- ذِكرُ الإِنكَارِ عَلَى مَن أَشرَكَ بِاللهِ غَيرَهُ فِي العِبَادَةِ
ثُمَّ عَادَ اللهُ تَعَالَى إِلَى تَوبِيخِ المُشرِكِينَ فَقَالَ: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُوٓا۟ ءَالِهَةًۭ ﴾ كَائِنَةً ﴿ مِّنَ ٱلْأَرْضِ ﴾ صِفَةُ آلِهَتِهِمُ المَزعُومَةِ، لِأَنَّ آلِهَتَهُم كَانَت مُتَّخَذَةً مِن جَوَاهِرِ الأَرضِ كَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالحَجَرِ وَتُعبَدُ فِي الأَرضِ فَنُسِبَت إِلَيهَا، كَقَولِكَ: فُلَانٌ مِنَ المَدِينَةِ، أَي مَدَنِيٌّ، ثُمَّ زَادَ فِي تَوبِيخِهِم فَقَالَ: ﴿ هُمْ يُنشِرُونَ ٢١ ﴾ أَي هَلِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مَزعُومَةً يُحيُونَ المَوتَى؟ وَهُم وَإِن لَم يُصَرِّحُوا بِأَنَّ آلِهَتَهُمُ المَزعُومَةَ تُحيِي المَوتَى لَكِن لَزِمَ ذَلِكَ مِنَ ادِّعَائِهِم لَهَا الإِلٰهِيَّةَ، فَإِنَّ مِن لَوَازِمِ الإِلٰهِيَّةِ الِاقتِدَارَ عَلَى جَمِيعِ المُمكِنَاتِ، وَلَا يَستَحِقُّ هَذَا الِاسمَ إِلَّا القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ، وَالإِحيَاءُ مِن جُملَتِهَا، وَلِأَنَّ العَاجِزَ عَنِ الإِحيَاءِ لَا يَكُونُ إِلٰهًا، بَل لَا يَكُونُ إِلٰهًا إِلَّا مَن يُحيِي المَوتَى، وَالمُرَادُ بِالسُّؤَالِ تَجهِيلُهُم وَالتَّهَكُّمُ بِهِم، وَهَذَا استِفهَامٌ بِمَعنَى الجَحدِ وَالإِنكَارِ عَلَيهِم، وَالمَعنَى: مَا اتَّخَذُوا آلِهَةً تُحيِي مَيِّتًا.
- ذِكرُ دِلَالَةِ التَّمَانُعِ
﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ﴾ أَي لَو كَانَ لَهُمَا، هُنَا «فِي» بِمَعنَى اللَّامِ، أَي لِلأَرضِ وَالسَّمَاءِ ﴿ ءَالِهَةٌ ﴾ أَي مَعبُودِينَ ﴿ إِلَّا ٱللَّهُ ﴾ أَي غَيرُ اللَّهِ، وَالمَعنَى: لَو كَانَ يُدَبِّرُ أَمرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ آلِهَةٌ شَتَّى غَيرُ الوَاحِدِ الَّذِي هُوَ فَاطِرُهُمَا ﴿ لَفَسَدَتَا ۚ ﴾ أَي مَا كَانَتَا تَستَمِرَّانِ عَلَى انتِظَامٍ وَلَخَرِبَتَا وَبَطَلَتَا وَهَلَكَ مَا فِيهِمَا لِوُجُودِ التَّمَانُعِ بَينَهُم عَلَى وَفقِ العَادَةِ عِندَ تَعَدُّدِ الحَاكِمِ مِنَ التَّمَانُعِ فِي الشَّىءِ وَعَدَمِ الِاتِّفَاقِ عَلَيهِ، لِأَنَّ كُلَّ أَمرٍ صَدَرَ عَنِ اثنَينِ فَصَاعِدًا لَم يَسلَم مِنَ الخِلَافِ عَادَةً([1])، ثُمَّ نَزَّهَ ذَاتَهُ فَقَالَ: ﴿ فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ([2])رَبِّ ﴾ خَالِقِ ﴿ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢ ﴾ أَي عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الكَفاِرُ مِنَ الوَلَدِ وَالشَّرِيكِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ النَّقَائِصِ.
﴿ لَا يُسْـَٔلُ ﴾ لَا يَسأَلُ الخَلقُ اللهَ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ ﴿ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ عَن قَضَائِهِ وَحُكمِهِ فِي خَلقِهِ مِن هَديٍ وَإِضلَالٍ([3])، لِأَنَّهُ المَالِكُ عَلَى الحَقِيقَةِ وَهُوَ الحَاكِمُ المُطْلَقُ فَلَا آمِرَ وَلَا نَاهِيَ لَهُ ﴿ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ ٢٣ ﴾ وَهُوَ يَسأَلُ الخَلقَ عَن عَمَلِهِم لِأَنَّهُم عَبِيدٌ مَملُوكُونَ لَهُ يَجِبُ عَلَيهِمُ امتِثَالُ أَمرِهِ عَزَّ وَجَلَّ([4])، وَقِيلَ: لَا يُؤَاخَذُ عَلَى أَفعَالِهِ وَهُم يُؤَاخَذُونَ.
