بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)﴾ [آل عمران: ١٢٦-١٢٧]
﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلّا بُشرى لَكُم وَلِتَطمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾ يَعودُ الضَّمِيرُ فِيهِ، عَلَى ما ذَكَرَهُ بَعضُ أَهلِ العِلمِ، إِلَى الإِمدادِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكرُهُ فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿أَلَن يَكفِيَكُم أَن يُمِدَّكُم رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، وَقَولِهِ تَعالى: ﴿بَلى إِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأتُوكُم مِن فَورِهِم هٰذا يُمدِدكُم رَبُّكُم بِخَمسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. فَالمَعنى: ما جَعَلَ اللهُ تَعالى هٰذا الإِمدادَ بِالمَلائِكَةِ إِلَّا بُشرى لَكُم، أَي بَشارَةً بِالنَّصرِ وَالتَّأيِيدِ.
فَقُدُومُ المَلائِكَةِ إِلَى ساحَةِ القِتالِ كانَ عَلامَةً عَظِيمَةً عَلَى قُربِ النَّصرِ، وَتَثبِيتًا لِقُلُوبِ المُؤمِنِينَ.
وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ اللهَ تَعالى أَمَدَّ المُسلِمِينَ يَومَ بَدرٍ بِالمَلائِكَةِ، فَنَزَلَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ فِي أَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ مِيكائِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ فِي أَلفٍ، ثُمَّ إِسرافِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ فِي أَلفٍ، عَلَى ما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِن أَهلِ السِّيَرِ وَالتَّفسيرِ. وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدعُو رَبَّهُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيهِ، وَإِلَى جَوارِهِ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ﷺ بِوَعدِ اللهِ وَنَصرِهِ، فَقالَ مَعناهُ: أَبشِر يا أَبا بَكرٍ، أَتى وَعدُ اللهِ، أَتى نَصرُ اللهِ.
فَهٰذَا الإِمدادُ كانَ بُشرى، وَكانَ أَيضًا سَبَبًا لِطُمَأنِينَةِ القُلُوبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلِتَطمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾. فَلَو كانَ المُؤمِنُ وَحدَهُ فِي ساحَةِ القِتالِ، ثُمَّ رَأى مِن عَلاماتِ نَصرِ اللهِ وَمَدَدِهِ ما يُثَبِّتُهُ، انشَرَحَ صَدرُهُ، وَقَوِيَ قَلبُهُ، وَاطمَأَنَّ إِلَى وَعدِ اللهِ تَعالى.
وَالمَلائِكَةُ تَنزِلُ مِنَ السَّماءِ، فالسَّماءُ مَسكَنُ المَلائِكَةِ، وَأَمّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَسكُنُ السَّماءَ وَلَا الأَرضَ؛ لأَنَّهُ سُبحانَهُ خالِقُ السَّماءِ وَالأَرضِ وَالمَكانِ وَالزَّمانِ، وَكانَ مَوجُودًا قَبلَ خَلقِ العالَمِ كُلِّهِ، بِلَا مَكانٍ وَلَا جِهَةٍ وَلَا كَيفٍ، وَهُوَ الآنَ عَلَى ما عَلَيهِ كانَ، مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا، مُنَزَّهٌ عَنِ الحُلُولِ فِي الأَماكِنِ وَعَن سِماتِ المَخلُوقِينَ.
وَالمَلائِكَةُ عِبادٌ مُكرَمُونَ، طائِعُونَ لِلهِ تَعالى، لا يَعصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ ما يُؤمَرُونَ. خَلَقَهُمُ اللهُ مِن نُورٍ، فَهُم أَجسامٌ نُورانِيَّةٌ لَطِيفَةٌ، لا يَأكُلُونَ، وَلَا يَشرَبُونَ، وَلَا يَتَوالَدُونَ، وَلَا يَنامُونَ، وَلَيسُوا ذُكُورًا وَلَا إِناثًا. وَقَد يَحضُرُونَ مَجالِسَ العِلمِ وَالذِّكرِ، وَيَحُفُّونَ أَهلَها بِأَجنِحَتِهِم، فَيَجِدُ المُؤمِنُ فِي مَجلِسِ العِلمِ أُنسًا وَسَكِينَةً، وَإِن كانَ لا يَراهم.
