بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ (124) بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)﴾
﴿إِذ تَقُولُ لِلمُؤمِنِينَ أَلَن يَكفِيَكُم أَن يُمِدَّكُم رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]
يَذكُرُ اللهُ تَعالى مِن جُملَةِ ما ثَبَّتَ بِهِ قُلوبَ المُؤمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لَهُم: ﴿أَلَن يَكفِيَكُم أَن يُمِدَّكُم رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾. فَهٰذا تَثبِيتٌ وَبُشرى وَتَقوِيَةٌ لِلقُلُوبِ، وَفِيهِ تَعلِيمٌ لِلمُؤمِنِينَ أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ، وَأَنَّ اللهَ قادِرٌ عَلَى أَن يُمِدَّ عِبادَهُ بِجُنُودٍ مِن عِندِهِ، لا يَعلَمُها إِلَّا هُوَ.
وَالإِمدادُ بِالمَلائِكَةِ كانَ مِن أَسبابِ تَثبِيتِ المُؤمِنِينَ وَبِشارَتِهِم بِنَصرِ اللهِ، لا لأَنَّ اللهَ تَعالى يَحتاجُ إِلَى المَلائِكَةِ لِيَنصُرَ عِبادَهُ، فَهُوَ سُبحانَهُ قادِرٌ عَلَى نَصرِهِم بِلا سَبَبٍ ظاهِرٍ، وَلٰكِنَّهُ يَجعَلُ الأَسبابَ حِكمَةً وَابتِلاءً وَتَثبِيتًا. فَكَمَا أَمَرَ المُؤمِنِينَ بِالأَخذِ بِأَسبابِ القِتالِ، أَمدَّهُم بِأَسبابٍ مِن عِندِهِ، وَالعاقِبَةُ لِأَهلِ الإِيمانِ وَالتَّقوى.
بَعدَ أَن ذَكَرَ اللهُ تَعالى قِلَّةَ عَدَدِ المُسلِمِينَ يَومَ بَدرٍ، وَوَصّاهُم بِالتَّقوى، ذَكَرَ ما ثَبَّتَ بِهِ قُلُوبَهُم فِي ذٰلِكَ المَشهَدِ الشَّديدِ، فَقالَ: ﴿إِذ تَقُولُ لِلمُؤمِنِينَ أَلَن يَكفِيَكُم أَن يُمِدَّكُم رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾.
وَكانَت بَدرٌ أَوَّلَ مُواجَهَةٍ كُبرى حَصَلَ فِيها قِتالٌ بَينَ المُسلِمِينَ وَالمُشرِكِينَ. فَقَد سَبَقَتها غَزَواتٌ خَرَجَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ، كَغَزوَةِ الأَبواءِ، وَيُقالُ لَها وَدّانُ، وَغَزوَةِ بُواطٍ، وَغَزوَةِ العُشَيرَةِ، وَغَزوَةِ سَفَوانَ، وَيُقالُ لَها بَدرُ الصُّغرى، وَلٰكِنَّها لَم يَقَع فِيها قِتالٌ كَقِتالِ بَدرٍ الكُبرى. فَكانت بَدرٌ مَشهَدًا عَظيمًا واجَهَ فِيهِ المُسلِمُونَ رُؤُوسَ الكُفرِ الَّذِينَ آذَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصحابَهُ فِي مَكَّةَ.
فَكانَ فِي جَيشِ المُشرِكِينَ أَبُو جَهلٍ، وَعُقبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وَعُتبَةُ وَشَيبَةُ وَغَيرُهُم مِن رُؤُوسِ الشِّركِ، مِمَّن كانَت لَهُم مَكانَةٌ وَهَيبَةٌ عِندَ قُرَيشٍ وَفِيما حَولَها. وَكانَ المُسلِمُونَ الَّذِينَ استُضعِفُوا بِالأَمسِ فِي مَكَّةَ يُواجِهُونَ هٰؤُلاءِ الرُّؤَساءَ، وَقَد ثَبَّتَهُمُ اللهُ وَنَصَرَهُم.
وَقَد مَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَدرٍ، مارًّا بِمَواضِعَ مُبارَكَةٍ، مِنها بِئرُ الشِّفاءِ، وَفَجُّ الرَّوحاءِ، وَكَثيبُ الحَنّانِ، حَتّى وَصَلَ إِلَى مَوضِعِ المَعرَكَةِ. وَقَد بَقِيَت بَعضُ هٰذِهِ المَواضِعِ مَعلُومَةً عِندَ أَهلِ تِلكَ النّاحِيَةِ، وَفِيهَا مِن آثارِ السِّيرَةِ ما يُذَكِّرُ المُؤمِنَ بِمَسيرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصحابِهِ.
وَلَمّا نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَوضِعٍ مِن أَرضِ بَدرٍ، جاءَ الحُبابُ بنُ المُنذِرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَسَأَلَهُ بِأَدَبٍ: يا رَسُولَ اللهِ، أَهٰذا مَنزِلٌ أَنزَلَكَ اللهُ إِيّاهُ، أَم هُوَ الرَّأيُ وَالحَربُ وَالمَكِيدَةُ؟ فَقَالَ ﷺ مَعناهُ: بَل هُوَ الرَّأيُ وَالحَربُ وَالمَكِيدَةُ. فَأَشارَ الحُبابُ أَن يَنزِلَ المُسلِمُونَ عِندَ الآبارِ، فَيَشْرَبُوا وَيَمنَعُوا عَدُوَّهُم مِنَ الماءِ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَأيِهِ.
وَهُنا يَنبَغِي التَّنبِيهُ إِلَى قاعِدَةٍ مُهِمَّةٍ فِي مَقامِ الأَدَبِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَعصُومٌ، وَلَا يَخطِئُ فِي شَيءٍ مِن أَمرِ الدِّينِ وَالتَّبلِيغِ عَنِ اللهِ. فَإِذا أَعطى ﷺ حُكمًا شَرعِيًّا فَلَيسَ لأَحَدٍ أَن يُخَطِّئَهُ، وَلَا أَن يَتَقَدَّمَ عَلَيهِ، فَقَد قالَ العلماء: «كُلٌّ يُؤخَذُ مِن قَولِهِ وَيُترَكُ غَيرَ النَّبِيِّ». فَأُمُورُ الشَّرِيعَةِ لا يَقَعُ فِيها خَطَأٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لأَنَّهُ يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ تَعالى، وَلَو جازَ الخَطَأُ عَلَيهِ فِي التَّبلِيغِ لاختَلَّت قَواعِدُ الدِّينِ.