- عَودٌ إِلَى الإِنكَارِ عَلَى مَن أَشرَكَ بِاللهِ غَيرَهُ فِي العِبَادَةِ
وَلَمَّا أَبطَلَ عَزَّ وَجَلَّ أَن يَكُونَ إِلَهٌ سِوَاهُ مِن حَيثُ العَقلُ بِقَولِهِ: ﴿ لَفَسَدَتَا ۚ ﴾ أَبطَلَ ذَلِكَ مِن حَيثُ النَّقلُ وَالأَمرُ بِهِ فَقَالَ: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ﴾ تَعَالَى ﴿ ءَالِهَةًۭ ۖ ﴾ وَهَذَا استِفهَامُ إِنكَارٍ وَتَوبِيخٍ، وَكَرَّرَهُ استِعظَامًا لِكُفرِهِم، وَاستِفظَاعًا لِأَمرِهِم، وَتَبكِيتًا، وَإِظهَارًا لِجَهلِهِم، وَلِزِيَادَةِ الإِفَادَةِ، فَالأَوَّلُ لِلإِنكَارِ مِن حَيثُ العَقلُ وَالثَّانِي مِن حَيثُ النَّقلُ، وَالمَعنَى: وَصَفتُمُ اللهَ تَعَالَى بِأَنَّ لَهُ شَرِيكًا فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ ۖ ﴾ أَيْ هَاتُوا حُجَّتَكُم عَلَى أَنَّ رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ أَخبَرَ أُمَّتَهُ بِأَنَّ لَهُم إِلَهًا غَيرُ اللهِ إِمَّا مِنَ العَقلِ أَو مِنَ النَّقلِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ القَولُ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيهِ، كَيفَ وَقَد تَطَابَقَتِ الحُجَجُ عَلَى بُطلَانِهِ عَقلًا وَنَقلًا، وَلَا سَبِيلَ لَكُم إِلَى البُرهَانِ عَلَى مَا تَقُولُونَ، فَإِنَّكُم لَا تَجِدُونَ كِتَابًا مِنَ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ إِلَّا وَفِيهِ تَوحِيدُ اللهِ وَتَنزِيهُهُ عَنِ الأَندَادِ ﴿ هَـٰذَا ﴾ القُرءَانُ ﴿ ذِكْرُ مَن مَّعِىَ ﴾ يَعنِي أُمَّتَهُ، أَيِ القُرآنُ خَبَرُ مَن مَعِي عَلَى دِينِي مِمَّن يَتَّبِعُنِي إِلَى يَومِ القِيَامَةِ بِمَا لَهُم مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالعِقَابِ عَلَى المَعصِيَةِ ﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى ۗ ﴾ يَعنِي أُمَمَ الأَنبِيَاءِ قَبلَهُ، وَذِكرُهُم هُوَ التَّورَاةُ وَالإِنجِيلُ الأَصلِيَّانِ وَغَيرُهُمَا مِمَّا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ، فَانظُرُوا هَل فِي كِتَابٍ مِن هَذِهِ الكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِاتِّخَاذِ آلِهَةٍ سِوَاهُ؟ لَيسَ فِي وَاحِدٍ مِنهَا أَنَّ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا مِمَّا قَالُوا، فَالشَّرَائِعُ لَم تَختَلِف فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَوحِيدِ اللهِ وَنَفيِ الشُّرَكَاءِ عَنهُ، وَإِنَّمَا اختَلَفَت فِي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي([5])، فَبَطَلَ بِهَذَا البَيَانِ جَوَازُ اتِّخَاذِ مَعبُودٍ غَيرِهِ، فَلَمَّا لَم يَمتَنِعُوا عَن كُفرِهِم أَضرَبَ عَنهُم فَقَالَ: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ ﴾ يَعنِي كُفَّارَ مَكَّةَ ﴿ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ ۖ ﴾ أَيِ القُرآنَ، أَو تَوحِيدَ اللهِ، وَلَا يُمَيِّزُونَ بَينَهُ وَبَينَ البَاطِلِ ﴿ فَهُم ﴾ لِأَجلِ ذَلِكَ ﴿ مُّعْرِضُونَ ٢٤ ﴾ عَنِ التَّوحِيدِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ وَعَنِ النَّظَرِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيهِم وَالنَّظَرِ فِيمَا يُوصِلُ إِلَى الحَقِّ.
