مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي شَرَّفَ بَعضَ اللَّيَالِي عَلَى بَعضٍ، وَجَعَلَ فِيهَا مَوَاسِمَ لِلمَغفِرَةِ وَالرَّحمَةِ، وَفَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبوَابَ العَفوِ وَالإِحسَانِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَدَلَّ الأُمَّةَ عَلَى أَعظَمِ مَوَاطِنِ الفَضلِ، وَرَغَّبَهُم فِي اغتِنَامِهَا قَبلَ فَوَاتِهَا.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ هِيَ دُرَّةُ لَيَالِي رَمَضَانَ، وَقِمَّةُ مَوَاسِمِ العَطَاءِ الرَّبَّانِيِّ، فِيهَا تُقَدَّرُ الأَقدَارُ، وَتَتَنَزَّلُ الأَسرَارُ، وَتُفتَحُ أَبوَابُ الرَّحمَةِ لِمَن أَقبَلَ عَلَى رَبِّهِ بِقَلبٍ مُخبِتٍ وَنَفسٍ صَادِقَةٍ.
أَوَّلًا: فَضلُ لَيلَةِ القَدرِ وَحَقِيقَةُ المَغفِرَةِ فِيهَا
إِنَّ لَيلَةَ القَدرِ هِيَ اللَّيلَةُ الَّتِي ﴿يُفرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: 4]، وَتَتَنَزَّلُ فِيهَا المَلَائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَكثُرُ فِيهَا الخَيرَاتُ وَالمَصَالِحُ وَالنِّعَمُ، فَمَن قَامَهَا إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَمَن فَرَّطَ فِيهَا وَحُرِمَ خَيرَهَا فَهُوَ المَلُومُ المَحرُومُ.
فَهِيَ لَيلَةُ المَغفِرَةِ بِحَقٍّ، لَيسَت مَغفِرَةً مُجَرَّدَةً، بَل مَغفِرَةً مَبنِيَّةً عَلَى الإِيمَانِ وَالاحتِسَابِ، وَعَلَى صِدقِ القَصدِ وَإِخلَاصِ العَمَلِ.
ثَانِيًا: سِرُّ إِخفَاءِ لَيلَةِ القَدرِ
أَخفَى اللهُ تَعَالَى عَينَ هَذِهِ اللَّيلَةِ، فَلَم يُبَيِّنهَا تَعيِينًا، لِيَتَزَوَّدَ النَّاسُ فِي جَمِيعِ اللَّيَالِي مِنَ التَّهَجُّدِ وَالتِّلَاوَةِ وَالإِحسَانِ، وَلِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ النَّشِيطُ فِي طَلَبِ الخَيرَاتِ مِنَ الكَسلَانِ.
وَلَو عَلِمَ النَّاسُ عَينَهَا لَاقتَصَرَ كَثِيرٌ مِنهُم عَلَى قِيَامِهَا دُونَ غَيرِهَا، وَلَمَا حَصَلَ كَمَالُ الامتِحَانِ فِي عُلُوِّ الهِمَمِ وَتَفَاضُلِهَا، فَكَانَ إِخفَاؤُهَا حِكمَةً بَالِغَةً، وَرَحمَةً شَامِلَةً، وَفُرصَةً لِمَن أَرَادَ الِارتِقَاءَ فِي مَرَاتِبِ العُبُودِيَّةِ.
فَاطلُبُوهَا رَحِمَكُمُ اللهُ بِجِدٍّ وَإِخلَاصٍ، وَاسأَلُوا اللهَ فِيهَا الغَنِيمَةَ مِنَ البِرِّ وَالخَيرَاتِ، وَالسَّلَامَةَ مِنَ الإِفلَاسِ، فَإِذَا مَرَرتُم بِآيَةِ رَحمَةٍ فَاسأَلُوا اللهَ مِن فَضلِهِ، وَإِذَا مَرَرتُم بِآيَةِ وَعِيدٍ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِن عَذَابِهِ.
ثَالِثًا: لِمَاذَا سُمِّيَت لَيلَةَ القَدرِ؟
سَمَّاهَا اللهُ تَعَالَى لَيلَةَ القَدرِ لِعِظَمِ قَدرِهَا، وَجَلَالَةِ مَكَانَتِهَا عِندَ اللهِ، وَلِكَثرَةِ مَغفِرَةِ الذُّنُوبِ وَسَترِ العُيُوبِ فِيهَا، فَهِيَ لَيلَةُ المَغفِرَةِ وَالعَفوِ وَالرَّحمَةِ.
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ». فَقَولُهُ ﷺ: «إِيمَانًا وَاحتِسَابًا» أَي: تَصدِيقًا بِوَعدِ اللهِ بِالثَّوَابِ، وَطَلَبًا لِلأَجرِ، لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن رِيَاءٍ أَو سُمعَةٍ، كَمَا بَيَّنَهُ أَهلُ العِلمِ.
رَابِعًا: خَصَائِصُ لَيلَةِ القَدرِ العُظمَى
خَصَّ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيلَةَ بِخَصَائِصَ جَلِيلَةٍ، مِنهَا أَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا القُرآنُ، فَقَد قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَغَيرُهُ: أَنزَلَ اللهُ القُرآنَ جُملَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوحِ المَحفُوظِ إِلَى بَيتِ العِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَصَّلًا بِحَسَبِ الوَقَائِعِ فِي ثَلَاثٍ وَعِشرِينَ سَنَةً عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَوَصَفَهَا اللهُ بِأَنَّهَا لَيلَةٌ مُبَارَكَةٌ فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [سورة الدخان: 3]، فَبَرَكَتُهَا فِي زَمَانِهَا، وَفِي مَا يَتَنَزَّلُ فِيهَا مِنَ الرَّحمَاتِ، وَفِي مَا يُنَالُ فِيهَا مِنَ المَغفِرَاتِ.
وَتَنزِلُ فِيهَا المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ، أَي: يَكثُرُ تَنَزُّلُهُم لِكَثرَةِ بَرَكَتِهَا، وَهُم يَتَنَزَّلُونَ مَعَ تَنَزُّلِ الرَّحمَةِ، كَمَا يَتَنَزَّلُونَ عِندَ تِلَاوَةِ القُرآنِ، وَيُحِيطُونَ بِحِلَقِ الذِّكرِ، وَيَضَعُونَ أَجنِحَتَهُم لِطَالِبِ العِلمِ تَعظِيمًا وَإِكرَامًا.
وَوَصَفَهَا بِالسَّلَامِ، أَي: سَالِمَةٌ مِنَ الشَّرِّ، لَا يَقدِرُ الشَّيطَانُ فِيهَا عَلَى إِحدَاثِ سُوءٍ أَو أَذًى، وَتَكثُرُ فِيهَا السَّلَامَةُ مِنَ العَذَابِ بِمَا يَقُومُ بِهِ العَبدُ مِن طَاعَةٍ وَإِخبَاتٍ.
وَهِيَ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ﴾ [سورة القدر: 3]، أَي: إِحيَاؤُهَا بِالعِبَادَةِ خَيرٌ مِن عِبَادَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَهُوَ فَضلٌ عَظِيمٌ لَا يَعرِفُ قَدرَهُ إِلَّا رَبُّ العَالَمِينَ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
فَلَيلَةُ القَدرِ لَيسَت مُجَرَّدَ لَيلَةٍ تَمُرُّ، بَل هِيَ مَوعِدُ مَغفِرَةٍ، وَمِفتَاحُ عَفوٍ، وَفُرصَةُ عُمرٍ لِمَن عَرَفَ قَدرَهَا، فَسَابَقَ إِلَى الخَيرِ، وَاقتَدَى بِالنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي كَانَ يَلتَمِسُهَا وَيَتَحَرَّاهَا، وَهُوَ قُدوَةُ الأُمَّةِ فِي العَمَلِ وَالاجتِهَادِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَن يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ، وَأَعِنَّا عَلَى القِيَامِ وَالصِّيَامِ، وَاجعَلنَا مِن أَهلِ العَفوِ وَالمَغفِرَةِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.