الحَمدُ للهِ البَرِّ الوَهَّابِ، الَّذي بَلَّغَنا رَمَضانَ شَهرَ المُتابِ، ووَعَدَ فيهِ بِجَزيلِ الثَّوابِ، وأَنعَمَ بِالعَفوِ عَنِ الأَوزارِ، وتَكَرَّمَ بِعِتقِ الرِّقابِ.
مَنَّ بِشَهرٍ لَياليهِ مِن أَنوَرِ لَيالي العامِ، وأَيّامُهُ مُطَهَّرَةٌ مِن دَنَسِ الآثامِ، وصِيامُهُ أَفضَلُ الصِّيامِ، وقِيامُهُ أَجَلُّ القِيامِ.
شَهرٌ فَضَّلَ اللهُ بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، شَهرٌ جَعَلَهُ اللهُ مِصباحَ العامِ، وواسطةَ النِّظامِ، ومِن أَشرَفِ قَواعِدِ الإِسلامِ، المُشَرَّفُ بِنورِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والقِيامِ. شَهرٌ أَنزَلَ اللهُ فيهِ كِتابَهُ، وفَتَحَ لِلتّائِبينَ فيهِ أَبوابَهُ؛ فالدُّعاءُ فيهِ مَسموعٌ، والعَمَلُ مَرفوعٌ، والخَيرُ فيهِ مَجموعٌ، والضَّرَرُ فيهِ مَدفوعٌ. شَهرُ الأَعمالِ الحَسَنَةِ فيهِ مَوفورَةٌ، والتَّوبَةُ فيهِ مَقبولَةٌ، والرَّحمَةُ مِنَ اللهِ لِمُلتَمِسِها مَعَ أَعمالٍ صالِحَةٍ مَبذولَةٍ، والمَساجِدُ بِذِكرِ اللهِ فيهِ مَعمورَةٌ، وقُلوبُ المُؤمِنينَ بِالتَّوبَةِ فيهِ مَسرورَةٌ.
والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خَيرِ مَن صَلّى وصامَ، وأَفضَلِ مَن وَصَلَ الرَّحِمَ وأَطعَمَ الطَّعامَ، وعَلى آلِهِ وأَصحابِهِ حُماةِ الإِسلامِ. وفَرَّجَ اللهُ الكَربَ عَن أَهلٍ لَنا وإِخوانٍ في غَزَّةَ والضِّفَّةِ، وقد أَمسَوا في الخِيامِ، ورَدَّ اللهُ الكَيدَ عَن أُمَّةِ الإِسلامِ.

فَضائِلُ الصِّيامِ والقِيامِ في رَمَضانَ
في «الصَّحيحَينِ» مِن حَديثِ أَبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ، قالَ: «مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، ومَن قامَ لَيلَةَ القَدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ».
وفيهِما أَيضًا مِن حَديثِ أَبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ، قالَ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ».
وَيَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما خَرَّجَهُ الإِمامُ أَحمَدُ مِن حَديثِ أَبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ، قالَ: «أُعطِيَت أُمَّتي خَمسَ خِصالٍ في رَمَضانَ لَم تُعطَها أُمَّةٌ قَبلَهُم: خُلوفُ فَمِ الصّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن ريحِ المِسكِ، وتَستَغفِرُ لَهُمُ المَلائِكَةُ حتّى يُفطِروا، ويُزَيِّنُ اللهُ كُلَّ يَومٍ جَنَّتَهُ ويَقولُ: يُوشِكُ عِبادي الصّالِحونَ أَن يُلقوا عَنهُمُ المَؤونَةَ والأَذى ويَصيروا إِلَيك، ويُصَفَّدُ فيهِ مَرَدَةُ الشَّياطينِ فلا يَخلُصونَ فيهِ إِلى ما كانوا يَخلُصونَ إِلَيهِ في غَيرِهِ، ويُغفَرُ لَهُم في آخِرِ لَيلَةٍ». فَقيلَ لَهُ: يا رَسولَ اللهِ، أَهِيَ لَيلَةُ القَدرِ؟ قالَ: «لا، ولَكِنَّ العامِلَ إِنَّما يُوَفَّى أَجرُهُ إِذا قَضى عَمَلَهُ».

الصِّيامُ لِلهِ وجَزاؤُهُ بِغَيرِ حِسابٍ
ثَبَتَ في «الصَّحيحَينِ» عَن أَبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ، قالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ؛ الحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثالِها إِلى سَبعِمِئَةِ ضِعفٍ. قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إِلّا الصِّيامَ، فَإِنَّهُ لي وأَنا أَجزِي بِهِ، إِنَّهُ تَرَكَ شَهوَتَهُ وطَعامَهُ وشَرابَهُ مِن أَجلي. لِلصّائِمِ فَرحَتانِ: فَرحَةٌ عِندَ فِطرِهِ، وفَرحَةٌ عِندَ لِقاءِ رَبِّهِ، ولَخُلوفُ فَمِ الصّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن ريحِ المِسكِ».
وفي رِوايَةٍ: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلّا الصِّيامَ فَإِنَّهُ لي». وفي رِوايَةٍ لِلبُخاريِّ: «لِكُلِّ عَمَلٍ كَفّارَةٌ، والصَّومُ لي وأَنا أَجزِي بِهِ». وخَرَّجَهُ الإِمامُ أَحمَدُ مِن هذا الوَجهِ.

مُضاعَفَةُ أَجرِ الصِّيامِ بِغَيرِ حِسابٍ
فَعَلى الرِّوايَةِ الأُولى: يَكونُ استِثناءُ الصَّومِ، فَتَكونُ الأَعمالُ كُلُّها تُضاعَفُ بِعَشرِ أَمثالِها إِلى سَبعِمِئَةِ ضِعفٍ، إِلّا الصِّيامَ فَإِنَّهُ لا يَنحَصِرُ تَضعيفُهُ في هذا العَدَدِ، بَل يُضاعِفُهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَضعافًا كَثيرَةً بِغَيرِ حَصرِ عَدَدٍ؛ فَإِنَّ الصِّيامَ مِنَ الصَّبرِ، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسابٍ﴾.
وَلِهَذا وَرَدَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ سَمّى شَهرَ رَمَضانَ شَهرَ الصَّبرِ.
مَعنى «فَإِنَّهُ لي»
فَإِذا اشتَدَّ تَوقانُ النَّفسِ إِلى ما تَشتَهيهِ مَعَ قُدرَتِها عَلَيهِ، ثُمَّ تَرَكَتهُ لِلهِ عَزَّ وجَلَّ في مَوضِعٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيهِ إِلّا اللهُ، كانَ ذَلِكَ دَليلًا عَلى قُوَّةِ الإِيمانِ؛ فَإِنَّ الصّائِمَ يَعلَمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَطَّلِعُ عَلَيهِ في خَلوَتِهِ، وقد حَرَّمَ عَلَيهِ أَن يَتَناوَلَ شَهواتِهِ المُحَرَّمَةَ المَجبولَ عَلى المَيلِ إِلَيها في الخَلوَةِ، فَأَطاعَ رَبَّهُ، وامتَثَلَ أَمرَهُ، واجتَنَبَ نَهيَهُ خَوفًا مِن عِقابِهِ، ورَغبَةً في ثَوابِهِ، فَشَكَرَ اللهُ تعالى لَهُ ذَلِكَ، واختَصَّ لِنَفسِهِ عَمَلَهُ هذا مِن بَينِ سائِرِ أَعمالِهِ؛ وَلِهَذا قالَ بَعدَ ذَلِكَ: «إِنَّهُ إِنَّما تَرَكَ شَهوَتَهُ وطَعامَهُ وشَرابَهُ مِن أَجلي».
قالَ بَعضُ السَّلَفِ: طوبى لِمَن تَرَكَ شَهوَةً حاضِرَةً لِمَوعدِ غَيبٍ لَم يَرَهُ.
تَقديمُ رِضا المَولى عَلى الهَوى
لَمّا عَلِمَ المُؤمِنُ الصّائِمُ أَنَّ رِضا مَولاهُ في تَركِ شَهواتِهِ، قَدَّمَ رِضا مَولاهُ عَلى هَواهُ؛ فَصارَت لَذَّتُهُ في تَركِ شَهوَتِهِ لِلهِ، لإِيمانِهِ باطِّلاعِ اللهِ عَلَيهِ. وثَوابُهُ وعِقابُهُ أَعظَمُ مِن لَذَّتِهِ في تَناوُلِها في الخَلوَةِ؛ إيثارًا لِرِضا رَبِّهِ عَلى هَوى نَفسِهِ، بَلِ المُؤمِنُ يَكرَهُ ذَلِكَ في خَلوَتِهِ أَشَدَّ مِن كَراهَتِهِ لِأَلَمِ الضَّربِ.
وَلِهَذا أَكثَرُ المُؤمِنينَ لَو ضُرِبَ عَلى أَن يُفطِرَ في شَهرِ رَمَضانَ لِغَيرِ عُذرٍ لَم يَفعَل؛ لِعِلمِهِ بِأَنَّ اللهَ لا يُحِبُّ فِطرَهُ في هذا الشَّهرِ لِغَيرِ عُذرٍ، وهذا مِن عَلاماتِ الإِيمانِ أَن يَكرَهَ المُؤمِنُ ما يُلائِمُهُ مِن شَهواتِهِ إِذا عَلِمَ أَنَّ اللهَ لا يَرضى عَنهُ، فَتَصيرُ لَذَّتُهُ فيما يُرضي مَولاهُ، وإِن كانَ مُخالِفًا لِهَواهُ، ويَكونُ أَلَمُهُ فيما لا يُرضي مَولاهُ، وإِن كانَ مُوافِقًا لِهَواهُ.

