بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ رَمَضَانَ شَهرٌ جَعَلَهُ اللهُ مَوسِمًا لِتَزكِيَةِ النُّفُوسِ وَتَربِيَتِهَا عَلَى الصِّدقِ وَالصَّبرِ وَالثَّبَاتِ، وَجَعَلَ فِيهِ مِن أَبوَابِ الخَيرِ مَا تَتَجَدَّدُ بِهِ الهِمَمُ، وَتَتَطَهَّرُ بِهِ القُلُوبُ، وَتَتَحَرَّرُ بِهِ الأَروَاحُ مِن أَسرِ الشَّهَوَاتِ وَالغَفَلَاتِ.
وَمِن أَبيَنِ مَعَالِمِ هَذَا الشَّهرِ أَنَّهُ شَهرُ الِانتِصَارَاتِ؛ لَا عَلَى سَبِيلِ الذِّكرَى التَّارِيخِيَّةِ فَقَط، بَل عَلَى سَبِيلِ الدَّرسِ وَالتَّربِيَةِ وَتَجدِيدِ مَعنَى النَّصرِ فِي القُلُوبِ وَالأَعمَالِ.
وَإِنَّ المُتَتَبِّعَ لِمَوَاقِعِ العِزِّ فِي تَارِيخِ المُسلِمِينَ يَجِدُ أَنَّ رَمَضَانَ اقتَرَنَ بِكَبِيرِ الأَحدَاثِ وَعَظِيمِ الفُتُوحَاتِ، وَأَنَّ أَهلَ الإِيمَانِ لَم يَكُونُوا يَعرِفُونَ رَمَضَانَ شَهرَ فُتُورٍ وَلَا كَسَلٍ، بَل شَهرَ جِدٍّ وَمُجَاهَدَةٍ، يُقَاتِلُونَ فِيهِ بِالإِيمَانِ قَبلَ السِّلَاحِ، وَيَثبُتُونَ فِيهِ بِاليَقِينِ قَبلَ العَدَدِ وَالعُدَّةِ.
رَمَضَانُ شَهرُ الِانتِصَارَاتِ فِي التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ
إِنَّ مَعرَكَةَ بَدرٍ الكُبرَى كَانَت أَوَّلَ مَعلَمٍ عَظِيمٍ فِي سِلسِلَةِ انتِصَارَاتِ الإِسلَامِ، وَقَد وَقَعَت فِي رَمَضَانَ، حِينَ خَرَجَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَهُم قِلَّةٌ فِي العَدَدِ، ضِيقٌ فِي الزَّادِ، شِدَّةٌ فِي الظُّرُوفِ، وَحَرٌّ لَافِحٌ فِي الصَّحرَاءِ، وَفَوقَ ذَلِكَ كُلِّهِ تَعَبُ الصِّيَامِ، وَلَكِنَّهُم كَانُوا يَحمِلُونَ فِي قُلُوبِهِم سِلَاحًا لَا يُقَاوَمُ: سِلَاحَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَحُسنَ الظَّنِّ بِهِ، وَاليَقِينَ بِوَعدِهِ.
فَجَاءَ النَّصرُ مِن عِندِ اللهِ تَعَالَى، وَصَدَقَ فِيهِ قَولُهُ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ [آلِ عِمرَانَ: 123].
وَكَانَ ذَلِكَ فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلهِجرَةِ، لِيَتَحَوَّلَ هَذَا اليَومُ إِلَى رَمزٍ يُرَبِّي الأُمَّةَ عَلَى أَنَّ النَّصرَ لَيسَ بِكَثرَةِ العَدَدِ وَلَا بِقُوَّةِ السِّلَاحِ وَحدَهَا، بَل بِصِدقِ الإِيمَانِ وَتَمَامِ التَّوَكُّلِ وَحُسنِ الاعتماد على رَبِّ العَالَمِينَ.