وَقَد يَكشِفُ اللهُ تَعالى لِبَعضِ عِبادِهِ شَيئًا مِن ذٰلِكَ، فَيَرى ما لا يَراهُ غَيرُهُ، كَما ذَكَرَ بَعضُ النّاسِ أَنَّهُم رَأَوا فِي بَعضِ اللَّيالِي المُبارَكَةِ، كَلَيلَةِ القَدرِ، أَجسامًا نُورانِيَّةً تَنزِلُ، أَو رَأَوا بَابًا مِن أَبوابِ السَّماءِ يُفتَحُ لَحَظاتٍ، ثُمَّ يُغلَقُ. وَمَن وَفَّقَهُ اللهُ لِمِثلِ هٰذِهِ اللَّحَظاتِ فَليَغتَنِمها بِالدُّعاءِ وَالاستِغفارِ وَصِدقِ اللُّجُوءِ إِلَى اللهِ.
وَقَد جاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يَنزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيلَةٍ إِلَى السَّماءِ الدُّنيا»، وَقَد فَسَّرَ الإِمامُ مالِكُ بنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هٰذَا بِأَنَّهُ نُزُولُ رَحمَةٍ لا نُزُولُ نُقلَةٍ. فاللهُ تَعالى لا يَنتَقِلُ مِن مَكانٍ إِلَى مَكانٍ، وَلا تَحِلُّ بِهِ الحَوادِثُ، وَإِنَّما المَعنى أَنَّ اللهَ يَتَفَضَّلُ عَلَى عِبادِهِ فِي ذٰلِكَ الوَقتِ بِالرَّحمَةِ وَالإِجابَةِ، وَتَنزِلُ مَلائِكَتُهُ بِأَمرِهِ. وَفِي بَعضِ الرِّواياتِ: «إِنَّ رَبَّكُم يَقولُ: هَل مِن داعٍ فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ هَل مِن مُستَغفِرٍ فَأَغفِرَ لَهُ؟ هَل مِن سائِلٍ فَأُعطِيَهُ؟».
وَلِذٰلِكَ يَنبَغِي أَن يَكونَ وَقتُ السَّحَرِ وَوَقتُ السُّحُورِ وَقتَ سَكِينَةٍ وَذِكرٍ وَدُعاءٍ، لا وَقتَ لَغوٍ وَكَثرَةِ كَلامٍ. فَالمَلائِكَةُ تَحضُرُ، وَتَدعُو لِلمُتَسَحِّرِينَ، وَالعَبدُ فِي ذٰلِكَ الوَقتِ أَحرى أَن يُكثِرَ مِنَ الاستِغفارِ وَالدُّعاءِ.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِلّا بُشرى لَكُم﴾ أَي جَعَلَ اللهُ هٰذَا الإِمدادَ بَشارَةً تَسُرُّ قُلُوبَكُم، وَتَفتَحُ لَكُم بابَ الرَّجاءِ فِي نَصرِ اللهِ. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلِتَطمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ أَي وَلِتَسكُنَ قُلُوبُكُم وَتَثبُتَ فِي مَوقِفِ القِتالِ، فَإِنَّ مِنَ الجُيُوشِ مَن يَنهَزِمُ بِالخَوفِ قَبلَ أَن يُهزَمَ بِالسَّيفِ، وَمِنها مَن يَثبُتُ لِقُوَّةِ قَلبِهِ وَثِقَتِهِ بِرَبِّهِ.