فَرحتا الصّائِمِ
وقَولُهُ ﷺ: «ولِلصّائِمِ فَرحَتانِ: فَرحَةٌ عِندَ فِطرِهِ، وفَرحَةٌ عِندَ لِقاءِ رَبِّهِ»:
الفَرحَةُ الأُولى: عِندَ الفِطرِ
أَمّا فَرحَةُ الصّائِمِ عِندَ فِطرِهِ، فَإِنَّ النُّفوسَ مَجبولَةٌ عَلى المَيلِ إِلى ما يُلائِمُها مِن مَطعَمٍ ومَشرَبٍ ومَنكِحٍ، فَإِذا مُنِعَت مِن ذَلِكَ في وَقتٍ مِنَ الأَوقاتِ ثُمَّ أُبيحَ لَها في وَقتٍ آخَرَ، فَرِحَت بِإِباحَةِ ما مُنِعَت مِنهُ، خُصوصًا عِندَ اشتِدادِ الحاجَةِ إِلَيهِ؛ فَإِنَّ النُّفوسَ تَفرَحُ بِذَلِكَ طَبعًا، فَإِن كانَ ذَلِكَ مَحبوبًا لِلهِ كانَ مَحبوبًا شَرعًا.
والصّائِمُ عِندَ فِطرِهِ كَذَلِكَ؛ فَكَما أَنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ عَلَى الصّائِمِ في نَهارِ الصِّيامِ تَناوُلَ هَذِهِ الشَّهواتِ، فَقَد أَذِنَ لَهُ فيها في لَيلِ الصِّيامِ، بَل أَحَبَّ مِنهُ المُبادَرَةَ إِلى تَناوُلِها في أَوَّلِ اللَّيلِ وآخِرِهِ، فَأَحَبُّ عِبادِهِ إِلَيهِ أَعجَلُهُم فِطرًا، والمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى المُتَسَحِّرينَ.
فَالصّائِمُ تَرَكَ شَهواتِهِ لِلهِ بِالنَّهارِ تَقَرُّبًا إِلَيهِ وطاعَةً لَهُ، وبادَرَ إِلَيها في اللَّيلِ تَقَرُّبًا إِلى اللهِ وطاعَةً لَهُ، فَما تَرَكَها إِلّا بِأَمرِ رَبِّهِ، ولا عادَ إِلَيها إِلّا بِأَمرِ رَبِّهِ؛ فَهُوَ مُطيعٌ لَهُ في الحالَينِ.
وَلِهَذا نُهِىَ عَنِ الوِصالِ في الصِّيامِ، فَإِذا بادَرَ الصّائِمُ إِلى الفِطرِ تَقَرُّبًا إِلى مَولاهُ، وأَكَلَ وشَرِبَ وحَمِدَ اللهَ، فَإِنَّهُ يُرجى لَهُ المَغفِرَةُ أَو بُلوغُ الرِّضوانِ بِذَلِكَ.
وفي الحَديثِ: «إِنَّ اللهَ لَيَرضى عَن عَبدِهِ أَن يَأكُلَ الأَكلَةَ فَيَحمَدَهُ عَلَيها، ويَشرَبَ الشَّربَةَ فَيَحمَدَهُ عَلَيها».
ورُبَّما استُجيبَ دُعاؤُهُ عِندَ ذَلِكَ، كَما جاءَ في الحَديثِ المَرفوعِ الَّذي خَرَّجَهُ ابنُ ماجَه: «إِنَّ لِلصّائِمِ عِندَ فِطرِهِ دَعوَةً ما تُرَدُّ».
وَإِن نَوى بِأَكلِهِ وشُربِهِ تَقوِيَةَ بَدَنِهِ عَلَى القِيامِ والصِّيامِ، كانَ مُثابًا عَلى ذَلِكَ، كَما أَنَّهُ إِذا نَوى بِنَومِهِ في اللَّيلِ والنَّهارِ التَّقوِّي عَلى العَمَلِ، كانَ ذَلِكَ عِبادَةً.
فَالصّائِمُ في لَيلِهِ ونَهارِهِ في عِبادَةٍ، ويُستَجابُ دُعاؤُهُ في صِيامِهِ وعِندَ فِطرِهِ؛ فَهُوَ في نَهارِهِ صائِمٌ صابِرٌ، وفي لَيلِهِ طاعِمٌ شاكِرٌ.
ومَن فَهِمَ هذا الَّذي أَشَرنا إِلَيهِ لَم يَتَوَقَّف في مَعنى فَرحِ الصّائِمِ عِندَ فِطرِهِ؛ فَإِنَّ فِطرَهُ عَلى الوَجهِ المُشارِ إِلَيهِ مِن فَضلِ اللهِ ورَحمَتِهِ، فَيَدخُلُ في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿قُل بِفَضلِ اللَّهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذلِكَ فَليَفرَحوا هُوَ خَيرٌ مِمّا يَجمَعونَ﴾.
ولَكِن شَرطُ ذَلِكَ أَن يَكونَ فِطرُهُ عَلى حَلالٍ؛ فَإِن كانَ فِطرُهُ عَلى حَرامٍ، كانَ مِمَّن صامَ عَمّا أَحَلَّ اللهُ، وأَفطَرَ عَلى ما حَرَّمَ اللهُ، ولَم يُستَجَب لَهُ دُعاءٌ، كَما قالَ النَّبيُّ ﷺ في الَّذي يُطيلُ السَّفَرَ: «يَمُدُّ يَدَيهِ إِلى السَّماءِ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطعَمُهُ حَرامٌ، ومَشرَبُهُ حَرامٌ، ومَلبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بِالحَرامِ، فَأَنّى يُستَجابُ لِذَلِكَ».
الفَرحَةُ الثّانِيَةُ: عِندَ لِقاءِ الرَّبِّ
وأَمّا فَرَحُهُ عِندَ لِقاءِ رَبِّهِ، فِيما يَجِدُهُ عِندَ اللهِ مِن ثَوابِ الصِّيامِ مُدَّخَرًا، فَيَجِدُهُ أَحوَجَ ما كانَ إِلَيهِ، كَما قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَما تُقَدِّموا لِأَنفُسِكُم مِن خَيرٍ تَجِدوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيرًا وَأَعظَمَ أَجرًا﴾.
وقالَ تعالى: ﴿يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت مِن خَيرٍ مُحضَرًا﴾.
وقالَ تعالى: ﴿فَمَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ﴾.

