بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأكُلُوا الرِّبا أَضعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ ١٣٠﴾ [آل عمران: ١٣٠]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٠]
إِذا وَرَدَ الخِطابُ فِي كِتابِ اللهِ تَعالى بِقَولِهِ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فَلْيُصغِ المُؤمِنُ سَمعَهُ، وَلْيُقبِل عَلَى ما بَعدَهُ بِقَلبِهِ؛ فَإِنَّهُ إِمّا خَيرٌ يُؤمَرُ بِهِ، وَإِمّا شَرٌّ يُنهى عَنهُ وَيُزجَرُ عَنِ الوُقوعِ فِيهِ. وَهٰذا النِّداءُ مِنَ اللهِ تَعالى لِأَهلِ الإِيمانِ تَشريفٌ وَتَكليفٌ، وَفِيهِ تَنبيهٌ لَهُم إِلَى ما فِيهِ صَلاحُ دِينِهِم وَدُنياهم.
﴿لا تَأكُلُوا الرِّبا أَضعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لا تَأكُلُوا الرِّبا أَضعافًا مُضاعَفَةً﴾ نَهيٌ عَنِ الرِّبا، مَعَ تَقبيحِ ما كانَ عَلَيهِ أَهلُ الجاهِلِيَّةِ مِن تَضعيفِ الدَّينِ وَزِيادَتِهِ. فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم إِذا حَلَّ أَجَلُ الدَّينِ قالَ لِلمَدِينِ: إِمّا أَن تَقضِيَ حَقِّي، وَإِمّا أَن تُرْبِيَ، أَي تَزيدَ فِي المالِ وَأَزيدَكَ فِي الأَجَلِ. فَيَتَضاعَفُ الدَّينُ مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ حَتّى يَثقُلَ عَلَى صاحِبِهِ وَيُهلِكَهُ.
وَكانَ الرِّبا مُنتَشِرًا فِي الجاهِلِيَّةِ انتِشارًا كَبِيرًا، وَكانَ مَعرُوفًا عِندَ اليَهُودِ أَيضًا، وَمِن غاياتِهِ السَّيطَرَةُ الاقتِصادِيَّةُ عَلَى المُجتَمَعاتِ، بِأَن يَستَحوِذَ أَصحابُ الأَموالِ عَلَى أَموالِ النّاسِ وَمُمتَلَكاتِهِم، فَيَقرِضُ أَحَدُهُم غَيرَهُ مالًا، ثُمَّ يَشتَرِطُ عَلَيهِ الزِّيادَةَ، قَلَّت أَو كَثُرَت، فَإِذا عَجَزَ المَدِينُ عَنِ الوَفاءِ، زادُوا عَلَيهِ وَأَخَّرُوا أَجَلَهُ، فَيَصيرُ القَلِيلُ كَثِيرًا، وَيَنقَلِبُ الدَّينُ سَبَبًا لِخَرابِ البُيُوتِ وَذَهابِ الأَملاكِ.
وَقَد جاءَ القُرآنُ الكَرِيمُ بِالتَّشدِيدِ فِي تَحرِيمِ الرِّبا، وَلَيسَ مَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿أَضعافًا مُضاعَفَةً﴾ أَنَّ الرِّبا لا يَحرُمُ إِلَّا إِذا كانَتِ الزِّيادَةُ كَبِيرَةً مُتَضاعِفَةً، كَما يَتَوَهَّمُ بَعضُ المُتَأَخِّرِينَ، بَل الرِّبا حَرامٌ قَلَّت زِيادَتُهُ أَو كَثُرَت، ثَبَتَت نِسبَتُهُ أَو تَغَيَّرَت، كانَت مُتَناقِصَةً أَو مُتَزايِدَةً؛ لأَنَّ اللهَ تَعالى قالَ فِي آيَةٍ أُخرى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فَجاءَ التَّحرِيمُ مُطلَقًا للرِّبا، لا مُقَيَّدًا بِكَونِ الزِّيادَةِ أَضعافًا مُضاعَفَةً.
فَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَضعافًا مُضاعَفَةً﴾ خَرَجَ مَخرَجَ بَيانِ ما كانُوا يَفعلُونَهُ فِي الجاهِلِيَّةِ، وَتَقبيحِ تِلكَ الصُّورَةِ الشَّنيعَةِ، لا لِإِباحَةِ ما كانَ دونَها مِنَ الرِّبا. فَكُلُّ زِيادَةٍ مَشروطةٍ فِي القَرضِ، أَو مَنفَعَةٍ مَشروطةٍ لِلمُقرِضِ، فَهِيَ مِنَ الرِّبا المُحَرَّمِ.
وَمِن أَشهَرِ أَنواعِ الرِّبا الَّتِي انتَشَرَت فِي الجاهِلِيَّةِ، وَلا تَزالُ تَنتَشِرُ فِي كَثيرٍ مِنَ المُجتَمَعاتِ، رِبا القَرضِ. وَمَعناهُ أَن يُقرِضَ الإِنسانُ غَيرَهُ مالًا، ثُمَّ يَشتَرِطَ عَلَيهِ زِيادَةً فِي المالِ، أَو يَشتَرِطَ مَنفَعَةً مِنَ المَنافِعِ. فَلَيسَ الرِّبا مَحصُورًا فِي أَن يَقولَ لَهُ: أُقرِضُكَ أَلفًا عَلَى أَن تَرُدَّهَا أَلفَينِ، بَل يَدخُلُ فِيهِ أَن يَشتَرِطَ عَلَيهِ أَن يَنتَفِعَ بِسَيّارَتِهِ، أَو يَسكُنَ دارَهُ بِأُجرَةٍ مُخَفَّضَةٍ، أَو أَن يَبيعَهُ ثِمارَهُ دُونَ غَيرِهِ، أَو نَحوَ ذٰلِكَ مِنَ المَنافِعِ المَشروطةِ.
وَقَد جاءَ فِي الحَدِيثِ: «كُلُّ قَرضٍ جَرَّ مَنفَعَةً فَهُوَ رِبا». وَهٰذَا الحَدِيثُ وَإِن تَكَلَّمَ أَهلُ الحَدِيثِ فِي أَسانِيدِهِ، فَمَعناهُ قاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ عِندَ الفُقَهاءِ فِي تَحرِيمِ المَنفَعَةِ المَشروطةِ فِي القَرضِ. فَكُلُّ قَرضٍ شُرِطَ فِيهِ نَفعٌ لِلمُقرِضِ، فَهُوَ داخِلٌ فِي بَابِ الرِّبا المُحَرَّمِ.
وَلا يَتَغَيَّرُ الحُكمُ بِتَغَيُّرِ الأَسماءِ؛ فَلَو سُمِّيَتِ الزِّيادَةُ فائِدَةً، أَو رِبحًا، أَو رَسمًا، أَو غَرامَةَ تَأخِيرٍ، أَو نِسبَةً ثابِتَةً أَو مُتَناقِصَةً، فَالعِبرَةُ بِحَقِيقَةِ العَقدِ لا بِاسمِهِ. فَما دامَ القَرضُ جَرَّ مَنفَعَةً مَشروطةً لِلمُقرِضِ، فَهُوَ رِبا، وَتَغَيُّرُ التَّسمِيَةِ لا يُغَيِّرُ الحُكمَ الشَّرعِيَّ.
وَمِمّا يَتَجاسَرُ عَلَيهِ بَعضُ النّاسِ فِي هٰذَا الزَّمانِ أَن يَستَحِلُّوا الاقتِراضَ بِالرِّبا لِشِراءِ بَيتٍ أَو سَيّارَةٍ أَو غَيرِ ذٰلِكَ مِنَ الحاجاتِ، وَيَزعُمُوا أَنَّ الحاجَةَ تُبِيحُ ذٰلِكَ. وَهٰذا باطِلٌ؛ فَلَيسَ شِراءُ المَسكَنِ بِالقَرضِ الرِّبَوِيِّ ضَرورَةً تُبِيحُ الحَرامَ، بَل يَستَأجِرُ الإِنسانُ وَيَصبِرُ حَتّى يُيَسِّرَ اللهُ لَهُ، وَلَيسَ شِراءُ السَّيّارَةِ أَيضًا ضَرورَةً تُبِيحُ الرِّبا. فَالرِّبا مِنَ الكَبائِرِ، وَحُرمَتُهُ مَعلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ.
