مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي جَعَلَ التَّقوَى سَبَبَ الكَرَامَةِ وَمِيزَانَ الفَضلِ، وَجَعَلَ مَحَبَّةَ المُتَّقِينَ مَحَبَّةً بَاقِيَةً لَا تَزُولُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي دَلَّ الأُمَّةَ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَحَذَّرَهَا مِن صُحبَةٍ تُورِثُ العَدَاوَةَ يَومَ اللِّقَاءِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ فِي الدُّنيَا يَتَخَاذَلُونَ وَيَتَوَادُّونَ وَيَتَخَالُّونَ، وَتَقوَى الرِّوَابِطُ بَينَهُم عَلَى أَسبَابٍ شَتَّى، وَلَكِنَّ العِبرَةَ الكُبرَى لَيسَت فِي قُوَّةِ الصَّدَاقَةِ فِي الدُّنيَا، بَل فِي مَا تَستَقِرُّ عَلَيهِ فِي الآخِرَةِ: هَل تَبقَى مَوَدَّةً وَأُنسًا، أَم تَنقَلِبُ عَدَاوَةً وَحَسرَةً؟ وَهُنَا يَأتِي الفَصلُ القَاطِعُ الَّذِي أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ.
أَوَّلًا: الأَخِلَّاءُ يَومَ القِيَامَةِ بَينَ العَدَاوَةِ وَالبَقَاءِ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَومَئِذٍ بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إِلَّا المُتَّقِينَ﴾ [سورة الزخرف: 67]، وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُخبِرُنَا اللهُ تَعَالَى أَنَّ كَثِيرًا مِمَّن كَانُوا فِي الدُّنيَا أَخِلَّاءَ وَأَصفِيَاءَ يَنقَلِبُونَ فِي الآخِرَةِ أَعدَاءً، يَلُومُ بَعضُهُم بَعضًا، وَيَتَبَرَّأُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ، وَيَتَكَاشَفُونَ عَلَى حَقَائِقَ لَم يَكُونُوا يَتَفَطَّنُونَ لَهَا أَو كَانُوا يُعرِضُونَ عَنهَا.
وَأَمَّا المُتَّقُونَ فَإِنَّ مَحَبَّتَهُم تَبقَى، وَمَوَدَّتَهُم لَا تَنقَطِعُ، لِأَنَّهَا قَامَت عَلَى أَسَاسٍ يَرضَاهُ اللهُ تَعَالَى، فَإِذَا ثَبَتَ الأَسَاسُ ثَبَتَ البُنيَانُ، وَإِذَا صَحَّتِ الرِّوَابِطُ فِي الدُّنيَا عَلَى التَّقوَى أَثمَرَت أَمنًا وَسَلَامًا فِي الآخِرَةِ.
ثَانِيًا: مَن هُمُ المُتَّقُونَ؟ وَمَا حَقِيقَةُ التَّقوَى؟
فَمَن هُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ استَثنَاهُمُ اللهُ تَعَالَى؟ هُمُ الَّذِينَ قَامُوا بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ العِبَادِ، أَدَّوا مَا افتَرَضَ اللهُ عَلَيهِم، وَاجتَنَبُوا مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِم، وَعَامَلُوا النَّاسَ مُعَامَلَةً صَحِيحَةً تُوَافِقُ شَرعَ اللهِ، فَلَم يَجمَعُوا بَينَ عِبَادَةٍ وَظُلمٍ، وَلَا بَينَ طَاعَةٍ وَتَعَدٍّ، وَلَا بَينَ تَدَيُّنٍ وَمُخَالَفَةٍ لِحُدُودِ اللهِ.
وَالتَّقوَى تَشمَلُ الوَاجِبَاتِ المُتَعَلِّقَةَ بِالعِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ كَالصَّلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيتِ لِمَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا، وَتَشمَلُ أَيضًا تَركَ المُحَرَّمَاتِ وَصَونَ النَّفسِ عَن مَا يَسخَطُ اللهَ تَعَالَى.