الأَيّامُ خَزائِنُ
إِنَّ هذا اللَّيلَ والنَّهارَ خَزانَتانِ، فَانظُروا ما تَضَعونَ فيهِما؛ فَالأَيّامُ خَزائِنُ لِلنّاسِ مُمتَلِئَةٌ بِما خَزَنوا فيها مِن خَيرٍ وشَرٍّ، وفي يَومِ القِيامَةِ تُفتَحُ هَذِهِ الخَزائِنُ لِأَهلِها؛ فَالمُتَّقونَ يَجِدونَ في خَزائِنِهِمُ العِزَّ والكَرامَةَ، والمُذنِبونَ يَجِدونَ في خَزائِنِهِمُ الحَسرَةَ والنَّدامَةَ.
مَن تَرَكَ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهوَتَهُ لِلهِ تعالى، يَرجو عِندَهُ عِوَضَ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، فَهَذا قَد تاجَرَ مَعَ اللهِ وعامَلَهُ، واللهُ تعالى لا يُضيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا، ولا يُخَيِّبُ مَعَهُ مَن عامَلَهُ، بَل يَربَحُ عَلَيهِ أَعظَمَ الرِّبحِ.

جَزاءُ الصّائِمينَ في الجَنَّةِ
فَهَذا الصّائِمُ يُعطى في الجَنَّةِ ما شاءَ اللهُ مِن طَعامٍ وشَرابٍ ونِساءٍ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿كُلوا وَاشرَبوا هَنيئًا بِما أَسلَفتُم في الأَيّامِ الخالِيَةِ﴾.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيرُهُ: نَزَلَت في الصّائِمينَ.
وفي «الصَّحيحَينِ» عَنِ النَّبيِّ ﷺ، قالَ: «إِنَّ في الجَنَّةِ بابًا يُقالُ لَهُ: الرَّيّانُ، يَدخُلُ مِنهُ الصّائِمونَ، لا يَدخُلُ مِنهُ غَيرُهُم».
وفي رِوايَةٍ: «فَإِذا دَخَلوا أُغلِقَ». وفي رِوايَةٍ: «مَن دَخَلَ مِنهُ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ لَم يَظمَأ أَبَدًا».
رُؤى الصّالِحينَ في جَزاءِ الصِّيامِ
رَأى بَعضُهُم بِشرَ بنَ الحارِثِ في المَنامِ، وبَينَ يَدَيهِ مائِدَةٌ وهو يَأكُلُ، ويُقالُ لَهُ: كُل يا مَن لَم يَأكُل، واشرَب يا مَن لَم يَشرَب.
كانَ بَعضُ الصّالِحينَ قَد صامَ حتّى انحَنى وانقَطَعَ صَوتُهُ فَماتَ، فَرُئِيَ بَعضُ أَصحابِهِ الصّالِحينَ في المَنامِ، فَسُئِلَ عَن حالِهِ، فَضَحِكَ وأَنشَدَ:
قَد كُسِيَ حُلَّةَ البَهاءِ وطافَت … بِأَباريقَ حَولَهُ الخُدّامُ
ثُمَّ حُلِّيَ وقيلَ يا قارِئُ ارقَ … فَلَعَمري لَقَد بَراكَ الصِّيامُ
رَأى بَعضُ العارِفينَ في مَنامِهِ كَأَنَّهُ أُدخِلَ الجَنَّةَ، فَسَمِعَ قائِلًا يَقولُ لَهُ: هَل تَذكُرُ أَنَّكَ صُمتَ لِلهِ يَومًا قَطّ؟ فَقالَ: نَعَم. قالَ: فَأَخَذَتني صَواني النِّثارِ مِنَ الجَنَّةِ.
مَن تَرَكَ لِلهِ في الدُّنيا طَعامًا وشَرابًا وشَهوَةً مُدَّةً يَسيرَةً، عَوَّضَهُ اللهُ عِندَهُ طَعامًا وشَرابًا لا يَنفَدُ، وأَزواجًا لا يَمُتنَ أَبَدًا.
كانَ بَعضُ الصّالِحينَ كَثيرَ التَّهَجُّدِ والصِّيامِ، فَصَلّى لَيلَةً في المَسجِدِ ودَعا، فَغَلَبَتهُ عَيناهُ، فَرَأى في مَنامِهِ جَماعَةً عَلِمَ أَنَّهُم لَيسوا مِنَ الآدَميّينَ، بِأَيديهِم أَطباقٌ عَلَيها أَرغِفَةٌ بِبَياضِ الثَّلجِ، فَوقَ كُلِّ رَغيفٍ دُرٌّ كَأَمثالِ الرُّمّانِ، فَقالوا: كُل. فَقالَ: إِنّي أُريدُ الصَّومَ. قالوا لَهُ: يَأمُرُكَ صاحِبُ هذا البَيتِ أَن تَأكُلَ. قالَ: فَأَكَلتُ، وجَعَلتُ آخُذُ ذَلِكَ الدُّرَّ لِأَحتَمِلَهُ. فَقالوا لَهُ: دَعهُ نَغرِسهُ لَكَ شَجَرًا يُنبِتُ لَكَ خَيرًا مِن هذا. قالَ: أَينَ؟ قالوا: في دارٍ لا تَخرَبُ، وثَمَرٍ لا يَتَغَيَّرُ، ومُلكٍ لا يَنقَطِعُ، وثِيابٍ لا تَبلَى؛ فيها رِضوًى، وعَينًا، وقُرَّةَ أَعيُنٍ، أَزواجٌ رَضِيّاتٌ مَرضِيّاتٌ راضِياتٌ، لا يَغَرنَ ولا يُغِرنَ؛ فَعَلَيكَ بِالانكِماشِ فيما أَنتَ، فَإِنَّما هِيَ غَفوَةٌ حتّى تَرتَحِلَ فَتَنزِلَ الدّارَ.
فَما مَكَثَ بَعدَ هَذِهِ الرُّؤيا إِلّا جُمعَتَينِ حتّى تُوُفِّيَ، فَرآهُ لَيلَةَ وَفاتِهِ في المَنامِ بَعضُ أَصحابِهِ الَّذينَ حَدَّثَهُم بِرُؤياهُ، وهو يَقولُ: أَلا تَعجَبُ مِن شَجَرٍ غُرِسَ لي يَومَ حَدَّثتُكَ وقَد حَمَل!؟ فَقالَ لَهُ: ما حَمَل؟ قالَ: لا تَسأَل، لا يَقدِرُ أَحَدٌ عَلى صِفَتِهِ.

التَّرغيبُ في الجَنَّةِ
يا قَومُ، أَلا راغِبٌ فيما أَعَدَّهُ اللهُ لِلطّائِعينَ في الجِنانِ؟ أَلا طالِبٌ لِما أَخبَرَ بِهِ مِنَ النَّعيمِ المُقيمِ، مَعَ أَنَّهُ لَيسَ الخَبَرُ كَالعِيانِ؟
مَن يُرِد مُلكَ الجِنانِ … فَليَدَع عَنهُ التَّواني
وليَقُم في ظُلمَةِ اللَّيلِ … إِلى نورِ القُرآنِ
وليَصِل صَومًا بِصَومٍ … إِنَّ هذا العَيشَ فانٍ
إِنَّما العَيشُ جِنانُ اللهِ … في دارِ الأَمانِ

فَضلُ الصَّدَقَةِ والعُمرَةِ في رَمَضانَ
عَن أَنَسٍ: «سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفضَلُ؟ قالَ: صَدَقَةٌ في رَمَضانَ».
وفي «الصَّحيحَينِ» عَنِ النَّبيِّ ﷺ، قالَ: «عُمرَةٌ في رَمَضانَ تَعدِلُ حَجَّةً» أَو قالَ: «حَجَّةً مَعي».
وفي حَديثٍ آخَرَ عَنهُ ﷺ، قالَ: «الصَّومُ نِصفُ الصَّبرِ».
خَرَّجَهُ التِّرمِذيُّ.