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ ﴾ قُلنَا لِلجَمِيعِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ([6]) ﴿ فَٱعْبُدُونِ ٢٥ ﴾ أََي وَحِّدُونِي، وَهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَا سَبَقَهَا مِن آيِ التَّوحِيدِ، فَأَدِلَّةُ العَقلِ شَاهِدَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالنَّقلُ عَنْ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ مَوجُودٌ، وَالدَّلِيلُ إِمَّا مَعقُولٌ وَإِمَّا مَنقُولٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يُرْسَلْ نَبِيٌّ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ، وَالشَّرَائِعُ مُخْتَلِفَةٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالقُرآنِ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الإِخلَاصِ وَالتَّوحِيِد([7]).اهـ
- ذِكرُ تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ الوَلَدِ وَبَعضُ صِفَاتِ المَلَائِكَةِ
﴿ وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا ۗ ﴾ مِنَ المَلَائِكَةِ([8]) ﴿ سُبْحَـٰنَهُۥ ۚ ﴾ نَزَلَت فِي خُزَاعَةَ حَيثُ قَالُوا: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وَكَانُوا يَعبُدُونَهُم طَمَعًا فِي شَفَاعَتِهِم لَهُم، أَو فِي اليَهُودِ حَيثُ قَالُوا: إِنَّ اللهَ صَاهَرَ الجِنَّ فَكَانَت مِنهُمُ المَلَائِكَةُ، فَنَزَّهَ اللهُ تَعَالَى ذَاتَهُ عَن ذَلِكَ، ثُمَّ أَخبَرَ عَنِ المَلَائِكَةِ بِأَنَّهُم عِبَادٌ بِقَولِهِ: ﴿ بَلْ ﴾ هُمْ ﴿ عِبَادٌۭ مُّكْرَمُونَ ٢٦ ﴾ أَي مُكَرَّمُونَ مُشَرَّفُونَ مُقَرَّبُونَ عِندَهُ أَكرَمَهُمُ اللهُ وَاصطَفَاهُم، وَلَيسُوا بِأَولَادٍ، إِذ العُبُودِيَّةُ تُنَافِي الوِلَادَةَ([9]).
﴿ لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أَي بِقَولِهِم، وَالمَعنَى أَنَّهُم يَتَّبِعُونَ قَولَهُ، فَلَا يَقُولُونَ حَتَّى يَقُولَ، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِمَا يَأمُرُهُم ﴿ وَهُم بِأَمْرِهِۦ ﴾ أَي بَعدَ أَمرِهِ ﴿ يَعْمَلُونَ ٢٧ ﴾ أَي كَمَا أَنَّ قَولَهُم تَابِعٌ لِقَولِهِ فَعَمَلُهُم أَيضًا مَبنِيٌّ عَلَى أَمرِهِ، لَا يَعمَلُونَ عَمَلًا لَم يُؤمَرُوا بِهِ([10]).
﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ أَي يَعلَمُ مَا عَمِلُوا وَمَا هُم عَامِلُونَ، أَي مَا قَدَّمُوا وَأَخَّرُوا مِن أَعمَالِهِم([11]) ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ ﴾ يَومَ القِيَامَةِ ﴿ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ أَي مَن رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَو رَضِيَ اللهُ أَن يُشْفَعَ لَهُ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يَشفَعُونَ غَدًا فِي الآخِرَةِ، وَفِي الدُّنيَا أَيضًا فَإِنَّهُم يَستَغفِرُونَ لِلمُؤمِنِينَ([12]) ﴿ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ ﴾ أَي: مِن خَشيَتِهِم مِنهُ، وَأَصلُ الخَشيَةِ خَوفٌ مَعَ تَعظِيمٍ، وَلِذَلِكَ خُصَّ بِهَا العُلَمَاءُ العَامِلُونَ ﴿ مُشْفِقُونَ ٢٨ ﴾ مُرتَعِدُونَ خَائِفُونَ.
- ذِكرُ نَفيِ الكُفرِ عَنِ المَلَائِكَةِ
﴿✵([13])۞ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ ﴾ مِنَ المَلَائِكَةِ: ﴿ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌۭ مِّن دُونِهِۦ ﴾ أَي مِن دُونِ اللهِ ﴿ فَذَٰلِكَ ﴾ أَي فَذَلِكَ القَائِلُ ﴿ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ ﴾ كَمَا نَجزِيهِ ﴿ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٩ ﴾ الكَافِرِينَ الَّذِين وَضَعُوا الإِلَهِيَّةَ فِي غَيرِ مَوضِعِهَا، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الفَرْضِ وَالتَّمثِيلِ لِتَحَقُّقِ عِصمَةِ المَلَائِكَةِ، وَلَا يَحصُلُ هَذَا مِنَ المَلَائِكَةِ وَلَم يَحصُل، فَإِنَّهُم عِبَادٌ للهِ مُكرَمُونَ ﴿ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ٦ ﴾([14])، أَمَّا إِبلِيسُ فَقَدْ قَالَ النَّسَفِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: لَقَدْ تَحَقَّقَ الوَعِيدُ فِيهِ، فَإِنَّهُ ادَّعَى الإِلَهِيَّةَ لِنَفسِهِ وَدَعَا إِلَى طَاعَةِ نَفسِهِ وَعِبَادَتِهِ.اهـ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَم يَكُنْ مِنَ المَلَائِكَةِ طَرفَةَ عَينٍ.