ثَالِثًا: وَصِيَّةُ اللهِ بِالتَّقوَى لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ
وَقَد أَوصَى اللهُ تَعَالَى الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ بِالتَّقوَى، فَقَالَ: ﴿وَلَقَد وَصَّينَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَإِيَّاكُم أَنِ اتَّقُوا﴾ [سورة النساء: 131]، فَالتَّقوَى وَصِيَّةٌ تَسرِي فِي الشرائع وَتَتَّحِدُ فِيهَا كَلِمَةُ الوحي، لِأَنَّهَا جَامِعَةُ الخَيرِ كُلِّهِ.
وَمِن أَجمَعِ مَا يُبَيِّنُ مَعنَاهَا أَنَّهَا: أَن يَعمَلَ العَبدُ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ يَرجُو ثَوَابَ اللهِ، وَأَن يَترُكَ مَعصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ يَخَافُ عِقَابَ اللهِ، فَلَا يَكُونُ تَقِيًّا مَن لَم يَلزَم حُدُودَ اللهِ فِي حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ العِبَادِ.
رَابِعًا: أَعظَمُ حُقُوقِ اللهِ: الإِيمَانُ الصَّحِيحُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ
وَأَعظَمُ حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى عَلَى العِبَادِ الإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ﷺ، فَهُوَ أَعظَمُ مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَى الخَلقِ، فَمَن عَرَفَ اللهَ تَعَالَى كَمَا يَلِيقُ بِهِ، فَاعتَقَدَ أَنَّهُ مَوجُودٌ مِن غَيرِ أَن يُشبِهَهُ شَيءٌ، وَأَيقَنَ أَنَّهُ لَا يَستَحِقُّ أَحَدٌ أَن يُعبَدَ غَيرُهُ، وَعَرَفَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَمَا يَلِيقُ بِهِ، فَأَيقَنَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِن عِندِ اللهِ صَادِقٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ، وَأَنَّ مَا حَسَّنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَا قَبَّحَهُ فَهُوَ قَبِيحٌ، لِأَنَّ اللهَ أَيَّدَهُ بِمُعجِزَاتٍ كَثِيرَةٍ شَاهِدَةٍ عَلَى صِدقِهِ، فَقَد أَدَّى أَعظَمَ حُقُوقِ اللهِ.
خَامِسًا: صُحبَةُ المَعصِيَةِ تَنقَلِبُ عَدَاوَةً وَصُحبَةُ الطَّاعَةِ تَبقَى مَوَدَّةً
يَومُ القِيَامَةِ يَومٌ عَظِيمٌ تَظهَرُ فِيهِ الحَقَائِقُ، وَيَتَبَيَّنُ فِيهِ مَن كَانَت صُحبَتُهُ لِلهِ، وَمَن كَانَت صُحبَتُهُ لِلهَوَى وَالمَعصِيَةِ، وَالنَّاسُ فِي الدُّنيَا يَتَوَادُّونَ وَيَتَعَاوَنُونَ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنهُم يَتَعَاوَنُونَ عَلَى المَعَاصِي، وَقَلِيلٌ مِن بَينِ المُسلِمِينَ مَن يَسلَمُ مِن هَذَا البَابِ، فَهَؤُلَاءِ القَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يُرجَى أَن يَكُونُوا مِن أَحِبَّاءِ اللهِ، لِأَنَّهُم حَرَسُوا مَحَبَّتَهُم بِسِيَاجِ التَّقوَى.
أَمَّا الَّذِينَ تَعَاوَنُوا فِي الدُّنيَا مَعَ أَهلِهِم أَو مَعَ غَيرِ أَهلِهِم عَلَى مَعصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّهُم يَتَحَوَّلُونَ يَومَ القِيَامَةِ إِلَى أَعدَاءٍ، لِأَنَّ العَدَاوَةَ يَومَئِذٍ لَيسَت بِدَعوًى وَلَا شِعَارٍ، بَل هِيَ ثَمَرَةُ طَرِيقٍ سَلَكُوهُ وَحِملٍ حَمَلُوهُ بِأَيدِيهِم.
سَادِسًا: يَومُ الفِرَارِ وَانكِشَافُ الحُقُوقِ وَالتِّبَاعَاتِ
وَمِن هَولِ ذَلِكَ اليَومِ أَنَّ الإِنسَانَ يَفِرُّ مِمَّن لَهُ عَلَيهِ تِبعَةٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [سورة عبس: 34–36]، فَإِن كَانَ لِأُمِّهِ عَلَيهِ تِبعَةٌ فَرَّ مِنهَا، وَإِن كَانَ لِأَبِيهِ عَلَيهِ تِبعَةٌ فَرَّ مِنهُ، وَإِن كَانَ هُوَ الَّذِي لَهُ عَلَيهِم تِبَاعَاتٌ فَهُم يَفِرُّونَ مِنهُ، وَإِنَّمَا هُوَ يَومٌ تُؤَدَّى فِيهِ الحُقُوقُ، وَتُقتَصُّ فِيهِ المَظَالِمُ.
أَمَّا مَن لَم يَظلِم وَلَم تَكُن عَلَيهِ تِبعَةٌ، فَلَا يَفِرُّ مِمَّن يُحِبُّهُم لِلَّهِ، بَل تَبقَى مَحَبَّتُهُم مَوصُولَةً، وَوُدُّهُم مَمدُودًا، لِأَنَّهُ وُدٌّ بُنِيَ عَلَى نَقَاءٍ وَعَدلٍ وَتَقوَى.
سَابِعًا: كَيفَ نَكُونُ مِن أَحِبَّاءِ اللهِ؟
مِنَ الآنَ فَليُفَكِّرِ الإِنسَانُ فِي أَمرِ الآخِرَةِ قَبلَ أَن يَندَمَ يَومَ القِيَامَةِ، فَلتُفَكِّرِ الأُمُّ، وَليُفَكِّرِ الأَبُ، وَليُفَكِّرِ الأَخُ، وَليَنظُر كُلُّ وَاحِدٍ: عَلَى أَيِّ شَيءٍ بُنِيَت مَحَبَّتُهُ لِمَن يُحِبُّ؟ أَعَلَى طَاعَةٍ تُقَرِّبُ إِلَى اللهِ؟ أَم عَلَى مَعصِيَةٍ تُبعِدُ عَنهُ؟ فَمَن كَانَت مَحَبَّتُهُم فِي الدُّنيَا عَلَى مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ فَأُولَئِكَ يَتَنَافَرُونَ يَومَ القِيَامَةِ، وَيَتَكَارَهُونَ؛ لِأَنَّ الحَقَائِقَ تَتَجَلَّى، وَالمَسَاتِرَ تَتَكَشَّفُ.
وَكَيفَ يُمَيَّزُ هَؤُلَاءِ مِن هَؤُلَاءِ إِلَّا بِمَعرِفَةِ عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَمَعرِفَةِ مَا كَانَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَعمَالِ الدِّينِ: كَيفَ كَانَ يُصَلِّي، وَكَيفَ كَانَ يَصُومُ، وَكَيفَ كَانَ يَذكُرُ، وَمَا الَّذِي ثَبَتَ عَنهُ فِي الطَّاعَاتِ وَالمُعَامَلَاتِ؟
وَإِنَّ العَمَلَ القَلِيلَ مِن أُمُورِ الدِّينِ إِذَا كَانَ عَلَى بَصِيرَةٍ وَعِلمٍ وَمُوَافَقَةٍ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيرٌ مِنَ العَمَلِ الكَثِيرِ المُخَالِفِ لِمَا كَانَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَالعِبرَةُ لَيسَت بِكَثرَةِ الحَرَكَةِ، بَل بِصِحَّةِ الوِجهَةِ وَصِدقِ المُوَافَقَةِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
فَطُوبَى لِمَن جَعَلَ مَحَبَّتَهُ لِإِخوَانِهِ وَأَصحَابِهِ فِي اللهِ وَبِاللهِ، وَزَنَهَا بِمِيزَانِ التَّقوَى، وَحَفِظَهَا بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ العِبَادِ، فَأُولَئِكَ هُم أَحِبَّاءُ اللهِ الَّذِينَ تَبقَى مَوَدَّتُهُم يَومَ تُقطَعُ المَوَدَّاتُ، وَيَثبُتُ وُدُّهُم يَومَ تَنقَلِبُ الصّدَاقَاتُ عَدَاوَاتٍ، وَيَأمَنُونَ حَيثُ يَفزَعُ الخَلقُ، بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارزُقنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارزُقنَا اجتِنَابَهُ.