وَمِن هٰذَا البابِ ما وَقَعَ فِي فُتُوحِ المُسلِمِينَ مِن حُسنِ التَّدبيرِ وَتَقوِيَةِ القُلُوبِ، كَما كانَ يَفعَلُ خالِدُ بنُ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي بَعضِ المَواقِفِ، إِذ يُدخِلُ المَدَدَ عَلَى دُفعاتٍ مِن جِهاتٍ مُختَلِفَةٍ، فَيُثيرُونَ الغُبارَ وَيُكَبِّرُونَ، فَيَظُنُّ المُسلِمُونَ أَنَّ مَدَدًا كَبيرًا قَد جاءَهُم، فَتَقوَى قُلُوبُهُم، وَيَقَعُ الرُّعبُ فِي قُلُوبِ أَعدائِهِم. وَقَد كانَ مِنَ الرِّجالِ مَن يَعدِلُ أَلفًا فِي ثَباتِهِ وَشَجاعَتِهِ، كَالقَعقاعِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حَتّى قِيلَ: لا يُهزَمُ جَيشٌ فِيهِ القَعقاعُ.
فَإِمدادُ اللهِ تَعالى لِأَهلِ بَدرٍ بِالمَلائِكَةِ كانَ بُشرى وَسَكِينَةً وَطُمَأنِينَةً، وَكانَ سَبَبًا مِن أَسبابِ النَّصرِ. وَلٰكِن يَنبَغِي أَلَّا يَتَعَلَّقَ القَلبُ بِالسَّبَبِ وَيَنسَى مُسَبِّبَ الأَسبابِ؛ وَلِذٰلِكَ قالَ اللهُ تَعالى بَعدَهُ: ﴿وَما النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾.
﴿وَما النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]
مَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿وَما النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللهِ﴾ أَنَّ النَّصرَ لا يَخلُقُهُ إِلَّا اللهُ، وَلَو شاءَ اللهُ تَعالى أَن يَنصُرَ عِبادَهُ مِن غَيرِ مَلائِكَةٍ وَلَا أَسبابٍ ظاهِرَةٍ لَنَصَرَهُم، وَلٰكِنَّهُ سُبحانَهُ يَجعَلُ الأَسبابَ حِكمَةً وَابتِلاءً وَتَثبِيتًا. فَالمَلائِكَةُ سَبَبٌ، وَالسِّلاحُ سَبَبٌ، وَالتَّدبيرُ سَبَبٌ، وَقُوَّةُ القُلُوبِ سَبَبٌ، أَمّا خَلقُ النَّصرِ فَمِن عِندِ اللهِ وَحدَهُ.
وَهٰذَا يَمنَعُ المُؤمِنَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالأَسبابِ تَعَلُّقَ اعتمادٍ وَغَفلَةٍ عَنِ اللهِ. فَقَد يَجعَلُ اللهُ تَعالى الشِّفاءَ بِدَواءٍ، وَقَد يَجعَلُهُ بِدُعاءٍ أَو قِراءَةِ فاتِحَةٍ أَو صَدَقَةٍ، وَقَد يَجعَلُهُ بِغَيرِ ما يَتَوَقَّعُهُ النّاسُ. وَقَد يَجعَلُ اللهُ تَعالى لِلمُؤمِنِ مِنَ الذِّكرِ وَالتَّسبيحِ ما يَقومُ لَهُ مَقامَ الطَّعامِ وَالشَّرابِ فِي زَمَنِ مَجاعَةٍ أَو شِدَّةٍ، فَالأَمرُ كُلُّهُ لِلهِ.
فَهٰذِهِ الأُمَّةُ لا تَييأسُ مِن نَصرِ اللهِ، وَإِن اشتَدَّ البَلاءُ وَتَكالَبَ الأَعداءُ. فَقَد تَنقَلِبُ المَوازِينُ فِي لَيلَةٍ واحِدَةٍ، وَقَد تَنهارُ قُوًى ظَنَّها النّاسُ لا تَنهارُ، بِأَسبابٍ خَفِيَّةٍ لا يَعرِفُها أَكثَرُ النّاسِ. فَعلَى المُؤمِنِ أَن يَثبُتَ عَلَى طاعَةِ اللهِ، وَأَن يَعلَمَ أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ.