وَقَد أَنهَكَ الرِّبا كَثيرًا مِنَ المُجتَمَعاتِ، وَأَثقَلَ كَواهِلَ النّاسِ بِالدُّيُونِ. فَكَم مِن إِنسانٍ يَعمَلُ لَيلًا وَنَهارًا، ثُمَّ لا يَبقى لَهُ مِن راتِبِهِ إِلَّا القَلِيلُ؛ لأَنَّ القُرُوضَ الرِّبَوِيَّةَ تَقتَطِعُ أَكثَرَهُ. وَكَم مِن بَيتٍ خَرِبَ بِسَبَبِ الرِّبا، وَكَم مِن مَملُوكاتٍ بِيعَت بِالمَزادِ بِأَثمَانٍ بَخسَةٍ، ثُمَّ لَم يَكفِ ذٰلِكَ لِسَدادِ الزِّياداتِ الرِّبَوِيَّةِ. فَالرِّبا لا يُفسِدُ ذِمَّةَ صاحِبِهِ فَحَسبُ، بَل يُؤَدِّي إِلَى تَفَكُّكِ البُيُوتِ، وَإِضعافِ المُجتَمَعِ، وَإِشاعَةِ الظُّلمِ وَالحاجَةِ وَالحَسرَةِ.
وَقَد أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَن كَثرَةِ الرِّبا فِي آخِرِ الزَّمانِ، فَقالَ مَعناهُ: «لَيَأتِيَنَّ عَلَى النّاسِ زَمانٌ لا يَبقى أَحَدٌ إِلّا أَكَلَ الرِّبا، فَإِن لَم يَأكُلهُ أَصابَهُ مِن غُبارِهِ». وَمَعنى ذٰلِكَ أَنَّ الرِّبا يَنتَشِرُ انتِشارًا عَظيمًا، حَتّى يَبلُغَ أَثَرُهُ مَن لَم يَقصِد أَكلَهُ، وَهٰذَا مِمّا يُوجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَزدادَ حَذَرًا وَتَحَرِّيًا لِلحَلالِ.
وَالرِّبا مِنَ الكَبائِرِ، وَآكِلُهُ عاصٍ فاسِقٌ إِن كانَ مُسلِمًا، أَمّا إِذا استَحَلَّهُ وَكَذَّبَ تَحرِيمَ اللهِ لَهُ، فَهٰذا خَطَرٌ عَلَى أَصلِ إِيمانِهِ؛ لأَنَّ تَحرِيمَ الرِّبا مَعلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ. وَأَكلُ الرِّبا يَستَحِقُّ صاحِبُهُ بِهِ العَذابَ فِي القَبرِ وَالآخِرَةِ إِن لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ، وَلٰكِن لا يُحكَمُ عَلَيهِ بِالكُفرِ لِمُجرَّدِ أَكلِهِ إِذا لَم يَستَحِلَّهُ.
وَيَنبَغِي مَعَ ذٰلِكَ التَّنبِيهُ إِلَى أَنَّ ما يَشتهِرُ عَلَى أَلسِنَةِ بَعضِ النّاسِ مِن قَولِهِم: دِرهَمُ رِبا أَشَدُّ مِن سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنيَةً، لا يَصِحُّ أَن يُجعَلَ قاعِدَةً فِي تَرتِيبِ الكَبائِرِ، فَالرِّبا حَرامٌ وَمِنَ الكَبائِرِ، وَلٰكِنَّ تَرتِيبَ الذُّنُوبِ وَمَراتِبَها إِنَّما يُعرَفُ بِالنُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ. وَقَد دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ أَعظَمَ الذُّنُوبِ الكُفرُ، ثُمَّ القَتلُ بِغَيرِ حَقٍّ، ثُمَّ الزِّنا، ثُمَّ تَأتي كَبائِرُ أُخرى، مِنها تَركُ الصَّلاةِ، وَأَكلُ الرِّبا، وَغَيرُ ذٰلِكَ.
