بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)﴾
﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّت لِلكافِرِينَ ١٣١﴾ [آل عمران: ١٣١]
﴿وَاتَّقُوا النّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١]
جاءَت هٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بَعدَ آيَةِ تَحرِيمِ الرِّبا، وَهِيَ قَولُهُ تَعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأكُلُوا الرِّبا أَضعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]. وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الرِّبا حَرامٌ، قَلَّت زِيادَتُهُ أَو كَثُرَت، كانَت ضِعفًا أَو ضِعفَينِ أَو أَقَلَّ أَو أَكثَرَ، وَأَنَّ اللهَ تَعالى قالَ فِي آيَةٍ أُخرى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فَحُرمَةُ الرِّبا مَعلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ، وَلَا تَتَغَيَّرُ بِتَغيِيرِ الأَسماءِ وَالمُسَمَّياتِ، كَما أَنَّ الخَمرَ لا تَصيرُ حَلالًا بِتَغيِيرِ اسمِها أَو تَزويقِ وَصفِها.
وَمِن هُنا جاءَ التَّحذِيرُ بَعدَها مِنَ النّارِ، فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّت لِلكافِرِينَ﴾. وَفِي ذٰلِكَ تَهوِيلٌ لِشَأنِ المَعصِيَةِ، وَتَخويفٌ لِلمُؤمِنِينَ مِن أَكلِ الرِّبا وَغَيرِهِ مِنَ الكَبائِرِ الَّتِي قَد تَكونُ سَبَبًا لِدُخولِ النّارِ، إِن لَم يَعفُ اللهُ تَعالى عَن صاحِبِها.
فَالنّارُ فِي الأَصلِ أُعِدَّت لِلكافِرِينَ، أَي خُلِقَت وَهُيِّئَت لِمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ وَالشِّركِ وَتَكذِيبِ رُسُلِ اللهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ فَقَد يَدخُلُها بَعضُ عُصاةِ المُسلِمِينَ، مِن أَهلِ الكَبائِرِ الَّذِينَ ماتُوا مِن غَيرِ تَوبَةٍ، إِن شاءَ اللهُ تَعالى تَعذِيبَهُم. وَلٰكِنَّ الفَرقَ عَظِيمٌ بَينَ دُخولِ الكافِرِ وَدُخولِ المُسلِمِ العاصِي؛ فَالكافِرُ خالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي النّارِ أَبَدًا، لا يَخرُجُ مِنها، وَلَا يُخَفَّفُ عَنهُ عَذابُها، وَأَمّا المُسلِمُ العاصِي فَإِن دَخَلَ النّارَ بِذُنُوبِهِ، فَلَا يَخلُدُ فِيهَا، بَل لا بُدَّ أَن يَخرُجَ مِنها وَيَدخُلَ الجَنَّةَ بِفَضلِ اللهِ تَعالى.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَدخُلُ الجَنَّةَ نَفسٌ مُشرِكَةٌ». فَمَن ماتَ عَلَى الشِّركِ وَالكُفرِ، فَلَا نَصِيبَ لَهُ مِن دُخولِ الجَنَّةِ، بَل مَآلُهُ إِلَى نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيهَا. وَقَد دَلَّت آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ عَلَى أَنَّ الكافِرِينَ لا يَخرُجُونَ مِنَ النّارِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما هُم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]. وَقالَ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ وَما أَنا بِظَلّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، أَي إِنَّ وَعيدَ اللهِ تَعالى لِمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ لا يَتَغَيَّرُ وَلَا يُبدَّلُ.
