مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي جَعَلَ لِلطَّاعَاتِ مَوَاسِمَ تَتَضَاعَفُ فِيهَا الأُجُورُ، وَتَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ، وَيُفتَحُ فِيهَا لِلعِبَادِ بَابُ التَّوفِيقِ لِمَن أَرَادَ الخَيرَ وَصَدَقَ فِي طَلَبِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي كَانَ أَحسَنَ النَّاسِ عِبَادَةً، وَأَكمَلَهُم اجتِهَادًا، وَأَبلَغَهُم تَعظِيمًا لِمَوَاسِمِ الفَضلِ، خَاصَّةً فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يُذَكِّرُ العَبدَ بِقِيمَةِ الزَّمَنِ أَنَّهُ مَاضٍ لَا يَرجِعُ، وَأَنَّ الأَعمَالَ لَا تُوزَنُ بِبِدَايَاتِهَا فَقَط، بَل بِخَوَاتِيمِهَا، فَمَن أَحسَنَ الِاختِتَامَ سَعِدَ، وَمَن أَسَاءَ فِي آخِرِ الطَّرِيقِ خَسِرَ مَا بَنَى.
وَلِهَذَا كَانَ مِن أَحكَمِ المَوَاعِظِ أَن يُقَالَ: لِيُعلَم أَنَّ الأَعمَالَ بِالخَوَاتِيمِ، فَأَحسِنُوا الخِتَامَ، فَقَد مَضَى مِن هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ مَا مَضَى، وَبَقِيَ مِنهُ مَا بَقِي، وَفِي البَاقِي العَشرُ الحِسَانُ، فَهِيَ زُبدَةُ رَمَضَانَ، وَمَوسِمُ الرّبحِ الأَكبَرِ، وَفُرصَةُ مَن أَرَادَ أَن يَخرُجَ مِن شَهرِهِ مَغفُورًا لَهُ مَقبُولًا عِندَ رَبِّهِ.
أَوَّلًا: العَشرُ الأَوَاخِرُ مِفتَاحُ حُسنِ الخَاتِمَةِ
إِنَّ العَشرَ الحِسَانَ تُنَادِي أَهلَ الإِيمَانِ أَن يَغتَنِمُوهَا بِالعَزَائِمِ الصَّادِقَةِ، وَبِبَذلِ المَعرُوفِ وَالإِحسَانِ، وَأَن يَقُومُوا فِي دِيَاجِيهَا لِرَبِّهِم خَاضِعِينَ، وَلِبِرِّهِ وَخَيرَاتِهِ رَاجِينَ وَمُؤَمِّلِينَ، وَمِن عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ مُستَجِيرِينَ مُستَعِيذِينَ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَكرَمُ الأَكرَمِينَ، وَأَرحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وَإِنَّ مَن فَقِهَ حَقِيقَةَ هَذِهِ الأَيَّامِ عَلِمَ أَنَّهَا خُلاصَةُ المَوسِمِ، وَأَنَّ المُوَفَّقَ هُوَ الَّذِي يَجمَعُ فِيهَا بَينَ صِدقِ النِّيَّةِ وَقُوَّةِ العَمَلِ، وَبَينَ حُسنِ الرَّجَاءِ وَصِدقِ الخَوفِ، وَيَستَخرِجُ مِن كُلِّ لَيلَةٍ قَدرَ طَاقَتِهِ قُربَةً تُقَرِّبُهُ مِن رِضوَانِ اللهِ.
ثَانِيًا: هَديُ النَّبِيِّ ﷺ فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ
فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ العَشرُ أَحيَا اللَّيلَ، وَأَيقَظَ أَهلَهُ، وَشَدَّ مِئزَرَهُ» رواهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، وَزَادَ مُسلِمٌ: «وَجَدَّ وَشَدَّ مِئزَرَهُ».
وَقَولُهَا: «وَشَدَّ مِئزَرَهُ» كِنَايَةٌ عَنِ الِاستِعدَادِ لِلعِبَادَةِ، وَالِاجتِهَادِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى المُعتَادِ، وَمَعنَاهُ التَّشمِيرُ فِي الطَّاعَاتِ، وَالانقِطَاعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِقَلبٍ مُقبِلٍ وَهَمٍّ مُجتَمِعٍ.
وَقَولُهَا: «أَحيَا اللَّيلَ» أَي: استَغرَقَهُ بِالسَّهَرِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيرِهَا مِنَ الطَّاعَاتِ، فَلَا يَجعَلُ لِلغَفلَةِ حَظًّا يُضَيِّعُ بَرَكَةَ اللَّيَالِي، وَلَا يَستَسلِمُ لِرَاحَةٍ تَقطَعُ عَلَيهِ سَبِيلَ المُنَاجَاةِ.
ثَالِثًا: جَمعُ النُّصُوصِ فِي مَعنَى «إِحيَاءِ اللَّيلِ»
وَقَد جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: «لَا أَعلَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ القُرآنَ كُلَّهُ فِي لَيلَةٍ، وَلَا قَامَ لَيلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَا صَامَ شَهرًا كَامِلًا قَطُّ غَيرَ رَمَضَانَ» رواهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ.
فَيُحمَلُ قَولُهَا: «أَحيَا اللَّيلَ» عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُومُ أَغلَبَ اللَّيلِ، وَيُحيِي مُعظَمَهُ، فَيَجمَعُ بَينَ كَمَالِ العِبَادَةِ وَحِكمَةِ التَّدبِيرِ، وَيَسلُكُ سَبِيلَ الدَّوَامِ فِي الطَّاعَةِ مَعَ إِعطَاءِ الجَسَدِ حَقَّهُ مِمَّا يُقِيمُهُ عَلَى الِاستِمرَارِ.