نِداءٌ لِأَهلِ القِيامِ
أَينَ أَهلُ القِيامِ لِلهِ دَأبًا … بَذَلوا الجُهدَ في رِضا الجَبّارِ؟
أَنتُمُ الآنَ في لَيالٍ عِظامٍ … سِرُّها زائِدٌ عَلى الأَسرارِ
فَاستَزيدوا مِنَ العِبادَةِ فيها … تَأمَنوا اليَومَ مِن عَذابِ النّارِ
أَينَ مَن يَركَبُ الذُّنوبَ اغتِرارًا … لا يَخافونَ غَضَبَ القَهّارِ؟
قَد أَهَلَّ الهِلالُ مِن رَمَضانَ … شَهرُ زُلفى وتَوبَةٍ وادِّكارِ
فَاذكُروا اللهَ فيهِ ذِكرًا كَثيرًا … واستَجيروهُ مِن عَذابِ النّارِ
وارجِعوا عَن ذُنوبِكُم بِمَتابٍ … صادِقٍ، وأَقلِعوا عَنِ الإِصرارِ
رُبَّ مَن كانَ مُسرِفًا مُستَمِرًّا … في خَطاياهُ مُكثِرَ الأَوزارِ
ثُمَّ إِنَّ الإِلَهَ تابَ عَلَيهِ … فَاقتَضى حَمدُهُ سَبيلَ الخِيارِ
فَاعمَلوا أَيُّها المُسيئونَ وادعوا … رَبَّكُم جَهرَةً وفي الإِسرارِ
واحذَروا غَفلَةَ القُنوطِ، وداووا … داءَها بِالرُّجوعِ لِلغَفّارِ
تَجِدوا اللهَ في المَعادِ كَريمًا … ماحيًا لِلذُّنوبِ والأَوزارِ

دَعوَةٌ لِلتَّوبَةِ قَبلَ فَواتِ الأَوانِ
مَعشَرَ التّائِبينَ، صوموا اليَومَ عَن شَهواتِ الهَوى؛ لِتُدرِكوا عِيدَ الفِطرِ يَومَ اللِّقاءِ. لا يَطُل عَلَيكُمُ الأَمَدُ بِاستِبطاءِ الأَجَلِ؛ فَإِنَّ مُعظَمَ نَهارِ الصِّيامِ قَد ذَهَبَ، وعِيدَ اللِّقاءِ قَد اقتَرَبَ.
لَمّا سُلسِلَ الشَّيطانُ في شَهرِ رَمَضانَ، وخَمَدَت نيرانُ الشَّهواتِ بِالصِّيامِ، انعَزَلَ سُلطانُ الهَوى، وصارَتِ الدَّولَةُ لِحاكِمِ العَقلِ بِالعَدلِ؛ فَلَم يَبقَ لِلعاصي عُذرٌ.
يا غُيومَ الغَفلَةِ عَنِ القُلوبِ، تَقَشَّعي. يا شُموسَ التَّقوى والإِيمانِ، اطَّلِعي. يا صَحائِفَ أَعمالِ الصّالِحينَ، ارتَفِعي. يا قُلوبَ الصّائِمينَ، اخشَعي. يا أَقدامَ المُجتَهِدينَ، اسجُدي لِرَبِّكِ واركَعي. يا عُيونَ المُتَهَجِّدينَ، لا تَهجَعي. يا ذُنوبَ التّائِبينَ، لا تَرجِعي. يا أَرضَ الهَوى، ابلَعي ماءَكِ. ويا سَماءَ النُّفوسِ، أَقلِعي. يا بُروقَ الأَشواقِ لِلعُشّاقِ، المَعي. يا خَواطِرَ العارِفينَ، ارتَعي. يا هِمَمَ المُحِبّينَ، بِغَيرِ رِضا اللهِ لا تَقنَعي.
قَد مُدَّت في هَذِهِ الأَيّامِ مَوائِدُ الإِنعامِ لِلصُّوّامِ، فَما مِنكُم إِلّا مَن دُعِيَ.
﴿يا قَومَنا أَجيبوا داعِيَ اللَّهِ﴾.
ويا هِمَمَ المُؤمِنينَ، أَسرِعي؛ فَطوبى لِمَن أَجابَ فَأَصابَ، ووَيلٌ لِمَن طُرِدَ عَنِ البابِ وما دُعِيَ.

اجتِماعُ الخَيراتِ: الصِّيامُ والصَّدَقَةُ والقِيامُ
وفي «صَحيحِ مُسلِمٍ» عَن أَبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ، أَنَّهُ قالَ: «مَن أَصبَحَ مِنكُمُ اليَومَ صائِمًا؟» قالَ أَبو بَكرٍ: أَنا. قالَ: «مَن تَبِعَ مِنكُمُ اليَومَ جَنازَةً؟» قالَ أَبو بَكرٍ: أَنا. قالَ: «فَمَن أَطعَمَ اليَومَ مِسكينًا؟» قالَ أَبو بَكرٍ: أَنا. قالَ: «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ؟» قالَ أَبو بَكرٍ: أَنا. قالَ: «فَمَن عادَ مِنكُم مَريضًا؟» قالَ أَبو بَكرٍ: أَنا. قالَ: «ما اجتَمَعنَ في امرِئٍ إِلّا دَخَلَ الجَنَّةَ».
ومِنها: أَنَّ الجَمعَ بَينَ الصِّيامِ والصَّدَقَةِ أَبلَغُ في تَكفيرِ الخَطايا واتِّقاءِ جَهَنَّمَ والمُباعَدَةِ عَنها، وخُصوصًا إِن ضُمَّ إِلى ذَلِكَ قِيامُ اللَّيلِ؛ فَقَد ثَبَتَ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «الصِّيامُ جُنَّةٌ».
وفي رِوايَةٍ: «جُنَّةُ أَحَدِكُم مِنَ النّارِ كَجُنَّتِهِ مِنَ القِتالِ».
وفي حَديثِ مُعاذٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ، قالَ: «الصَّدَقَةُ تُطفِئُ الخَطيئَةَ كَما يُطفِئُ الماءُ النّارَ، وقِيامُ الرَّجُلِ مِن جَوفِ اللَّيلِ».
يَعني أَنَّهُ يُطفِئُ الخَطيئَةَ أَيضًا، وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ في رِوايَةِ الإِمامِ أَحمَدَ.
وفي الحَديثِ الصَّحيحِ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «اتَّقوا النّارَ ولو بِشِقِّ تَمرَةٍ».
كانَ أَبو الدَّرداءِ يَقولُ: صَلّوا في ظُلمَةِ اللَّيلِ رَكعَتَينِ لِظُلمَةِ القُبورِ، صوموا يَومًا شَديدًا حَرُّهُ لِحَرِّ يَومِ النُّشورِ، تَصَدَّقوا بِصَدَقَةٍ لِشِدَّةِ يَومٍ عَسيرٍ.

شَفاعَةُ الصِّيامِ وَالقُرآنِ
قالَ كَعبٌ: يُنادي يَومَ القِيامَةِ مُنادٍ: إِنَّ كُلَّ حارِثٍ يُعطى بِحَرثِهِ ويُزادُ، غَيرَ أَهلِ القُرآنِ وَالصِّيامِ؛ يُعطَونَ أُجورَهُم بِغَيرِ حِسابٍ، ويَشفَعانِ لَهُ أَيضًا عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَما في «مُسنَدِ أَحمَدَ» عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمروٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: «الصِّيامُ وَالقُرآنُ يَشفَعانِ لِلعَبدِ يَومَ القِيامَةِ؛ يَقولُ الصِّيامُ: أَي رَبِّ! مَنَعتُهُ الطَّعامَ وَالشَّهَواتِ بِالنَّهارِ. وَيَقولُ القُرآنُ: مَنَعتُهُ النَّومَ بِاللَّيلِ، فَشَفِّعنِي فيهِ، فَيُشَفَّعانِ».
فَإِذا مَنَعَهُ الصِّيامُ مِنَ المُحَرَّماتِ كُلِّها، فَإِنَّهُ يَشفَعُ لَهُ عِندَ اللهِ يَومَ القِيامَةِ، ويَقولُ: يا رَبِّ! مَنَعتُهُ شَهَواتِهِ، فَشَفِّعنِي فيهِ. فَهَذا لِمَن حَفِظَ صِيامَهُ، ومَنَعَهُ مِن شَهَواتِهِ.

يا قَومُ! أَينَ آثارُ الصِّيامِ؟ أَينَ أَنوارُ القِيامِ؟
إِن كُنتَ تَنوحُ يا حَمامَ البانِ … لِلبَينِ، فَأَينَ شاهِدُ الأَحزانِ؟
أَجفانُكَ لِلدُّموعِ أَم أَجفانِي … لا يُقبَلُ مُدَّعٍ بِلا بُرهانِ

هٰذا شَهرُ رَمَضانَ
هٰذا ـ عِبادَ اللهِ ـ شَهرُ رَمَضانَ الَّذي أُنزِلَ فيهِ القُرآنُ، وفي بَقِيَّتِهِ لِلعابِدينَ مُستَمتَعٌ. وَهٰذا كِتابُ اللهِ يُتلى فيهِ بَينَ أَظهُرِكُم ويُسمَعُ. وَهُوَ القُرآنُ الَّذي لَو أُنزِلَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خاشِعًا يَتَصَدَّعُ. ومَعَ هٰذا، فَلا قَلبٌ يَخشَعُ، وَلا عَينٌ تَدمَعُ، وَلا صِيامٌ يُصانُ عَنِ الحَرامِ فَيَشفَعُ! وَلا قِيامٌ استَقامَ فَيُرجى في صاحِبِهِ أَن يَشفَعَ!
قُلوبٌ خَلَت مِنَ التَّقوى، فَهِيَ خَرابٌ بَلقَعٌ، وَتَراكَمَت عَلَيها ظُلمَةُ الذُّنوبِ، فَهِيَ لا تُبصِرُ وَلا تَسمَعُ. كَم تُتلى عَلَينا آياتُ القُرآنِ وَقُلوبُنا كَالحِجارَةِ أَو أَشَدُّ قَسوَةً! وَكَم يَتَوالى عَلَينا شَهرُ رَمَضانَ وَحالُنا فيهِ كَحالِ أَهلِ الغَفلَةِ: لا الشّابُّ مِنَّا يَنتَهِي عَنِ الصَّبوَةِ، وَلا الشَّيخُ يَنزَجِرُ عَنِ القَبيحِ فَيَلتَحِقَ بِالصَّفوَةِ.
أَينَ نَحنُ مِن قَومٍ إِذا سَمِعوا داعِيَ اللهِ أَجابُوا الدَّعوَةَ، وَإِذا تُلِيَت عَلَيهِم آياتُ اللهِ جَلَت قُلوبَهُم جَلوَةً، وَإِذا صامُوا صامَت مِنهُمُ الأَلسِنَةُ وَالأَسماعُ وَالأَبصارُ؟ فَما لَنا فيهِم أُسوَةٌ! فَما بَينَنا وَبَينَ حالِ أَهلِ الصَّفا أَبعَدُ مِمَّا بَينَنا وَبَينَ الصَّفا وَالمَروَةِ. كَما حَسُنَت مِنَّا الأَقوالُ، ساءَتِ الأَعمالُ. فَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَحَسبُنَا اللهُ.
يا نَفسُ، فازَ الصّالِحونَ بِالتُّقى … وَأَبصَرُوا الحَقَّ، وَقَلبِي قَد عَمِي
يا حُسنَهُم، وَاللَّيلُ قَد جَنَّهُم … وَنُورُهُم يَفوقُ نُورَ الأَنجُمِ
تَرَنَّمُوا بِالذِّكرِ في لَيلِهِم … فَعَيشُهُم قَد طابَ بِالتَّرَنُّمِ
قُلوبُهُم لِلذِّكرِ قَد تَفَرَّغَت … دُموعُهُم كَاللُّؤلُؤِ المُنتَظِمِ
أَسحارُهُم بِهِم لَهُم قَد أَشرَقَت … وَخِلَعُ الغُفرانِ خَيرُ القِسَمِ
وَيحَكِ يا نَفسُ، أَلَا تَتَيَقَّظِينَ … لِلنَّفعِ قَبلَ أَن تَزِلَّ قَدَمِي؟
مَضَى الزَّمانُ في تَوانٍ وَهَوًى … فَاستَدرِكِي ما قَد بَقِي وَاغتَنِمِي

ماذا أَنتَ فاعِلٌ وَأَنتَ تُوَدِّعُ رَمَضانَ؟
عِظَةٌ
عِبادَ اللهِ، تَدَبَّرُوا القُرآنَ المَجيدَ؛ فَقَد دَلَّكُم عَلَى الأَمرِ الرَّشيدِ، وَأَحضِرُوا قُلوبَكُم لِفَهمِ الوَعدِ وَالوَعِيدِ، وَلازِمُوا طاعَةَ رَبِّكُم؛ فَهٰذا شَأنُ العَبيدِ، وَاحذَرُوا غَضَبَهُ؛ فَلَكَم قَصَمَ مِن جَبَّارٍ عَنيدٍ: ﴿إِنَّ بَطشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ ذُو العَرشِ المَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
أَينَ مَن بَنَى وَشادَ وَطَوَّلَ، وَتَأَمَّرَ عَلَى النّاسِ وَسادَ في الأَوَّلِ، وَظَنَّ جَهلًا مِنهُ أَنَّهُ لا يَتَحَوَّلُ؟ هَيهاتَ! عادَ الزَّمانُ عَلَيهِم سالِبًا ما خَوَّلَ، فَسُقُوا كَأسًا مِنَ المَوتِ عَلى إِهلاكِهِم عَوَّلَ: ﴿أَفَعَيِينَا بِالخَلقِ الأَوَّلِ بَل هُم فِي لَبسٍ مِن خَلقٍ جَدِيدٍ﴾

