بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، حَمدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ الأَتَمَّانِ الأَكمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنا وَنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
يَقُولُ اللهُ تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: 183].
شَرَعَ اللهُ تَعالَى الصِّيامَ تَربِيَةً لِلنُّفُوسِ، وَتَزكِيَةً لِلقُلُوبِ، وَتَهذِيبًا لِلأَخلاقِ، فَجَعَلَ شَهرَ رَمَضانَ مَوسِمًا رَبّانِيًّا يَتَجَدَّدُ فِيهِ الإِيمانُ، وَتَتَجَدَّدُ فِيهِ العُهُودُ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ، وَتُفتَحُ فِيهِ أَبوابُ الرَّحماتِ، وَتُغلَقُ فِيهِ أَبوابُ النِّقَمِ، فَيَخرُجُ المُؤمِنُ مِنهُ وَقَد تَجَدَّدَت فِي قَلبِهِ مَعانِي الإِنابَةِ وَالطّاعَةِ.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن صامَ يَومًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجهَهُ عَنِ النّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا» رواه البخاريُّ.
ها هُوَ رَمَضانُ يُقبِلُ عَلَينا حامِلًا فِي طَيّاتِهِ أَلوانَ البَرَكاتِ، وَمَشاعِلَ الهِداياتِ، وَنَفَحاتِ الرَّحماتِ، شَهرٌ يَتَساوَى فِيهِ النّاسُ أَمامَ نِداءِ الطّاعَةِ؛ فَهُوَ لِلصَّغِيرِ كَما هُوَ لِلكَبِيرِ، وَلِلغَنِيِّ كَما هُوَ لِلفَقِيرِ، وَلِلرَّجُلِ كَما هُوَ لِلمَرأَةِ، شَهرٌ تُسقَى فِيهِ القُلُوبُ بِماءِ الإِخلاصِ، وَتَشبَعُ فِيهِ الأَرواحُ بِغِذاءِ القُربِ مِنَ اللهِ.
تَبشِيرُ النَّبِيِّ ﷺ النّاسَ بِشَهرِ رَمَضانَ
كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُ أُمَّتَهُ كَيفَ تَستَقبِلُ مَواسِمَ الخَيرِ، فَكانَ يُبَشِّرُ أَصحابَهُ بِقُدُومِ رَمَضانَ، وَيَغرِسُ فِي قُلُوبِهِم فَرَحَ الطّاعَةِ، وَشَوقَ القُربِ، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «جاءَكُم شَهرُ رَمَضانَ، شَهرٌ مُبارَكٌ، كَتَبَ اللهُ عَلَيكُم صِيامَهُ، فِيهِ تُفتَحُ أَبوابُ الجَنَّةِ، وَتُغلَقُ فِيهِ أَبوابُ الجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّياطِينُ، وَفِيهِ لَيلَةٌ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، مَن حُرِمَ خَيرَها فَقَد حُرِمَ» رواه أحمد.
وَهٰذا الحَدِيثُ أَصلٌ فِي إِشاعَةِ الفَرَحِ بِمَواسِمِ الطّاعَاتِ، وَتَهنِئَةِ المُسلِمِينَ بِقُدُومِ رَمَضانَ، وَتَفقِيهِهِم بِما فِيهِ مِنَ الفَضائِلِ وَالفُتُوحاتِ.
كَيفِيَّةُ استِقبالِ شَهرِ رَمَضانَ
يَجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَستَقبِلَ رَمَضانَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ، وَنِيَّةٍ صادِقَةٍ، فَيُقبِلَ عَلَى التَّوبَةِ النَّصُوحِ، وَيَتَخَلَّصَ مِنَ المَظالِمِ، وَيُبادِرَ إِلى رَدِّ الحُقُوقِ إِلى أَهلِها، فَإِنَّ الذُّنُوبَ تُقَسِّي القُلُوبَ، وَتُثَقِّلُ الطّاعَاتِ، وَلا يَستَقِيمُ سَيرُ العَبدِ إِلى رَبِّهِ مَعَ قَلبٍ مُثقَلٍ بِالأَوزارِ.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضغَةً، إِذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلبُ» رواه البخاريُّ.
وَكانَ السَّلَفُ الصّالِحُ يَستَعِدُّونَ لِرَمَضانَ مِن شَعبانَ، فَيُكثِرُونَ مِن تِلاوَةِ القُرآنِ، وَيُكثِرُونَ مِنَ الصَّدَقاتِ، وَيُبادِرُونَ إِلى إِعانَةِ المُحتاجِينَ لِيَتَقَوَّوا عَلى صِيامِهِ، وَتَتَحَقَّقَ أُخُوَّةُ الإِيمانِ بِالمُواساةِ وَالإِحسانِ.
وَمِن تَعظِيمِ هٰذا الشَّهرِ تَعظِيمُ شَعائِرِ اللهِ تَعالَى، قالَ سُبحانَهُ: ﴿ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِن تَقوَى القُلُوبِ﴾ [الحَجّ: 32]، فَيَحسُنُ أَن تُحيَى البُيُوتُ بِذِكرِ اللهِ، وَتُعَمَّرَ المَساجِدُ بِالصَّلاةِ وَالتِّلاوَةِ، وَتُرَبَّى النُّفُوسُ عَلى حُسنِ التَّهَيُّؤِ لِضَيفٍ كَرِيمٍ.
فَضائِلُ شَهرِ رَمَضانَ
رَمَضانُ سَيِّدُ الشُّهُورِ، فِيهِ لَيلَةُ القَدرِ الَّتِي هِيَ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، وَفِيهِ تُكَفَّرُ الذُّنُوبُ، وَتُرفَعُ الدَّرَجاتُ، وَتُضاعَفُ الحَسَناتُ، وَيُقبِلُ العَبدُ فِيهِ عَلى رَبِّهِ بِقَلبٍ أَكثَرَ خُشُوعًا وَإِخباتًا.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن صامَ رَمَضانَ إِيمانًا وَاحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ» رواه البخاريُّ.
صِلَةُ الأَرحامِ فِي رَمَضانَ
وَمِن أَعظَمِ القُرُباتِ فِي رَمَضانَ صِلَةُ الأَرحامِ؛ لِأَنَّها فَرِيضَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَمَدخَلٌ عَظِيمٌ لِحُصُولِ البَرَكَةِ فِي العُمرِ وَالرِّزقِ، وَتَزكِيَةِ القَلبِ بِالمَحَبَّةِ وَالإِحسانِ.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن أَحَبَّ أَن يُبسَطَ لَهُ فِي رِزقِهِ، وَيُنسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَليَصِل رَحِمَهُ» رواه مسلم.
حُضُورُ مَجالِسِ العِلمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ
العِلمُ أَساسُ العِبادَةِ الصَّحِيحَةِ، وَلا يَستَقِيمُ صِيامٌ وَلا قِيامٌ مَعَ جَهلٍ يُفسِدُ النِّيّاتِ أَو يُخِلُّ بِالأَحكامِ، فَمِنَ البِرِّ فِي رَمَضانَ أَن يَتَفَقَّهَ المُسلِمُ فِي أَحكامِ صِيامِهِ وَصَلاتِهِ وَزَكاتِهِ، وَأَن يَحفَظَ صَومَهُ مِمّا يُنقِصُ ثَوابَهُ.
وَقَد جاءَ فِي المَأثُورِ: «رُبَّ صائِمٍ حَظُّهُ مِن صِيامِهِ الجُوعُ وَالعَطَشُ»، فَحَقِيقَةُ الصِّيامِ أَن تَصُومَ الجَوارِحُ مَعَ البُطُونِ، وَأَن يَسلَمَ القَلبُ وَاللِّسانُ وَالبَصَرُ مِمّا لا يَرضاهُ الرَّحمنُ.
خاتِمَةُ المَقَالِ
كانَ الصّالِحُونَ يَدعُونَ اللهَ أَشهُرًا أَن يُبَلِّغَهُم رَمَضانَ، ثُمَّ يَدعُونَهُ أَن يَتَقَبَّلَ مِنهُم بَعدَهُ، فَرَمَضانُ فُرصَةٌ لا تُعَوَّضُ، وَمَوسِمٌ لِلفَوزِ، فَمَن لَم يَغتَنِمهُ فَقَد خَسِرَ خُسرانًا مُبِينًا.
اللَّهُمَّ بَلِّغنا رَمَضانَ بِلاغَ رَحمَةٍ وَمَغفِرَةٍ، وَأَعِنّا فِيهِ عَلى الصِّيامِ وَالقِيامِ وَغَضِّ البَصَرِ وَحِفظِ اللِّسانِ، وَاجعَلهُ شَهرَ فَتحٍ وَقُربٍ وَقَبُولٍ، وَاختِمهُ لَنا بِالعِتقِ مِنَ النِّيرانِ.