- ذِكرُ امتِنَانِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِبَعضِ النِّعَمِ
﴿ أَوَلَمْ يَرَ ﴾ أَوَلَم يَعلَمِ ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا ﴾ أَي جَمَاعَةَ السَّمَاوَاتِ وَجَمَاعَةَ الأَرَضِينَ، فَلِذَا لَم يَقُل كُنَّ، فَثُنِّيَ اللَّفْظُ لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ ﴿ رَتْقًۭا ﴾ أَي كَانَتَا مَرتُوقَتَينِ، وَالرَّتقُ هُوَ الضَّمُّ وَالِالتِحَامُ، أَي كَانَتَا شَيئًا وَاحِدًا، أَو كَانَتَا مَسدُودَتَينِ لَيسَ فِيهِمَا ثُقُوبٌ ﴿ فَفَتَقْنَـٰهُمَا ۖ ﴾ فَشَقَقنَاهُمَا، وَالفَتقُ الفَصلُ بَينَ الشَّيئَينِ، وَالرَّتقُ ضِدُّ الفَتقِ، وَمَعنَاهَا أَنَّ السَّمَاءَ كَانَتْ لَا تُمْطِرُ فَفَتَقَهَا اللهُ بِإِنْزَالِ المَطَرِ، وَالأَرْضَ كَانَتْ لَا تُنْبِتُ فَفَتَقَهَا اللهُ بِالنَّبَاتِ، وَهُوَ قَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ: ﴿ كَانَتَا رَتْقًۭا ﴾ أَيْ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا شَىءٌ لَيْسَ مَعنَاهَا كَانَتَا مُلْتَصِقَتَينِ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ([15])([16]).
﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ ۖ ﴾ أَي كُلُّ شَىءٍ خُلِقَ مِنَ المَاءِ([17]) ﴿ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ٣٠ ﴾ يُصَدِّقُونَ وَيُؤمِنُونَ وَيُوَحِّدُونَ بِمَا يُشَاهِدُونَ([18]).
﴿ وَجَعَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ ﴾ جِبَالًا ثَوَابِتَ، مِن رَسَا إِذَا ثَبَتَ ﴿ أَن ﴾ لِئَلَّا ﴿ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ تَمِيلَ وَتَتَحَرَّكَ وَتَضطَرِبَ الأَرضُ بِهِم ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًۭا ﴾ جَمعَ فَجٍّ وَهُوَ الطَّرِيقُ الوَاسِعُ المُنخَرِقُ بَينَ جَبَلَينِ ﴿ سُبُلًۭا ﴾ أَي جَعَلنَا فِيهَا طُرُقًا وَاسِعَةً بَينَ هَذِهِ الجِبَالِ ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ٣١ ﴾ إِلَى البِلَادِ وَإِلَى مَقَاصِدِهِم فِي الأَسفَارِ.
﴿ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفًۭا ﴾ لِلأَرضِ كَالسَّقفِ لِلبَيتِ ﴿ مَّحْفُوظًۭا ۖ ﴾([19]) فِي مَوضِعِهِ عَنِ السُّقُوطِ وَالوُقُوعِ، أَو مَحفُوظًا بِالشُّهُبِ عَنِ الشَّيَاطِينِ ﴿ وَهُمْ ﴾ أَيِ الكُفَّارُ ﴿ عَنْ ءَايَـٰتِهَا ﴾ عَنِ الأَدِلَّةِ الَّتِي فِيهَا كَالشَّمسِ وَالقَمَرِ وَالنُّجُومِ ﴿ مُعْرِضُونَ ٣٢ ﴾ غَيرُ مُتَفَكِّرِينَ فِيهَا لِيُؤمِنُوا وَيَعلَمُوا أَنَّ خَالِقَهَا لَا شَرِيكَ لَهُ.
﴿ وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ ﴾ لِتَسكُنُوا فِيهِ ﴿ وَٱلنَّهَارَ ﴾ لِتَتَصَرَّفُوا فِيهِ ﴿ وَٱلشَّمْسَ ﴾ لِتَكُونَ سِرَاجَ النَّهَارِ ﴿ وَٱلْقَمَرَ ۖ ﴾ لِيَكُونَ سِرَاجَ اللَّيلِ ﴿ كُلٌّۭ ﴾ أَي كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّمسِ وَالقَمَرِ وَتَابِعِهِ وَهُوَ النُّجُومُ ﴿ فِى فَلَكٍۢ ﴾ فِي مَدَارٍ ﴿ يَسْبَحُونَ ٣٣ ﴾ أَي يَجرُونَ وَيَسِيرُونَ وَيَدُورُونَ بِسُرعَةٍ كَالسَّابِحِ فِي المَاءِ.
([1]) مَعنَى وَحدَانِيَّةِ اللهِ أَنَّهُ لَيسَ ذَاتًا مُؤَلَّفًا مِن أَجزَاءٍ، فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثلُ ذَاتِهِ وَلَيسَ لِغَيرِهِ صِفَةٌ كَصِفَتِهِ أَو فِعلٌ كَفِعلِهِ وَلَيسَ المُرَادُ بِوَحدَانِيَّتِهِ وَحدَانِيَّةَ العَدَدِ إِذِ الوَاحِدُ فِي العَدَدِ لَهُ نِصفٌ وَأَجزَاءٌ أَيضًا، بَلِ المُرَادُ أَنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ، فَالعَرشُ وَمَا دُونَهُ مِنَ الأَجرَامِ مُؤَلَّفٌ مِن أَجزَاءٍ فَيَستَحِيلُ أَن يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ مُنَاسَبَةٌ وَمُشَابَهَةٌ كَمَا يَستَحِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَن يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَ شَىءٍ مِن سَائِرِ خَلقِهِ مُنَاسَبَةٌ وَمُشَابَهَةٌ، فَلا نَظِيرَ لَهُ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَلا فِي صِفَاتِهِ وَلا فِي أَفعَالِهِ. وَبُرهَانُ وَحدَانِيَّتِهِ عَزَّ وَجَلَّ المَأْخُوذُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هُوَ أَنَّهُ لا بُدَّ لِلصَّانِعِ مِن أَن يَكُونَ حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا مُختَارًا، فَإِذَا ثَبَتَ وَصفُ الصَّانِعِ بِمَا ذَكَرنَاهُ قُلنَا لَو كَانَ لِلعَالَمِ صَانِعَانِ وَجَبَ أَن يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا مُختَارًا وَالمُختَارَانِ يَجُوزُ اختِلافُهُمَا فِي الِاختِيَارِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا غَيرُ مُجبَرٍ عَلَى مُوَافَقَةِ الآخَرِ فِي اختِيَارِهِ، وَإِلَّا لَكَانَا مَجبُورَينِ وَالمَجبُورُ لا يَكُونُ إِلَهًا، فَإِذَا صَحَّ هَذَا فَلَو أَرَادَ أَحَدُهُمَا خِلافَ مُرَادِ الآخَرِ فِي شَىءٍ كَأَن أَرَادَ أَحَدُهُمَا حَيَاةَ شَخصٍ وَأَرَادَ الآخَرُ مَوتَهُ لَم يَخلُ مِن أَن يَتِمَّ مُرَادُهُمَا أَو لا يَتِمَّ مُرَادُهُمَا أَو يَتِمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلا يَتِمَّ مُرَادُ الآخَرِ، وَمُحَالٌ تَمَامُ مُرَادَيهِمَا لِتَضَادِّهِمَا أَي إِن أَرَادَ أَحَدُهُمَا حَيَاةَ شَخصٍ وَأَرَادَ الآخَرُ مَوتَهُ يَستَحِيلُ أَن يَكُونَ هَذَا الشَّخصُ حَيًّا وَمَيِّتًا فِي ءَانٍ وَاحِدٍ، وَإِن لَم يَتِمَّ مُرَادُهُمَا فَهُمَا عَاجِزَانِ وَالعَاجِزُ لا يَكُونُ إِلَهًا، وَإِن تَمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلَم يَتِمَّ مُرَادُ الآخَرِ فَإِنَّ الَّذِي لَم يَتِمَّ مُرَادُهُ عَاجِزٌ وَلا يَكُونُ العَاجِزُ إِلَهًا وَلا قَدِيمًا، وَهَذِهِ الدِّلالَةُ مَعرُوفَةٌ عِندَ المُوَحِّدِينَ تُسَمَّى بِدِلالَةِ التَّمَانُعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ ﴾، [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:22].
([2]) التَّسبِيحُ مَعنَاهُ: التَّنزِيهُ للهِ تَعَالَى عَنِ السُّوءِ وَالنَّقَائِصِ وَصِفَاتِ الأَجسَامِ، كَالجُلُوسِ وَالمَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَقَد رَوَى الحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالطَّبَرِيُّ فِي تَفسِيرِهِ وَغَيرُهُمْ عَن طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن تَفسِيرِ «سُبحَانَ اللَّهِ» فَقَالَ: «هُوَ تَنزِيهُ اللهِ عَن كُلِّ سُوءٍ»، أَي أَنَّ اللهَ مُنَزهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَصِفَاتِ الأَجسَامِ كَالمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالقُعُودِ وَالجُلُوسِ وَالنُّزُولِ الحَقِيقِيِّ وَسَائِرِ صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ.اهـ
([3]) إِيمَانُ المُؤمِنِينَ وَطَاعَاتُهُم وَكُفرُ الكَافِرِينَ كُلٌّ بِخَلقِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ، إِلَّا أَنَّ الخَيرَ أَيِ الإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ بِخَلقِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرِضَاهُ، وَالشَّرَّ أَيِ الكُفرَ وَالمَعَاصِيَ بِخَلقِ اللَّهِ يَحصُلُ مِنَ العِبَادِ لا بِرِضَاهُ بَل نَهَاهُم عَن ذَلِكَ، وَهُوَ اللَّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ لا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ. وَلا يَجُوزُ قِيَاسُ الخَالِقِ عَلَى الخَلقِ كَالَّذِي يَقُولُ: كَيفَ يَكُونُ خَالِقُ الشَّرِّ فِينَا ثُمَّ يُحَاسِبُنَا فِي الآخِرَةِ عَلَى الشَّرِّ، فَقَد قَاسَ الخَالِقَ عَلَى الخَلقِ وَذَلِكَ ضَلالٌ بَعِيدٌ، لا يَتِمُّ أَمرُ الدِّينِ إِلَّا بِالتَّسلِيمِ لِلَّهِ فَمَن سَلَّمَ لِلَّهِ سَلِمَ، وَمَن تَرَكَ التَّسلِيمَ لَهُ فَاعتَرَضَ لَم يَسلَم. اللَّهُ تَعَالَى تَمَدَّحَ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىءٍ خَالِقُ أَجسَامِنَا وَحَرَكَاتِنَا وَسَكَنَاتِنَا وَغَيرِهَا مِن كُلِّ فِعلٍ ظَاهِرِيٍّ وَكُلِّ صِفَةٍ بَاطِنِيَّةٍ كَالتَّفكِيرِ وَالخَوَاطِرِ الَّتِي تَخطُرُ بِبَالِ العَبدِ لا يَستَطِيعُ أَن يَدفَعَهَا وَكُلِّ كَائِنٍ دَخَلَ فِي الوُجُودِ بِقَولِهِ: ﴿ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ١٦ ﴾، [سُورَةُ الرَّعدِ:16]، وَلَو لَم يَكُن خَالِقَ ذَلِكَ كُلِّهِ بَل كَانَ خَالِقَ الأَجسَامِ فَقَط لَم يَكُن فِي ذَلِكَ تَمَدُّحٌ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا يَخلُقُهُ العِبَادُ أَكثَرُ مِمَّا يَخلُقُهُ اللَّهُ.