وَذِكرُ اسْمَيِ اللهِ تَعالى: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ فِي هٰذَا المَوضِعِ فِيهِ دَلالَةٌ بَلِيغَةٌ؛ فَاللهُ هُوَ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ فِي حُكمِهِ، وَلَا يَقهَرُهُ قاهِرٌ، وَلَا يَمنَعُ ما شاءَهُ مانِعٌ. وَهُوَ الحَكِيمُ الَّذِي يَضَعُ الأُمُورَ فِي مَواضِعِها، فَيَنصُرُ مَن يَشاءُ بِحِكمَتِهِ، وَيَبتَلِي أَولياءَهُ بِأَعدائِهِ، وَيُظْهِرُ صِدقَ الصّادِقِينَ وَيُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.
فَقَد كانَ أَهلُ بَدرٍ قِلَّةً، وَمَعَ ذٰلِكَ نَصَرَهُمُ اللهُ. وَما زالَ مَوضِعُ بَدرٍ، عَلَى بُعدِ نَحوِ مِئَةٍ وَسَبعِينَ كِيلُومِترًا مِنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، يَشهَدُ عَلَى ذٰلِكَ اليَومِ العَظِيمِ؛ فَفِيهِ مَقبرَةُ شُهَداءِ بَدرٍ، وَفِيهِ مَواضِعُ تَذكُرُها السِّيَرُ، كَجَبَلِ المَلائِكَةِ وَكَثِيبِ الحَنّانِ، وَقَد ذَكَرَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ وَالأَخبارِ أَسرارًا وَآثارًا فِي ذٰلِكَ المَوضِعِ.
وَإِذا قَصَّرَ مَن قَصَّرَ، وَخَذَلَ مَن خَذَلَ، فَاللهُ هُوَ الَّذِي يَخلُقُ النَّصرَ، وَإِلَيهِ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ. وَلِذٰلِكَ يَقولُ المُؤمِنُ فِي صَلاتِهِ: ﴿إِيّاكَ نَعبُدُ وَإِيّاكَ نَستَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، أَي نَعبُدُكَ وَحدَكَ يا اللهُ، وَنَطلُبُ مِنكَ وَحدَكَ خَلقَ العَونِ وَالمَدَدِ. وَلا يُعارِضُ ذٰلِكَ أَن يَستَعِينَ المُؤمِنُ بِأَخِيهِ فِيما أَذِنَ اللهُ فِيهِ، فَالأَسبابُ مأذُونٌ بِها، وَلٰكِنَّ خَلقَ العَونِ وَالنَّصرِ مِنَ اللهِ وَحدَهُ.
وَمِن شَواهِدِ مَدَدِ اللهِ لأَوليائِهِ ما وَقَعَ لِعُمَرَ بنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حِينَ كانَ يَخطُبُ بِالمَدِينَةِ، وَجَيشُ المُسلِمِينَ بِأَرضِ فارِسَ، فَنادَى: يا سارِيَةُ، الجَبَلَ، الجَبَلَ. فَسَمِعَ سَارِيَةُ بنُ زُنَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ صَوتَهُ وَهُوَ بِأَرضِ نَهاوَنْدَ، فَالتَفَتَ إِلَى الجَبَلِ وَنَجَا الجَيشُ بِإِذنِ اللهِ. فَهٰذِهِ كَرامَةٌ مَشهُورَةٌ، يُظهِرُ اللهُ بِها أَنَّ الأَسبابَ كُلَّها تَحتَ قُدرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَقَد يُرادُ بِقَولِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلّا بُشرى لَكُم﴾ أَي ما جَعَلَ اللهُ الوَعدَ بِالنَّصرِ إِلَّا بُشرى لَكُم، فَيَكونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إِلَى الوَعدِ. وَكِلَا المَعنيَينِ مُتَقَارِبٌ فِي المَقصُودِ؛ فَالإِمدادُ وَالوَعدُ كِلاهُما بُشرى وَتَثبِيتٌ، وَالنَّصرُ مَعَ ذٰلِكَ كُلِّهِ مِن عِندِ اللهِ وَحدَهُ.