وَمِن هٰذا البابِ أَنَّهُ لا يَجوزُ لِأَحَدٍ أَن يُخَطِّئَ النَّبِيَّ ﷺ فِي مِثلِ قَولِهِ: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَأَكمِلُوا عِدَّةَ شَعبانَ ثَلاثِينَ»، فَيَقولَ قَولًا مُنكَرًا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَكُن يَدري بِما سَيَكونُ مِن آلاتٍ فَلَكِيَّةٍ. فَهٰذا مِن سُوءِ الأَدَبِ وَفَسادِ الفَهمِ، بَل الشَّرعُ جاءَ بِهٰذا الحُكمِ، وَالعُلَماءُ بَعَدَ ذٰلِكَ فَهِمُوا النُّصوصَ وَاجتَهَدُوا فِي تَفاصِيلِ المَطالِعِ وَغَيرِها، كَما قالَ الإِمامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِمَسأَلَةِ العُمُومِ، وَقالَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بِاعتِبارِ اتِّحادِ المَطالِعِ، وَهٰذا خِلافٌ مُعتَبَرٌ بَينَ الأَئِمَّةِ، لا يُنكَرُ فِيهِ عَلَى مُجتَهِدٍ مُعتَبَرٍ.
وَأَمّا ما كانَ مِن أُمُورِ الدُّنيا وَتَدبيرِ الحَربِ مِمّا لَم يَنزِل فِيهِ وَحيٌ، فَقَد يَستَشِيرُ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ أَصحابَهُ، وَيَأخُذُ بِرَأيِ مَن أَشارَ بِما فِيهِ مَصلَحَةٌ، كَما وَقَعَ فِي مَوضِعِ النُّزُولِ بِبَدرٍ. فَلَيسَ فِي ذٰلِكَ طَعنٌ فِي عِصمَتِهِ ﷺ، بَل هُوَ تَعليمٌ لِلأُمَّةِ الشُّورى وَالأَخذَ بِالأَسبابِ.
وَيَنبَغِي الحَذَرُ مِمّا يُروى فِي بَعضِ القِصَصِ أَو يُفهَمُ عَلَى غَيرِ وَجهِهِ مِن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخطَأَ فِي التَّشرِيعِ، أَو حَلَفَ عَلَى مَعصِيَةٍ، أَو نَحوِ ذٰلِكَ مِنَ العِباراتِ الفاسِدَةِ. فَالأَنبِياءُ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مُنَزَّهُونَ عَنِ الكَبائِرِ وَعَنِ الخِسَّةِ وَالدَّناءَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَكمَلُ الخَلقِ وَأَفضَلُهُم.
وَمِن أَسبابِ السَّلامَةِ فِي فَهمِ الآياتِ وَالأَحادِيثِ أَن يَرجِعَ المُسلِمُ إِلَى كَلامِ أَهلِ التَّفسيرِ المُعتَبَرِينَ، كَالإِمامِ ابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَالإِمامِ القُرطُبِيِّ، وَالإِمامِ فَخرِ الدِّينِ الرّازِيِّ، وَمَن نَحا نَحوَهُم مِن أَهلِ العِلمِ، وَأَلَّا يَحمِلَ النُّصوصَ عَلَى رَأيِهِ وَهَواهُ. فَالدِّينُ يُؤخَذُ بِالعِلمِ وَالتَّحَقُّقِ، لا بِالتَّشَهِّي وَالاستِحسانِ.
وَلَمّا نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَدرٍ، أُمِرَ لَهُ بِعَريشٍ، أَي مَوضِعٍ يَكونُ فِيهِ كَمَركزِ قِيادَةٍ، يَشْرُفُ مِنهُ عَلَى ساحةِ القِتالِ، وَيَدعُو رَبَّهُ، وَيُدَبِّرُ أَمرَ الجَيشِ. وَقَد كانَ ﷺ يَنزِلُ مِن عَريشِهِ إِلَى أَرضِ المَعرَكَةِ، فَيُسَوِّي الصُّفُوفَ، وَيُرَتِّبُ المَيمنَةَ وَالمَيسَرَةَ، وَيُثَبِّتُ أَصحابَهُ.
وَمِنَ اللَّطائِفِ المَذكُورَةِ فِي تَسوِيَةِ الصُّفُوفِ قِصَّةُ سَوادِ بنِ غَزِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حِينَ كانَ مُتَقَدِّمًا عَنِ الصَّفِّ، فَسَوّاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقِدحٍ أَو عُودٍ فِي يَدِهِ، فَأَرادَ سَوادٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَن يَمسَّ جِلدُهُ جِلدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَن بَطنِهِ الشَّرِيفِ، فَأَكَبَّ سَوادٌ يُقَبِّلُهُ، وَقالَ مَعناهُ: يا رَسُولَ اللهِ، قَد حَضَرَ ما تَرى، فَأَردتُ أَن يَكونَ آخِرَ عَهدِي بِالدُّنيا أَن يَمَسَّ جِلدِي جِلدَكَ. فَهٰذِهِ قِصَّةٌ تَدُلُّ عَلَى مَحَبَّةِ الصَّحابَةِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَثَباتِهِم وَأُنسِهِم بِهِ، لا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آذَى أَحَدًا بِغَيرِ حَقٍّ، حاشاهُ ﷺ.
وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذٰلِكَ المَشهَدِ الشَّديدِ يَأخُذُ بِالأَسبابِ، وَيُرَتِّبُ الجَيشَ، وَمَعَ ذٰلِكَ لا يَفتُرُ عَنِ الدُّعاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ. فَدَعا رَبَّهُ قائلًا: «اللَّهُمَّ أَنجِز لِي ما وَعَدتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ ما وَعَدتَنِي»، وَاستَمَرَّ يَدعُو حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ عَن مَنكِبَيهِ، فَجاءَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَأَخَذَ رِداءَهُ، وَأَشفَقَ عَلَيهِ، ثُمَّ بَشَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِنَصرِهِ.
