مقدِّمَةٌ
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي رَحِمَ عِبادَهُ فَشَرَعَ لَهُمُ العِباداتِ، وَجَعَلَها أَسبابًا لِتَزكِيَةِ القُلُوبِ، وَتَهذِيبِ النُّفُوسِ، وَرَفعِ الدَّرَجاتِ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
إِنَّ مِن أَعظَمِ دَلائِلِ رَحمَةِ اللهِ بِعِبادِهِ أَن فَرَضَ عَلَيهِم صِيامَ شَهرِ رَمَضَانَ، فَجَعَلَهُ رُكنًا مِن أَركانِ الإِسلامِ، وَمَدرَسَةً إِيمَانِيَّةً يَتَرَبَّى فِيهَا المُؤمِنُ عَلَى الصَّبرِ، وَالتَّقوَى، وَمُراقَبَةِ اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ.
شُكرُ نِعمَةِ بُلُوغِ شَهرِ رَمَضَانَ
اِحمَدُوا اللهَ تَعالَى عَلَى أَن بَلَّغَكُم هذَا الشَّهرَ العَظِيمَ، وَأَكثِرُوا فِيهِ مِن فِعلِ الطَّاعاتِ، وَاكتِسابِ الحَسَناتِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَجَلِّ العِباداتِ الَّتِي شَرَعَها اللهُ فِي هذَا الشَّهرِ، بَعدَ الصَّلَواتِ المَفرُوضاتِ، عِبادَةَ الصِّيامِ.
وَقَد جَعَلَ اللهُ تَعالَى صِيامَ رَمَضَانَ مِن أَعظَمِ شَعائِرِ الدِّينِ، وَدَلِيلًا عَلَى صِدقِ الإِيمَانِ، فَقالَ فِي كِتابِهِ الكَرِيمِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
مَن يَجِبُ عَلَيهِ الصِّيامُ
يَجِبُ الصِّيامُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ بالِغٍ، عاقِلٍ، مُقِيمٍ، صَحِيحِ البَدَنِ.
أَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي لَم يَبلُغ، فَلا يَجِبُ عَلَيهِ وُجُوبَ فَرضٍ، غَيرَ أَنَّهُ يُرَغَّبُ فِيهِ، وَيُحَثُّ عَلَيهِ، وَيُؤمَرُ بِهِ بَعدَ سَبعِ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ إِن أَطاقَهُ جَسَدُهُ، لِيَعتادَهُ، وَيَتَرَبَّى عَلَيهِ، وَيَنشَأَ مُحِبًّا لِلصِّيامِ، عارِفًا بِحِكمَتِهِ وَمَقصِدِهِ.
وَقَد كانَ أَصحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُصَوِّمُونَ صِبيانَهُم تَعوِيدًا لَهُم عَلَى هذِهِ العِبادَةِ الجَلِيلَةِ.
أَمَّا فاقِدُ العَقلِ فَلا يُخاطَبُ بِالصِّيامِ؛ لِأَنَّ القَلَمَ قَد رُفِعَ عَنهُ، كَما رُفِعَ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَستَيقِظَ.
رَحمَةُ التَّشرِيعِ فِي أَعذارِ الفِطرِ
وَلا يَجِبُ الصِّيامُ عَلَى مَن لا يُطِيقُهُ حِسًّا لِكِبَرِ سِنِّهِ، كالعَجُوزِ الفَانِي الَّذِي يَخشَى عَلَى نَفسِهِ الهَلاكَ، وَلا عَلَى مَن أُصِيبَ بِمَرَضٍ مُزمِنٍ لا يُرجَى شِفاؤُهُ، وَهذَا كُلُّهُ مِن سَعَةِ رَحمَةِ اللهِ وَتَيسِيرِهِ عَلَى عِبادِهِ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وَكَذَلِكَ لا يَجِبُ الصِّيامُ عَلَى الحائِضِ وَالنُّفَساءِ وُجُوبَ أَداءٍ ما دامَ الدَّمُ نازِلًا، بَل يَجِبُ عَلَيهِما القَضاءُ بَعدَ الطُّهرِ.