وَداعُ شَهرِ رَمَضانَ
إِنَّ شَهرَ رَمَضانَ قَدِ انصَرَمَ وَانمَحَقَ ـ أَي: مَضَت أَيّامُهُ ـ وَتَشَتَّتَ نِظامُهُ بَعدَ أَن كانَ اتَّسَقَ، فَكَأَنَّكُم بِهِ قَد رَحَلَ وَانطَلَقَ، يَشهَدُ لِمَن أَطاعَ وَعَلى مَن فَسَقَ، فَأَينَ الحُزنُ لِفِراقِهِ، وَأَينَ القَلَقُ؟
ما كانَ أَشرَفَ زَمانَهُ بَينَ صَومٍ وَسَهَرٍ، وَما كانَ أَصفَى أَحوالَهُ مِن آفاتِ الكَدَرِ، وَما كانَ أَطيَبَ المُناجاةَ فيهِ بَينَ وَسَطِ اللَّيلِ وَالسَّحَرِ، وَما كانَ أَرَقَّ القُلوبَ عِندَ اشتِغالِها بِالآياتِ وَالسُّوَرِ، وَما كانَ أَضوَأَ لآلِئِهِ في لَيالِيهِ جَوفَ الغَسَقِ.
فَيا أَيُّهَا المَقبولُ، هَنِيئًا لَكَ بِثَوابِهِ تَثوِي بِهِ، وَبُشراكَ إِذا أَمَّنَكَ الرَّبُّ مِن عِقابِهِ، وَطُوبَى لَكَ حَيثُ استَخلَصَكَ لِبابِهِ، وَفَخرًا لَكَ حَيثُ شَغَلَكَ بِكِتابِهِ، فَاجتَهِد في بَقِيَّةِ شَهرِكَ هٰذا قَبلَ ذَهابِهِ؛ فَرُبَّ مُؤَمِّلٍ لِقاءَ مِثلِهِ ما قُدِّرَ لَهُ وَلا اتَّفَقَ.
وَيا أَيُّهَا المَطرودُ في شَهرِ السَّعادَةِ، خَيبَةً لَكَ إِذا سَبَقَكَ السّادَةُ، وَنَجا المُجتَهِدونَ وَأَنتَ أَسيرُ الوِسادَةِ، وَانسَلَخَ هٰذا الشَّهرُ عَنكَ وَما انسَلَختَ أَنتَ عَن قَبيحِ العادَةِ، فَأَينَ تَلَهُّفُكَ عَلَى الفَواتِ، وَأَينَ الحُرَقُ؟
فَيا إِخوانِي، قَد دَنا رَحيلُ هٰذا الشَّهرِ وَحانَ، فَرُبَّ مُؤَمِّلٍ لِقاءَ مِثلِهِ فاتَهُ الإِمكانُ، فَوَدِّعُوهُ بِالأَسَفِ وَالأَحزانِ، وَاندُبُوا عَلَيهِ بِأَلسُنِ الأَسَى وَالأَشجانِ. السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ رَمَضانَ، سَلامَ مُحِبٍّ أَودَى بِهِ القَلَقُ.
السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ ضِياءِ المَساجِدِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ الذِّكرِ وَالمَحامِدِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ زَرعِ الحاصِدِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ المُتَعَبِّدِ الزّاهِدِ، السَّلامُ عَلَيكَ مِن قَلبٍ لِفِراقِكَ فاقِدٍ، السَّلامُ عَلَيكَ مِن عَينٍ لِفِراقِكَ في أَرَقٍ.
السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ المَصابِيحِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ التَّراوِيحِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ المَتجَرِ الرَّبيحِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ الغُفرانِ الصَّريحِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا شَهرَ التَّبَرِّي مِن كُلِّ فِعلٍ قَبيحٍ، وَيا أَسَفًا عَلَى مَا اجتَمَعَ فيكَ مِنَ الخَيراتِ وَاتَّسَقَ.
فَيا لَيتَ شِعرِي، هَل تَعودُ أَيّامُكَ عَلَينا أَم لا تَعودُ؟ وَيا لَيتَنا عَلِمنا مَنِ المَقبولُ مِنَّا وَمَنِ المَطرودُ، وَيا لَيتَنا تَحَقَّقنا ما تَشهَدُ بِهِ عَلَينا يَومَ الوُرودِ، وَيا أَسَفًا لِتَصَرُّمِكَ يا شَهرَ السُّعودِ، وَيا حُزنًا عَلَى صَفاءِ القُلوبِ وَإِخلاصِ السُّجودِ، السَّلامُ عَلَيكَ مِن مُوَدِّعٍ بِتَودِيعِكَ نَطَقَ.
أَينَ مَن كانَ مَعَكُم في العامِ الماضِي؟ أَما قَصَدَتهُ سِهامُ المَنونِ القَواضِي؟ فَخَلا في لَحدِهِ بِأَعمالِهِ المَواضِي، وَكانَ زادُهُ مِن جَميعِ مالِهِ الحَنُوطُ وَالخِرَقُ.
رَحَلَ ـ وَاللهِ ـ عَن أَوطانِهِ وَظَعَنَ، وَأُزعِجَ عَن أَهلِهِ وَالوَطَنِ، وَبَقِيَ في لَحدِهِ أَسيرَ الحُزنِ، وَما نَفَعَهُ ما جَمَعَ وَما خَزَنَ، وَتَمَنَّى أَن يُعادَ لِيَزدادَ مِنَ الزّادِ، وَلَن؛ وَلَقَد هَتَفَ بِهِ هاتِفُ الإِنذارِ فَما فَطِنَ، وَأَصَمَّهُ الهَوَى عَن ناصِحٍ قَد نَطَقَ.
فَتَيَقَّظ أَيُّهَا الغافِلُ، وَانظُر بَينَ يَدَيكَ، وَاحذَر أَن يَشهَدَ شَهرُ رَمَضانَ بِالمَعاصِي عَلَيكَ، وَتَزَوَّد لِرَحيلِكَ، وَانصِبِ الآخِرَةَ بَينَ عَينَيكَ، وَاستَعِدَّ لِلمَنايا قَبلَ أَن تَمُدَّ أَيدِيَها إِلَيكَ، قَبلَ أَن يُوثَقَ الأَسيرُ، وَيَشتَدَّ الزَّفيرُ، وَيَجرِيَ العَرَقُ.
غَدًا تُوَفَّى النُّفوسُ ما كَسَبَت … وَيَحصُدُ الزارِعونَ ما زَرَعُوا
إِن أَحسَنُوا أَحسَنُوا لِأَنفُسِهِم … وَإِن أَساءُوا فَبِئسَ ما صَنَعُوا

السَّلَفُ وَقَبولُ العَمَلِ
كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ يَجتَهِدونَ في إِتمامِ العَمَلِ وَإِكمالِهِ وَإِتقانِهِ، ثُمَّ يَهتَمُّونَ بَعدَ ذٰلِكَ بِقَبولِهِ، وَيَخافونَ مِن رَدِّهِ، وَهٰؤُلاءِ الَّذينَ: ﴿يُؤتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ﴾
وَعَن فَضالَةَ بنِ عُبَيدٍ قالَ: لَأَن أَكونَ أَعلَمُ أَنَّ اللهَ قَد تَقَبَّلَ مِنِّي مِثقالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنيا وَما فيها؛ لِأَنَّ اللهَ يَقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾
وَقالَ عَبدُ العَزيزِ بنُ أَبي رَوّادٍ: أَدرَكتُهُم يَجتَهِدونَ في العَمَلِ الصّالِحِ، فَإِذا فَعَلُوهُ وَقَعَ عَلَيهِمُ الهَمُّ: أَيُقبَلُ مِنهُم أَم لا؟
قالَ بَعضُ السَّلَفِ: كانُوا يَدعونَ اللهَ سِتَّةَ أَشهُرٍ أَن يُبَلِّغَهُم شَهرَ رَمَضانَ، ثُمَّ يَدعونَ اللهَ سِتَّةَ أَشهُرٍ أَن يَتَقَبَّلَهُ مِنهُم.

المُبادَرَةُ إِلى اغتِنامِ ما بَقِيَ
إِنَّ العَبدَ مَأمورٌ بِالسَّعيِ في اكتِسابِ الخَيراتِ، وَالاجتِهادِ في الأَعمالِ الصّالِحاتِ؛ وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ. أَمَّا أَهلُ السَّعادَةِ، فَيُيَسَّرونَ لِعَمَلِ أَهلِ السَّعادَةِ، وَأَمَّا أَهلُ الشَّقاوَةِ، فَيُيَسَّرونَ لِعَمَلِ أَهلِ الشَّقاوَةِ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاستَغنَى وَكَذَّبَ بِالحُسنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرَى﴾
فَالمُبادَرَةَ المُبادَرَةَ إِلى اغتِنامِ العَمَلِ فِيما بَقِيَ مِنَ الشَّهرِ، فَعَسى أَن يُستَدرَكَ بِهِ ما فاتَ مِن ضَياعِ العُمرِ.
تَوَلَّى العُمرُ في سَهوٍ … وَفي لَهوٍ وَفي خُسرِ
فَيا ضَيعَةَ ما أَنفَقتُ في الأَيّامِ مِن عُمرِي
وَما لي في الَّذي ضَيَّعتُ مِن عُمرِي مِن عُذرِ
فَما أَغفَلَنا عَن وا … جِباتِ الحَمدِ وَالشُّكرِ
أَما قَد خَصَّنا اللهُ … بِشَهرٍ أَيَّما شَهرِ
بِشَهرٍ أَنزَلَ الرَّحمٰنُ فيهِ أَشرَفَ الذِّكرِ
وَهَل يُشبِهُهُ شَهرٌ وَفيهِ لَيلَةُ القَدرِ؟
فَكَم مِن خَبَرٍ صَحَّ … بِما فيها مِنَ الخَيرِ
رَوَينا عَن ثِقاتٍ أَنَّها تُطلَبُ في الوِترِ
فَطُوبَى لِامرِئٍ يَطلُبُها في هٰذِهِ العَشرِ
فَفيها تَنزِلُ الأَملا … كُ بِالأَنوارِ وَالبِرِّ
وَقَد قالَ: سَلامٌ هِيَ … حَتَّى مَطلَعِ الفَجرِ
أَلا فَادَّخِرُوها … إِنَّها مِن أَنفَسِ الذُّخرِ
فَكَم مِن مُعتَقٍ فيها … مِنَ النّارِ وَلا يَدرِي

حُزنُ السَّلَفِ عَلى فِراقِ رَمَضانَ
كانَ بَعضُ السَّلَفِ يَظهَرُ عَلَيهِ الحُزنُ يَومَ عِيدِ الفِطرِ، فَيُقالُ لَهُ: إِنَّهُ يَومُ فَرَحٍ وَسُرورٍ. فَيَقولُ: صَدَقتُم، وَلٰكِنِّي عَبدٌ أَمَرَنِي مَولايَ أَن أَعمَلَ لَهُ عَمَلًا، فَلا أَدرِي أَيَقبَلُهُ مِنِّي أَم لا؟
وَعَنِ الحَسَنِ قالَ: إِنَّ اللهَ جَعَلَ شَهرَ رَمَضانَ مِضمارًا لِخَلقِهِ يَستَبِقونَ فيهِ بِطاعَتِهِ إِلى مَرضاتِهِ، فَسَبَقَ قَومٌ فَفازُوا، وَتَخَلَّفَ آخَرونَ فَخابُوا. فَالعَجَبُ مِنَ اللّاعِبِ الضّاحِكِ في اليَومِ الَّذي يَفوزُ فيهِ المُحسِنونَ وَيَخسَرُ فيهِ المُبطِلونَ.
رُوِيَ عَن عَلِيٍّ رضيَ اللهُ عنهُ أَنَّهُ كانَ يُنادي في آخِرِ لَيلَةٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ: يا لَيتَ شِعرِي! مَن هٰذا المَقبولُ فَنُهَنِّئَهُ؟ وَمَن هٰذا المَحرومُ فَنُعَزِّيهِ؟
وَعَنِ ابنِ مَسعودٍ أَنَّهُ كانَ يَقولُ: مَن هٰذا المَقبولُ مِنَّا فَنُهَنِّئَهُ؟ وَمَن هٰذا المَحرومُ مِنَّا فَنُعَزِّيهِ؟ أَيُّهَا المَقبولُ، هَنِيئًا لَكَ، أَيُّهَا المَردودُ، جَبَرَ اللهُ مُصيبَتَكَ.
ماذا فاتَ مَن فاتَهُ خَيرُ رَمَضانَ؟ وَأَيُّ شَيءٍ أَدرَكَ مَن أَدرَكَهُ فيهِ الحِرمانُ؟ كَم بَينَ مَن حَظُّهُ فيهِ القَبولُ وَالغُفرانُ، وَمَن كانَ حَظُّهُ فيهِ الخَيبَةَ وَالخُسرانَ! رُبَّ قائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيامِهِ السَّهَرُ، وَصائِمٍ حَظُّهُ مِن صِيامِهِ الجُوعُ وَالعَطَشُ.

التَّكبيرُ وَالشُّكرُ عِندَ إِكمالِ العِدَّةِ
لَمّا كانَتِ المَغفِرَةُ وَالعِتقُ مِنَ النّارِ كِلَيهِما مُرَتَّبًا عَلى صِيامِ رَمَضانَ وَقِيامِهِ، أَمَرَ اللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى عِندَ إِكمالِ العِدَّةِ بِتَكبيرِهِ وَشُكرِهِ، فَقالَ: ﴿وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾
فَشُكرُ مَن أَنعَمَ عَلَى عِبادِهِ بِتَوفيقِهِم لِلصِّيامِ، وَإِعانَتِهِم عَلَيهِ، وَمَغفِرَتِهِ لَهُم بِهِ، وَعِتقِهِم مِنَ النّارِ، أَن يَذكُرُوهُ وَيَشكُرُوهُ وَيَتَّقُوهُ حَقَّ تُقاتِهِ. وَقَد فَسَّرَ ابنُ مَسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ تَقواهُ حَقَّ تُقاتِهِ بِأَن يُطاعَ فَلا يُعصى، وَيُذكَرَ فَلا يُنسى، وَيُشكَرَ فَلا يُكفَرَ.

اغتِنامُ العِتقِ مِنَ النّارِ
فَيا أَربابَ الذُّنوبِ العَظيمَةِ، الغَنيمَةَ الغَنيمَةَ في هٰذِهِ الأَيّامِ الكَريمَةِ؛ فَما مِنها عِوَضٌ، وَلا تُدانِيها مِن مَتاعِ الدُّنيا قِيمَةٌ. فَكَم يُعتَقُ فيها مِنَ النّارِ مِن ذِي جَرِيرَةٍ وَجَريمَةٍ، فَمَن أُعتِقَ فيها مِنَ النّارِ فَقَد فازَ بِالجائِزَةِ العَميمَةِ وَالمِنحَةِ الجَسيمَةِ.
يا مَن أَعتَقَهُ مَولاهُ مِنَ النّارِ، إِيّاكَ أَن تَعودَ بَعدَ أَن صِرتَ حُرًّا إِلى رِقِّ الأَوزارِ. أَيُبعِدُكَ مَولاكَ عَنِ النّارِ وَأَنتَ تَتَقَرَّبُ مِنها؟ وَيُنقِذُكَ مِنها وَأَنتَ تُوقِعُ نَفسَكَ فيها وَلا تَحيدُ عَنها؟!
وَإِنَّ امرَأً يَنجو مِنَ النّارِ بَعدَما … تَزَوَّدَ مِن أَعمالِها لَسَعيدُ
إِن كانَتِ الرَّحمَةُ لِلمُحسِنينَ، فَالمُسِيءُ لا يَيأَسُ مِنها، وَإِن تَكُنِ المَغفِرَةُ مَكتوبَةً لِلمُتَّقينَ، فَالظّالِمُ لِنَفسِهِ مِنَ المُسلِمينَ غَيرُ مَحجوبٍ عَنها.
إِن كانَ عَفوُكَ لا يَرجوهُ ذُو خَطَإٍ … فَمَن يَجودُ عَلَى العاصينَ بِالكَرَمِ؟
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلَّا مُحسِنٌ … فَمَنِ الَّذي يَرجو وَيَدعو المُذنِبُ؟

أَحاديثُ العِتقِ مِنَ النّارِ في رَمَضانَ
قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ في كُلِّ لَيلَةٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ أَلفَ عَتيقٍ مِنَ النّارِ، فَإِذا كانَ آخِرُ لَيلَةٍ أَعتَقَ بِعَدَدِ مَن مَضَى».
رُوِيَ عَنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عَنهُما قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إِذا كانَ آخِرُ يَومٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ أُعتِقَ فيهِ مِثلُ جَميعِ ما أُعتِقَ».
جاءَ في حَديثِ ابنِ عَبّاسٍ رضيَ اللهُ عَنهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إِذا كانَت آخِرُ لَيلَةٍ مِن رَمَضانَ أَعتَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في ذٰلِكَ اليَومِ بِعَدَدِ ما أَعتَقَ مِن أَوَّلِ الشَّهرِ إِلى آخِرِهِ».

خُطبَةُ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ في عِيدِ الفِطرِ
خَرَجَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ رَحِمَهُ اللهُ في يَومِ عِيدِ فِطرٍ، فَقالَ في خُطبَتِهِ:
«أَيُّهَا النّاسُ، إِنَّكُم صُمتُم لِلَّهِ ثَلاثينَ يَومًا، وَقُمتُم ثَلاثينَ لَيلَةً، وَخَرَجتُمُ اليَومَ تَطلُبونَ مِنَ اللهِ أَن يَتَقَبَّلَ مِنكُم».
إِذا كَمَّلَ الصّائِمونَ صِيامَ رَمَضانَ وَقِيامَهُ، فَقَد وَفَّوا ما عَلَيهِم مِنَ العَمَلِ، وَبَقِيَ ما لَهُم مِنَ الأَجرِ، وَهُوَ المَغفِرَةُ؛ فَإِذا خَرَجُوا يَومَ عِيدِ الفِطرِ إِلى الصَّلاةِ، قُسِّمَت عَلَيهِم أُجورُهُم، فَرَجَعُوا إِلى مَنازِلِهِم وَقَدِ استَوفَوُا الأَجرَ وَاستَكمَلُوهُ.
تَرَحَّلَ شَهرُ الصَّبرِ، وَاللَّهفَاهُ، وَانصَرَفا … وَاختَصَّ بِالفَوزِ في الجَنّاتِ مَن خَدَما
وَأَصبَحَ الغافِلُ المِسكينُ مُنكَسِرًا … مِثلِي، فَيا وَيحَهُ يا عُظمَ ما حُرِما
مَن فاتَهُ الزَّرعُ في وَقتِ البِذارِ، فَما … تَراهُ يَحصُدُ إِلَّا الهَمَّ وَالنَّدَما

قِيامُ لَيلَةِ العِيدِ
رَوَى الشّافِعِيُّ في كِتابِ «الأُمِّ» عَن أَبي الدَّرداءِ قالَ: «مَن قامَ لَيلَةَ العِيدِ مُحتَسِبًا لَم يَمُت قَلبُهُ حِينَ تَموتُ القُلوبُ».
قالَ الشّافِعِيُّ: وَبَلَغَنا أَنَّهُ كانَ يُقالُ: إِنَّ الدُّعاءَ يُستَجابُ في خَمسِ لَيالٍ: في لَيلَةِ الجُمُعَةِ، وَلَيلَةِ الأَضحَى، وَلَيلَةِ الفِطرِ، وَأَوَّلِ لَيلَةٍ مِن رَجَبٍ، وَلَيلَةِ النِّصفِ مِن شَعبانَ.
قالَ الشّافِعِيُّ: أَخبَرَنا إِبراهيمُ بنُ مُحَمَّدٍ قالَ: رَأَيتُ مَشيَخَةً مِن خِيارِ أَهلِ المَدينَةِ يَظهَرونَ عَلى مَسجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لَيلَةَ العِيدِ، فَيَدعونَ وَيَذكُرونَ اللهَ حَتّى تَمضِيَ ساعَةٌ مِنَ اللَّيلِ.