فَجاءَتِ البُشرى بِالإِمدادِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَلَن يَكفِيَكُم أَن يُمِدَّكُم رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾. وَقَد نَزَلَتِ المَلائِكَةُ يَومَ بَدرٍ بِإِذنِ اللهِ تَعالى، وَكانَ فِي نُزُولِهِم تَثبِيتٌ لِلمُؤمِنِينَ وَنَصرٌ مِنَ اللهِ.
وَقَد رُوِيَ عَن أَبِي أُسَيدٍ مالِكِ بنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَهُوَ مِن أَهلِ بَدرٍ، أَنَّهُ قالَ فيمَا مَعناهُ: لَو كُنتُ مَعَكُم الآنَ بِبَدرٍ وَمَعِي بَصَرِي، لَأَرَيتُكُمُ الشِّعبَ الَّذِي خَرَجَت مِنهُ المَلائِكَةُ. وَقَد عُرِفَ فِي مَوضِعِ بَدرٍ جَبَلٌ يُنسَبُ إِلَى المَلائِكَةِ، لِما ذُكِرَ مِن نُزُولِهِم مِن تِلكَ النّاحِيَةِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما أَنَّ رَجُلًا مِنَ المُسلِمِينَ كانَ يَشتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشرِكِينَ أَمامَهُ، فَسَمِعَ ضَربَةً بِالسَّوطِ فَوقَهُ وَصَوتَ فارِسٍ يَقولُ: أَقدِم حَيزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى المُشرِكِ أَمامَهُ فَإِذا هُوَ قَد خَرَّ صَرِيعًا. وَقَد ذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ مِن آثارِ ضَربِ المَلائِكَةِ أَن تَظهَرَ عَلَى المَقتُولِ عَلامَةٌ كَأَثَرِ النّارِ، فَيُعرَفُ أَنَّ ذٰلِكَ مِن قَتلِ المَلائِكَةِ.
فَنُزُولُ المَلائِكَةِ يَومَ بَدرٍ ثابِتٌ، وَقَد أَمَدَّ اللهُ تَعالى المُؤمِنِينَ أَوَّلًا بِأَلفٍ، ثُمَّ جاءَ ذِكرُ الثَّلاثَةِ آلافٍ، ثُمَّ ذُكِرَ فِي الآيَةِ التّالِيَةِ خَمسَةُ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَهٰذا كُلُّهُ مِن فَضلِ اللهِ عَلَى أَهلِ بَدرٍ، وَمِن دَلائِلِ نَصرِهِ لِرَسُولِهِ ﷺ وَأَصحابِهِ.
كانَ المُسلِمُونَ يَومَ بَدرٍ قِلَّةً مِن حَيثُ العَدَدِ، وَلٰكِنَّهُم كانُوا فِي الحَقِيقَةِ كَثرَةً بِإِيمانِهِم وَثِقَتِهِم بِرَبِّهِم وَاجتِماعِهِم حَولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾ لا يَعنِي الذِّلَّةَ مِن حَيثُ المَنزِلَةُ وَالقَدرُ، بَل مَعناهُ أَنَّ عَدَدَهُم كانَ قَلِيلًا بِالنِّسبَةِ إِلَى عَدَدِ الكُفّارِ وَعُدَّتِهِم.
وَقَد كانَ عَدَدُ أَهلِ بَدرٍ ثَلاثَمِئَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ عَلَى المَشهُورِ، وَهُوَ عَدَدٌ قَلِيلٌ فِي مِيزانِ الحُرُوبِ الظّاهِرِ، وَلٰكِنَّ النَّصرَ لَيسَ مَبنِيًّا عَلَى الكَثرَةِ المُجَرَّدَةِ، بَل هُوَ مِن عِندِ اللهِ تَعالى. فَكانَت بَدرٌ مَشهَدًا فاصِلًا أَظهَرَ اللهُ تَعالى فِيهِ رَسُولَهُ ﷺ وَأَصحابَهُ، وَأَعَزَّ بِهِ الدِّينَ، وَنَصَرَ المُسلِمِينَ نَصرًا مُبِينًا.
وَفِي قَولِهِ تَعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ إِشارَةٌ واضِحَةٌ إِلَى أَنَّ مِن أَعظَمِ أَسبابِ النَّصرِ تَقوى اللهِ تَعالى. فَالتَّقوى سَبَبُ النَّصرِ وَالفَرَجِ، وَبِها يَجعَلُ اللهُ لِلمُؤمِنِينَ مِن كُلِّ ضِيقٍ مَخرَجًا، وَمِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا.
فَلَا بُدَّ لِهٰذِهِ الأُمَّةِ أَن تَتَذَكَّرَ حالَها فِي أَوَّلِ الدَّعوَةِ؛ لَم تَكُن كَثرَةً مِن حَيثُ العَدَدُ، وَلٰكِنَّها كانَت كَثيرَةً مِن حَيثُ المَعنى، بِالإِيمانِ وَالصِّدقِ وَالثَّباتِ. فَالعِبرَةُ لَيسَت بِالعَدَدِ، إِنَّما النَّصرُ مِن عِندِ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى، وَقَد يَجعَلُ اللهُ تَعالى أَسبابَ النَّصرِ لِعَدَدٍ قَلِيلٍ إِذا كانُوا عَلَى تَقوى اللهِ.
ذٰلِكَ الجَيشُ المُبارَكُ كانَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَفِيهِ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثمانُ وَعَلِيٌّ وَغَيرُهُم مِن كِبارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَمِنهُم مَن بُشِّرَ بِالجَنَّةِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَدخُلُ النّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدرًا وَالحُدَيبِيَةَ». فَهٰذِهِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لأَهلِ بَدرٍ، وَفِيهَا بَيانٌ لِعُلُوِّ مَنزِلَتِهِم.
وَاشْتُهِرَ ذِكرُ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ لِأَنَّهُم ذُكِرُوا فِي مَجلِسٍ واحِدٍ، وَلٰكِنَّ البِشارَةَ بِالجَنَّةِ حَصَلَت لِغَيرِهِم مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم فِي مَواطِنَ مُتَفَرِّقَةٍ، وَمِن ذٰلِكَ ما جاءَ فِي فَضلِ أَهلِ بَدرٍ.