ثُمَّ يَتَأَلَّقُ فِي رَمَضَانَ فَتحٌ أَعظَمُ وَأَبهَى: فَتحُ مَكَّةَ، فَقَد كَانَ أَيضًا فِي رَمَضَانَ، حِينَ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِجَيشٍ عَظِيمٍ، فَدَخَلَ مَكَّةَ، وَطَهَّرَ البَيتَ الحَرَامَ مِنَ الأَصنَامِ، وَأَعلَى كَلِمَةَ التَّوحِيدِ، وَنَشَرَ فِي أَرجَاءِ البِلَادِ أَمنًا وَهُدًى وَعَدلًا.
وَلَم يَكُن رَمَضَانُ مَحصُورًا فِي هَذَينِ الفَتحَينِ؛ فَفِي رَمَضَانَ تَحَقَّقَ فَتحُ الأَندَلُسِ عَلَى يَدِ القَائِدِ طَارِقِ بنِ زِيَادٍ رَحِمَهُ اللهُ، وَفِي رَمَضَانَ وَقَعَت مَعرَكَةُ عَينِ جَالُوتَ الَّتِي كَسَرَت سَيلَ التَّتَارِ وَأَوقَفَت زَحفَهُم عَن دِيَارِ المُسلِمِينَ، وَقَامَ فِيهَا سَيفُ الدِّينِ قُطُزُ رَحِمَهُ اللهُ مَوقِفًا يُسَطِّرُهُ التَّارِيخُ بِمَاءِ الذَّهَبِ.
وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الِانتِصَارَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَمَضَانَ شَهرٌ يَتَرَبَّى فِيهِ الإِيمَانُ، وَتَشتَدُّ فِيهِ العَزَائِمُ، وَتَصدُقُ فِيهِ النِّيَّاتُ.
مَعنَى الِانتِصَارِ الأَكبَرِ: نَصرُ المُؤمِنِ عَلَى نَفسِهِ
وَإِذ نُحيِي ذِكرَى انتِصَارَاتِ الأُمَّةِ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ الأَحوَجَ إِلَيهِ أَن نَلتَفِتَ إِلَى مَعرَكَةٍ لَا تَنقَطِعُ مَا دَامَتِ الأَنفَاسُ: مَعرَكَةِ الإِنسَانِ مَعَ نَفسِهِ وَشَيطَانِهِ.
إِنَّ أَكبَرَ فَتحٍ يَحقِّقُهُ العَبدُ فِي رَمَضَانَ أَن يَفتَحَ بَابَ قَلبِهِ لِلهِ، وَأَن يَكسِرَ أَصنَامَ الشَّهَوَاتِ فِي دَاخِلِهِ، وَأَن يُطَهِّرَ جَوَارِحَهُ مِنَ المَعَاصِي، فَالِانتِصَارُ الحَقِيقِيُّ أَن يَغلِبَ المُؤمِنُ كَسَلَهُ، وَأَن يَقهَرَ شَيطَانَهُ، وَأَن يَستَخلِصَ نِيَّتَهُ لِرَبِّهِ.
وَمِن أَخطَرِ مَا يَصرِفُ النَّاسَ عَن هَذَا الِانتِصَارِ تَعَلُّلُهُم بِمَشَقَّةِ الصِّيَامِ، وَجَعلُهَا ذَرِيعَةً لِلتَّفرِيطِ فِي القِيَامِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ وَصِلَةِ الأَرحَامِ وَالبِرِّ وَالإِحسَانِ، وَالحَقُّ أَنَّ رَمَضَانَ مَيدَانُ تَربِيَةٍ يَتَحَوَّلُ فِيهِ التَّعَبُ إِلَى قُوَّةٍ، وَالمَشَقَّةُ إِلَى نُورٍ، وَالجُوعُ إِلَى صَبرٍ يَرفَعُ الدَّرَجَاتِ.
