بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (129)﴾
﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾
جاءَت هٰذِهِ الآيَةُ بَعدَ الكَلامِ عَلَى بَدرٍ وَما فيها مِن مَدَدِ اللهِ لِلمُؤمِنِينَ، ثُمَّ عادَ السِّياقُ إِلَى ما وَقَعَ فِي أُحُدٍ، وَما أَصابَ المُسلِمِينَ يَومَئِذٍ مِن قَتلٍ وَجِراحٍ. وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّهُ لا يَصِحُّ أَن يُقالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ هُزِمَ فِي أُحُدٍ، حاشاهُ ﷺ؛ وَإِنَّما وَقَعَ ما وَقَعَ بِسَبَبِ مُخالَفَةِ بَعضِ الرُّماةِ لأَمرِهِ، فَحَصَلَ كَسرٌ وَاضطِرابٌ فِي بَعضِ صُفُوفِ المُسلِمِينَ، وَقُتِلَ مَن قُتِلَ مِنَ الشُّهَداءِ، وَمِنهُم سَيِّدُ الشُّهَداءِ حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبَتَ مَعَهُ مَن ثَبَتَ مِن أَصحابِهِ الكِرامِ.
وَفِي ذِكرِ بَدرٍ بَعدَ أُحُدٍ لَطِيفَةٌ؛ فَقَد كانَت بَدرٌ قَبلَ أُحُدٍ زَمانًا، إِذ كانَت بَدرٌ فِي السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجرَةِ، وَكانَت أُحُدٌ فِي السَّنَةِ الثّالِثَةِ، وَلٰكِنَّ ذِكرَ بَدرٍ فِي هٰذا المَوضِعِ تَذكِيرٌ لِلمُؤمِنِينَ بِأَنَّ طاعَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالثَّباتَ وَالصَّبرَ وَالتَّقوى مِن أَسبابِ النَّصرِ، كَما وَقَعَ فِي بَدرٍ، وَأَنَّ مُخالَفَةَ أَمرِهِ ﷺ سَبَبٌ لِلبَلاءِ وَالوَهَنِ، كَما وَقَعَ لِبَعضِ الرُّماةِ فِي أُحُدٍ.
ثُمَّ بَعدَ بَيانِ الإِمدادِ بِالمَلائِكَةِ، وَأَنَّهُ بُشرى وَطُمَأنِينَةٌ لِقُلُوبِ المُؤمِنِينَ، وَأَنَّ النَّصرَ لا يَكونُ إِلَّا مِن عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، جاءَ قَولُهُ تَعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾. وَمَعناهُ: يا مُحَمَّدُ ﷺ، لَيسَ إِلَيكَ مِلكُ أَمرِ هٰؤُلاءِ الَّذِينَ قاتَلُوكَ وَآذَوكَ وَقَتَلُوا مِن أَصحابِكَ مَن قَتَلُوا؛ فَأَمرُهُم إِلَى اللهِ تَعالى، إِن شاءَ هَداهُم وَتابَ عَلَيهِم، وَإِن شاءَ أَهلكَهُم وَعَذَّبَهُم.
فَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ مُنذِرًا وَبَشيرًا وَداعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا، وَأَمَرَهُ بِالجِهادِ وَالبَلاغِ، أَمّا خَلقُ الهِدايَةِ فِي القُلُوبِ فَهُوَ لِلهِ وَحدَهُ. فَلَيسَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلَا لِغَيرِهِ مِنَ الخَلقِ أَن يَخلُقَ الاهتِداءَ فِي قَلبِ أَحَدٍ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلٰكِنَّ اللهَ يَهدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، أَي إِنَّكَ لا تَخلُقُ الهِدايَةَ فِي قَلبِ مَن أَحبَبتَ اهتِداءَهُ، وَلٰكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَخلُقُ الهِدايَةَ فِي قَلبِ مَن شاءَ.
وَالهِدايَةُ فِي القُرآنِ تَأتي عَلَى مَعانٍ؛ فَمِنها هِدايَةُ البَيانِ وَالدَّلالَةِ وَالإِرشادِ، كَقَولِهِ تَعالى فِي شَأنِ ثَمُودَ: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيناهُم فَاستَحَبُّوا العَمى عَلَى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، أَي بَيَّنّا لَهُم وَأَرشَدناهُم. وَمِنها هِدايَةُ خَلقِ الاهتِداءِ فِي القَلبِ، وَهٰذِهِ لا يَملِكُها إِلَّا اللهُ. فَقَولُهُ تَعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾ يُقَرِّرُ هٰذَا المَعنى، وَيُبَيِّنُ أَنَّ القَضاءَ وَالهِدايَةَ وَالإِضلالَ وَالعُقوبَةَ وَالمَغفِرَةَ كُلَّها بِمَشِيئَةِ اللهِ وَحُكمِهِ.