وَإِذا قُلنا: إِنَّ النَّصرَ مَربُوطٌ بِالتَّقوى، فَإِنَّ التَّقوى مَعناها أَداءُ الواجباتِ وَاجتِنابُ المُحَرَّماتِ. فَلَا يَكونُ العَبدُ تَقِيًّا إِلَّا إِذا أَدَّى ما افْتَرَضَ اللهُ تَعالى عَلَيهِ، وَاجتَنَبَ ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ. فَمَن أَرادَ النَّصرَ وَالفَرَجَ، فَلْيَبدَأ بِنَفسِهِ، وَلْيُقِمها عَلَى طاعَةِ اللهِ، وَلْيَجتَنِب مَعاصِيَهُ.
وَقَد أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَومِ بَدرٍ بِالأَسبابِ كُلِّها؛ فَهَيَّأَ الجَيشَ، وَرَتَّبَ الصُّفُوفَ، وَاختارَ المَوضِعَ المُناسِبَ، وَكانَ العَريشُ الَّذِي أُقِيمَ لَهُ ﷺ مُشرِفًا عَلَى ساحَةِ القِتالِ. وَكانَ هٰذا العَريشُ يُواجِهُ مِنَ الجِهَةِ الأُخرى جَبَلًا عَظِيمًا يُعرَفُ بِجَبَلِ المَلائِكَةِ، وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُراقِبُ القِتالَ، ثُمَّ يَنزِلُ كُلَّ مُدَّةٍ لِيُسَوِّيَ الصُّفُوفَ وَيَتَفَقَّدَ الجَيشَ وَيُوَجِّهَ أَصحابَهُ.
وَقَد كانَ جيشُ الإِسلامِ فِي ناحِيَةِ الآبارِ، قَرِيبًا مِنَ الماءِ، وَكانَ المُشرِكُونَ أَبعَدَ عَنها، فَكانَ فِي ذٰلِكَ أَخذٌ ظاهِرٌ بِأَسبابِ القِتالِ. وَلٰكِنَّ هٰذا كُلَّهُ لَم يَكُن مَعناهُ الرُّكُونَ إِلَى الأَسبابِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَ الأُمَّةَ أَن تَأخُذَ بِالأَسبابِ، وَأَن يَبقى قَلبُها مُتَوَكِّلًا عَلَى اللهِ وَحدَهُ.
فَالنَّصرُ مِن عِندِ اللهِ، وَاللهُ تَعالى هُوَ الخالِقُ، يَخلُقُ النَّصرَ وَيَخلُقُ أَسبابَهُ. فَالسَّيفُ وَالدِّرعُ وَالتُّرسُ وَالرُّمحُ كُلُّها مَخلُوقَةٌ لِلهِ تَعالى، وَأَفعالُ العِبادِ أَيضًا مَخلُوقَةٌ لِلهِ، وَالعَبدُ لَهُ الكَسبُ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَت وَعَلَيها ما اكتَسَبَت﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فَالعَبدُ لا يَخلُقُ فِعلَهُ، وَإِنَّما يَكسِبُ الفِعلَ، بِأَن يُوَجِّهَ قَصدَهُ وَإِرادَتَهُ نَحوَهُ، وَاللهُ تَعالى خالِقُهُ وَخالِقُ قَصدِهِ وَإِرادَتِهِ.
وَهٰذِهِ العَقِيدَةُ تَبعَثُ المُؤمِنَ دَائِمًا عَلَى اللُّجُوءِ إِلَى اللهِ، خُصُوصًا عِندَ كَثرَةِ المَصائِبِ وَالبَلايا. وَنَحنُ فِي زَمانٍ تَتَعَرَّضُ فِيهِ الأُمَّةُ لِابتِلاءٍ كَبِيرٍ، وَتَنزِلُ بِأَهلِنا فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ مَصائِبُ عَظِيمَةٌ لَم نَرَ لَها مِثلًا فِيما عايَشناهُ. فَنَحنُ أَحوَجُ ما نَكونُ، وَنَحنُ نَذكُرُ سِيرَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَغَزَواتِهِ المُبارَكَةَ، إِلَى أَن نَذكُرَ أَنَّ مِن أَسبابِ النَّصرِ التَّضَرُّعَ إِلَى اللهِ، وَاللُّجُوءَ إِلَيهِ، وَصِدقَ التَّوَكُّلِ عَلَيهِ.
وَمَهما كانَ الأَلَمُ شَديدًا، فَلَا يَنبَغِي أَن يَنقَطِعَ الأَمَلُ مِن قَلبِ المُؤمِنِ. فاللهُ الَّذِي نَصَرَ المُسلِمِينَ وَهُم قِلَّةٌ، قادِرٌ عَلَى أَن يَجعَلَ لِهٰذِهِ الأُمَّةِ نَصرًا وَفَرَجًا، وَأَن يُهَيِّئَ أَسبابًا لا يَحتَسِبُها النّاسُ، وَقَد يَأتي الفَرَجُ مِن حَيثُ لا يَتَوَقَّعُ أَحَدٌ. وَلٰكِنَّ اللهَ أَمَرَنا أَن نَتَّقِيَ وَنَصبِرَ وَنُفَوِّضَ الأَمرَ إِلَيهِ.
وَقَد كانَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ أَعلَمُ الخَلقِ بِرَبِّهِ، يَعلَمُ أَنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ، وَما لَم يَشَأ لَم يَكُن، وَمَعَ ذٰلِكَ قَامَ فِي بَدرٍ دَاعِيًا مُتَضَرِّعًا مُنقَادًا لِرَبِّهِ، مُتَوَكِّلًا عَلَيهِ. فَهٰذا سَيِّدُ الخَلقِ ﷺ، وَمَعَهُ خِيارُ الأَولياءِ وَالصَّحابَةِ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَم يَفتُرُوا عَنِ الدُّعاءِ وَالخُضُوعِ.
وكانَت بَدرٌ بَعدَ شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ نالَتِ المُسلِمِينَ فِي مَكَّةَ، وَبَعدَ أَذًى شَديدٍ وَاستِهزاءٍ مِنَ المُشرِكِينَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ. فَكانَ الجِهادُ فِي مَكَّةَ بِالبَيانِ وَالدَّعوَةِ، ثُمَّ لَمّا جاءَ الإِذنُ بِالجِهادِ بِالسِّنانِ فِي السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجرَةِ، كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِمامَ المُؤمِنِينَ وَإِمامَ المُجاهِدِينَ، يَخرُجُ بِنَفسِهِ فِي بَعضِ الغَزَواتِ، وَيُسَيِّرُ الجُيُوشَ فِي بَعضِها، وَيُدَبِّرُ أَمرَ الأُمَّةِ بِأَكمَلِ الهَديِ.