الوَصِيَّةُ الأَخِيرَةُ
عِبادَ اللهِ! إِنَّ شَهرَ رَمَضانَ قَد عَزَمَ عَلَى الرَّحيلِ، وَلَم يَبقَ مِنهُ إِلَّا القَليلُ. فَمَن مِنكُم أَحسَنَ فيهِ فَعَلَيهِ التَّمامُ، وَمَن كانَ فَرَّطَ فَليَختِمهُ بِالحُسنى؛ فَالعَمَلُ بِالخَواتيمِ. فَاستَمتِعوا مِنهُ فِيما بَقِيَ مِنَ اللَّيالي اليَسيرَةِ وَالأَيّامِ، وَاستَودِعوهُ عَمَلًا صالِحًا يَشهَدُ لَكُم بِهِ عِندَ المَلِكِ العَلّامِ، وَوَدِّعوهُ عِندَ فِراقِهِ بِأَزكى تَحِيَّةٍ وَسَلامٍ.
سَلامٌ مِنَ الرَّحمٰنِ كُلَّ أَوانِ … عَلى خَيرِ شَهرٍ قَد مَضَى وَزَمانِ
سَلامٌ عَلى شَهرِ الصِّيامِ فَإِنَّهُ … أَمانٌ مِنَ الرَّحمٰنِ، أَيُّ أَمانِ
لَئِن فَنِيَت أَيّامُكَ الغُرُّ بَغتَةً … فَلِلحُزنِ مِن قَلبِي عَلَيكَ شَجانِي
لَقَد ذَهَبَت أَيّامُهُ وَما أَطَعتُم، وَكُتِبَ عَلَيكُم فيهِ ما أَضَعتُم وَما قَصَّرتُم، وَكَأَنَّكُم بِالمُشَمِّرِينَ فيهِ وَقَد وَصَلُوا وَانقَطَعتُم، أَتُرى ما هٰذا التَّوبيخُ لَكُم، أَوَما سَمِعتُم؟!
ما ضاعَ مِن أَيّامِنا هَل يُغرَمُ … هَيهاتَ، وَالأَزمانُ كَيفَ تُقَوَّمُ؟
يَومٌ بِأَرواحٍ يُباعُ وَيُشتَرى … وَأَخوهُ لَيسَ يُسامُ فيهِ دِرهَمُ

حَنينُ القُلوبِ لِرَمَضانَ
قُلوبُ المُتَّقينَ إِلى هٰذا الشَّهرِ تَحِنُّ، وَمِن أَلَمِ فِراقِهِ تَئِنُّ.
دَهاكَ الفِراقُ، فَما تَصنَعُ؟ … أَتَصبِرُ لِلبَينِ أَم تَجزَعُ؟
إِذا كُنتَ تَبكِي وَهُم جيرَةٌ … فَكَيفَ تَكونُ إِذا وَدَّعُوا؟
كَيفَ لا يَجرِي لِلمُؤمِنِ عَلى فِراقِهِ دُموعٌ، وَهُوَ لا يَدرِي هَل بَقِيَ لَهُ في عُمرِهِ إِلَيهِ رُجوعٌ؟
تَذَكَّرتُ أَيّامًا مَضَت وَلَيالِيَا … خَلَت، فَجَرَت مِن ذِكرِهِنَّ دُموعُ
أَلا هَل لَها يَومًا مِنَ الدَّهرِ عَودَةٌ … وَهَل لي إِلى وَقتِ الوِصالِ رُجوعُ؟
وَهَل بَعدَ إِعراضِ الحَبيبِ تَواصُلٌ … وَهَل لِبُدورٍ قَد أَفَلنَ طُلوعُ؟
أَينَ حُرَقُ المُجتَهِدينَ في نَهارِهِ؟ أَينَ قَلَقُ المُتَهَجِّدينَ في أَسحارِهِ؟
إِذا كانَ هٰذا جَزَعُ مَن رَبِحَ فيهِ، فَكَيفَ حالُ مَن خَسِرَ في أَيّامِهِ وَلَيالِيهِ؟ ماذا يَنفَعُ المُفَرِّطَ فيهِ بُكاؤُهُ، وَقَد عَظُمَت فيهِ مُصيبَتُهُ وَجَلَّ عَزاؤُهُ؟ كَم نُصِحَ المِسكينُ فَما قَبِلَ النُّصحَ! كَم دُعِيَ إِلى المُصالَحَةِ فَما أَجابَ إِلى الصُّلحِ! كَم شاهَدَ الواصِلينَ فيهِ وَهُوَ مُتَباعِدٌ! كَم مَرَّت بِهِ زُمَرُ السّائِرينَ وَهُوَ قاعِدٌ، حَتّى إِذا ضاقَ بِهِ الوَقتُ وَحاقَ بِهِ المَقتُ، نَدِمَ عَلَى التَّفريطِ حِينَ لا يَنفَعُ النَّدَمُ، وَطَلَبَ الاستِدراكَ في وَقتِ العَدَمِ.
أَتَترُكُ مَن تُحِبُّ وَأَنتَ جارُ … وَتَطلُبُهُم إِذا بَعُدَ المَزارُ؟
وَتَبكِي بَعدَ نَأيِهِمُ اشتِياقًا … وَتَسأَلُ في المَنازِلِ أَينَ سارُوا؟
تَرَكتَ سُؤالَهُم وَهُم حُضورٌ … وَتَرجُو أَن تُخَبِّرَكَ الدِّيارُ؟
فَنَفسَكَ لُم وَلا تَلُمِ المَطايا … وَمُت كَمَدًا، فَلَيسَ لَكَ اعتِذارُ

عَسى ساعَةَ التَّوبَةِ
يا شَهرَ رَمَضانَ، تَرَفَّق؛ دُموعُ المُحِبِّينَ تَدَفَّق، قُلوبُهُم مِن أَلَمِ الفِراقِ تَشَقَّق.
عَسى وَقفَةٌ لِلوَداعِ تُطفِئُ مِن نارِ الشَّوقِ ما أَحرَقَ، عَسى ساعَةُ تَوبَةٍ وَإِقلاعٍ تَرفُو مِنَ الصِّيامِ كُلَّ ما تَخَرَّقَ، عَسى مُنقَطِعٌ عَن رَكبِ المَقبولينَ يَلحَقَ، عَسى أَسيرُ الأَوزارِ يُطلَقَ، عَسى العاصِي مِنَ النّارِ يُعتَقَ، عَسى رَحمَةُ المَولى لَها العاصِي يُوَفَّقَ.
عَسى وَعَسى مِن قَبلِ وَقتِ التَّفَرُّقِ … إِلى كُلِّ ما تَرجُو مِنَ الخَيرِ تَرتَقِي
فَيُجبَرُ مَكسورٌ، وَيُقبَلُ تائِبٌ … وَيُعتَقُ خَطّاءٌ، وَيَسعَدُ مَن شَقِي

دُعاءُ جَعفَرٍ الصّادِقِ في آخِرِ رَمَضانَ
كانَ جَعفَرُ الصّادِقُ يَدعُو في آخِرِ رَمَضانَ، فَيَقولُ:
اللَّهُمَّ رَبَّ رَمَضانَ، مُنزِلَ القُرآنِ، هٰذا شَهرُ رَمَضانَ الَّذي أُنزِلَ فيهِ القُرآنُ قَدِ انقَضَى، أَي رَبِّ، فَأَعوذُ بِوَجهِكَ الكَريمِ أَن يَطلُعَ الفَجرُ مِن لَيلَتِي هٰذِهِ، أَو يَخرُجَ رَمَضانُ وَعَلَيَّ ذَنبٌ تُعَذِّبُنِي بِهِ يَومَ أَلقاكَ.