رَابِعًا: «وَأَيقَظَ أَهلَهُ» تَربِيَةٌ وَمَسؤُولِيَّةٌ
وَقَولُهَا: «وَأَيقَظَ أَهلَهُ» أَي: أَيقَظَ أَزوَاجَهُ لِلقِيَامِ، وَمِنَ المَعلُومِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُوقِظُ أَهلَهُ فِي سَائِرِ السَّنَةِ، وَلَكِنَّهُ فِي العَشرِ يَزِيدُ اجتِهَادًا، وَيَحمِلُ أَهلَ بَيتِهِ عَلَى مَا يَنفَعُهُم، لِئَلَّا تَمُرَّ عَلَيهِمُ اللَّيَالِي الفَاضِلَةُ وَهُم فِي غَفلَةٍ أَو فُتُورٍ.
وَفِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ استَيقَظَ لَيلَةً فَقَالَ: «سُبحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنزِلَ اللَّيلَةَ مِنَ الفِتَنِ! وَمَاذَا أُنزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ مَن يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ»، وَقَد رُوِيَ أَيضًا عَن مَالِكٍ فِي «المُوَطَّإِ».
وَمَعنَى هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّبَ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيهِ أَو مِمَّا أُظهِرَ لَهُ مِن أَمرِ الفِتَنِ وَفَتحِ خَزَائِنِ رَحمَةِ اللهِ، ثُمَّ دَعَا إِلَى إِيقَاظِ «صَوَاحِبِ الحُجُرَاتِ» وَهُنَّ أَزوَاجُهُ، لِيَقُومنَ فِي الطَّاعَةِ، وَلِكَي لَا يَتَّكِلنَ عَلَى شَرَفِ القُربِ وَيَغفُلنَ عَنِ العَمَلِ، فَالشَّرَفُ يَزِيدُ حُجَّةً وَتَكلِيفًا، وَلَا يَكُونُ عُذرًا لِلتَّقصِيرِ.
وَقَولُهُ ﷺ: «يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ» فِيهِ تَخوِيفٌ وَتَنبِيهٌ، أَي: كَم مِنِ امرَأَةٍ لَهَا فِي الدُّنيَا زِينَةٌ وَنَعِيمٌ وَسَترٌ، ثُمَّ تَأتِي يَومَ القِيَامَةِ مَحرُومَةً مِن سِترِ الكَرَامَةِ وَزِينَةِ الرِّضَا، فَيَكُونُ مَا كَانَ فِي الدُّنيَا مُنقَطِعًا، وَيَبقَى مَا لِلآخِرَةِ مِن حَقَائِقِ الجَزَاءِ.
خَامِسًا: لِمَاذَا نُحسِنُ الخِتَامَ وَنَغتَنِمُ اللَّيَالِي؟
يَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يَقتَدِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّهُ الأُسوَةُ وَالقُدوَةُ فِي الجِدِّ وَالِاجتِهَادِ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَأَن لَا يُضَيِّعَ سَاعَاتِ هَذِهِ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، فَإِنَّ المَرءَ لَا يَدرِي لَعَلَّهُ لَا يُدرِكُهَا مَرَّةً أُخرَى، لِأَنَّ «هَادِمَ اللَّذَّاتِ وَمُفَرِّقَ الجَمَاعَاتِ» المَوتَ نَازِلٌ بِكُلِّ امرِئٍ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُ وَانتَهَى عُمُرُهُ، وَحِينَئِذٍ يَندَمُ حَيثُ لَا يَنفَعُ النَّدَمُ.
فَإِذَا كَانَتِ اللَّيَالِي مَعدُودَاتٍ، وَالأَنفَاسُ مَحسُوبَاتٍ، وَالأَعمَارُ مُتَسَارِعَاتٍ إِلَى نِهَايَاتِهَا، فَإِنَّ الحِكمَةَ أَن نُحسِنَ الِاختِتَامَ، وَأَن نَستَفِيدَ مِن كُلِّ لَيلَةٍ لِنَبنِيَ لِنُفُوسِنَا زَادًا يَومَ نَلقَى اللهَ، فَذَلِكَ هُوَ الرِّبحُ الَّذِي لَا خَسَارَةَ بَعدَهُ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
العَشرُ الحِسَانُ لَيسَت أَيَّامًا عَابِرَةً، بَل هِيَ مَوسِمُ الخَوَاتِيمِ وَمِفتَاحُ الإِحسَانِ، فَمَن دَخَلَهَا بِصِدقٍ وَجِدٍّ وَمُجَاهَدَةٍ فَقَد فَتَحَ لِنَفسِهِ بَابًا مِن أَبوَابِ القُربِ، وَمَن أَضَاعَهَا فَقَد فَاتَهُ خَيرٌ كَثِيرٌ، وَمَا أَحوَجَنَا إِلَى دُعَاءٍ صَادِقٍ يَحمِلُنَا عَلَى العَزمِ وَيَسأَلُ لَنَا القَبُولَ وَالعَفوَ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنَّا.
اللَّهُمَّ أَعِد عَلَينَا هَذَا الشَّهرَ الكَرِيمَ، وَنَحنُ لَكَ مُطِيعُونَ، وَعَلَى أَوقَاتِنَا مُحَافِظُونَ، وَلِلشَّيطَانِ مُخَالِفُونَ.