مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي وَعَدَ عِبادَهُ الصّادِقِينَ، وَبَشَّرَ الصّائِمِينَ، وَأَكرَمَهُم بِفَضائِلَ عَظِيمَةٍ، لا يُخلِفُ وَعدَهُ، وَلا يُخالِفُ مِيعادَهُ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
يا أَيُّها الصّائِمُونَ، أَبشِرُوا بِوَعدِ اللهِ الحَقِّ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالَى قالَ: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخلِفُ المِيعادَ﴾ [آلِ عِمرانَ: ٩]، وَذلِكَ لِأَنَّ الكَذِبَ مُستَحِيلٌ عَلَيهِ سُبحانَهُ وَتَعالَى.
بُشرَى الصّائِمِينَ بِالأَجرِ العَظِيمِ
أَبشِرُوا – رَحِمَكُمُ اللهُ – فَإِنَّ صِيامَكُم مُضاعَفُ الأَجرِ، مَدَّخَرُ الثَّوابِ، وَإِنَّ لَكُم فَرحَةً عَظِيمَةً عِندَ لِقاءِ رَبِّكُم، يَومَ تَجِدُونَ أَعمالَكُم بَينَ أَيدِيكُم، وَيَومَ تَرَونَ ثَوابَ صِيامِكُم مُهَيَّأً لَكُم، أَحوَجَ ما تَكُونُونَ إِلَيهِ.
أَبشِرُوا بِفَضلِ اللهِ، وَكَرَمِهِ، وَجُودِهِ، وَأَبشِرُوا بِهٰذَا العَطاءِ الجَزِيلِ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وَاشكُرُوا اللهَ عَلَى مَزِيدِ فَضلِهِ وَإِنعامِهِ.
الحَدِيثُ القُدُسِيُّ فِي فَضلِ الصِّيَامِ
فَقَد وَرَدَ الحَدِيثُ القُدُسِيُّ الَّذِي أَخرَجَهُ البُخارِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ، قالَ اللهُ تَعالَى: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضاعَفُ، الحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثالِها إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ، إِلَّا الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنا أَجزِي بِهِ، يَدَعُ طَعامَهُ وَشَهوَتَهُ مِن أَجلِي، لِلصّائِمِ فَرحَتانِ: فَرحَةٌ عِندَ فِطرِهِ، وَفَرحَةٌ عِندَ لِقاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ، وَالصَّومُ جُنَّةٌ».
الفَرحَةُ الأُولَى فِي الدُّنيا
أَمّا الفَرحَةُ الأُولَى فَهِيَ فَرحَةُ الصّائِمِ عِندَ فِطرِهِ فِي الدُّنيا، حِينَ يَستَكمِلُ صِيامَ يَومِهِ، وَتَعُودُ قُوَّتُهُ إِلَيهِ، فَيَفرَحُ بِنِعمَتَينِ عَظِيمَتَينِ: نِعمَةِ التَّوفِيقِ، وَنِعمَةِ الإِباحَةِ.
فَالأُولَى: نِعمَةُ تَوفِيقِ اللهِ لَهُ لِلصِّيَامِ؛ إِذ وَفَّقَهُ اللهُ تَعالَى أَن يُمسِكَ هٰذا اليَومَ طاعَةً لَهُ وَامتِثالًا لِأَمرِهِ.
وَالثّانِيَةُ: نِعمَةُ الإِباحَةِ؛ حَيثُ أَذِنَ اللهُ لَهُ بَعدَ الغُرُوبِ أَن يَتَناوَلَ الطَّيِّباتِ مِنَ الأَكلِ وَالشُّربِ وَغَيرِ ذلِكَ مِمّا أَباحَهُ لِعِبادِهِ، بَعدَ أَن كانَ مُمسِكًا عَنهُ مُحتَسِبًا.
وَيَزِيدُ فَرَحُهُ – مَعَ ذلِكَ – بِأَنَّهُ أَتَمَّ نُسُكَهُ، وَصَدَقَ فِي عُبُودِيَّتِهِ، فَيَفطُرُ وَقَلبُهُ يَشهَدُ فَضلَ اللهِ عَلَيهِ، وَيَحمَدُهُ عَلَى ما أَعانَهُ عَلَيهِ.
الفَرحَةُ الثّانِيَةُ عِندَ لِقاءِ اللهِ
وَأَمّا الفَرحَةُ الثّانِيَةُ فَهِيَ أَعظَمُ وَأَجَلُّ، وَهِيَ فَرحَةُ الصّائِمِ عِندَ لِقاءِ رَبِّهِ يَومَ القِيامَةِ، عِندَ الحِسابِ، حِينَ يَرَى ثَوابَ صِيامِهِ مُدَّخَرًا لَهُ، وَيَرَى أَثَرَ صَبرِهِ وَإِخلاصِهِ مَوزُونًا فِي مِيزانِهِ.
وَلا يُشتَرَطُ لِهٰذِهِ الفَرحَةِ أَن يَكُونَ الصّائِمُ أَكمَلَ النّاسِ تَقوًى، وَلٰكِنِ الشَّأنُ أَن يَكُونَ صَومُهُ صَحِيحًا، سالِمًا مِنَ المُبطِلاتِ، مُجتَنِبًا لِمَا يُذهِبُ ثَوابَهُ، مُحافِظًا عَلَى حُرمَةِ عِبادَتِهِ، فَيَفرَحُ بِما يَجِدُهُ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فِي دارِ السَّلامِ.