وَإِذا طَرَأَ الحَيضُ عَلَى المَرأَةِ وَلَو قَبلَ الغُرُوبِ بِوَقتٍ يَسِيرٍ فَسَدَ صَومُها، وَوَجَبَ عَلَيها قَضاءُ ذلِكَ اليَومِ.
حُكمُ الحامِلِ وَالمُرضِعِ
إِذا خافَتِ الحامِلُ أَوِ المُرضِعُ عَلَى نَفسِها، أَو عَلَى وَلَدِها، وَكانَ الصِّيامُ سَبَبًا لِضَعفِ الحَملِ أَو قِلَّةِ اللَّبَنِ، جازَ لَها الفِطرُ.
فَإِن كانَ إِفطارُها خَوفًا عَلَى نَفسِها فَقَط، وَجَبَ عَلَيها القَضاءُ دُونَ فِديَةٍ.
وَأَمَّا إِذا كانَ خَوفُها عَلَى الوَلَدِ، فَيَجِبُ عَلَيها القَضاءُ مَعَ الفِديَةِ، وَهِيَ إِطعامُ مِسكِينٍ عَن كُلِّ يَومٍ مُدًّا مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ.
صِيامُ المُسافِرِ وَالمَرِيضِ
أَمَّا المُسافِرُ سَفَرَ قَصرٍ، سَواءٌ كانَ سَفَرُهُ بِالطَّائِرَةِ أَوِ السَّيَّارَةِ أَو غَيرِهِما، وَلَو كانَ سَفَرًا مُرِيحًا، فَيَجُوزُ لَهُ الفِطرُ، وَلَو لَم يَجِد مَشَقَّةً فِي الصِّيامِ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿فَمَن كانَ مِنكُم مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
وَقَد أَجمَعَ المُسلِمُونَ عَلَى جَوازِ فِطرِ المُسافِرِ، غَيرَ أَنَّهُ إِن لَم يَشُقَّ عَلَيهِ الصِّيامُ فَالمُداوَمَةُ عَلَيهِ أَفضَلُ وَأَعظَمُ أَجرًا.
وَكَذَلِكَ يُرَخَّصُ لِلمَرِيضِ الفِطرُ إِذا كانَ الصِّيامُ يَشُقُّ عَلَيهِ.
أَمَّا الأَمراضُ اليَسِيرَةُ الَّتِي لا تُؤَثِّرُ فِي الصِّيامِ، كالصُّداعِ الخَفِيفِ أَو وَجَعِ الضِّرسِ، فَلا تُبِيحُ الفِطرَ.
القَضاءُ وَالفِديَةُ
يَجِبُ القَضاءُ عَلَى الحائِضِ وَالنُّفَساءِ، وَعَلَى كُلِّ مَن أَفطَرَ لِعُذرٍ أَو بِغَيرِ عُذرٍ.
أَمَّا مَن أَفطَرَ لِكِبَرٍ أَو لِمَرَضٍ لا يُرجَى بُرؤُهُ فَلا قَضاءَ عَلَيهِ، وَإِنَّما عَلَيهِ الفِديَةُ، وَهِيَ إِطعامُ مِسكِينٍ عَن كُلِّ يَومٍ.
خاتِمَةٌ
فَيا مَن بَلَّغَهُ اللهُ صِيامَ هذَا الشَّهرِ العَظِيمِ، اشكُرُوا اللهَ عَلَى نِعمَتِهِ، وَاسأَلُوهُ التَّوفِيقَ لِما يُحِبُّهُ وَيَرضاهُ، وَاغتَنِمُوا رَمَضَانَ بِالإِكثارِ مِنَ الطَّاعاتِ، وَالأَعمالِ الصَّالِحاتِ، وَالدَّعَواتِ الخالِصاتِ.
وَاعلَمُوا أَنَّ لِلصَّائِمِ عِندَ فِطرِهِ دَعوَةً لا تُرَدُّ، فَأَخلِصُوا للهِ تَعالَى الدُّعاءَ، وَسَلُوهُ القَبُولَ وَالثَّباتَ.
وَآخِرُ دَعوانا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.