وَلَقَد كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُ الأُمَّةَ أَنَّ خَوَاتِيمَ الأَعمَالِ مِيزَانُ الصِّدقِ؛ فَإِذَا دَخَلَتِ العَشرُ الأَوَاخِرُ شَدَّ مِئزَرَهُ، وَأَيقَظَ أَهلَهُ، وَأَحيَا لَيلَهُ، وَاعتَكَفَ يَطلُبُ لَيلَةَ القَدرِ، فَهُنَا يَتَجَلَّى مَعنَى الِانتِصَارِ: أَن يَزدَادَ العَبدُ إِقبَالًا وَأَن لَا يَفتُرَ، وَأَن يَحمِلَ قَلبَهُ عَلَى الصِّدقِ حَتَّى يَكمُلَ لَهُ الحِسَابُ مِنَ الرِّضَا وَالقَبُولِ.
وَاقِعُ الأُمَّةِ وَوَاجِبُ النُّصرَةِ
وَإِذ نَتَذَكَّرُ رَمَضَانَ شَهرَ الِانتِصَارَاتِ، فَإِنَّ مِن حَقِيقَةِ الإِيمَانِ أَن نَستَحضِرَ آلامَ المُسلِمِينَ وَمِحَنَهُم، وَأَن نَعلَمَ أَنَّ مِن أَبوَابِ الطَّاعَةِ فِي رَمَضَانَ نُصرَةَ المَظلُومِ، وَمُوَاسَاةَ المُبتَلَى، وَبَذلَ الوُسعِ فِي الإِغَاثَةِ وَالعَونِ وَالدُّعَاءِ.
فَإِن عَجَزَتِ الأَيدِي عَن بَلغِ مَا تُحِبُّ مِنَ النُّصرَةِ، فَلَا يَعجِزَنَّ اللِّسَانُ عَنِ الدُّعَاءِ، وَلَا يَفتُرَنَّ القَلبُ عَنِ التَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ الدُّعَاءَ سِلَاحٌ، وَلِلمَظلُومِ دَعوَةٌ، وَلِرَمَضَانَ نَفَحَاتٌ تُرجَى فِيهَا الإِجَابَةُ وَالفَرَجُ.
خَاتِمَةٌ
إِنَّ رَمَضَانَ شَهرُ الِانتِصَارَاتِ بِمَعنَيَينِ عَظِيمَينِ: انتِصَارٍ سَطَّرَهُ التَّارِيخُ بِمَوَاقِعِ العِزِّ وَالفَتحِ، وَانتِصَارٍ يَصنَعُهُ كُلُّ مُؤمِنٍ فِي خَلوَتِهِ وَسِرِّهِ حِينَ يَغلِبُ نَفسَهُ وَيُقبِلُ عَلَى رَبِّهِ.
فَطُوبَى لِمَن جَمَعَ بَينَ تَعَلُّمِ دُرُوسِ التَّارِيخِ وَتَحوِيلِهَا إِلَى تَربِيَةٍ وَعَمَلٍ، وَطُوبَى لِمَن خَرَجَ مِن رَمَضَانَ وَقَد فُتِحَت لَهُ أَبوَابُ الطَّاعَةِ، وَانكَسَرَت فِي قَلبِهِ أَصنَامُ الشَّهوَةِ، وَتَجَدَّدَت فِيهِ عَزِيمَةُ السَّيرِ إِلَى اللهِ.
نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَجعَلَنَا مِنَ المُجَاهِدِينَ أَنفُسَهُم فِي طَاعَتِهِ، وَأَن يَرزُقَنَا صِدقَ الإِقبَالِ وَحُسنَ الخِتَامِ، وَأَن يَنصُرَ أُمَّتَنَا نَصرًا عَزِيزًا، وَأَن يَكشِفَ عَنهَا الكُرُوبَ وَيَرُدَّ إِلَيهَا عِزَّهَا وَتَمكِينَها، إِنَّهُ وَلِيُّ ذٰلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.