أَمّا المُسلِمُ الَّذِي ماتَ عَلَى الإِيمانِ، وَإِن كانَ مِن أَهلِ الكَبائِرِ، فَهُوَ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى؛ إِن شاءَ عَفا عَنهُ فَلَم يُعَذِّبهُ، وَإِن شاءَ عَذَّبَهُ بِقَدرِ ذَنبِهِ، ثُمَّ يُخرِجُهُ مِنَ النّارِ وَيُدخِلُهُ الجَنَّةَ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «شَفاعَتِي لِأَهلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي». فَأَهلُ الكَبائِرِ مِن هٰذِهِ الأُمَّةِ يَحتاجُونَ إِلَى شَفاعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمِنهم مَن يُنقَذُ بِهَا مِنَ العَذابِ، وَمِنهم مَن يُخَفَّفُ عَنهُ، وَمِنهم مَن يُخرَجُ مِنَ النّارِ بَعدَ دُخولِها.
وَمِن أَمثِلَةِ الكَبائِرِ الَّتِي تُعَرِّضُ صاحِبَها لِعَذابِ القَبرِ وَالنّارِ: النَّمِيمَةُ، وَالتَّهاوُنُ فِي التَّنَزُّهِ مِنَ البَولِ، وَأَكلُ الرِّبا، وَغَيرُ ذٰلِكَ مِنَ المَعاصِي الكَبِيرَةِ. وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الكَبِيرَةَ تُعرَفُ بِما وَرَدَ فِيهِ لَعنٌ، أَو وَعيدٌ شَديدٌ، أَو زَجرٌ عَظِيمٌ، أَو حَدٌّ فِي الدُّنيا، أَو ذِكرُ عَذابٍ فِي الآخِرَةِ. وَمَعَ هٰذَا كُلِّهِ، فَإِنَّ عَذابَ المُسلِمِ العاصِي لا يَبلُغُ عَذابَ الكافِرِ، وَلَا يَخلُدُ خُلُودَهُ.
﴿الَّتِي أُعِدَّت لِلكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]
قَولُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي أُعِدَّت لِلكافِرِينَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ النّارَ مَخلُوقَةٌ مَوجُودَةٌ الآنَ؛ لأَنَّ قَولَهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّت﴾ مَعناهُ هُيِّئَت وَخُلِقَت وَوُجِدَت، وَلَا يُقالُ إِنَّهَا سَتُخلَقُ فِيما بَعدُ. وَكَذٰلِكَ الجَنَّةُ مَوجُودَةٌ الآنَ، كَما قالَ اللهُ تَعالى فِيهَا: ﴿أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. فَدُخولُ أَهلِ الجَنَّةِ إِلَى الجَنَّةِ وَأَهلِ النّارِ إِلَى النّارِ يَكونُ فِي الآخِرَةِ، أَمّا أَصلُ خَلقِ الجَنَّةِ وَالنّارِ فَهُوَ مَوجُودٌ الآنَ.
وَجَهَنَّمُ، أَجارَنا اللهُ تَعالى مِنها، دَرَكاتٌ، كَما أَنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ. وَأَسفَلُ دَرَكاتِ النّارِ لِلمُنافِقِينَ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ المُنافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. وَقَد جاءَ فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يَرى بِها بَأسًا يَهوِي بِها فِي النّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا». فَالكَلِمَةُ الواحِدَةُ مِنَ الكُفرِ، وَالعِياذُ بِاللهِ، قَد تَكونُ سَبَبًا لِخُلُودِ صاحِبِها فِي أَسفَلِ النّارِ إِن ماتَ عَلَيهَا.
وَمَعنى قَولِهِ ﷺ: «لا يَرى بِها بَأسًا» أَنَّهُ لا يَظُنُّها ضارَّةً، أَو لا يَراها ذاتَ خَطَرٍ، وَمَعَ ذٰلِكَ تَكونُ مُهلِكَةً. فَقَد يَتَكَلَّمُ بَعضُ النّاسِ بِكَلِمَةٍ فِيهَا سَبٌّ لِلهِ تَعالى، أَو استِهزاءٌ بِالدِّينِ، أَو تَكذِيبٌ لِحُكمٍ مَعلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ، ثُمَّ إِذا نُبِّهَ قالَ: كُنتُ غاضِبًا، أَو كُنتُ مازِحًا، أَو لَم أَقصِد. وَهٰذَا لَيسَ عُذرًا فِي أَمثالِ هٰذِهِ الأَلفاظِ المُخرِجَةِ مِنَ الإِسلامِ، فَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يَرجِعَ إِلَى الإِسلامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهادَتَينِ بِنِيَّةِ الدُّخولِ فِي الإِسلامِ، فَيَقولُ: أَشهَدُ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
وَجَهَنَّمُ أَشَدُّ نارٍ خَلَقَهَا اللهُ تَعالى، وَقَد جاءَ فِي وَصفِها أَنَّهَا أُوقِدَ عَلَيها أَلفُ عامٍ حَتّى احمَرَّت، ثُمَّ أَلفُ عامٍ حَتّى ابيَضَّت، ثُمَّ أَلفُ عامٍ حَتّى اسوَدَّت، فَهِيَ سَوداءُ مُظلِمَةٌ. وَيَكفِي فِي التَّخويفِ مِنها أَنَّ غَمسَةً واحِدَةً فِيهَا تُنسِي أَنعَمَ أَهلِ الدُّنيا كُلَّ ما رَأَى مِن نَعِيمِها، فَكَيفَ بِمَن يَخلُدُ فِيهَا أَبَدًا؟
وَمَعَ هٰذَا التَّخويفِ، فَقَد جَعَلَ اللهُ تَعالى لِلمُؤمِنِينَ أَبوابًا مِنَ الرَّجاءِ وَالأَذكارِ وَالأَعمالِ الصّالِحَةِ. فَقَد جاءَ فِي بَعضِ الأَحادِيثِ أَنَّ مَن قالَ بَعدَ صَلاةِ الفَجرِ: «اللَّهُمَّ أَجِرنِي مِنَ النّارِ» سَبعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ ماتَ فِي يَومِهِ، كُتِبَت لَهُ إِجارَةٌ مِنَ النّارِ، وَمَن قالَها بَعدَ صَلاةِ المَغرِبِ، ثُمَّ ماتَ فِي لَيلَتِهِ، كُتِبَت لَهُ إِجارَةٌ مِنَ النّارِ. فَيَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يُحافِظَ عَلَى هٰذَا الدُّعاءِ، وَأَلَّا يَغفُلَ عَن سُؤالِ اللهِ السَّلامَةَ مِنَ النّارِ.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَخرُجُ قَومٌ مِنَ النّارِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفاعَةِ مُحَمَّدٍ». فَهٰؤُلاءِ عُصاةٌ مِنَ المُسلِمِينَ دَخَلُوا النّارَ بِذُنُوبِهِم، ثُمَّ أَخرَجَهُمُ اللهُ تَعالى مِنها بِشَفاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ. وَنَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يَرزُقَنا شَفاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ، لا سِيَّما شَفاعَةَ الإِنقاذِ مِنَ العَذابِ، فَلَا نَدخُلَ النّارَ أَصلًا.
وَمِن أَسبابِ رَجاءِ هٰذِهِ الشَّفاعَةِ زِيارَةُ قَبرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَد جاءَ فِي الحَدِيثِ: «مَن زارَ قَبري وَجَبَت لَهُ شَفاعَتِي». فَنَسأَلُ اللهَ تَعالى أَن يَرزُقَنا زِيارَةَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَالحَجَّ إِلَى بَيتِهِ الحَرامِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن أَهلِ شَفاعَتِهِ.
وَمِنَ الإِشاراتِ اللَّطِيفَةِ فِي وُرُودِ قَولِهِ تَعالى: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّت لِلكافِرِينَ﴾ بَعدَ آيَةِ الرِّبا، أَنَّ أَكلَ الرِّبا مِن أَسبابِ استِحقاقِ العَذابِ، وَأَنَّ مَن أَكَلَهُ وَهُوَ مُعتَقِدٌ تَحرِيمَهُ فَهُوَ عاصٍ فاسِقٌ، لا يُحكَمُ بِكُفرِهِ لِمُجَرَّدِ أَكلِهِ، أَمّا مَن استَحَلَّ الرِّبا، أَو قالَ إِنَّهُ حَلالٌ، أَو جَحَدَ تَحرِيمَهُ مَعَ عِلمِهِ بِأَنَّهُ مَعلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ، فَقَد كَذَّبَ الشَّرعَ، وَخَرَجَ عَنِ الإِسلامِ، وَالعِياذُ بِاللهِ.
وَقَد قَرَّرَ أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ أَنَّ المُسلِمَ لا يُكَفَّرُ بِمُجَرَّدِ ذَنبٍ يَرتَكِبُهُ ما لَم يَستَحِلَّهُ. وَقَد قالَ الإِمامُ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي عَقِيدَتِهِ: لا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِن أَهلِ القِبلَةِ بِذَنبٍ ما لَم يَستَحِلَّهُ. فَهٰذِهِ قاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ خالَفَ فِيهَا الخَوارِجُ، فَكَفَّرُوا أَهلَ الكَبائِرِ، وَاستَحَلُّوا دِماءَ المُسلِمِينَ. أَمّا أَهلُ السُّنَّةِ فَيَقولُونَ: مُرتَكِبُ الكَبِيرَةِ مُسلِمٌ عاصٍ فاسِقٌ، تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، لا يَخرُجُ مِنَ الإِسلامِ إِلَّا إِذا استَحَلَّ الحَرامَ المَعلُومَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ، أَو وَقَعَ فِي ناقِضٍ مِن نَواقِضِ الإِسلامِ.
وَمِن هُنا يَجِبُ الحَذَرُ مِن إِطلاقِ لَفظِ الكُفرِ عَلَى المُسلِمِ بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَا يَجوزُ أَن يَقولَ الإِنسانُ لِأَخِيهِ المُسلِمِ: يا كافِرُ، أَو يا يَهُودِيُّ، أَو يا نَصرانِيُّ، أَو يا عَدِيمَ الدِّينِ، لِأَجلِ غَضَبٍ أَو خِلافٍ أَو تَأَخُّرٍ فِي مَوعِدٍ، أَو نَحوِ ذٰلِكَ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن قالَ لِأَخِيهِ يا كافِرُ، فَقَد باءَ بِها أَحَدُهُما». فَهٰذَا بابٌ خَطِيرٌ، وَاللِّسانُ إِذا لَم يُحفَظ أَهلَكَ صاحِبَهُ.
وَكَذٰلِكَ يَنبَغِي الحَذَرُ مِن قَولِ بَعضِ النّاسِ عِندَ الغَضَبِ أَو الاستِغرابِ: هٰذا كُفرٌ، أَو الغَلاءُ كُفرٌ، أَو الامتِحانُ كُفرٌ، أَو نَحوَ ذٰلِكَ مِنَ الأَلفاظِ الَّتِي لا تَليقُ. فَلَا يُسَمِّي المُسلِمُ الأَشياءَ كُفرًا مِن عِندِ نَفسِهِ، بَل يُرجَعُ فِي ذٰلِكَ إِلَى نُصُوصِ الشَّرعِ وَكَلامِ أَهلِ العِلمِ. وَقَد جاءَ فِي الحَدِيثِ: «سِبابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كُفرٌ»، وَالمُرادُ بِالكُفرِ هُنا التَّغليظُ وَالتَّشبِيهُ، لا أَنَّ قِتالَ المُسلِمِ لِأَخِيهِ يُخرِجُهُ مِنَ الإِسلامِ، بَدَلِيلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِن طائِفَتانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُما﴾ [الحجرات: ٩]، فَسَمّاهُم مُؤمِنِينَ مَعَ وُقُوعِ الاقتِتالِ.
وَكَما يَحذَرُ المُؤمِنُ مِن تَكفِيرِ المُسلِمِ بِغَيرِ حَقٍّ، يَحذَرُ أَيضًا مِنَ التَّحليلِ وَالتَّحرِيمِ بِغَيرِ عِلمٍ. فَلَا يَقولُ لِما أَحَلَّهُ اللهُ: هٰذا حَرامٌ، وَلَا لِما حَرَّمَهُ اللهُ: هٰذا حَلالٌ. وَمَن أَحَلَّ حَرامًا مَعلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ، أَو حَرَّمَ حَلالًا مَعلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ، فَقَد عَرَّضَ دِينَهُ لِلخَطَرِ العَظِيمِ. وَمِن هٰذا البابِ التَّساهُلُ فِي قَولِ بَعضِ النّاسِ: حَرامٌ عَلَيكَ، لِأُمُورٍ لَيسَت حَرامًا فِي الشَّرعِ، فَهٰذَا لَا يَنبَغِي، بَل يُقالُ: لا يَليقُ، أَو الأَولى أَن تَترُكَ، أَو نَحوُ ذٰلِكَ إِذا لَم يَكُنِ الفِعلُ حَرامًا حَقيقَةً.
فَأَكلُ الرِّبا مَعصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَآكِلُهُ مَلعُونٌ عَلَى لِسانِ الشَّرعِ، وَمُتَعَرِّضٌ لِحَربٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيُخشى عَلَيهِ مِن عَذابِ القَبرِ وَالنّارِ وَسُوءِ الخاتِمَةِ، إِلَّا أَن يَتُوبَ. وَلٰكِنَّهُ لا يَكفُرُ بِمُجَرَّدِ أَكلِهِ إِذا كانَ مُعتَقِدًا تَحرِيمَهُ. أَمّا إِذا قالَ: الرِّبا حَلالٌ، أَو أَنا يَحِلُّ لِي أَكلُهُ، أَو جَحَدَ تَحرِيمَهُ، فَهٰذا استِحلالٌ لِحَرامٍ مَعلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ، وَهُوَ مِن نَواقِضِ الإِسلامِ.
فَمَعنى الآيَةِ: يا أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، احذَرُوا النّارَ، وَاتَّقُوا أَسبابَها، وَمِن أَعظَمِ تِلكَ الأَسبابِ أَكلُ الرِّبا وَالكَبائِرُ وَالاستخفافُ بِحُدُودِ اللهِ. وَإِن كانَتِ النّارُ مُعَدَّةً أَصلًا لِلكافِرِينَ، فَإِنَّ المُسلِمَ العاصِي قَد يُعَذَّبُ فِيهَا إِن ماتَ مُصِرًّا عَلَى كَبِيرَتِهِ وَلَم يَعفُ اللهُ عَنهُ.
وَهٰذِهِ الآيَةُ، عَلَى ما ذَكَرَهُ بَعضُ أَهلِ العِلمِ، مِن أَخوَفِ الآياتِ فِي تَهديدِ المُؤمِنِينَ بِعَذابِ النّارِ؛ لأَنَّ الخِطابَ لِلمُؤمِنِينَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُم: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّت لِلكافِرِينَ﴾. فَفِيهَا تَحذِيرٌ لَهُم مِن أَن يَفعَلُوا ما يَكونُ سَبَبًا لِدُخولِ نارٍ أُعِدَّت فِي الأَصلِ لِأَعداءِ اللهِ الكافِرِينَ.
وَالمُؤمِنُ العاقِلُ لا يَستَهِينُ بِنارِ جَهَنَّمَ، وَلَا يَقولُ: إِنَّنِي مُسلِمٌ فَلَا أُبَالِي بِالمَعاصِي؛ فَإِنَّ غَمسَةً واحِدَةً فِي النّارِ تُنسِي كُلَّ نَعِيمِ الدُّنيا. وَأَلَمُ سَكَرَاتِ المَوتِ أَشدُّ مِن آلامِ الأَمراضِ الَّتِي يُصابُ بِها الإِنسانُ فِي الدُّنيا، فَكَيفَ بِعَذابِ جَهَنَّمَ؟ فَليَستَعِدَّ العَبدُ لِذٰلِكَ اليَومِ، وَلْيَتَّقِ اللهَ فِي مالِهِ وَلِسانِهِ وَجَوارِحِهِ.
وَمِن أَعظَمِ ما يُعِينُ عَلَى تَركِ الرِّبا وَالحَرامِ أَن يَرضى العَبدُ بِما قَسَمَ اللهُ لَهُ، وَأَلَّا يَنظُرَ فِي أَمرِ الدُّنيا إِلَى مَن فَوقَهُ مِن أَهلِ السَّعَةِ وَالتَّرَفِ؛ بَل يَنظُرُ إِلَى مَن هُوَ دونَهُ فِي العَيشِ، لِئَلَّا يَزدَرِيَ نِعمَةَ اللهِ عَلَيهِ. فَكَم مِن بُيُوتٍ ضاقَت بِأَهلِها، وَكَم مِن أَناسٍ لا يَجِدُونَ طَعامًا وَلَا أَمانًا، كَما نَرى مِن أَحوالِ أَهلِنا فِي غَزَّةَ وَفِلَسطِينَ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَصبِرُونَ وَيَحتَسِبُونَ. فَلْيَحمَدِ المُؤمِنُ رَبَّهُ عَلَى ما آتاهُ، وَلَا يَمدَّ يَدَهُ إِلَى الرِّبا وَالحَرامِ لِيُوَسِّعَ دُنيا زائِلَةً.
أَمّا فِي أَمرِ الآخِرَةِ، فَليَنظُر إِلَى مَن هُوَ فَوقَهُ فِي الطّاعَةِ وَالعِبادَةِ وَالعِلمِ؛ فَإِن كانَ يُصلِّي رَكعَتَينِ مِنَ اللَّيلِ، فَليَنظُر إِلَى مَن يَقومُ نِصفَ اللَّيلِ أَو أَكثَرَ، وَإِن كانَ يَختمُ القُرآنَ مَرَّةً فِي رَمَضانَ، فَليَنظُر إِلَى مَن يَختمُهُ مَرّاتٍ، لِيَزدادَ هِمَّةً وَرَغبَةً فِي الخَيرِ.
وَقَد كانَ بَعضُ الصّالِحِينَ لا يَنامُ مِن شِدَّةِ تَذَكُّرِهِ لِجَهَنَّمَ، فَإِذا غَلَبَهُ النُّعاسُ تَذَكَّرَ النّارَ فَاستَيقَظَ، فَتَقولُ لَهُ ابنَتُهُ: يا أَبَتِ، لِمَ لا تَنامُ؟ فَيَقولُ: يا بُنَيَّةُ، جَهَنَّمُ لا تَترُكُنِي أَنامُ. فَمَن تَفَكَّرَ فِي عَذابِ اللهِ خافَ، وَمَن خافَ اتَّقى، وَمَن اتَّقى رَجا الفَلاحَ وَالنَّجاةَ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى أَمَرَ المُؤمِنِينَ أَن يَتَّقُوا النّارَ، أَي يَجتَنِبُوا أَسبابَ دُخولِها، وَخُصُوصًا بَعدَ النَّهيِ عَنِ الرِّبا، لِأَنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ المُهلِكَةِ. وَبَيَّنَ أَنَّ النّارَ مُعَدَّةٌ لِلكافِرِينَ أَصلًا، وَأَنَّ الكافِرِينَ خالِدُونَ فِيهَا، وَأَمّا عُصاةُ المُؤمِنِينَ فَقَد يَدخُلُها مَن شاءَ اللهُ تَعذِيبَهُ مِنهُم، ثُمَّ مَآلُهُم إِلَى الجَنَّةِ. فَلْيَتَّقِ المُؤمِنُ رَبَّهُ، وَلْيَحذَرِ الرِّبا وَالكَبائِرَ، وَلْيَسأَلِ اللهَ دَائِمًا أَن يُجِيرَهُ مِنَ النّارِ.