بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، حَمدًا يَلِيقُ بِجَلالِهِ وَكَمَالِهِ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
إِنَّ مِن أَعظَمِ نِعَمِ اللهِ تَعالَى عَلَى العَبدِ أَن يُبَلِّغَهُ مَوسِمًا تُفتَحُ فِيهِ أَبوابُ الرَّحمَةِ، وَتُيَسَّرُ فِيهِ سُبُلُ الطَّاعَةِ، وَتَتَجَدَّدُ فِيهِ عُهُودُ الإِنابَةِ وَالتَّوبَةِ، وَذلِكَ شَهرُ رَمَضانَ؛ شَهرُ العُمرِ الثّانِي، وَالمَغنَمِ العَظِيمِ، وَالفُرصَةِ الَّتِي لا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.
وَإِذا كانَتِ الدُّنيا دارَ عَمَلٍ، وَالآخِرَةُ دارَ جَزاءٍ، فَإِنَّ أَوقاتَ رَمَضانَ هِيَ رَأسُ المالِ، وَمِنها تُنسَجُ أَثمارُ القُربِ، وَبِها تَرتَفِعُ دَرَجاتُ الصّادِقِينَ، وَتُغفَرُ زَلّاتُ المُقَصِّرِينَ.
وَقَد نَبَّهَ القُرآنُ الكَرِيمُ إِلى حَقِيقَةِ الوُجُودِ وَمَصِيرِ العِبادِ، فَقالَ اللهُ تَعالَى: ﴿أَفَحَسِبتُم أَنَّما خَلَقناكُم عَبَثًا وَأَنَّكُم إِلَينا لا تُرجَعُونَ﴾ [المُؤمِنُونَ: 115].
وَمِن جَلالِ هٰذِهِ النِّعمَةِ أَنَّ اللهَ تَعالَى أَقسَمَ بِبَعضِ الأَزمانِ تَنبِيهًا عَلى شَرَفِها وَقِيمَتِها، فَقالَ سُبحانَهُ: ﴿وَالعَصرِ إِنَّ الإِنسانَ لَفِي خُسرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ﴾ [العَصر: 1-3].
وَقَد نُقِلَ عَنِ الإِمامِ الرّازِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قالَ فِي مَعنَى هٰذا القَسَمِ: إِنَّ اللهَ تَعالَى أَقسَمَ بِالعَصرِ، وَهُوَ الزَّمَنُ، لِما فِيهِ مِنَ الأَعاجِيبِ، إِذ يَتَقَلَّبُ فِيهِ الإِنسانُ بَينَ السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ، وَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ، وَالغِنَى وَالفَقرِ، وَلِأَنَّ العُمرَ مِن أَنفَسِ النِّعَمِ وَأَغلاها، وَإِنَّهُ لَمِنَ الغُبنِ أَن يَفرَحَ الإِنسانُ بِأَيّامٍ يَقطَعُها، وَهِيَ فِي الحَقِيقَةِ تَنقُصُ مِن أَجَلِهِ، كَما قِيلَ:
إِنَّا لَنَفرَحُ بِالأَيّامِ نَقطَعُها ~ وَكُلُّ يَومٍ مَضَى نَقصٌ مِنَ الأَجَلِ
وَقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: اِعلَمُوا أَنَّ طُولَ العُمرِ حُجَّةٌ، فَنَعُوذُ بِاللهِ أَن نُعَيَّرَ بِطُولِ العُمرِ.
اِستِقبالُ النَّبِيِّ ﷺ لِشَهرِ رَمَضانَ
لَم يَكُن رَمَضانُ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ مَوعِدًا عابِرًا فِي التَّقوِيمِ، بَل كانَ مَوسِمًا تُقبِلُ فِيهِ القُلُوبُ عَلى رَبِّها، وَتَستَعِدُّ فِيهِ الأَرواحُ لِأَيّامِ الطّاعَةِ وَاللَّيالِي المُبارَكَةِ، فَكانَ ﷺ إِذا استُهِلَّ هِلالُ رَمَضانَ أَقبَلَ عَلى النّاسِ بِوَجهِهِ، وَدَعا دُعاءَ المُشتاقِ، وَسَأَلَ رَبَّهُ تَيسِيرَ الخَيرِ وَالسَّلامَةَ وَالعَونَ عَلى أَعظَمِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ العَبدُ فِي هٰذا الشَّهرِ مِن صِيامٍ وَقِيامٍ وَتِلاوَةٍ، فَمِن دُعائِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَينا بِالأَمنِ وَالإِيمانِ، وَالسَّلامَةِ وَالإِسلامِ، وَالعافِيَةِ المُجَلِّلَةِ وَرَفعِ الأَسقامِ، وَالعَونِ عَلَى الصِّيامِ وَالصَّلاةِ وَتِلاوَةِ القُرآنِ، اللَّهُمَّ سَلِّمنا لِرَمَضانَ، وَسَلِّمهُ لَنا، وَتَسَلَّمهُ مِنّا حَتّى يَخرُجَ رَمَضانُ وَقَد غَفَرتَ لَنا، وَرَحِمتَنا، وَعَفَوتَ عَنّا».