وَقَد قِيلَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هٰذِهِ الآيَةِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أُصِيبَ يَومَ أُحُدٍ، وَكُسِرَت رَباعِيَتُهُ الشَّريفَةُ، وَشُجَّ وَجهُهُ، وَسالَ دَمُهُ الشَّرِيفُ، قالَ مَعناهُ: كَيفَ يُفلِحُ قَومٌ فَعَلُوا هٰذَا بِنَبِيِّهِم؟ فَأَنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾. وَفِي بَعضِ الآثارِ أَنَّهُ ﷺ أَرادَ أَن يَدعُوَ عَلَى أَعيانٍ مِنَ المُشرِكِينَ، فَأَعلَمَهُ اللهُ أَنَّ مِنهم مَن سَيُسلِمُ بَعدَ ذٰلِكَ، فَتَرَكَ الدُّعاءَ عَلَيهِم.
وَهٰذا مِن عَجيبِ تَصرِيفِ اللهِ لِقُلُوبِ عِبادِهِ؛ فَكَم مِن إِنسانٍ كانَ شَديدَ العَداوَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ شَرَحَ اللهُ صَدرَهُ لِلإِسلامِ، فَصارَ مِن أَهلِ الإِيمانِ وَالنُّصرَةِ. فَأَبُو سُفيانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كانَ فِي أَوَّلِ أَمرِهِ مِن أَشدِّ النّاسِ عَداوَةً لِلمُسلِمِينَ، ثُمَّ هَداهُ اللهُ إِلَى الإِسلامِ، وَقاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَهَبَت عَينُهُ فِي بَعضِ الغَزَواتِ بَعدَ إِسلامِهِ. وَقَبيلَةُ دَوسٍ لَمّا دُعِيَت إِلَى الإِسلامِ أَوَّلًا أَعْرَضَت وَآذَت، فَقالَ الدّاعِي مِنها لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادعُ اللهَ عَلَيهِم، فَقالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ اهدِ دَوسًا وَائتِ بِهِم»، فَجاءُوا مُسلِمِينَ.
وَكَذٰلِكَ السَّحَرَةُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ فِرعَونَ أَصبَحُوا فِي أَوَّلِ نَهارِهِم كَفَرَةً فَجَرَةً، فَلَمّا أَظهَرَ اللهُ مُعجِزَةَ مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ وَرَأَوا الحَقَّ، آمَنُوا وَثَبَتُوا، فَصارُوا فِي آخِرِ ذٰلِكَ اليَومِ شُهَداءَ بَرَرَةً. فَاللهُ يَهدي مَن يَشاءُ بِفَضلِهِ، وَيُضِلُّ مَن يَشاءُ بِعَدلِهِ، وَلَا اعتِراضَ عَلَى اللهِ.
وَمِن هُنا يُفهَمُ قَولُهُ تَعالى: ﴿لا إِكراهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فَلَيسَ مَعناهُ أَنَّ لِلكافِرِ حَقًّا فِي الكُفرِ، أَو أَنَّ الكُفرَ أَمرٌ مُباحٌ لَهُ، فالكُفرُ بَاطِلٌ لا يَكونُ حَقًّا بِوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ. وَإِنَّما مِن مَعاني الآيَةِ أَنَّ خَلقَ الاهتِداءِ فِي القُلُوبِ لا يَملِكُهُ أَحَدٌ مِنَ الخَلقِ، فَلَا يَستَطِيعُ أَحَدٌ أَن يُكرِهَ قَلبَ أَحَدٍ عَلَى الإِيمانِ، أَمّا البَيانُ وَالدَّعوَةُ وَإِقامَةُ الحُجَّةِ وَالجِهادُ وَأَحكامُ الشَّرعِ فَهٰذِهِ أُمُورٌ جَاءَ بِها الدِّينُ، وَكُلُّها تَحتَ حُكمِ اللهِ تَعالى.
فَلَا يَجوزُ أَن يُقالَ: إِنَّ الإِسلامَ أَعطى الإِنسانَ حُرِّيَّةَ الكُفرِ بِمَعنى أَنَّ لَهُ حَقًّا فِي أَن يَكفُرَ بِاللهِ، كَما لا يَجوزُ أَن يُقالَ لِمُسلِمٍ: لَكَ أَن تَترُكَ الصَّلاةَ أَو الصِّيامَ وَأَنتَ حُرٌّ فِي ذٰلِكَ. فَالعَبدُ مَملُوكٌ لِلهِ، مأمُورٌ بِطاعَتِهِ، وَالكُفرُ أَعظَمُ الظُّلمِ وَأَقبَحُ المَعاصِي.