([4]) وَلِذَلِكَ قَالَ العُلَمَاءُ: يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ أَن يَرضَى عَنِ اللَّهِ أَي لا يَعتَرِضَ عَلَى اللَّهِ اعتِقَادًا وَلا لَفظًا، بَاطِنًا وَظَاهِرًا فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِه، فَيَرضَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي تَقدِيرِهِ الخَيرَ وَالشَّرَّ وَالحُلوَ وَالمُرَّ وَالرِّضَا وَالحُزنَ وَالرَّاحَةَ وَالأَلَمَ، فَالْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِيْمَانِ السِّتَّةِ هُوَ الرِّضَا بِقَدَرِ اللَّهِ أَيْ تَقْدِيرِهِ وَأَمَّا الْمَقْدُورُ فَيَجِبُ الإِيْمَانُ بِأَنَّ كُلَّ الْمَقْدُورَاتِ أَيِ الْمَخْلُوقَاتِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَحْصُلُ مَا كَانَ خَيْرًا وَمَا كَانَ شَرًّا فَمَا كَانَ مِنَ الْمَقْدُورِ خَيْرًا يَجِبُ الرِّضَا بِهِ وَمَا كَانَ مِنْهُ شَرًّا يَجِبُ كَرَاهِيَتُهُ كَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ هُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأَزَلِيِّ فَالْخَيْرُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَالشَّرُّ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيرُهُ لَفْظُ «وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي لَفْظٍ «وَالْقَدَرِ كُلِّهِ».
([5]) الإِسلَامُ هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، وَإِنَّمَا الِاختِلَافُ بَينَهُم فِي بَعضِ الشَّرَائِعِ مَعَ اتِّفَاقِهِم فِي الأَصلِ وَهُوَ تَوحِيدُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
([6]) قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَخَيرُ مَا قُلتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»، سُنَنُ التِّرمِذِيِّ، لِأَبِي عِيسَى التِّرمِذِيِّ (ج6 ص181).
([7]) الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرءَانِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج11 ص280).
([8]) لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللهَ لَهُ وَلَدٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَهَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِخْلاصِ ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٣ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ ٤ ﴾، [سُورَةُ الإِخلَاصِ:1-4]، وَهَذِهِ الآيَاتُ فِيهَا نَفْيٌ لِلْمَادِّيَّةِ وَالِانْحِلالِ عَنِ اللهِ تَعَالَى فَلَيْسَ هُوَ سُبْحَانَهُ مَادَّةً لِغَيْرِهِ وَلا أَصْلًا أَوْ أَبًا وَهُوَ لَيْسَ فَرْعًا لِغَيْرِهِ أَوْ وَلَدًا أَي إِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَنْحَلَّ مِنْهُ شَىْءٌ كَمَا يَنْفَصِلُ الْوَلَدُ عَنْ وَالِدِهِ أَوْ أَنْ يَحُلَّ هُوَ فِي شَىْءٍ كَمَا يَحُلُّ الْوَلَدُ فِي رَحِمِ مَنْ يَلِدُهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ “ابْنُ اللهِ” الْمَحْبُوبَ عِنْدَ اللهِ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ سَائِغٍ شَرْعًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُشَبَّهُ بِالأَبِ وَقَدْ شَهِدَتِ النُّصُوصُ بِبُطْلانِهِ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ ١٨ ﴾، [سُورَةُ المَائِدَةِ: 18]، فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي عَدَمِ قَبُولِ مِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جُزَيٍّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَأَيْضًا إِنَّ اتِّخَاذَ الْوَلَدِ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ أَيْ مُسْتَحِيلٌ عَقْلِيٌّ.
([9]) يَجِبُ الإِيمَانُ بِمَلائِكَةِ اللَّهِ أَي بِوُجُودِهِم وَأَنَّهُم عِبَادٌ مُكرَمُونَ، وَهُم أَجسَامٌ نُورَانِيَّةٌ لَطِيفَةٌ لَهُم أَروَاحٌ أَلطَفُ مِنَ الهَوَاءِ لَيسُوا ذُكُورًا وَلا إِنَاثًا لا يَأكُلُونَ وَلا يَشرَبُونَ وَلا يَنَامُونَ وَلا يَتَوَالَدُونَ، لا يَعصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ.
([10]) فَلَيسَ مِنَ المَلَائِكَةِ مَن يَعصِي اللهَ تَعَالَى، بَل هُم مَجبُولُونَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، أَيْ يَختَارُونَ الطَّاعَةَ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِم: ﴿ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ٦ ﴾، [سُورَةُ التَّحرِيمِ:6]. وَهَذَا يَرُدُّ مَا يُفْتَرَى عَلَى بَعْضِ المَلَائِكَةِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ قَوْلِ بَعضِهِمْ أَنَّهُمَا شَرِبَا الخَمْرَ وَقَتَلَا وَزَنَيَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ وَللهِ الحَمْدُ، فَالوَاجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي المَلَائِكَةِ الكِرَامِ أَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَعْصُونَ اللهَ وَلَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يَأْمُرُهُمُ اللهُ بِهِ وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَأْمُرُ بِمَعْصِيَةٍ.
([11]) اللهُ تَعَالَى مِن صِفَاتِهِ العِلمُ وَعِلمُهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنقُصُ فَمَعنَى عِلمِ اللهِ الإِحَاطَةُ بِكُلِّ مَا مِن شَأنِهِ أَن يُعلَمَ عَلَى مَا هُوَ بِهِ أَي إِجمَالًا وَتَفصِيلًا وَمِن جَمِيعِ الوُجُوهِ خِلَافًا لِلفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ أَنكَرُوا عِلمَهُ تَعَالَى بِالجُزئِيَّاتِ، قَالُوا لِأَنَّ الجُزئِيَّاتِ تَتَغَيَّرُ فَلَو عَلِمَ اللهُ الجُزئِيَّاتِ لَتَغَيَّرَ عِلمُهُ، وَكَلَامُهُم هَذَا غَيرُ صَحِيحٍ، هَذَا لَا يَلزَمُ، التَّغَيُّرُ هُوَ أَطوَارٌ تَحدُثُ لِلمَخلُوقِ لَا تُوجِبُ تَغيُّرًا فِي العِلمِ. وَقَالَ بَعضُ أَهلِ السُّنَّةِ إِذَا عَلِمَ اللهُ أَنَّ زَيدًا يَكُونُ فِي الجُزءِ الفُلَانِيِّ مِنَ النَّهَارِ قَائِمًا وَفِي جُزءٍ ءَاخَرَ قَاعِدًا وَفِي جُزءٍ ثَالِثٍ مُضطَجِعًا كَانَت حَالَتُهُ فِي كُلِّ جُزءٍ مِنَ النَّهَارِ مَا عَلِمَ كَونَهُ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ الجُزءِ فَلَا تَغَيُّرَ فِي العِلمِ فَإِنَّ العِلمَ بِتَفَاصِيلِ ذَلِكَ قَدِيمٌ.
([12]) الشَّفَاعَةُ حَقٌّ وَاقِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ لُغَةً سُؤَالُ الْخَيْرِ مِنَ الْغَيْرِ لِلْغَيْرِ وَأَمَّا فِي الآخِرَةِ فَهِيَ طَلَبُ إِسْقَاطِ الْعِقَابِ عَنْ قِسْمٍ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ دُخُولَ النَّارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالْمَلائِكَةُ، وَيَشْفَعُ نَبِيُّنَا ﷺ لِبَعْضِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي».اﻫ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلا تَكُونُ الشَّفَاعَةُ لِلْكُفَّارِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «أَيِ الَّذِينَ ارْتَضَى لَهُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ».اﻫ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الطَّبَرِيُّ، وَوَرَدَ عِندَ البَيهَقِيِّ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالِاعتِقَادِ بِلَفْظِ: «الَّذِينَ ارْتَضَاهُمْ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ المَنْثُورِ: قَالَ قَتَادَةُ: «أَيْ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَأَخْرَجَ عَبدُ بنُ حُمَيدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لِمَنْ رَضِيَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بنُ حُمَيدٍ عَنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: لِمَنِ ارْتَضَى قَوْلَ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ».اهـ
([14]) [سُورَةُ التَّحرِيمِ:6].
([15]) قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بَعدَ أَنْ ذَكَرَ كُلَّ هَذِهِ الأَقْوَالَ: وَأَوْلَى الأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا مِنَ المَطَرِ وَالنَّبَاتِ، فَفَتَقْنَا السَّمَاءَ بِالغَيْثِ، وَالأَرْضَ بِالنَّبَاتِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ لِدِلَالَةِ قَولِهِ: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ ۖ ﴾ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُعْقِبْ ذَلِكَ بِوَصْفِ المَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِلَّا وَالَّذِي تَقَدَّمَهُ مِنْ ذِكْرِ أَسْبَابِهِ.اهـ جَامِعُ البَيَانِ فِي تَأوِيلِ آيِ القُرْآنِ، لِأَبِي جَعفَرٍ الطَّبَرِيِّ (ج16 ص259).
([16]) تَحذِيرٌ: يُورِدُ بَعضُ العَصرِيِّينَ هَذِهِ الآيَةَ فِي غَيرِ مَحَلِّهَا مُسْتَدِلًّا بِهَا عَلَى مَا يُسَمُّونَهُ نَظَرِيَّةَ الِانْفِجَارِ الكَبِيرِ، وَبِاخْتِصَارٍ فَإِنَّ هَذِهِ النَّظَرِيَّةَ تَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ يُوجَدُ غَازٌ وَغُبَارٌ وَنُجُومٌ، وَيَقُولُونَ: كَانَتْ تُوجَدُ غَيمَةٌ مِنْ غَازٍ وَغُبَارٍ مَا بَينَ النُّجُومِ، فَصَارَ الغَازُ يَقْتَرِبُ عَلَى بَعْضِهِ البَعْضِ صَارَ يَتَجَمَّعُ عَلَى بَعضِهِ حَتَّى حَصَلَ تَنَافُرٌ بَينَ الجُزَيْئَاتِ، فَحَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ انْفِجَارٌ فَظَهَرَ الهَيدرُوجِين وَالهِيليُوم وَحَصَلَ مِنْ هَذَا الِانْفِجَارِ الأَرْضُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالكَوَاكِبُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الكَونَ بِزَعْمِهِمْ مَا زَالَ يَتَوَسَّعُ لِأَنَّ الِانْفِجَارَ مَا زَالَ إِلَى الآنَ حَاصِلٌ، وَنَحنُ مَا زِلْنَا طَائِرِينَ وَالشَّمْسُ، وَالكَونُ يَتَمَدَّدُ شَيئًا فَشَيئًا، هَذَا مَضْمُونُ هَذِهِ النَّظَرِيَّةِ بِاخْتِصَارٍ، ثُمَّ إِنَّ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإِسلَامَ مَنْ قَالَ: إِنَّ القُرْءَانَ ذَكَرَ هَذِهِ النَّظَرِيَّةَ وَأَنَّ الكَونَ مَا زَالَ يَتَوَسَّعُ عَلَى زَعْمِهِمْ.
([17]) فَمِن هُنَا يُعلَمُ فَسَادُ قَولِ مَن يَقُولُ: إِنَّ نُورَ مُحَمَّدٍ ﷺ خُلِقَ قَبلَ كُلِّ شَىءٍ، وَلَا يَصِحُّ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي فِيهِ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ خَلَقَهُ اللَّهُ مِن نُورِهِ قَبلَ الأَشيَاءِ» فَهَذَا الحَدِيثُ رَكِيكٌ، وَالرَّكَاكَةُ قَالَ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ إِنَّهَا دَلِيلُ الوَضعِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ رَكِيكِ المَعنَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الجُملَةِ الأُولَى: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى نُورُ نَبِيِّكَ»، جَعَلَ نُورَ النَّبِيِّ ﷺ أَوَّلَ العَالَمِ وَالمَخلُوقَاتِ عَلَى الإِطلاقِ.
([18]) هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ المَخلُوقَاتِ المَاءُ، رَوَى البُخَارِيُّ وَالبَيهَقِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىءٌ غَيرُهُ وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ»، وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي إِذَا رَأَيتُكَ طَابَتْ نَفسِي وَقَرَّتْ عَينِي فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَىءٍ، قَالَ: «كُلُّ شَىءٍ خُلِقَ مِنَ المَاءِ». وَرَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفسِيرِهِ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَخلُقْ شَيئًا مِمَّا خَلَقَ قَبلَ المََاءِ». فَفِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ، نَصَّ عَلَى أَنَّ المَاءَ وَالعَرشَ هُمَا أَوَّلُ خَلْقِ اللهِ، وَأَمَّا أَنَّ المَاءَ قَبلَ العَرشِ فَهُوَ مَأخُوذٌ مِنَ الحَدِيثَينِ التَّالِيَينِ، قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ مَا نَصُّهُ: “قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ فَصْلٌ مُستَقِلٌّ لِأَنَّ القَدِيمَ مَنْ لَمْ يَسبِقْهُ شَىءٌ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ فِي الأَوَلِيَّةِ، لَكِنْ أَشَارَ بِقَولِهِ: «وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ»، إِلَى أَنَّ المَاءَ وَالعَرشَ كَانَا مَبدَأَ هَذَا العَالَمِ لِكَونِهِمَا خُلِقَا قَبلَ خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَلَمْ يَكُنْ تَحتَ العَرشِ إِذْ ذَاكَ إِلَّا المَاءَ”.اهـ يُفْهَمُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَنَّ اللهَ هُوَ الأَزَلِيُّ الَّذِي لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ لَا يُوصَفُ غَيرُهُ بِهَذَا، وَأَوَّلُ خَلْقِهِ المَاءُ ثُمَّ العَرْشُ، وَخَلَقَ كُلَّ شَىءٍ سُبحَانَهُ فَقَدْ كَانَ مَوجُودًا فِي الأَزَلِ بِلَا مَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ وَبَعدَ خَلقِهِ الخَلقَ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَمَّا كَانَ سُبحَانَهُ.
([19]) هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا إِثبَاتُ أَنَّ اللهَ خَالِقُ السَّمَاءِ وَخَالِقُ كُلِّ شَىءٍ سُبحَانَهُ وَهُوَ الحَفِيظُ لِهَذِهِ السَّمَاءِ وَلِمَا فِيهَا، وَمِنهُ يُعْلَمُ أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ السُّكْنَى فِي السَّمَاءِ كَمَا قَالَ بَعضُ المُجَسِّمَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَاللهُ تَعَالَى خَالِقُ السَّمَاءِ وَخَالِقُ الجِهَاتِ وَلَا يَحتَاجُ إِلَى السَّمَاءِ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.