وَمِن مَظاهِرِ التَّأيِيدِ يَومَ بَدرٍ ما وَقَعَ لِبَعضِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، إِذ انكَسَرَ سَيفُ أَحَدِهِم، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهَزَّهُ، فَعادَ سَيفًا قَوِيًّا حادًّا، فَقَاتَلَ بِهِ، وَسُمِّيَ ذٰلِكَ السَّيفُ سَيفَ العَونِ. وَوَقَعَ لِآخَرَ أَنَّهُ لَم يَبقَ مَعَهُ ما يُقاتِلُ بِهِ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ عُودًا، فَهَزَّهُ، فَصارَ سَيفًا، فَقَاتَلَ بِهِ. فَهٰذِهِ كُلُّها أَسبابٌ وَآياتٌ يُؤَيِّدُ اللهُ بِها رَسُولَهُ ﷺ وَالمُؤمِنِينَ.
﴿لِيَقطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَو يَكبِتَهُم فَيَنقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لِيَقطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَعناهُ لِيُهلِكَ طائِفَةً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالقَتلِ وَالأَسرِ. فَقَد قُتِلَ مِنَ المُشرِكِينَ يَومَ بَدرٍ سَبعُونَ، وَأُسِرَ سَبعُونَ، وَكانَ القَتلُ فِي كِبارِ رُؤَسائِهِم وَقَادَتِهِم، فَكانَ لِذٰلِكَ أَثَرٌ عَظيمٌ فِي كَسرِ شَوكَتِهِم وَإِذهابِ هَيبَتِهِم.
فَقُتِلَ أَبُو جَهلٍ، وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسَمِّيهِ فِرعَونَ هٰذِهِ الأُمَّةِ، وَقُتِلَ عُقبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ، وَعُتبَةُ، وَشَيبَةُ، وَغَيرُهُم مِن رُؤُوسِ الكُفرِ. وَقَد كانَ لِسُقُوطِ هٰؤُلاءِ القادَةِ أَثَرٌ عَظيمٌ؛ فَإِذا أُصِيبَ رَأسُ العَدُوِّ وَقائِدُهُ، اضطَرَبَ الجَيشُ وَتَزَلزَلَت قُلُوبُ أَتباعِهِ.
وَقَد تَسابَقَ شابّانِ مِنَ المُسلِمِينَ إِلَى قَتلِ أَبِي جَهلٍ، وَكانَا يَبحَثانِ عَنهُ لِما بَلَغَهُما مِن أَذاهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. فَلَمّا وَجَداهُ، ضَرَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ضَربَةً، ثُمَّ جاءَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، كُلٌّ مِنهُما يَقولُ: أَنا قَتَلتُهُ يا رَسُولَ اللهِ. ثُمَّ أَدركَهُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ فِي أَنفاسِهِ الأَخيرَةِ، فَصَعِدَ عَلَيهِ، وَكانَ أَبُو جَهلٍ لا يَزالُ فِيهِ بَقِيَّةُ كِبرٍ، فَقالَ لَهُ كَلامًا يَدلُّ عَلَى حِقدِهِ وَاستِكبارِهِ، ثُمَّ عَجَّلَ اللهُ هَلاكَهُ عَلَى يَدِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿طَرَفًا﴾ فِيهِ إِشارَةٌ إِلَى قَطعِ ناحِيَةٍ مِن نَواحِي قُوَّتِهِم، وَإِهلاكِ طائِفَةٍ مِن أَطرافِ جَيشِهِم وَرُؤَسائِهِم. وَذَكَرَ بَعضُ أَهلِ التَّفسيرِ أَنَّ الوُصُولَ إِلَى وَسَطِ الجَيشِ لا يَكونُ إِلَّا بَعدَ قَطعِ أَطرافِهِ، فَجاءَ التَّعبِيرُ بِالطَّرَفِ لِما فِيهِ مِن مَعنى الإِضعافِ وَالإِهلاكِ وَإِسقاطِ أَطرافِ القُوَّةِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَو يَكبِتَهُم﴾ أَي يُخزِيَهُم، وَقِيلَ: يُغِيظَهُم بِالهَزِيمَةِ وَيُدخِلَ عَلَيهِمُ الغَمَّ وَالحَسرَةَ. وَالكَبتُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الوَهنِ وَالقَهرِ الَّذِي يَقَعُ فِي القَلبِ، حَتّى تَظهَرَ آثَارُهُ عَلَى الوَجهِ مِن كَآبَةٍ وَانكِسارٍ وَحُزنٍ. وَفِي المُقابِلِ سُمِّيَتِ الجَنَّةُ دارَ السَّلامِ؛ لأَنَّ أَهلَها سالِمُونَ مِن كَآبَةِ الدُّنيا وَحُزنِها وَنَصَبِها.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَيَنقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ أَي يَرجِعُوا مِن غَيرِ أَن يَظفَرُوا بِما أَرادُوا، بَل يَرجِعُونَ بِالخَيبَةِ وَالحَسرَةِ. وَهٰذا ما وَقَعَ يَومَ بَدرٍ، فَقَد خَرَجُوا بِزَهوٍ وَكِبرٍ، وَاصطحَبُوا مَعَهُم ما يَظُنُّونَ أَنَّهُ سَبَبُ فَرحٍ وَلَهوٍ وَاحتِفالٍ، يَرجُونَ أَن يَكسِرُوا المُسلِمِينَ، فَرَدَّهُمُ اللهُ خائِبِينَ مَكسُورِينَ.
وَمِن جُملَةِ مَن أَصابَهُمُ الكَبتُ وَالحُزنُ أَبُو لَهَبٍ، مَعَ أَنَّهُ لَم يَشهَدِ المَعرَكَةَ، وَلٰكِنَّهُ كانَ فِي مَكَّةَ يَنتَظِرُ خَبَرَ غَلَبَةِ المُشرِكِينَ، فَلَمّا جاءَ الخَبَرُ بِمَقتَلِ رُؤَسائِهِم وَأَسرِ كِبارِهِم، أَهلَكَهُ اللهُ كَمَدًا وَحَسرَةً وَمَرَضًا. فَهٰذا مِن مَعنى الخَيبَةِ وَالكَبتِ الَّذِي أَصابَ أَعداءَ اللهِ.
وَقَد ذَكَرَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ قَولَهُ تَعالى: ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنّا نَأتِي الأَرضَ نَنقُصُها مِن أَطرافِها﴾ [الرعد: ٤١]، وَرَبَطُوا ذٰلِكَ بِمَعنى قَطعِ الطَّرَفِ، فَقِيلَ: مِن ذٰلِكَ إِظهارُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَانتِشارُها فِي الأَرضِ وَغَلَبَتُها عَلَى أَطرافِ الكُفرِ. وَقَد كانَ ذٰلِكَ زَمانًا، وَسَيَرجِعُ بِإِذنِ اللهِ تَعالى، وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ.
فَالمَعنى الجَامِعُ أَنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ الإِمدادَ وَالوَعدَ بُشرى وَطُمَأنِينَةً لِلمُؤمِنِينَ، وَبَيَّنَ أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِهِ وَحدَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مِن حِكَمِ ذٰلِكَ أَن يُهلِكَ طَرَفًا مِنَ الكافِرِينَ، أَو يُخزِيَهُم وَيَكبتَهُم، فَيَرجِعُوا خائِبِينَ لا يَنالُونَ ما أَرادُوا. وَفِي ذٰلِكَ كُلِّهِ تَثبِيتٌ لِقُلُوبِ المُؤمِنِينَ، وَتَعلِيمٌ لَهُم أَلَّا يَتَعَلَّقُوا إِلَّا بِاللهِ، وَأَن يَعلَمُوا أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِهِ، وَأَنَّهُ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، الحَكِيمُ الَّذِي يَفعَلُ ما يَشاءُ بِحِكمَةٍ وَعِلمٍ.