﴿أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
قَولُهُ تَعالى: ﴿أَو يَتُوبَ عَلَيهِم﴾ أَي أَو يَهدِيَهُم إِلَى الإِسلامِ، فَتَكونَ تَوبَتُهُم بِالدُّخولِ فِي دِينِ اللهِ. فَالكافِرُ، سَواءٌ كانَ كافِرًا أَصلِيًّا أَو كانَ مُرتَدًّا عَنِ الإِسلامِ، لا يَكونُ رُجُوعُهُ إِلَى الإِسلامِ بِمُجرَّدِ قَولِ: أَستَغفِرُ اللهَ، وَلَا بِالغُسلِ، وَلَا بِالصَّلاةِ، بَل لا بُدَّ مِنَ النُّطقِ بِالشَّهادَتَينِ بِنِيَّةِ الدُّخولِ فِي الإِسلامِ، فَيَقولُ: أَشهَدُ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، مَعَ تَركِ ما وَقَعَ فِيهِ مِنَ الكُفرِ وَالرُّجوعِ إِلَى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ.
فَمَن سَمِعَ إِنسانًا يَسُبُّ اللهَ تَعالى، وَالعِياذُ بِاللهِ، فَلَا يَكفِي أَن يَقولَ لَهُ: استَغفِرِ اللهَ، وَلا أَن يَقولَ لَهُ: اذهَب فَتَوَضَّأ وَصَلِّ رَكعَتَينِ؛ لأَنَّهُ ما دامَ عَلَى الكُفرِ لا تَصِحُّ مِنهُ طَهارَةٌ وَلَا صَلاةٌ، فَأَوَّلُ ما يُؤمَرُ بِهِ أَن يَرجِعَ إِلَى الإِسلامِ بِالشَّهادَتَينِ، ثُمَّ بَعدَ ذٰلِكَ يُؤمَرُ بِما يَلزَمُهُ مِن طَهارَةٍ وَصَلاةٍ وَتَوبَةٍ مِنَ الذُّنُوبِ.
وَقَد وَقَعَ فِي السِّيرَةِ أَنَّ رَجُلًا جاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حالِ قِتالٍ، وَكانَ لَم يُسلِم بَعدُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أُسلِمُ أَم أُقاتِلُ؟ فَقالَ لَهُ ﷺ: «أَسلِم»، فَأَسلَمَ، ثُمَّ قاتَلَ فَقُتِلَ، فَقالَ ﷺ: «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا». فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ الدُّخولَ فِي الإِسلامِ يَكونُ أَوَّلًا بِالشَّهادَتَينِ، ثُمَّ يَكونُ بَعدَهُ العَمَلُ الصّالِحُ بِحَسَبِ ما يُوَفِّقُ اللهُ لَهُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَو يُعَذِّبَهُم﴾ أَي إِن أَصَرُّوا عَلَى كُفرِهِم، عَذَّبَهُمُ اللهُ فِي الدُّنيا أَوِ الآخِرَةِ، فَأَمرُهُم إِلَيهِ سُبحانَهُ. وَقَد ذَكَرَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ أَنَّ ﴿أَو﴾ فِي الآيَةِ يُمكِنُ أَن تُفهَمَ عَلَى أَوجُهٍ: فَقِيلَ: هِيَ عاطِفَةٌ عَلَى ما قَبلَها، أَي لِيَقطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَو يَكبِتَهُم، أَو يَتُوبَ عَلَيهِم، أَو يُعَذِّبَهُم. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعنى حَتّى، أَي لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ حَتّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعنى إِلَّا، كَما يُقالُ: لَأَلزَمَنَّكَ أَو تُعطِيَنِي حَقِّي، أَي إِلَّا أَن تُعطِيَنِي حَقِّي. وَعَلَى هٰذا يَكونُ المَعنى: لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ إِلَّا أَن يَتُوبَ اللهُ عَلَيهِم فَتَفرَحَ بِإِسلامِهِم، أَو يُعَذِّبَهُم فَيَستَرِيحَ قَلبُكَ مِن أَذاهُم.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَإِنَّهُم ظالِمُونَ﴾ أَي إِنَّهُم مُستَحِقُّونَ لِلعُقوبَةِ بِسَبَبِ كُفرِهِم وَظُلمِهِم، فالكُفرُ هُوَ أَعظَمُ الظُّلمِ وَأَشَدُّهُ. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ ما دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فَمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ فَلَا مَغفِرَةَ لَهُ وَلَا نَجاةَ، بَل هُوَ خالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي نارِ جَهَنَّمَ، وَالعِياذُ بِاللهِ.