وَقَد أُوتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ما لَم يُؤتَهُ أَحَدٌ مِنَ النّاسِ. وَفِي بَدرٍ كانَ فِي العَريشِ يُرَتِّبُ أَمرَ القِتالِ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى اللهِ تَعالى بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ وَانقِيادٍ. وَهٰكَذا يَنبَغِي لِلمُؤمِنِينَ أَن يَكونُوا فِي سُؤالِهِم وَدُعائِهِم: خاضِعِينَ، خاشِعِينَ، مُخبِتِينَ، مُتَوَكِّلِينَ، مُسَلِّمِينَ أَمرَهُم لِلهِ تَعالى.
وَالمُؤمِنُ بَينَ النَّصرِ وَالشَّهادَةِ؛ فَنَحنُ نُحِبُّ أَن يُظْهِرَنا اللهُ عَلَى أَعداءِ الإِسلامِ، وَنُحِبُّ أَيضًا مَقامَ الشَّهادَةِ لِمَن أَكرَمَهُ اللهُ بِها. فَهٰذا ما عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لأُمَّتِهِ، وَهٰذَا ما كانَت تَتَرَبَّى عَلَيهِ قُلُوبُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم.
وَحِينَ اشتَدَّ المَوقِفُ، وَكَادَ القِتالُ يَبدَأُ، وَتَقَدَّمَت جَحافِلُ المُشرِكِينَ وَفِيهَا رُؤَسَاءُ الكُفرِ، كَصَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ، وَأَبِي جَهلٍ، وَعُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ، وَعُتبَةَ، وَشَيبَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَغَيرِهِم مِمَّن آذَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَذًى شَديدًا، قامَ النَّبِيُّ ﷺ يَدعُو رَبَّهُ وَيَستَغِيثُهُ.
وَقَد كانَ أُولٰئِكَ مِنَ المُشرِكِينَ قَد بَلَغُوا فِي الأَذَى مَبلَغًا شَديدًا، حَتّى إِنَّهُم وَضَعُوا سَلَى الجَزُورِ عَلَى ظَهرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي عِندَ الكَعبَةِ، وَكانُوا يَتَغامَزُونَ وَيَضحَكُونَ وَيُؤذُونَهُ. فَدَعا عَلَيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَكانَ مَصرَعُهُم يَومَ بَدرٍ، وَأَهلَكَهُمُ اللهُ فِي ذٰلِكَ اليَومِ.
فَفي بَدرٍ نَزَلَ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِذ تَستَغِيثُونَ رَبَّكُم فَاستَجابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُردِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]. فَأَمَدَّ اللهُ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ وَالمُؤمِنِينَ بِالمَلائِكَةِ، كَما قالَ فِي هٰذِهِ الآيَةِ: ﴿إِذ تَقُولُ لِلمُؤمِنِينَ أَلَن يَكفِيَكُم أَن يُمِدَّكُم رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾.
فَكانَ هٰذا تَثبِيتًا لِقُلُوبِ المُؤمِنِينَ، وَبُشرى بِمَدَدٍ مِن عِندِ اللهِ. فَقَد بَدَأَ الإِمدادُ بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ ذُكِرَتِ الثَّلاثَةُ آلافٍ، ثُمَّ ذُكِرَتِ الخَمسَةُ آلافٍ، عَلَى ما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِن أَهلِ التَّفسيرِ. وَمَلَكٌ واحِدٌ قَد يَخسِفُ اللهُ بِهِ الأَرضَ بِمَن شاءَ، وَلٰكِنَّ هٰذا الإِمدادَ الكَثيرَ فِيهِ مَعنى عَظيمٌ مِن نُصرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَكريمِ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤمِنِينَ.
وَالمَلائِكَةُ عِبادٌ مُكرَمُونَ، أَقوى خَلقِ اللهِ مِن حَيثُ القُوَّةِ، أَقوى مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ. فَجِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ رَفَعَ بِطَرَفِ جَناحِهِ قُرى قَومِ لُوطٍ، حَتّى بَلَغَ بِها ما شاءَ اللهُ أَن تَبلُغَ، ثُمَّ قَلَبَها، فَجَعَلَ عالِيَها سافِلَها. فَاللهُ تَعالى أَمَدَّ نَبِيَّهُ ﷺ بِهٰؤُلاءِ المَلائِكَةِ، وَجَعَلَ فِي نُزُولِهِم إِشارَةً واضِحَةً إِلَى النَّصرِ الَّذِي يَكونُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَمَن مَعَهُ.
وَالمَلائِكَةُ لا يَعصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُم، وَيَفعَلُونَ ما يُؤمَرُونَ. فَهُم لَيسُوا ذُكُورًا وَلَا إِناثًا، وَخَلَقَهُمُ اللهُ مِن نُورٍ، وَخَلَقَ الجِنَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وَخَلَقَ الإِنسَ مِن تُرابٍ. وَالمَلائِكَةُ لا يَأكُلُونَ، وَلَا يَشرَبُونَ، وَلَا يَتَوالَدُونَ، وَلَا يَنامُونَ، وَمَعَ ذٰلِكَ فَهُم أَقوى خَلقِ اللهِ، وَأَعدادُهُم كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَد جَعَلَ اللهُ تَعالى مَعَ العَبدِ مَلائِكَةً كِرامًا، كَما قالَ سُبحانَهُ: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُم لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠-١١]. وَجاءَ فِي فَضلِ الخُرُوجِ إِلَى المَسجِدِ أَنَّ مَن قالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ بِحَقِّ السّائِلِينَ عَلَيكَ، وَبِحَقِّ مَمشايَ هٰذا، فَإِنِّي لَم أَخرُج أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِياءً وَلَا سُمعَةً، خَرَجتُ اتِّقاءَ سَخَطِكَ وَابتِغاءَ مَرضاتِكَ، أَسأَلُكَ أَن تُنقِذَنِي مِنَ النّارِ، وَأَن تَغفِرَ لِي ذُنُوبِي، فَإِنَّهُ لا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنتَ»، وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبعِينَ أَلفَ مَلَكٍ يَستَغفِرُونَ لَهُ، عَلَى ما وَرَدَ فِي ذٰلِكَ.
وَأَعدادُ المَلائِكَةِ كَثيرَةٌ لا يُحِيطُ بِها إِلَّا اللهُ، وَفِي لَيلَةِ القَدرِ تَنزِلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ بِإِذنِ رَبِّهِم، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمرٍ سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطلَعِ الفَجرِ﴾ [القدر: ٤-٥]. فَالأَرضُ تَضِيقُ بِالمَلائِكَةِ فِي تِلكَ اللَّيلَةِ المُبارَكَةِ، وَهٰذا كُلُّهُ مِن عَظَمَةِ خَلقِ اللهِ وَجُندِهِ.
وَقَد رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما أَنَّ رَجُلًا مِنَ المُسلِمِينَ كانَ يَشتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشرِكِينَ أَمامَهُ يَومَ بَدرٍ، فَسَمِعَ ضَربَةً بِالسَّوطِ فَوقَهُ، وَصَوتَ فارِسٍ يَقولُ: أَقدِم حَيزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى المُشرِكِ أَمامَهُ فَإِذا هُوَ قَد خَرَّ عَلَى الأَرضِ. فَلَم يَصِل سَيفُ المُسلِمِ إِلَيهِ حَتّى كانَ قَد صُرِعَ بِقِتالِ المَلائِكَةِ. وَلَمّا حُدِّثَ النَّبِيُّ ﷺ بِذٰلِكَ، قالَ مَعناهُ: صَدَقتَ، ذٰلِكَ مِن مَدَدِ السَّماءِ.
فَهٰذا مَدَدٌ مِن عِندِ اللهِ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ وَأَوليائِهِ المُقَرَّبِينَ، فَكَيفَ لا يُمِدُّ جَيشًا فِيهِ سَيِّدُ الخَلقِ ﷺ؟
وَقَد خَطَبَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ذاتَ يَومٍ، فَذَكَرَ ما رَأى يَومَ بَدرٍ، وَأَخبَرَ أَنَّهُ كانَ عِندَ قَلِيبِ بَدرٍ، فَجاءَت رِيحٌ شَدِيدَةٌ لَم يَرَ مِثلَها، ثُمَّ ذَهَبَت، ثُمَّ جاءَت رِيحٌ شَدِيدَةٌ أُخرى لَم يَرَ مِثلَها إِلَّا الَّتِي كانَت قَبلَها. وَذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ الرِّيحَ الأُولى كانَت مَعَ نُزُولِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلامُ فِي أَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وَالثّانِيَةَ مَعَ نُزُولِ مِيكائِيلَ عَلَيهِ السَّلامُ فِي أَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
وَكانَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى يَمِينِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَدعُو وَيَرفَعُ كَفَّيهِ وَيَتَضَرَّعُ إِلَى رَبِّهِ، وَأَبُو بَكرٍ يَقولُ لَهُ مَعناهُ: يا رَسُولَ اللهِ، سَيُعطِيكَ اللهُ ما وَعَدَكَ، وَسَيُنجِزُ لَكَ وَعدَهُ. فَلَمّا هَبَّت تِلكَ الرِّياحُ، بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِنَصرِ اللهِ وَوَعدِهِ.
ثُمَّ نَزَلَ إِسرافِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ فِي أَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، فَتَمَّ بِذٰلِكَ ذِكرُ الثَّلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وَجِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ رَئيسُ المَلائِكَةِ وَأَمِينُ الوَحيِ، وَمِيكائِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ مُوَكَّلٌ بِالقَطرِ وَما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِسرافِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ مُوَكَّلٌ بِالنَّفخِ فِي الصُّورِ. وَهٰؤُلاءِ مِن خَواصِّ المَلائِكَةِ، وَمِن كِبارِهِم، كَما أَنَّ عِزرائِيلَ عَلَيهِ السَّلامُ مَلَكُ المَوتِ، وَرِضوانَ خازِنُ الجَنَّةِ، وَحَمَلَةَ العَرشِ مِن خَواصِّ المَلائِكَةِ.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَلَن يَكفِيَكُم أَن يُمِدَّكُم رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ فِيهِ تَثبِيتٌ لِقُلُوبِ المُؤمِنِينَ، وَبَيانٌ لِعِظَمِ كَرَمِ اللهِ تَعالى عَلَيهِم، وَأَنَّهُ يُنَزِّلُ جُندًا مِن عِندِهِ لِنُصرَةِ دِينِهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.
وَقَد كانَ أَصحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَرَونَ أَثرَ قِتالِ المَلائِكَةِ، حَتّى قالَ سَهلُ بنُ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لَقَد رَأَيتُنا يَومَ بَدرٍ، وَإِنَّ أَحَدَنا لَيُشِيرُ بِسَيفِهِ إِلَى رَأسِ المُشرِكِ، فَيَقَعُ رَأسُهُ عَن جَسَدِهِ قَبلَ أَن يَصِلَ إِلَيهِ السَّيفُ. وَكانُوا يَعرِفُونَ مَن قَتَلَتهُ المَلائِكَةُ بِعَلامَةٍ ظاهِرَةٍ، فَإِنَّ ضَربَ المَلائِكَةِ كانَ يَظهَرُ فَوقَ الأَعناقِ وَعَلَى البَنانِ كَأَثَرِ النّارِ.
وَقَد ذَكَرَ الإِمامُ البَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَغَيرُهُ أَنَّ المَلائِكَةَ قاتَلَت يَومَ بَدرٍ. وَهٰنا يَنبَغِي التَّنبِيهُ إِلَى أَنَّ نُزُولَ المَلائِكَةِ يَومَ بَدرٍ ثابِتٌ، وَقِتالَهُم يَومَ بَدرٍ ثابِتٌ أَيضًا، فَلَا يُلتَفَتُ إِلَى مَن يُشَكِّكُ فِي ذٰلِكَ. قَد يُوجَدُ خِلافٌ بَينَ أَهلِ العِلمِ فِي عَدَدِ المَلائِكَةِ وَطَرِيقَةِ الجَمعِ بَينَ الآياتِ، وَقَد يُوجَدُ خِلافٌ هَل قاتَلَتِ المَلائِكَةُ فِي غَيرِ بَدرٍ أَم لَم تُقاتِل، أَمّا قِتالُهُم يَومَ بَدرٍ فَمُقَرَّرٌ عِندَ أَهلِ التَّفسيرِ وَالسِّيَرِ.