وَتُعرَفُ الكَبائِرُ بِما وَرَدَ فِيهِ وَعيدٌ شَديدٌ، أَو لَعنٌ، أَو ذِكرُ عَذابٍ، أَو حَدٌّ فِي الدُّنيا، أَو نَحوُ ذٰلِكَ مِن عَلاماتِ الكَبِيرَةِ. وَقَد أَوصَلَ بَعضُ العُلَماءِ عَدَدَ الكَبائِرِ إِلَى نَحوِ سَبعِينَ، وَالحَدِيثُ الوارِدُ فِي السَّبعِ المُوبِقاتِ لا يَدُلُّ عَلَى حَصرِ الكَبائِرِ فِي سَبعٍ فَقَط، بَل ذُكِرَت فِيهِ سَبعٌ مِن أَشدِّها.
وَمِن خَطَرِ المالِ الحَرامِ أَنَّهُ يُنبتُ الجَسَدَ عَلَى السُّحتِ، وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِن سُحتٍ فَالنّارُ أَولى بِهِ». فَكَيْفَ يَرضى المُسلِمُ أَن يُطعِمَ أَهلَهُ وَأَولادَهُ مِن مالٍ حَرامٍ؟ وَكَم مِن صالِحِينَ كانُوا يَتَواصَونَ بِالحَذَرِ مِنَ الحَرامِ؛ فَقَد كانَت بَعضُ البَناتِ الصّالِحاتِ تُذَكِّرُ أَباها عِندَ خُرُوجِهِ لِطَلَبِ الرِّزقِ، فَتَقولُ لَهُ: يا أَبَتِ، اتَّقِ اللهَ، وَلَا تُطعِمنا مِن حَرامٍ.
وَقَد يُرى شُؤمُ المالِ الحَرامِ فِي الدُّنيا قَبلَ الآخِرَةِ، وَقَد حُكِيَ عَن رَجُلٍ كانَ يَأكُلُ الرِّبا وَيَظلِمُ النّاسَ، فَلَمّا ماتَ ظَهَرَ مِن قَبرِهِ ما يَدُلُّ عَلَى عَذابِهِ، فَلَمّا رَدَّ أَهلُهُ المَظالِمَ إِلَى أَصحابِها، انقَطَعَ ما كانوا يَرَونَهُ. فَهٰذا مِن أَعظَمِ ما يُخَوِّفُ العَبدَ مِن أَكلِ أَموالِ النّاسِ بِالباطِلِ.
وَمَن أَخَذَ رِبا ثُمَّ أَرادَ التَّوبَةَ، فَتَوبَتُهُ أَن يَندَمَ عَلَى ذَنبِهِ، وَيُقلِعَ عَنهُ، وَيَعزِمَ أَلَّا يَعودَ إِلَيهِ، وَأَن يَرُدَّ الزِّيادَةَ الرِّبَوِيَّةَ إِلَى مَن أَخَذَها مِنهُ، فَلَهُ رَأسُ مالِهِ لا يَظلِمُ وَلَا يُظلَمُ. فَلَو أَقرَضَ رَجُلًا أَلفًا عَلَى أَن يَرُدَّها أَلفَينِ، ثُمَّ أَخَذَ الأَلفَينِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يَرُدَّ الأَلفَ الزّائِدَةَ إِلَى صاحِبِها مَعَ التَّوبَةِ إِلَى اللهِ.