ثُمَّ كانَ ﷺ يُبَلِّغُ النّاسَ بِفَضلِ الشَّهرِ، وَما جُعِلَ فِيهِ مِن تَصفِيدِ الشَّياطِينِ، وَفَتحِ أَبوابِ الجِنانِ، وَغَلقِ أَبوابِ النِّيرانِ، وَنِداءِ المُنادِي كُلَّ لَيلَةٍ لِلتّائِبِينَ وَالسّائِلِينَ وَالمُستَغفِرِينَ، وَبِشارَةِ يَومِ الجائِزَةِ يَومَ الفِطرِ، حَتّى يَعرِفَ المُؤمِنُ أَنَّهُ فِي مَوسِمِ رَحمَةٍ لا يَسُوغُ فِيهِ التَّفرِيطُ.
ما وَرَدَ فِي ثَوابِ صِيامِ رَمَضانَ وَخُصُوصِيَّةِ هٰذا الشَّهرِ
إِنَّ صِيامَ رَمَضانَ لَيسَ مُجَرَّدَ اِمتِناعٍ عَنِ الطَّعامِ وَالشَّرابِ، بَل هُوَ عُبُودِيَّةٌ شامِلَةٌ، تُزَكِّي الجَوارِحَ، وَتُطَهِّرُ القَلبَ، وَتُعَلِّمُ العَبدَ حُدُودَ اللهِ، وَتَرفَعُهُ فِي مَراتِبِ الصّادِقِينَ.
وَمِمّا يُذَكِّرُ العَبدَ بِقِيمَةِ الوَقتِ فِي هٰذا المَوسِمِ، أَنَّ الخَيرَ فِيهِ مُضاعَفٌ، وَأَنَّ الأَبوابَ مَفتُوحَةٌ لِمَن صَدَقَ، وَأَنَّ الفُرَصَ مِثلُ السَّحابِ إِن أَمسَكتَ بِها حَمَلَتكَ إِلى رِضوانِ اللهِ، وَإِن تَرَكتَها مَرَّت وَلا تَعُودُ بِعَينِها.
وَلَيسَتِ العِبرَةُ بِصُورَةِ الصَّومِ وَحدَها، بَل بِحَقِيقَتِهِ؛ أَن يَصُومَ اللِّسانُ عَنِ الغِيبَةِ، وَتَصُومَ العَينُ عَنِ الحَرامِ، وَتَصُومَ الجَوارِحُ عَنِ المَعاصِي، حَتّى يَكُونَ الصَّومُ جُنَّةً وَغُفرانًا، لا مَشَقَّةً بِغَيرِ ثَمَرَةٍ.
اِغتِنامُ الوَقتِ وَالأَنفاسِ بِالطّاعَةِ فِي رَمَضانَ
إِذا كانَ الزَّمَنُ هُوَ رَأسَ مالِ الإِنسانِ، فَإِنَّ رَمَضانَ هُوَ أَغلَى مَواقِعِ هٰذا الرَّأسِ، وَأَنفَسُ أَيّامِهِ وَساعاتهِ، وَمِن هُنا جاءَ حَثُّ الشَّرعِ الحَنِيفِ عَلى اِغتِنامِ الأَوقاتِ، وَعَدِّ الأَنفاسِ مِنَ الأَعمارِ، فَالدُّنيا مَزرَعَةُ الآخِرَةِ، وَكُلُّ يَومٍ يَمضِي فَإِنَّما هُوَ مِقدارُ ما يُودِعُهُ العَبدُ فِي رَصِيدِهِ عِندَ رَبِّهِ.
وَمِن أَسبابِ تَضيِيعِ الأَوقاتِ طُولُ الأَمَلِ؛ فَإِنَّهُ يُلهِبُ فِي القَلبِ وَهمَ التَّأجِيلِ، وَيُسَوِّفُ بِالعَمَلِ، وَيُؤَخِّرُ التَّوبَةَ، وَيُخَدِّرُ هِمَّةَ الطّاعَةِ، وَقَد نُقِلَ عَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قالَ: طُولُ الأَمَلِ يُنسِي الآخِرَةَ.
وَمِن بَدِيعِ التَّنبِيهِ الإِلَهِيِّ قَولُهُ تَعالَى: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيا﴾ [القَصَص: 77]، فَلَيسَ المَعنَى أَن يَتَفَرَّغَ العَبدُ لِلشَّهَواتِ وَيَنسَى رَبَّهُ، بَلِ المَعنَى أَن لا يَنسَى عُمرَهُ فِيها، فَيَجعَلَهُ سَبَبًا لِعِمارَةِ الآخِرَةِ.