﴿بَلى إِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأتُوكُم مِن فَورِهِم هٰذا يُمدِدكُم رَبُّكُم بِخَمسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى شَرطًا عَظيمًا فِي طَرِيقِ النَّصرِ وَالإِمدادِ، فَقالَ: ﴿بَلى إِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾. فَالصَّبرُ وَالتَّقوى مِفتاحانِ عَظيمانِ مِن مَفاتِيحِ النَّصرِ؛ الصَّبرُ عَلَى طاعَةِ اللهِ، وَالصَّبرُ عَن مَعصِيَتِهِ، وَالصَّبرُ عَلَى ما يَنزِلُ بِالمُؤمِنِينَ مِن بَلاءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالتَّقوى بِأَداءِ الواجباتِ وَاجتِنابِ المُحَرَّماتِ.
فَإِذا صَبَرَ المُؤمِنُونَ وَاتَّقَوا رَبَّهُم، أَمَدَّهُمُ اللهُ بِما شاءَ مِن أَسبابِ النَّصرِ، كَما قالَ: ﴿يُمدِدكُم رَبُّكُم بِخَمسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. وَالمُرادُ بِالمُسَوِّمِينَ أَنَّهُم مُعَلَّمُونَ بِعَلاماتٍ، عَلَى ما ذَكَرَهُ أَهلُ التَّفسيرِ، وَقِيلَ: مُرسَلُونَ، وَفِي كِلَا المَعنيَينِ دَلالَةٌ عَلَى عِنايَةِ اللهِ بِالمُؤمِنِينَ وَتَثبِيتِهِ لَهُم.
فَيَومُ بَدرٍ يَبقى دَرسًا لِلأُمَّةِ إِلَى يَومِ القِيامَةِ: أَنَّ القِلَّةَ مَعَ الإِيمانِ وَالصَّبرِ وَالتَّقوى لا تُضعِفُ أَهلَ الحَقِّ، وَأَنَّ الكَثرَةَ مَعَ الكُفرِ وَالطُّغيانِ لا تُغنِي عَن أَصحابِها شَيئًا إِذا جاءَ أَمرُ اللهِ. وَعَلَى المُؤمِنِينَ أَن يَثِقُوا بِوَعدِ اللهِ، وَأَن يَتَّقُوهُ، وَأَن يَصبِرُوا، وَأَن يَعلَمُوا أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ.
لَمّا قالَ اللهُ تَعالى: ﴿بَلى إِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ بَيَّنَ أَنَّ الصَّبرَ وَالتَّقوى شَرطانِ عَظِيمانِ فِي طَرِيقِ النَّصرِ وَالإِمدادِ. فَإِذا صَبَرَ المُؤمِنُونَ وَاتَّقَوا، أَمَدَّهُمُ اللهُ تَعالى بِما شاءَ مِنَ الأَسبابِ، وَمِنها إِمدادُهُم بِخَمسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَيَأتُوكُم مِن فَورِهِم هٰذا﴾ فِيهِ مَعنى المُبادَرَةِ وَالسُّرعَةِ، وَالفَورُ يُستَعمَلُ فِيما يَفُورُ وَيَشتَدُّ، كَغَلَيانِ القِدرِ، فَكَأَنَّ المَعنى: إِذا جاءَكُمُ العَدُوُّ مِن وَقتِهِم هٰذا، أَو جاؤُوكُم عَلَى ما هُم فِيهِ مِن غَضَبٍ وَحَنَقٍ عَلَى المُسلِمِينَ، يُرِيدُونَ إِبادَتَكُم وَاستِئصالَكُم، فَإِن صَبَرتُم وَاتَّقَيتُم أَمَدَّكُمُ اللهُ بِخَمسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
وَقَد قالَ جَماعَةٌ مِن أَهلِ التَّفسيرِ: إِنَّ المَددَ كانَ أَلفًا، ثُمَّ صارَ ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ صارَ خَمسَةَ آلافٍ. وَقالَ آخَرُونَ: بَل بُدِئَ بِأَلفٍ، ثُمَّ زِيدَ حَتّى صارَ المَجموعُ ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ زِيدَ أَلفانِ فَصارَ المَجموعُ خَمسَةَ آلافٍ. وَقِيلَ: بَل يُجمَعُ ذِكرُ الأَلفِ وَالثَّلاثَةِ وَالخَمسَةِ عَلَى وَجهٍ يَبلُغُ بِالمَجموعِ تِسعَةَ آلافٍ. وَكُلُّ ذٰلِكَ ذَكَرَهُ أَهلُ التَّفسيرِ كَابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَالقُرطُبِيِّ، وَالرّازِيِّ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى، وَلا إِشكالَ فِي ذِكرِ هٰذِهِ الأَقوالِ مَعَ حِفظِ أَصلِ المَعنى، وَهُوَ ثُبُوتُ نُزُولِ المَلائِكَةِ وَنُصرَةِ اللهِ لِلمُؤمِنِينَ.
وَأَمّا قَولُهُ تَعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فَقَد قِيلَ فِي مَعناهُ: مُعَلَّمِينَ بِعَلاماتٍ، فَقَد نَزَلُوا مُعْتَمِّينَ، وَقِيلَ: كانَت عَلَيهِم عَمائِمُ بِيضٌ، وَقِيلَ: عَمائِمُ صُفرٌ عَلَى سِيماءِ الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ فَقَد كانَ الزُّبَيرُ يَومَئِذٍ عَلَيهِ عِمامَةٌ صَفراءُ، فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ عَلَى مِثلِ سِيمائِهِ. وَقِيلَ: كانَت عَلامَاتُهُم فِي نَواصِي دَوابِّهِم بِالصُّوفِ الأَبيَضِ، عَلَى ما نُقِلَ عَنِ الضَّحّاكِ وَغَيرِهِ.