وَقَد تَظاهَرَت آياتُ القُرآنِ وَالأَحادِيثُ عَلَى بَيانِ خُلُودِ الكُفّارِ فِي النّارِ إِن ماتُوا عَلَى الكُفرِ، وَأَنَّ وَعيدَ اللهِ لَهُم لا يَتَخَلَّفُ. فَلَا يَجوزُ أَن يُقالَ: إِنَّ النّارَ قَد تُلغى، أَو إِنَّ الكُفّارَ يَخرُجُونَ مِنها، أَو إِنَّ ما وَرَدَ فِي عَذابِهِم لِلتَّخويفِ لا لِلحَقِيقَةِ. فَهٰذا يُناقِضُ صَرِيحَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَفِيهِ تَكذِيبٌ لِوَعيدِ اللهِ تَعالى، وَكلامُ اللهِ حَقٌّ لا خُلفَ فِيهِ.
وَعَذابُ القَبرِ حَقٌّ، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى فِي آلِ فِرعَونَ: ﴿النّارُ يُعرَضُونَ عَلَيها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَومَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى﴾ [طه: ١٢٤]، وَقَد فُسِّرَتِ المَعِيشَةُ الضَّنكُ فِي بَعضِ الأَحادِيثِ وَأَقوالِ أَهلِ العِلمِ بِعَذابِ القَبرِ. فَمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ فَعَذابُهُ يَبتَدِئُ مِن قَبضِ رُوحِهِ، ثُمَّ يَستَمِرُّ فِي بَرزَخِهِ وَآخِرَتِهِ، إِلَّا ما شاءَ اللهُ مِن تَفاصِيلِ العَذابِ وَأَحوالِهِ.
وَأَمّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَن يُمَكِّنَ اللهُ أَعداءَها مِن إِبادَتِها كُلِّها، وَإِن قُتِلَ مِنها مَن قُتِلَ، وَابتُلِيَت بِما ابتُلِيَت. فَقَد أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللهَ أَعطاهُ أَلَّا يُهلِكَ أُمَّتَهُ بِما أَهلَكَ بِهِ الأُمَمَ قَبلَها. وَأَخبَرَ ﷺ أَنَّهُ سَيُصِيبُ آخِرَ هٰذِهِ الأُمَّةِ بَلاءٌ وَأُمُورٌ تُنكَرُ، وَأَنَّ الأُمَمَ تَتَداعى عَلَيها كَما تَتَداعى الأَكَلَةُ إِلَى قَصعَتِها، لا مِن قِلَّةٍ فِي عَدَدِ المُسلِمِينَ، بَل مِن ضَعفٍ يَقَعُ بِسَبَبِ حُبِّ الدُّنيا وَكَراهِيَةِ المَوتِ. فَالوَاجِبُ عَلَى الأُمَّةِ أَن تَرجِعَ إِلَى اللهِ، وَأَن تَتَّقِيَهُ، وَأَن تَأخُذَ بِأَسبابِ العِزَّةِ وَالنَّصرِ.
وَقَد كانَت قَبائِلُ رِعلٍ وَذَكوانَ وَغَيرُهُم قَد غَدَرُوا بِسَبعِينَ مِن قُرّاءِ الصَّحابَةِ، فَقَتَلُوهُم، فَحَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيهِم حُزنًا شَديدًا، ثُمَّ هَدى اللهُ بَعدَ ذٰلِكَ مَن شاءَ مِن أُولٰئِكَ القَومِ إِلَى الإِسلامِ. فَهٰذا كُلُّهُ دَليلٌ عَلَى أَنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللهِ، وَأَنَّ أَمرَ العِبادِ إِلَيهِ، يَتُوبُ عَلَى مَن يَشاءُ، وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، وَلا اعتِراضَ عَلَى حُكمِهِ.
وَمِن لُطفِ اللهِ تَعالى أَنَّهُ قَد يَبتَلِي عَبدَهُ المُؤمِنَ لِيَرفَعَ دَرَجَتَهُ وَيَحُطَّ عَنهُ سَيِّئاتِهِ. فَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأَنبِياءُ، ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ»، وَقالَ ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الجَزاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ». فَقَد يَكثُرُ البَلاءُ عَلَى عَبدٍ قَبلَ مَوتِهِ، مِن مَرَضٍ وَأَلَمٍ وَضِيقٍ، فَيَكونُ ذٰلِكَ تَكفِيرًا لِسَيِّئاتِهِ وَرَفعًا لِدَرَجَتِهِ إِذا صَبَرَ وَاحتَسَبَ.
﴿وَلِلهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ﴾ [آل عمران: ١٢٩]
لَمّا قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ﴾، أَكَّدَ هٰذا المَعنى بِقَولِهِ: ﴿وَلِلهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ﴾، أَي إِنَّ الأَمرَ كُلَّهُ لِلهِ، وَالمُلكَ كُلَّهُ لِلهِ، فَكُلُّ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ مَملُوكٌ لَهُ، داخِلٌ تَحتَ قُدرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَقَولُهُ: ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ﴾ يَشمَلُ العُقَلاءَ وَغَيرَ العُقَلاءِ، مِنَ المَلائِكَةِ وَالإِنسِ وَالجِنِّ، وَمِنَ الدَّوابِّ وَالبَهائِمِ وَالجَماداتِ، وَكُلِّ ما خَلَقَ اللهُ تَعالى. فَلَا يَخرُجُ شَيءٌ عَن مِلكِهِ، وَلَا يَستَقِلُّ أَحَدٌ عَن قَهرِهِ وَتَدبيرِهِ.
فَاللهُ تَعالى لَهُ جَمِيعُ ما فِي أَقطارِ السَّماواتِ وَالأَرضِ، مِن مَشرِقِ الشَّمسِ إِلَى مَغرِبِها، يَحكُمُ فِيهِما بِما يَشاءُ، وَيَقضِي فِيهِما بِما يُريدُ، فَيَتُوبُ عَلَى مَن يَشاءُ، وَيَهدي مَن يَشاءُ، وَيُعاقِبُ مَن يَشاءُ، وَيُهلِكُ مَن يَشاءُ، وَلا اعتِراضَ عَلَيهِ؛ فَهُوَ الحَكِيمُ فِي فِعلِهِ، الفَعّالُ لِما يُريدُ، لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ.
﴿يَغفِرُ لِمَن يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٩]
قَولُهُ تَعالى: ﴿يَغفِرُ لِمَن يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أَي يَغفِرُ اللهُ لِمَن شاءَ مَغفِرَتَهُ، وَيُعَذِّبُ مَن شاءَ تَعذِيبَهُ، بِحِكمَتِهِ وَعَدلِهِ وَفَضلِهِ. فَيَغفِرُ لِمَن هَداهُ إِلَى الإِسلامِ، وَيَغفِرُ لِمَن شاءَ مِن عُصاةِ المُؤمِنِينَ، وَيُعَذِّبُ مَن ماتَ عَلَى الكُفرِ عَذابًا مُخَلَّدًا، وَيُعَذِّبُ مَن شاءَ مِن عُصاةِ المُسلِمِينَ عَذابًا غَيرَ مُخَلَّدٍ ثُمَّ مَآلُهُم إِلَى الجَنَّةِ.
وَمَعَ ذِكرِ العَذابِ خَتَمَ اللهُ تَعالى الآيَةَ بِقَولِهِ: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فَفِي ذٰلِكَ فَتحٌ لِبابِ الرَّجاءِ لِمَن أَرادَ اللهُ بِهِ خَيرًا، وَتَذكِيرٌ بِسَعَةِ رَحمَةِ اللهِ لِأَهلِ الإِيمانِ. فَاللهُ تَعالى غَفُورٌ يَغفِرُ الذُّنُوبَ لِمَن شاءَ، رَحِيمٌ بِعِبادِهِ المُؤمِنِينَ، يَهدِي مَن شاءَ إِلَى الحَقِّ، وَيَتُوبُ عَلَى مَن شاءَ، وَيَقبَلُ تَوبَةَ مَن رَجَعَ إِلَيهِ صادِقًا.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ أَمرَ العِبادِ كُلَّهُ إِلَى اللهِ، لا إِلَى نَبِيٍّ وَلَا إِلَى مَلَكٍ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنَ الخَلقِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ عَلَيهِ البَلاغُ وَالدَّعوَةُ وَالجِهادُ وَالنَّصِيحَةُ، وَأَمّا خَلقُ الهِدايَةِ وَإِنزالُ العُقوبَةِ وَالمَغفِرَةُ وَالتَّعذِيبُ فَكُلُّهُ لِلهِ وَحدَهُ. فَمَن شاءَ اللهُ هِدايَتَهُ هَداهُ، وَمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ عَذَّبَهُ، وَمَن شاءَ مِن عُصاةِ المُؤمِنِينَ غَفَرَ لَهُ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَعّالٌ لِما يُريدُ، لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ.