بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (13) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 12]
أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: سَتُغْلَبُونَ، وَالمُرَادُ بِهِمْ -عَلَى هٰذَا التَّفْسِيرِ- مُشْرِكُو مَكَّةَ، وَقَدْ وَقَعَ ذٰلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾
أَيْ: تُجْمَعُونَ إِلَيْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ لِتَدْخُلُوهَا وَتُعَذَّبُوا فِيهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
أَيْ: بِئْسَ المَسْتَقَرُّ وَالمُقَامُ جَهَنَّمُ؛ فَهِيَ فِرَاشٌ لِأَهْلِهَا، وَلٰكِنَّهُ فِرَاشُ العَذَابِ وَالشَّقَاءِ.
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: 13]
قَدْ كَانَ لَكُمْ -أَيُّهَا المُخَاطَبُونَ، وَهُم عَلَى هٰذَا القَوْلِ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ- عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ وَدَلِيلٌ بَيِّنٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا يَوْمَ بَدْرٍ: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهِيَ فِئَةُ المُؤْمِنِينَ، وَفِئَةٌ أُخْرَى كَافِرَةٌ، وَهِيَ فِئَةُ المُشْرِكِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾
قِيلَ: إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا يَرَوْنَ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ، أَيْ: نَحْوَ أَلْفَيْنِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، أَيْ: سِتَّمِائَةٍ وَنَيِّفًا وَعِشْرِينَ. وَالمَقْصُودُ أَنَّ اللهَ أَرَاهُمُ المُؤْمِنِينَ -مَعَ قِلَّتِهِمْ- عَلَى صُورَةٍ تُورِثُ المَهَابَةَ وَالجُبْنَ فِي قُلُوبِهِمْ. وَقُرِئَ: «تَرَوْنَهُمْ»، أَيْ: تَرَوْنَ -يَا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ- المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ فِئَتِكُمْ الكَافِرَةِ، أَوْ مِثْلَيْ أَنْفُسِهِمْ. وَلَا يُنَاقِضُ هٰذَا مَا وَرَدَ فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ مِنْ تَقْلِيلِهِمْ فِي أَعْيُنِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قُلِّلُوا فِي أَعْيُنِهِمْ أَوَّلًا حَتَّى اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا الْتَقَوْا وَتَقَارَبُوا كُثِّرُوا فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى دَخَلَهُمُ الخَوْفُ وَحَصَلَتِ الغَلَبَةُ عَلَيْهِمْ. فَالتَّقْلِيلُ وَالتَّكْثِيرُ كِلَاهُمَا وَاقِعٌ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الحَالَيْنِ، وَفِي هٰذَا أَبْلَغُ الدَّلَالَةِ عَلَى القُدْرَةِ وَأَعْظَمُ البُرْهَانِ عَلَى صِدْقِ الآيَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هٰذِهِ الرُّؤْيَةَ كَانَتْ رُؤْيَةً ظَاهِرَةً مُبَاشِرَةً لَا لَبْسَ فِيهَا وَلَا تَخَيُّلَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
أَيْ: يُقَوِّي وَيَنْصُرُ مَنْ أَرَادَ نَصْرَهُ، كَمَا أَيَّدَ أَهْلَ بَدْرٍ بِهٰذِهِ الأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ وَالخَفِيَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾
أَيْ: إِنَّ فِي هٰذَا الَّذِي وَقَعَ مِنْ تَكْثِيرِ القَلِيلِ، وَإِظْهَارِ النَّصْرِ لِأَهْلِ الحَقِّ، لَمَوْعِظَةً وَدَلَالَةً بَيِّنَةً لِأَصْحَابِ البَصَائِرِ وَالعُقُولِ النَّافِذَةِ.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]
أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ، وَالمُزَيِّنُ -عِنْدَ الجُمْهُورِ- هُوَ اللهُ تَعَالَى؛ جَعَلَ ذٰلِكَ ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا، كَمَا قَالَ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾. وَيَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ قِرَاءَةُ مُجَاهِدٍ: «زَيَّنَ لِلنَّاسِ» عَلَى تَسْمِيَةِ الفَاعِلِ. وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أَنَّ المُزَيِّنَ هُوَ الشَّيْطَانُ. وَالشَّهْوَةُ هِيَ تَوَقَانُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ وَمَيْلُهَا إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتِ الأَعْيَانُ المَذْكُورَةُ نَفْسُهَا «شَهَوَاتٍ» عَلَى سَبِيلِ المُبَالَغَةِ فِي كَوْنِهَا مَشْتَهَاةً، أَوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خِسَّتِهَا عِنْدَ أَهْلِ الحِكْمَةِ؛ إِذِ الشَّهْوَةُ فِي نَظَرِهِمْ أَمْرٌ مُسْتَرْذَلٌ، وَمَنِ اسْتَرْسَلَ مَعَهَا فَقَدْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالبَهِيمِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾
يَدْخُلُ فِيهِ الحَرَائِرُ وَالإِمَاءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْبَنِينَ﴾
وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الِابْنِ قَدْ يَقَعُ فِي غَيْرِ هٰذَا المَوْضِعِ عَلَى الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ، فَإِنَّ المُرَادَ هُنَا الذُّكُورُ؛ لِأَنَّهُمْ أَشْهَى فِي الطِّبَاعِ، وَأَعَدُّ لِلدِّفَاعِ وَالمُنَاضَلَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾
القَنَاطِيرُ جَمْعُ قِنْطَارٍ، وَهُوَ المَالُ الكَثِيرُ، وَقِيلَ: هُوَ مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، وَقِيلَ: مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كَانَ بِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا. وَالمُقَنْطَرَةُ قِيلَ: هِيَ المُنَضَّدَةُ المُكَدَّسَةُ، وَقِيلَ: المَدْفُونَةُ. يُقَالُ نَضَدَ متَاعَه وَضَعَ بَعضَه على بَعضٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾
سُمِّيَ الذَّهَبُ ذَهَبًا؛ لِسُرْعَةِ ذَهَابِهِ بِالإِنْفَاقِ، وَسُمِّيَتِ الفِضَّةُ فِضَّةً؛ لِأَنَّهَا تَتَفَرَّقُ بِالإِنْفَاقِ، وَالفَضُّ هُوَ التَّفْرِيقُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾
سُمِّيَتِ الخَيْلُ بِهٰذَا الِاسْمِ لِاخْتِيَالِهَا فِي مِشْيَتِهَا. وَالمُسَوَّمَةُ: المُعَلَّمَةُ مِنَ السِّيمَا وَهِيَ العَلَامَةُ، أَوِ المُرْسَلَةُ فِي الرَّعْيِ مِنْ أَسَامَ الدَّابَّةَ وَسَوَّمَهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾
أَيْ: الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ، وَهِيَ الأَزْوَاجُ الثَّمَانِيَةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْحَرْثِ﴾
أَيْ: الزَّرْعِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ أَسْبَابِ المَعَاشِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
أَيْ: هٰذَا كُلُّهُ مَتَاعٌ يَتَمَتَّعُ بِهِ الإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا مُدَّةً يَسِيرَةً ثُمَّ يَزُولُ وَيَنْقَطِعُ. وَأَمَّا اللهُ فَعِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ، أَيْ: عِنْدَهُ المَرْجِعُ الحَسَنُ، وَالمُنْقَلَبُ الكَرِيمُ، وَهُوَ مَا أَعَدَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي لَا يَفْنَى وَلَا يَزُولُ.