مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي أَنزَلَ القُرآنَ هُدًى وَرَحمَةً وَفُرقَانًا، وَجَعَلَ لَهُ مَوسِمًا مُبَارَكًا يَتَجَدَّدُ فِيهِ النُّورُ فِي القُلُوبِ، وَتَتَنَزَّلُ فِيهِ الرَّحمَاتُ وَالبَرَكَاتُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي تَلَقَّى الوَحيَ بِأَمَانَةٍ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ بِكَمَالٍ، وَعَلَّمَ الأُمَّةَ سِرَّ اغتِنَامِ اللَّيَالِي الفَاضِلَاتِ وَالأَوقَاتِ الشَّرِيفَاتِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ آيَاتِ لَيلَةِ القَدرِ تَفتَحُ لِلمُؤمِنِ بَابًا مِنَ الفَهمِ العَظِيمِ: فَهَذِهِ اللَّيلَةُ لَيسَت مُجَرَّدَ لَيلَةٍ تَمُرُّ، بَل هِيَ لَيلَةُ بَرَكَةٍ وَقَدرٍ وَتَقدِيرٍ، فِيهَا نَزَلَ القُرآنُ، وَفِيهَا تُفرَقُ الأُمُورُ الحَكِيمَةُ، وَفِيهَا يَتَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ بِإِذنِ رَبِّهِم، فَتَكُونُ مِحوَرَ رَمَضَانَ وَسِرَّ فَضلِهِ.
أَوَّلًا: مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى فِي لَيلَةِ القَدرِ
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:﴿لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمرٍ﴾ [سورة القدر: 3–4]، وَالمَعنَى أَنَّ اللهَ أَنزَلَ القُرآنَ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ، هِيَ لَيلَةُ القَدرِ، فَإِنَّ القُرآنَ كَانَ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ، ثُمَّ لَمَّا بَلَغَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ أَربَعِينَ سَنَةً، أَمَرَ اللهُ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يُنَزِّلَ القُرآنَ جُملَةً وَاحِدَةً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، إِلَى بَيتِ العِزَّةِ، فِي لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فَكَانَ ذَلِكَ بَدءَ انبِثَاقِ النُّورِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمَبدَأَ الهِدَايَةِ الَّتِي لَا تَنقَطِعُ.
ثَانِيًا: نُزُولُ القُرآنِ مُفَرَّقًا وَحِكمَتُهُ
وَلَم يُنزِل جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ القُرآنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ دَفعَةً وَاحِدَةً، بَل كَانَ يُنَزِّلُ مِنهُ بِحَسَبِ مَا يُؤمَرُ بِهِ مِن قِبَلِ اللهِ تَعَالَى، فَيُنَزِّلُ آيَاتٍ، وَأَحيَانًا سُوَرًا كَامِلَةً، وَكَانَ أَوَّلُ مَا أُنزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَمسُ آيَاتٍ مِن سُورَةِ العَلَقِ، فَلَم تَنزِلِ السُّورَةُ بِتَمَامِهَا فِي البَدَايَةِ، بَل نَزَلَ مِنهَا أَوَّلًا خَمسُ آيَاتٍ، ثُمَّ تَتَابَعَ النُّزُولُ عَلَى مَا يَقتَضِيهِ الأَمرُ الإِلَهِيُّ، وَتَحتَاجُ إِلَيهِ الأَحوَالُ وَالوَقَائِعُ.
ثُمَّ بَعدَ تَمَامِ نُزُولِ القُرآنِ عَلَيهِ ﷺ عَلَّمَ أَصحَابَهُ تَرتِيبَ القِرَاءَةِ، فَقَبلَ الاكتِمَالِ كَانَ جِبرِيلُ يَنزِلُ بِآيَاتٍ لَيسَت عَلَى التَّرتِيبِ الَّذِي هُوَ الآنَ فِي المُصحَفِ، بَل عَلَى غَيرِ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا تَتَامَّ النُّزُولُ وَاستَقَرَّ التَّرتِيبُ عَلَّمَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ القِرَاءَةَ عَلَى النَّسَقِ الَّذِي بَينَ أَيدِينَا.
ثَالِثًا: تَرتِيبُ المُصحَفِ تَوقِيفٌ وَتَعلِيمٌ نَبَوِيٌّ
وَلَيسَ الأَصحَابُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم بِاجتِهَادِهِم قَدَّمُوا وَأَخَّرُوا، وَلَا جَعَلُوا هَذِهِ السُّورَةَ هُنَا وَتِلكَ هُنَاكَ مِن عِندِ أَنفُسِهِم، بَل كُلُّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى حَسَبِ تَعلِيمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَتَّبُوا القُرآنَ كِتَابَةً عَلَى مَا عَلَّمَهُم، مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَقرَأُ المَكتُوبَ، وَلَم يَتَعَلَّمِ الخَطَّ، وَمَعَ ذَلِكَ أَعطَاهُ اللهُ عِلمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَكَانَ عِلمُهُ وَحيًا وَهُدًى وَنُورًا.
