الحَمدُ لِلهِ البَرِّ الوَهَّابِ، الَّذِي بَلَّغَنَا رَمَضَانَ شَهرَ المَتَابِ، وَوَعَدَ فِيهِ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ، وَأَنعَمَ بِالعَفوِ عَنِ الأَوزَارِ، وَتَكَرَّمَ بِعِتقِ الرِّقَابِ. وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ خَيرِ مَن صَلَّى وَصَامَ، وَأَفضَلِ مَن وَصَلَ الرَّحِمَ وَأَطعَمَ الطَّعَامَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ حُمَاةِ الإِسلَامِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَهٰذَا وَدَاعٌ لِشَهرٍ عَظِيمٍ، وَمَوسِمٍ كَرِيمٍ، شَهرٍ مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَكَانَ مِنهُ المَغفِرَةُ وَالعِتقُ وَالإِحسَانُ، شَهرٍ تَتَنَزَّلُ فِيهِ الرَّحَمَاتُ، وَتُرفَعُ فِيهِ الدَّرَجَاتُ، وَتُكَفَّرُ فِيهِ السَّيِّئَاتُ.
مَنَّ اللهُ عَلَينَا بِشَهرٍ لَيَالِيهِ مِن أَنوَرِ لَيَالِي العَامِ، وَأَيَّامُهُ مُطَهَّرَةٌ مِن دَنَسِ الآثَامِ، وَصِيَامُهُ أَفضَلُ الصِّيَامِ، وَقِيَامُهُ أَجَلُّ القِيَامِ. شَهرٌ فَضَّلَ اللهُ بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَخَصَّهَا فِيهِ بِفَضَائِلَ جِسَامٍ.
شَهرٌ جَعَلَهُ اللهُ مِصبَاحَ العَامِ، وَوَاسِطَةَ النِّظَامِ، وَمِن أَشرَفِ قَوَاعِدِ الإِسلَامِ، المُشَرَّفُ بِنُورِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالقِيَامِ.
شَهرٌ أَنزَلَ اللهُ فِيهِ كِتَابَهُ، وَفَتَحَ لِلتَّائِبِينَ فِيهِ أَبوَابَهُ؛ فَالدُّعَاءُ فِيهِ مَسمُوعٌ، وَالعَمَلُ فِيهِ مَرفُوعٌ، وَالخَيرُ فِيهِ مَجمُوعٌ، وَالشَّرُّ فِيهِ مَدفُوعٌ.
شَهرُ الأَعمَالِ الحَسَنَةِ فِيهِ مَوفُورَةٌ، وَالتَّوبَةُ فِيهِ مَقبُولَةٌ، وَالرَّحمَةُ مِنَ اللهِ لِمُلتَمِسِهَا مَعَ أَعمَالٍ صَالِحَةٍ مَبذُولَةٍ. وَالمَسَاجِدُ بِذِكرِ اللهِ فِيهِ مَعمُورَةٌ، وَقُلُوبُ المُؤمِنِينَ بِالتَّوبَةِ فِيهِ مَسرُورَةٌ.
وَكَم كَانَ فِيهِ مِن دَمعَةٍ صَادِقَةٍ، وَدَعوَةٍ خَاشِعَةٍ، وَتَوبَةٍ نَاصِحَةٍ، وَنَفسٍ أَقبَلَت عَلَى رَبِّهَا مُنيبَةً مُخْبِتَةً.
فَيَا لَهُ مِن شَهرٍ مَا أَسرَعَ انقِضَاءَهُ، وَمَا أَعظَمَ فِيهِ العَطَاءُ! كَأَنَّهُ طَيفٌ زَارَنَا ثُمَّ وَدَّعَنَا، وَمَوسِمٌ أَقبَلَ فَأَكرَمَ، ثُمَّ أَدبَرَ فَأَحلَمَ.
فَطُوبَى لِمَن أَحسَنَ فِيهِ العَمَلَ، وَاغتَنَمَ سَاعَاتِهِ، وَحَافَظَ عَلَى طَاعَاتِهِ، وَوَاصَلَ مَا بَدَأَهُ مِن قُرْبٍ وَإِقبَالٍ.
وَوَيلٌ لِمَن ضَيَّعَ أَيَّامَهُ، وَفَرَّطَ فِي لَيَالِيهِ، وَخَرَجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ، لَم تَتَغَيَّر نَفسُهُ، وَلَم يَتَزَكَّ قَلبُهُ.
فَلْنَكُن بَعدَ رَمَضَانَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيهِ فِيهِ مِن طَاعَةٍ وَاستِقَامَةٍ، فَإِنَّ رَبَّ رَمَضَانَ هُوَ رَبُّ سَائِرِ الشُّهُورِ، وَمَن كَانَ يَعبُدُ رَمَضَانَ فَإِنَّ رَمَضَانَ قَدِ انقَضَى، وَمَن كَانَ يَعبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ.
نَسأَلُ اللهَ أَن يَتَقَبَّلَ مِنَّا الصِّيَامَ وَالقِيَامَ، وَأَن يَجعَلَنَا مِنَ العُتَقَاءِ مِنَ النِّيرَانِ، وَأَن يُعِيدَهُ عَلَينَا أَعوَامًا عَدِيدَةً وَأَزمَانًا مَدِيدَةً وَنَحنُ فِي أَحسَنِ حَالٍ.
وَنَسأَلُهُ سُبحَانَهُ أَن يُفَرِّجَ الكَربَ عَن إِخوَانِنَا فِي غَزَّةَ وَالضِّفَّةِ، وَأَن يَرفَعَ عَنهُمُ البَلَاءَ، وَأَن يَرُدَّ الكَيدَ عَن أُمَّةِ الإِسلَامِ، وَيَجمَعَ شَملَهَا عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.