بابُ الرَّيّانِ وَنِداءُ الصّائِمِينَ
وَمِن تَمامِ هٰذِهِ الفَرحَةِ أَنَّ الصّائِمِينَ يُدعَونَ يَومَ القِيامَةِ مِن بابٍ خَاصٍّ فِي الجَنَّةِ يُقالُ لَهُ: الرَّيّانُ.
فَفِي «صَحِيحِ البُخارِيِّ» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بابًا يُقالُ لَهُ الرَّيّانُ، يَدخُلُ مِنهُ الصّائِمُونَ، لا يَدخُلُهُ غَيرُهُم، فَإِذا دَخَلُوا أُغلِقَ، فَلَم يَدخُل مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم».
فَتَأَمَّل كَرامَةَ اللهِ لِأَهلِ الصِّيَامِ: نِداءٌ خَاصٌّ، وَبابٌ خَاصٌّ، وَخِتامٌ خَاصٌّ، لِيَبقَى شِعارُهُم مَعرُوفًا، وَفَضلُهُم مَشهُودًا.
الفَوزُ الأَعظَمُ وَالوَعدُ الأَكمَلُ
وَهُناكَ الفَرحَةُ الكُبرى، وَالفَوزُ الأَعظَمُ، حِينَ يُقالُ لَهُم: ﴿كُلُوا وَاشرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسلَفتُم فِي الأَيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقَّةِ: ٢٤].
وَيَومَ يَجِدُ الإِنسانُ ما عَمِلَ مِن خَيرٍ حاضِرًا بَينَ يَدَيهِ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت مِن خَيرٍ مُحضَرًا﴾ [آلِ عِمرانَ: ٣٠].
عِظَمُ الفَرحَةِ يَومَ القِيامَةِ
وَهاتانِ الفَرحَتانِ ثَمَرَةُ الصَّبرِ وَالِاحتِسابِ، وَحَبسِ النَّفسِ عَنِ الشَّهَواتِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
وَتَأَمَّل قَولَ النَّبِيِّ ﷺ: «فَرحَةٌ عِندَ لِقاءِ رَبِّهِ»، فَجاءَت نَكِرَةً فِي لِسانِ العَرَبِ، دالَّةً عَلَى عِظَمِها، وَكِبَرِ شَأنِها، وَبُلُوغِها غايَةَ الفَرَحِ وَنِهايَتَهُ.
وَما حَمَلَ العَبدُ فِي الدُّنيا هَمًّا أَعظَمَ مِن هَمِّ الوُقُوفِ بَينَ يَدَيِ اللهِ، فَإِذا بِالصّائِمِ فِي ذلِكَ المَوقِفِ العَظِيمِ فِي فَرحَةٍ، حِينَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ.
وَقَد رَوى البُخارِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعالَى: ﴿يَومَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٦] «حَتّى يَغِيبَ أَحَدُهُم فِي رَشحِهِ إِلَى أَنصافِ أُذُنَيهِ».
الدُّعاءُ عِندَ الفِطرِ وَسَعَةُ الرَّحمَةِ
وَمِن هُنا يَستَبشِرُ الصّائِمُ عِندَ فِطرِهِ، فَتُذَكِّرُهُ فَرحَتُهُ العاجِلَةُ بِالفَرحَةِ العُظمَى عِندَ لِقاءِ اللهِ، فَيَنطَلِقُ لِسانُهُ بِالدُّعاءِ، وَيَنكَسِرُ قَلبُهُ بَينَ يَدَي رَبِّهِ، يَرجُو النَّجاةَ فِي آخِرَتِهِ، وَيَسأَلُ اللهَ إِتمامَ تِلكَ الفَرحَةِ يَومَ الوُقُوفِ.
فَإِنَّ دَعوَةَ الصّائِمِ عِندَ فِطرِهِ لا تُرَدُّ، وَهِيَ ساعَةُ رَحمَةٍ وَإِجابَةٍ، فَطُوبى لِمَن أَخلَصَ فِيها، وَصَدَقَ فِي رَجائِهِ، وَأَحسَنَ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ.
خاتِمَةٌ وَدُعاءٌ
نَسأَلُ اللهَ تَعالَى بِعِزَّتِهِ وَجَلالِهِ أَن يَجعَلَ لَنا وَلَكُم أَوفَرَ الحَظِّ وَالنَّصِيبِ مِن هٰذِهِ الفَرحَتَينِ، وَأَن يُحسِنَ إِلَينا يَومَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنّا دَعَوناكَ فَاستَجِب لَنا دُعاءَنا، فَاغفِرِ اللَّهُمَّ لَنا ذُنُوبَنا، وَإِسرافَنا فِي أَمرِنا، وَاغفِرِ اللَّهُمَّ لِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِناتِ، الأَحياءَ مِنهُم وَالأَمواتَ، اللَّهُمَّ استُر عَوراتِنا، وَآمِن رَوعاتِنا، وَاكفِنا ما أَهَمَّنا.