وَالمَلائِكَةُ قَد يَتَشَكَّلُونَ بِصُوَرِ الرِّجالِ مِن غَيرِ آلَةِ الذُّكُورَةِ، وَقَد رآهُم بَعضُ الصَّحابَةِ فِي ذٰلِكَ المَشهَدِ. وَفِي قَولِهِ تَعالى: ﴿أَلَن يَكفِيَكُم﴾ تَثبِيتٌ لِلمُؤمِنِينَ، كَأَنَّهُ يُقالُ لَهُم: أَلَيسَ يَكفِيكُم أَن يُمِدَّكُم رَبُّكُم بِهٰذا المَدَدِ العَظيمِ؟ بَلى، إِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا كانَ لَكُمُ النَّصرُ وَالمَدَدُ مِن عِندِ اللهِ.
وَهٰذَا المَعنى مِفتاحٌ لِلنَّصرِ فِي كُلِّ زَمانٍ: الصَّبرُ وَالتَّقوى. فَمَن ضاقَت عَلَيهِ الدُّنيا، وَاشتَدَّ عَلَيهِ الهَمُّ، وَظَنَّ أَنَّ الأَبوابَ قَد أُغلِقَت، فَلْيَصبِر وَلْيَتَّقِ اللهَ؛ فَاللهُ يَجعَلُ لِمَن اتَّقاهُ مَخرَجًا، وَيَرزُقُهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ، وَيَفتَحُ لَهُ مِن أَبوابِ الفَرَجِ ما لا يَخطُرُ لَهُ عَلَى بالٍ.
وَقَد ذَكَرَ العُلَماءُ أَنَّ نُزُولَ المَلائِكَةِ سَبَبٌ مِن أَسبابِ النَّصرِ، لا لأَنَّ اللهَ تَعالى يَحتاجُ إِلَى سَبَبٍ، فاللهُ قادِرٌ عَلَى نَصرِ أَوليائِهِ بِلا نُزُولِ المَلائِكَةِ وَبِلا أَيِّ سَبَبٍ ظاهِرٍ، وَلٰكِنَّهُ سُبحانَهُ يَجعَلُ الأَسبابَ حِكمَةً، وَتَثبِيتًا لِقُلُوبِ المُؤمِنِينَ، وَإِظهارًا لِفَضلِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ.
وَمِن تَثبِيتِ اللهِ لِلمُؤمِنِينَ يَومَ بَدرٍ أَنَّهُم رَأَوا مِن آثارِ المَلائِكَةِ ما زادَهُم طُمَأنِينَةً. فَقَد ذُكِرَ عَن أَبِي داوُدَ المازِنِيِّ، وَقَد شَهِدَ بَدرًا، أَنَّهُ كانَ يَتْبَعُ مُشرِكًا لِيَضرِبَهُ، فَإِذا بِرَأسِهِ يَقَعُ قَبلَ أَن يَصِلَ إِلَيهِ سَيفُهُ، فَعَلِمَ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ غَيرُهُ. فَكانَت هٰذِهِ المَشاهِدُ تَزيدُ الصَّحابَةَ ثَباتًا وَسَكِينَةً.
وَقَد رَوى بَعضُ أَهلِ السِّيَرِ أَنَّ أَبا سُفيانَ، قَبلَ إِسلامِهِ، وَصَفَ ما رَآهُ يَومَ بَدرٍ لأَبِي لَهَبٍ، فَلَمّا سَأَلَهُ أَبُو لَهَبٍ عَن خَبَرِ القَومِ، قالَ مَعناهُ: إِنّا لَقِيناهُم فَمَنَحناهُم أَكتافَنا، يَقتُلُونَنا وَيَأسِرُونَنا كَيفَ شاؤُوا، وَلَقَد لَقِينا رِجالًا بِيضًا عَلَى خَيلٍ بُلقٍ، بَينَ السَّماءِ وَالأَرضِ، لا يَقُومُ لَهُم شَيءٌ. فَكانَ هٰذا مِمّا رآهُ المُشرِكُونَ مِن أَمرِ المَلائِكَةِ.
وَأَمّا أَبُو لَهَبٍ، فَلَم يَشهَد بَدرًا، وَلٰكِنَّهُ كانَ قَد بَذَلَ مالًا وَأَعَدَّ نَفسَهُ لِخَبَرِ نَصرِ المُشرِكِينَ، فَلَمّا بَلَغَهُ ما وَقَعَ بِرُؤوسِ قُرَيشٍ مِنَ القَتلِ وَالأَسرِ، أَصابَهُ كَمَدٌ وَحُزنٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ أَهلَكَهُ اللهُ تَعالى بِمَرَضٍ مُنتِنٍ يُقالُ لَهُ العَدَسَةُ، فَماتَ عَلَى أَسوَإِ حالٍ، وَتَرَكَهُ أَهلُهُ أَيّامًا لا يَقرَبُونَهُ لِشِدَّةِ نَتَنِهِ، ثُمَّ رَمَوهُ بِالحِجارَةِ مِن بَعيدٍ حَتّى وارَوهُ. فَهٰذا مِن ذُلِّ الكُفرِ وَسُوءِ عاقِبَتِهِ.
فَكانَت عَلاماتُ المَدَدِ مِن عِندِ اللهِ يَومَ بَدرٍ ظاهِرَةً، لِتَكونَ دَرسًا لِلمُسلِمِينَ فِي كُلِّ زَمانٍ. فاللهُ تَعالى يَمدُّ عِبادَهُ وَلَو كانُوا قِلَّةً فِي العَدَدِ، وَيَنصُرُهُم مَهما كَثُرَ عَدُوُّهُم، وَمَهما كَثُرَ مَعَهُ مِنَ السِّلاحِ وَالعَتادِ، إِذا صَدَقُوا وَصَبَرُوا وَاتَّقَوا. وَمِن أَسبابِ النَّصرِ الَّتِي يَخلُقُها اللهُ ما يَشاءُهُ مِن إِمدادِ المَلائِكَةِ، كَما أَمَدَّ رَسُولَهُ ﷺ وَأَصحابَهُ يَومَ بَدرٍ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى نَصَرَ المُؤمِنِينَ بِبَدرٍ وَهُم قِلَّةٌ، وَأَمَرَهُم بِالتَّقوى لِيَشكُرُوا، وَبَشَّرَهُم بِمَدَدِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الصَّبرَ وَالتَّقوى سَبَبٌ عَظيمٌ لِزِيادَةِ المَدَدِ وَالنَّصرِ. فَمَن أَرادَ نَصرَ اللهِ، فَلْيَسلُك طَرِيقَ الصَّبرِ وَالتَّقوى، وَلْيُحسِنِ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَلْيَثِق بِأَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ وَحدَهُ.