رَمَضانُ مَوسِمُ الطّاعَاتِ وَمِيعادُهَا
إِنَّ رَمَضانَ شَهرٌ اِصطَفاهُ اللهُ تَعالَى، وَجَعَلَهُ مِيقَاتًا لِأَعظَمِ مَنقَبَةٍ، وَهِيَ نُزُولُ القُرآنِ الكَرِيمِ، كِتابِ الهُدَى الَّذِي أَخرَجَ اللهُ بِهِ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّورِ، فَكَيفَ يَلِيقُ بِالمُؤمِنِ أَن يَدخُلَ عَلَيهِ هٰذا المِيقَاتُ وَهُوَ مُفلِسٌ مِن مُنافَسَةِ الطّاعَاتِ.
وَمِن هُنا يَجِبُ أَن يَتَحَوَّلَ رَمَضانُ فِي حَياةِ المُسلِمِ إِلى مَشرُوعٍ عِبادِيٍّ وَتَربَوِيٍّ، تُنَظَّمُ فِيهِ السّاعاتُ، وَتُحفَظُ فِيهِ الأَنفاسُ، وَيُحاسِبُ فِيهِ العَبدُ نَفسَهُ عَلى كُلِّ لَحظَةٍ تَفلِتُ بِغَيرِ قُربَةٍ.
الأَعمالُ الَّتِي تُحيِي الوَقتَ فِي رَمَضانَ وَتَحفَظُهُ
حَقُّ رَمَضانَ أَن تُحيَى أَوقاتُهُ بِفَرائِضِ اللهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِما تَيَسَّرَ مِنَ النَّوافِلِ، وَأَن يُملَأَ بِما يُزَكِّي النَّفسَ وَيُصلِحُ القَلبَ، وَيَحفَظُ الجَوارِحَ مِنَ الخَطايا.
فَيَكُونُ الصَّومُ جُنَّةً، وَالقِيامُ نُورًا، وَالقُرآنُ رُوحًا، وَالدُّعاءُ فَتحًا، وَالصَّدَقَةُ بُرهانًا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ بَرَكَةً، وَحِفظُ اللِّسانِ سَلامَةً، وَغَضُّ البَصَرِ عِفَّةً، وَمُراقَبَةُ اللهِ سِرًّا وَعَلَنًا أَصلَ كُلِّ خَيرٍ.
الِاشتِغالُ بِالعِلمِ فِي رَمَضانَ وَأَنَّهُ مِن أَعظَمِ ما تُصرَفُ فِيهِ الأَوقاتُ
إِنَّ مِفتاحَ العِبادَةِ الصَّحِيحَةِ العِلمُ، وَإِنَّ مَصابِيحَ الهُدَى لا تُشعَلُ فِي القُلُوبِ إِلَّا بِمَجالِسِ العِلمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَهٰذا مِن أَعظَمِ ما يُستَغَلُّ بِهِ الوَقتُ فِي رَمَضانَ؛ لِأَنَّ العِلمَ يَضَعُ العِبادَةَ فِي مَوضِعِها، وَيَحفَظُها مِنَ الفَسادِ، وَيُقَوِّمُ النِّيّاتِ، وَيُهَذِّبُ السُّلُوكَ.
وَمِن هُنا كانَ السَّلَفُ يَعُدُّونَ مَجالِسَ العِلمِ مِن أَغلَى ما يُفازُ بِهِ، وَيَرَونَ أَنَّ العِبادَةَ بِغَيرِ عِلمٍ قَد تُنتِجُ غُلُوًّا أَو تَفرِيطًا، وَأَنَّ العِلمَ مِصباحٌ يُستَضاءُ بِهِ فِي ظُلمَةِ الجَهلِ وَالهَوى.
خاتِمَةُ المَقالِ
إِنَّ رَمَضانَ أَيّامٌ مَعدُوداتٌ، وَلَحَظاتٌ إِذا مَضَت لَم تَعُد، وَالسَّعِيدُ مَن جَعَلَ لِكُلِّ ساعَةٍ فِيهِ نَصِيبًا مِنَ الطّاعَةِ، وَلِكُلِّ يَومٍ فِيهِ زادًا مِنَ القُربَةِ، وَلِكُلِّ لَيلَةٍ فِيهِ دَمعَةً وَدُعاءً وَتَضَرُّعًا، فَيَخرُجُ مِنَ الشَّهرِ وَقَد رُفِعَت دَرَجاتُهُ، وَمُحِيَت زَلّاتُهُ، وَطَهُرَت صَحائِفُهُ.
اللَّهُمَّ اجعَل أَوقاتَنا فِي رَمَضانَ عُمُورًا بِذِكرِكَ، وَأَنفاسَنا قُرُباتٍ إِلَيكَ، وَأَعمالَنا خالِصَةً لِوَجهِكَ، وَارزُقنا فِيهِ الصِّيامَ وَالقِيامَ وَتِلاوَةَ القُرآنِ، وَطَهِّرنا مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطايا كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، يا أَرحَمَ الرّاحِمِينَ.
وَاللهُ تَعالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.