وَمِنَ المَسائِلِ المُهِمَّةِ أَنَّ مالَ الرِّبا لا يَدخُلُ فِي مِلكِ آخِذِهِ مِلكًا صَحِيحًا، فَلَو اشتَرى شَيئًا بِعَينِ المالِ الرِّبَوِيِّ، فَفِي ذٰلِكَ خَطَرٌ عَظِيمٌ مِن جِهَةِ صِحَّةِ المِلكِ. أَمّا إِذا عَقَدَ البَيعَ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ سَدَّدَ الثَّمَنَ مِن مالٍ حَرامٍ، فَأَصلُ العَقدِ لَهُ حُكمُهُ، وَلٰكِنَّهُ يَأثَمُ بِدَفعِ الحَرامِ، وَيَلزَمُهُ التَّخَلُّصُ مِن ذٰلِكَ الحَرامِ وَرَدُّهُ إِلَى أَهلِهِ مَعَ التَّوبَةِ.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ رِجالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النّارُ يَومَ القِيامَةِ». فَلْيَحذَرِ المُسلِمُ مِنَ التَّهاوُنِ فِي أَمرِ الأَموالِ، فَإِنَّ حُقوقَ العِبادِ مَبناها عَلَى المُشاحَحَةِ، وَلا تَبرَأُ الذِّمَّةُ مِنها إِلَّا بِرَدِّها أَو مُسامَحَةِ أَصحابِها.
وَلِلرِّبا أَنواعٌ أُخرى غَيرُ رِبا القَرضِ، مِنها رِبا الفَضلِ، وَرِبا النَّساءِ، وَرِبا اليَدِ، وَهٰذِهِ لَها تَفاصِيلُها فِي كُتُبِ الفِقهِ. وَجُملَةُ ذٰلِكَ أَنَّ ما كانَ مِنَ النَّقدَينِ، أَي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، أَو كانَ مِنَ المَطعوماتِ، إِذا اتَّحَدَ الجِنسُ وَالعِلَّةُ، كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ، أَو فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ، أَو بُرٍّ بِبُرٍّ، أَو شَعيرٍ بِشَعيرٍ، أَو تَمرٍ بِتَمرٍ، فَيُشتَرَطُ فِيهِ التَّماثُلُ وَالتَّقابُضُ فِي المَجلِسِ وَعَدَمُ التَّأجيلِ، عَلَى ما فَصَّلَهُ الفُقَهاءُ.
فَمَن أَرادَ أَن يُبَدِّلَ ذَهَبًا قَدِيمًا بِذَهَبٍ جَدِيدٍ، فَلَا يَجوزُ أَن يُبادِلَ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ مَعَ زِيادَةٍ مِن أَحَدِ الطَّرَفَينِ، بَل يَبيعُ ذَهَبَهُ القَدِيمَ بِثَمَنٍ، ثُمَّ يَشتَرِي بِالثَّمَنِ، أَو بِما زادَ عَلَيهِ مِن مالِهِ، الذَّهَبَ الجَدِيدَ بِعَقدٍ آخَرَ. وَكَذٰلِكَ مَن أَرادَ أَن يُبادِلَ تَمرًا بِتَمرٍ أَو أُرزًّا بِأُرزٍّ، فَلْيَتَنَبَّه لِأَحكامِ الرِّبا، وَلَا يَقُل: إِنَّ النَّتِيجَةَ واحِدَةٌ؛ فَإِنَّ الشَّرعَ اعتَبَرَ صُورَةَ العَقدِ وَشُرُوطَهُ، وَالعَبدُ مُتَعَبَّدٌ بِاتِّباعِ الشَّرعِ.
وَقَد أَرشَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَخرَجِ الشَّرعِيِّ فِي ذٰلِكَ، فَقالَ لِمَن بادَلَ تَمرًا جَيِّدًا بِتَمرٍ رَدِيءٍ مَعَ زِيادَةٍ: «لا تَفعَل، بِعِ الجَمعَ بِالدَّراهِمِ، ثُمَّ ابتَع بِالدَّراهِمِ جَنِيبًا». فَعَلَّمَهُم ﷺ أَن يَخرُجُوا مِنَ الرِّبا بِطَرِيقٍ شَرعِيٍّ صَحِيحٍ، لا بِالتَّحايُلِ الفاسِدِ وَلَا بِالمُبادَلَةِ المُحَرَّمَةِ.
وَمِمّا يُعِينُ عَلَى السَّلامَةِ مِنَ الحَرامِ أَن يَرضى العَبدُ بِما قَسَمَ اللهُ لَهُ، وَأَلَّا يُغرِقَ نَفسَهُ فِي دُيُونٍ لا يُطِيقُها. فَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما قَلَّ وَكَفى خَيرٌ مِمّا كَثُرَ وَأَلهى». فَالقَلِيلُ الحَلالُ المُبارَكُ خَيرٌ مِن كَثيرٍ حَرامٍ يُثقِلُ القَلبَ وَيُفسِدُ الدِّينَ وَيَجلِبُ الشُّؤمَ.
وَمِن أَسبابِ عَدَمِ إِجابَةِ الدُّعاءِ أَكلُ المالِ الحَرامِ، كَما جاءَ فِي الحَدِيثِ فِي الرَّجُلِ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشعَثَ أَغبَرَ، يَمُدُّ يَدَيهِ إِلَى السَّماءِ، يَقولُ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، وَمَطعَمُهُ حَرامٌ، وَمَشرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلبَسُهُ حَرامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرامِ، «فَأَنّى يُستَجابُ لِذٰلِكَ». فَلْيَتَحَرَّ المُسلِمُ الحَلالَ فِي طَعامِهِ وَشَرابِهِ وَمَلبَسِهِ وَنَفَقَتِهِ.
وَكَثرَةُ المالِ الحَرامِ وَانتِشارُهُ مِن أَسبابِ الشُّؤمِ وَالبَلاءِ، وَقَد تَكثُرُ بِسَبَبِهِ الأَمراضُ وَالمِحَنُ وَالفِتَنُ، وَيَذهَبُ بِهِ بَرَكَةُ العُمرِ وَالرِّزقِ. فَالعاقِلُ مَن يَفرُّ مِنَ الحَرامِ كَما يَفرُّ مِنَ النّارِ، وَيَحرِصُ عَلَى أَن يَلقى اللهَ وَذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ مِن أَموالِ النّاسِ وَحُقوقِهِم.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]
خَتَمَ اللهُ تَعالى الآيَةَ بِالأَمرِ بِالتَّقوى، فَقالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾، أَي أَطِيعُوا اللهَ وَاجتَنِبُوا مَعاصِيَهُ، وَاترُكُوا الرِّبا وَسائِرَ الحَرامِ، لِتَفوزُوا بِما رَغَّبَكُمُ اللهُ فِيهِ مِن ثَوابِهِ وَرَحمَتِهِ، وَلِتَنجُوا مِمّا حَذَّرَكُم مِنهُ مِن عَذابِهِ وَعُقوبَتِهِ.
وَالفَلاحُ هُوَ الظَّفَرُ بِالمَطلُوبِ وَالنَّجاةُ مِنَ المَرهُوبِ. وَمَطلوبُ المُؤمِنِ أَن يَنالَ رِضا اللهِ وَثَوابَهُ وَجَنَّتَهُ، وَمَرهوبُهُ أَن يَنجُوَ مِن سَخَطِ اللهِ وَعَذابِهِ. فَمَن أَرادَ الفَلاحَ، فَطَرِيقُهُ التَّقوى، وَمِن أَعظَمِ التَّقوى أَن يَتَحَرَّى الحَلالَ وَيَجتَنِبَ الرِّبا وَأَكلَ أَموالِ النّاسِ بِالباطِلِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى نادى المُؤمِنِينَ فَنَهاهُم عَن أَكلِ الرِّبا، وَذَكَرَ صُورَتَهُ الشَّنيعَةَ الَّتِي كانَت مَعرُوفَةً فِي الجاهِلِيَّةِ، وَبَيَّنَ بِسائِرِ النُّصُوصِ أَنَّ الرِّبا حَرامٌ قَلَّت زِيادَتُهُ أَو كَثُرَت، ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّقوى؛ لأَنَّ اجتِنابَ الحَرامِ وَأَداءَ الواجباتِ سَبَبُ الفَلاحِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ.