِ الخَيراتِ، فَجَعَلَها مَضامِيرَ لِلسَّبقِ إِلَى الطَّاعاتِ، وَمَغانِمَ لِمَحوِ السَّيِّئاتِ، وَرِفعَةِ الدَّرَجاتِ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
إِنَّ شَهرَ رَمَضَانَ شَهرُ الفَضلِ وَالإِنعامِ، تُضاعَفُ فِيهِ الحَسَناتُ، وَتُغفَرُ فِيهِ الزَّلَّاتُ، وَيُعتِقُ اللهُ تَعالَى فِيهِ كُلَّ لَيلَةٍ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ المُسلِمِينَ العُصاةِ؛ فَاجتَهِدُوا فِي الطَّاعاتِ؛ لَعَلَّكُم تَكُونُونَ مِن عُتَقاءِ هٰذَا الشَّهرِ المُبارَكِ.
سُنَّةُ تَعجِيلِ الفِطرِ وَفَضلُها
اِعلَمُوا أَنَّهُ يُستَحَبُّ لِلصّائِمِ جُملَةٌ مِنَ الآدابِ وَالسُّنَنِ، مِن أَعظَمِها وَأَجَلِّها: تَعجِيلُ الفِطرِ إِذا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمسِ.
وَقَد ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَينِ» عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَزالُ النّاسُ بِخَيرٍ ما عَجَّلُوا الفِطرَ».
وَمَعنَى الحَدِيثِ أَنَّ أَمرَ هٰذِهِ الأُمَّةِ يَظَلُّ مُستَقِيمًا، وَأَحوالَها تَبقَى عَلَى الخَيرِ، ما دامَت مُتَمَسِّكَةً بِهٰذِهِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
وَرَوى التِّرمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ، قالَ اللهُ تَعالَى: «أَحَبُّ عِبادِي إِلَيَّ أَعجَلُهُم فِطرًا».
مَعرِفَةُ وَقتِ الإِفطارِ
وَيُعرَفُ غُرُوبُ الشَّمسِ بِمَغِيبِ قُرصِها كامِلًا، فَإِذا غابَ كُلُّ القُرصِ حَلَّ الإِفطارُ.
فَإِن لَم يَتَمَكَّنِ الصّائِمُ مِن رُؤيَةِ الشَّمسِ، نَظَرَ إِلَى جِهَةِ المَشرِقِ، فَإِن أَقبَلَ الظَّلامُ مِنها، عُرِفَ بِذلِكَ دُخُولُ وَقتِ المَغرِبِ.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذا غَرَبَتِ الشَّمسُ مِن هاهُنا -يَعنِي: مِنَ المَغرِبِ – وَأَقبَلَ الظَّلامُ مِن هاهُنا – يَعنِي: مِنَ المَشرِقِ – فَقَد أَفطَرَ الصّائِمُ».
وَمَعناهُ: إِذا غابَ قُرصُ الشَّمسِ حَلَّ الإِفطارُ، وَلَو بَقِيَ فِي الأُفُقِ أَثَرُ ضَوءٍ؛ فَإِنَّ ذلِكَ لا يَمنَعُ الأَكلَ وَلا الشُّربَ.
هَديُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَعجِيلِ الفِطرِ
وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوفَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ قالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صائِمٌ، فَلَمّا غَرَبَتِ الشَّمسُ قالَ لِبَعضِ القَومِ: «يا فُلانُ، قُم فَاجدَح لَنا». فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، لَو أَمسَيتَ؟ قالَ: «انزِل فَاجدَح لَنا». فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيكَ نَهارًا. فَقالَ ﷺ: «انزِل فَاجدَح لَنا».
فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُم، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قالَ: «إِذا رَأَيتُمُ اللَّيلَ قَد أَقبَلَ مِن هاهُنا، فَقَد أَفطَرَ الصّائِمُ».
وَفِي هٰذا بَيانٌ واضِحٌ أَنَّ العِبرَةَ بِتَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمسِ، لا بِبَقاءِ شَيءٍ مِن أَثَرِ الضَّوءِ.
حِكمَةُ الإِفطارِ عَلَى الشَّيءِ الخَفِيفِ
وَمِن هَديِ السُّنَّةِ أَن يَكُونَ الإِفطارُ عَلَى أَشياءَ خَفِيفَةٍ لا تُؤذِي المَعِدَةَ، خِلافًا لِما يَفعَلُهُ بَعضُ النّاسِ اليَومَ مِن مَلءِ المَعِدَةِ بِالأَطعِمَةِ الثَّقِيلَةِ عِندَ الإِفطارِ، مِمَّا يُتعِبُ البَدَنَ وَيُثقِلُهُ.
وَأَفضَلُ ذلِكَ الإِفطارُ عَلَى الرُّطَبِ أَوِ التَّمرِ؛ لِأَنَّهُ سَرِيعُ الهَضمِ، سَرِيعُ الِامتِصاصِ، لِاشتِمالِهِ عَلَى المَوادِّ السُّكَّرِيَّةِ، فَيُشعِرُ الجِسمَ بِالِامتِلَاءِ، وَيَمنَعُ الشَّرَهَ فِي الطَّعامِ، وَيُعَوِّضُ ما افتَقَدَهُ الصّائِمُ مِنَ الطّاقَةِ.
تَعجِيلُ الفِطرِ أَمرٌ نَبَوِيٌّ
وَالإِفطارُ يَتَحَقَّقُ بِتَناوُلِ الصّائِمِ شَيئًا مِن أَكلٍ أَو شُربٍ، وَيُسَمَّى الفُطُورَ.
وَقَد جاءَ فِي «صَحِيحِ ابنِ حِبّانَ» مِن حَدِيثِ ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِنّا مَعشَرَ الأَنبِياءِ أُمِرنا بِتَأخِيرِ السُّحُورِ، وَتَعجِيلِ الفُطُورِ، وَأَن نَضَعَ أَيمانَنا عَلَى شَمائِلِنا فِي الصَّلاةِ».
فَفِي تَعجِيلِ الإِفطارِ أَجرٌ وَثَوابٌ، وَتَأخِيرُهُ مُخالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ.
حِكَمُ مَشرُوعِيَّةِ تَعجِيلِ الفِطرِ
وَلِمَشرُوعِيَّةِ تَعجِيلِ الفِطرِ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ، مِنها:
المُبادَرَةُ إِلَى طاعَةِ اللهِ تَعالَى كَما بادَرَ العَبدُ إِلَى طاعَتِهِ بِالصِّيامِ.
الأَخذُ بِرُخصَةِ اللهِ تَعالَى، وَالتَّمَتُّعُ بِما فِي شَرِيعَتِهِ مِنَ التَّيسِيرِ وَالسُّهُولَةِ.
الرِّفقُ بِالصّائِمِ، وَتَقوِيَتُهُ عَلَى مُواصَلَةِ العِبادَةِ.
خاتِمَةٌ وَوَصِيَّةٌ
فَأُوصِيكُم وَنَفسِي بِطاعَةِ اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَمِن طاعَةِ اللهِ الِالتِزامُ هَديِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالعَمَلُ بِسُنَّتِهِ المُطَهَّرَةِ.
فَإِنَّ مَن قَصَّرَ فِي طاعَةِ اللهِ فِي حَياتِهِ فاتَهُ الخَيرُ، وَبَقِيَ مَعَهُ النَّدَمُ.
اللَّهُمَّ يا مُصَرِّفَ القُلُوبِ، صَرِّف قُلُوبَنا إِلَى طاعَتِكَ.