رَابِعًا: اللَّيلَةُ المُبَارَكَةُ وَالفَرقُ بَينَ الأُمُورِ
وَقَد أَخبَرَنَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ أَنزَلَ القُرآنَ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ فَقَالَ:﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [سورة الدخان: 3]، وَهَذِهِ اللَّيلَةُ هِيَ لَيلَةُ القَدرِ:﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةِ القَدرِ﴾ [سورة القدر: 1].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:﴿فِيهَا يُفرَقُ كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: 4]، أَي: فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ يُفصَلُ كُلُّ أَمرٍ مُبرَمٍ مِمَّا يَكُونُ فِي تِلكَ السَّنَةِ مِن مَوتٍ، وَصِحَّةٍ، وَمَرَضٍ، وَفَقرٍ، وَغِنًى، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطرَأُ عَلَى البَشَرِ مِن أَحوَالٍ مُختَلِفَةٍ إِلَى مِثلِهَا فِي العَامِ القَابِلِ، وَهَذَا شَيءٌ ثَابِتٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، الَّذِي بَرَزَ فِي تَفسِيرِ القُرآنِ حَتَّى لُقِّبَ «تُرجُمَانَ القُرآنِ».
خَامِسًا: مَوقِعُ لَيلَةِ القَدرِ فِي رَمَضَانَ وَسِرُّ عَدَمِ الجَزمِ بِعَينِهَا
وَرَمَضَانُ تُصَادِفُ فِيهِ هَذِهِ اللَّيلَةُ أَوَّلَهُ أَو وَسَطَهُ أَو آخِرَهُ، إِلَّا أَنَّهَا فِي الغَالِبِ تَكُونُ فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، وَقَد تُصَادِفُ لَيلَةَ إِحدَى وَعِشرِينَ، أَو ثَلَاثٍ وَعِشرِينَ، أَو سَبعٍ وَعِشرِينَ، أَو تِسعٍ وَعِشرِينَ، وَأَرجَى اللَّيَالِي عِندَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَن تَكُونَ لَيلَةَ سَبعٍ وَعِشرِينَ، وَلِذَلِكَ اشتَهَرَ عِندَ النَّاسِ إِذَا قِيلَ «لَيلَةُ القَدرِ» أَنَّهَا لَيلَةُ سَبعٍ وَعِشرِينَ.
وَلَكِنَّهُ لَا يَنبَغِي الجَزمُ بِأَنَّهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ لَيلَةُ سَبعٍ وَعِشرِينَ، لِأَنَّ المُؤمِنَ مَطلُوبٌ مِنهُ أَن يَجتَهِدَ، وَأَن يَطلُبَ الفَضلَ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، لَا أَن يَقتَصِرَ عَلَى لَيلَةٍ يَحسِبُهَا، فَيَفُوتُهُ خَيرٌ كَثِيرٌ.
سَادِسًا: وَاجِبُ المُؤمِنِ فِي رَمَضَانَ وَسِرُّ الِاغتِنَامِ
إِنَّ المُؤمِنَ يَنبَغِي أَن يَجتَهِدَ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِي كُلِّ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ فِيهِ أَعظَمُ مِن سَائِرِ الشُّهُورِ، وَثَوَابُ قِيَامِ اللَّيلِ فِي رَمَضَانَ أَكبَرُ مِن ثَوَابِ قِيَامِ اللَّيلِ فِي غَيرِ رَمَضَانَ، فَكَيفَ إِذَا اقتَرَنَ ذَلِكَ بِلَيلَةٍ خَيرٍ مِن أَلفِ شَهرٍ؟
ثُمَّ إِنَّ كُلَّ سَاعَةٍ مِن سَاعَاتِ المُؤمِنِ يَنبَغِي أَن يَحرِصَ فِيهَا عَلَى التَّزَوُّدِ مِن طَاعَةِ اللهِ، فَإِنَّ العَوَاقِبَ مَستُورَةٌ، وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ: مَا وَقَعَ وَمَا سَيَقَعُ، لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ، وَأَمَّا الخَلقُ فَلَم يُطلِعهُمُ اللهُ إِلَّا عَلَى القَلِيلِ، فَاللَّبِيبُ مَن يَستَغِلُّ مُدَّتَهُ القَصِيرَةَ فِي عَطَاءِ اللهِ الكَثِيرِ، وَيَبِيعُ عُمرَهُ الفَانِيَ بِثَوَابٍ بَاقٍ لَا يَنقَطِعُ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
فَلَيلَةُ القَدرِ هِيَ مِفتَاحُ رَمَضَانَ وَسِرُّ بَرَكَتِهِ، فِيهَا نَزَلَ القُرآنُ، وَفِيهَا تُقَدَّرُ الأَقدَارُ، وَفِيهَا تُفتَحُ أَبوَابُ الرَّحمَةِ لِمَن أَخلَصَ وَاجتَهَدَ، فَلَا تَكُن مِنَ المُفَرِّطِينَ، وَلَا تَكُن مِمَّن يَحصُرُ نَفسَهُ فِي لَيلَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلِ اجعَل رَمَضَانَ كُلَّهُ مَيدَانَ طَاعَةٍ، وَالعَشرَ الأَوَاخِرَ سَبقًا إِلَى رِضَا اللهِ، وَاللَّيَالِي الوِترَ مَوعِدًا لِلمُنَاجَاةِ وَالبُكَاءِ وَالدُّعَاءِ.
اللَّهُمَّ قِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ.
رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلِإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ.
وَلَا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا.