- ذِكرُ أَنَّ الأَصنَامَ فِي النَّارِ
﴿ إِنَّكُمْ ﴾ يَا كُفَّارَ مَكَّةَ ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أَي غَيرَهُ مِنَ الأَصنَامِ وَإِبلِيسَ وَأَعوَانِهِ، لِأَنَّهُم بِطَاعَتِهِم لَهُم وَاتِّبَاعِهِم خَطَوَاتِهِم فِي حُكمِ عَبَدَتِهِم ﴿ حَصَبُ ﴾ حَطَبُ ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ أَي وَقُودُهَا الَّذِي يُرمَى بِهِ إِلَيهَا وَتَهِيجُ بِهِ ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨ ﴾ دَاخِلُونَ فِيهَا.
﴿ لَوْ كَانَ هَـٰٓؤُلَآءِ ﴾ الأَوثَانُ ﴿ ءَالِهَةًۭ ﴾ كَمَا زَعَمتُم ﴿ مَّا وَرَدُوهَا ۖ ﴾ مَا دَخَلُوا النَّارَ([1])، وَلِأَنَّ المُؤَاخَذَ بِالعَذَابِ لَا يَكُونُ إِلَهًا، أَوِ المَعنَى: لَمَا دَخَلتُم أَنتُمُ النَّارَ لِأَنَّهَا لَو كَانَت آلِهَةً لَمَنَعَت عَابِدِيهَا مِنَ النَّارِ ﴿ وَكُلٌّۭ ﴾ أَيِ العَابِدُ وَالمَعبُودُ ﴿ فِيهَا ﴾ فِي النَّارِ ﴿ خَـٰلِدُونَ ٩٩ ﴾ لَا خَلَاصَ لَهُم عَنهَا، وَالمُرَادُ مَن مَاتَ عَلَى الكُفرِ.
﴿ لَهُمْ ﴾ لِلكُفَّارِ ﴿ فِيهَا زَفِيرٌۭ ﴾ الزَّفِيرُ وَالزَّفرُ: أَن يَملَأَ الرَّجُلُ صَدرَهُ غَمًّا ثُمَّ هُوَ يَزفِرُ بِهِ، أَي يُخرِجُهُ بَعدَ مَدِّهِ إِيَّاهُ ﴿ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ١٠٠ ﴾ شَيئًا لِشِدَّةِ غَلَيَانِهَا، أَو لِأَنَّهُم يُحشَرُونَ صُمًّا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًۭا وَبُكْمًۭا وَصُمًّۭا ۖ ٩٧ ﴾([2])، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨ ﴾([3]) فَصَارُوا بُكمًا وَعُميًا وَصُمًّا، وَفِي سَمَاعِ الأَشيَاءِ نَوعُ أُنسٍ فَمُنِعُوا ذَلِكَ.
- ذِكرُ أَنَّ الصَّالِحِينَ مِمَّن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ وَغَيرِهِم لَا يَدخُلُونَ النَّارَ وَقِصَّةُ ابنِ الزِّبَعرَى
وَلَمَّا كَانَ هُنَاكَ مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَعِيسَى وَعُزَيرٍ وَالمَلَائِكَةِ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ وَلَم يَأمُرُوا غَيرَهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ قِيلَ فِي حَقِّهِمْ: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ﴾ المَنزِلَةُ ﴿ ٱلْحُسْنَىٰٓ ﴾ أَوِ الخَصلَةُ المُفَضَّلَةُ فِي الحُسنِ، وَهِيَ السَّعَادَةُ، أَوِ التَّوفِيقُ لِلطَّاعَةِ، أَوِ البُشرَى بِالجَنَّةِ وَالثَّوَابِ ﴿ أُو۟لَـٰٓئِكَ ﴾ يَعنِي عُزَيرًا وَالمَسِيحَ وَالمَلَائِكَةَ ﴿ عَنْهَا ﴾ عَن جَهَنَّمَ ﴿ مُبْعَدُونَ ١٠١ ﴾ لِأَنَّهُم لَم يَرضَوا بِعِبَادَتِهِم فَيُرفَعُونَ إِلَى أَعلَى عِلِّيِّينَ([4]).
﴿ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ ﴾([5]) صَوتَهَا الَّذِي يُحَسُّ وَحَرَكَةَ تَلَهُّبِهَا، وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي الإِبعَادِ عَنهَا، أَي لَا يَقرَبُونَهَا حَتَّى لَا يَسمَعُوا صَوتَهَا وَصَوتَ مَن فِيهَا ﴿ وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ ﴾ مِنَ النَّعِيمِ ﴿ خَـٰلِدُونَ ١٠٢ ﴾ أَي دَائِمُونَ مُقِيمُونَ.
﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلْأَكْبَرُ ﴾ النَّفخَةُ الأَخِيرَةُ، أَو أَن يُؤمَرَ بِالعَبدِ إِلَى النَّارِ، أَو إِطبَاقُ النَّارِ عَلَى أَهلِهَا ﴿ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ﴾ تَستَقبِلُهُمُ ﴿ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ﴾ مُهَنِّئِينَ عَلَى أَبوَابِ الجَنَّةِ، يَقُولُ المَلَائِكَةُ لَهُم: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ﴾ وَقتُ ثَوَابِكُمُ ﴿ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ١٠٣ ﴾ الَّذِي وَعَدَكُم رَبُّكُم فِي الدُّنيَا.
- ذِكرُ بَعضِ مَوَاقِفِ القِيَامَةِ
﴿ يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ ﴾([6]) أَي نُكَوِّرُ نُجُومَهَا([7]) وَنَمحُو رُسُومَهَا، أَو هُوَ ضِدُّ النَّشرِ أَي نَجمَعُهَا وَنَطوِيهَا ﴿ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ ﴾ أَيِ الصَّحِيفَةِ ﴿ لِلْكُتُبِ ۚ ﴾ أَي لِمَا يُكتَبُ فِيهِ مِنَ المَعَانِي الكَثِيرَةِ، وَقِيلَ السِّجِلُّ: مَلَكٌ يَطوِي كُتُبَ ابنِ آدَمَ إِذَا رُفِعَت إِلَيهِ عِندَ مَوتِهِ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ([8]) ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍۢ ﴾ مِن عَدَمٍ([9]) ﴿ نُّعِيدُهُۥ ۚ ﴾ بَعدَ إِعدَامِهِ، أَي نُعِيدُ كُلَّ الخَلَائِقِ مِثلَ مَا بَدَأنَاهُم أَوَّلَ مَا خُلِقُوا، أَي كَمَا أَوجَدنَاهُم أَوَّلًا نُعِيدُهُم ثَانِيًا، تَشبِيهًا لِلإِعَادَةِ بِالإِبدَاءِ فِي أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَيهِمَا([10]) ﴿ وَعْدًا عَلَيْنَآ ۚ ﴾ أَي أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ([11]).
﴿ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ ١٠٤ ﴾([12]) لِمَا وَعَدنَاهُ، أَي مُحَقِّقِينَ هَذَا الوَعدَ فَاستَعِدُّوا لَهُ وَقَدِّمُوا صَالِحَ الأَعمَالِ لِلخَلَاصِ مِن هَذِهِ الأَهوَالِ فَهِيَ أَهْوَالٌ عَظِيمَةٌ([13])، أَيْ نُنَفِّذُ مَا وَعَدْنَا لِكَمَالِ قُدْرَتِنَا وَأَنَّهُ لَا تَمْتَنِعُ مِنَّا الأَشْيَاءُ([14]).
- ذِكرُ وَعدِ اللهِ لِلمُؤمِنِينَ بِالنَّصرِ
﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ ﴾ كِتَابِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ ﴿ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾ التَّورَاةِ ﴿ أَنَّ ٱلْأَرْضَ ﴾ أَيْ أَرضَ الجَنَّةِ ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ ١٠٥ ﴾ يَعنِي عَامَّةَ المُؤمِنِينَ، أَوِ الَّذِينَ كَانُوا يُستَضعَفُونَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا، أَو أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ أَرْضَ الجَنَّةِ ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ ١٠٥ ﴾ أَيِ العَامِلُونَ بِطَاعَتِهِ المُنْتَهُونَ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ أَنَّهَا أَرْضُ الأُمَمِ الكَافِرَةِ تَرِثُهَا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ([15]).اهـ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ: قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: هِيَ الجَنَّةُ، أَخْبَرَ أَنَّ الجَنَّةَ إِنَّمَا ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ ١٠٥ ﴾، وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ١٠ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١١﴾([16])، فَيَكُونُ هَذَا تَفْسِيرًا لِذَلِكَ([17])([18]).اهـ
﴿ إِنَّ فِى هَـٰذَا ﴾ القُرءَانِ، أَو فِيمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأَخبَارِ وَالمَوَاعِظِ وَالوَعدِ وَالوَعِيدِ ﴿ لَبَلَـٰغًۭا ﴾ لَكِفَايَةً وَسَبَبًا فِي البُلُوغِ إِلَى البُغيَةِ ﴿ لِّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ ١٠٦ ﴾ مُوَحِّدِينَ، وَهُم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ. ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿ إِلَّا رَحْمَةًۭ ﴾ أَي ذَا رَحمَةٍ، أَو لِلرَّحمَةِ ﴿ لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٠٧ ﴾ مِن إِنسٍ وَجِنٍّ، لِأَنَّ مَا بُعِثتَ بِهِ سَبَبٌ لِإِسعَادِهِم وَمُوجِبٌ لِصَلَاحِ مَعَاشِهِم وَمَعَادِهِم إِذَا اتَّبَعُوكَ، أَو هُوَ رَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ فِي الدَّارَينِ وَلِلكُفَّارِ فِي الدُّنيَا بِأَمنِهِم بِهِ مِنَ الخَسفِ وَالمَسخِ وَعَذَابِ الِاستِئصَالِ، مَعنَاهُ الأُمَّةُ الَّتِي أُرسِلَ إِلَيهِم لَا يُصِيبُهُم عَذَابٌ فِي الدُّنيَا كَعَذَابِ قَومِ نُوحٍ وَعَادٍ
([1]) يُعْلَمُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَرِدُ النَّارَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ لَيْسَ بِإِلَهٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الأَصْنَامَ تُرْمَى يَوْمَ القِيَامَةِ فِي جَهَنَّمَ إِهَانَةً لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ لَوْ كَانَ هَـٰٓؤُلَآءِ ﴾ أَيِ الأَصْنَامُ ﴿ ءَالِهَةًۭ مَّا وَرَدُوهَا ۖ ٩٩ ﴾، [سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 99]، أَيْ مَا دَخَلُوهَا. وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ» فَتَقُولُ: قَطٍ قَطٍ.اهـ فَالمُرَادُ بِالقَدَمُ الجَمَاعَةُ الَّذِينَ يُقَدِّمُهُمُ اللهُ لِلنَّارِ فَتَمْتَلِئُ بِهِمْ، وَمَعْنَى “قَطٍ قَطٍ”: اكْتَفَيْتُ اكْتَفَيْتُ. وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ النَّارَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ.اهـ فَالْمُرَادُ بِالرِّجْلِ هُنَا الفَوْجُ الَّذِي يَمْلَأُ اللهُ بِهِمُ النَّارَ. الرِّجْلُ تَأْتِي بِمَعْنَى الفَوْجِ، يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ أَيْ فَوْجٌ مِنْ جَرَادٍ. وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ القَدَمِ وَالرِّجْلِ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ، بَلِ الإِضَافَةُ فِيهِمَا إِضَافَةُ مِلْكٍ. فَمَنْ جَعَلَ لَهُ قَدَمًا وَرِجْلًا بِمَعْنَى الجُزْءِ وَالجَارِحَةِ فَقَدْ جَعَلَ اللهَ مِثْلَ خَلْقِهِ، وَقَدْ نَقَلَ كُلَّ هَذِهِ الأَقوَالِ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ وَغَيرُهُ كَذَلِكَ.
([2]) [سُورَةُ الإِسرَاءِ:97].
([3]) [سُورَةُ المُؤمِنُونَ:108].
([4]) فَهَذِهِ الآيَاتُ فِي ذَمِّ المُشرِكِينَ وَبَيَانِ أَنَّهُم هُم وَأَصنَامُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعبُدُونَهَا سَيَكُونُونَ مُهَانِينَ وَقُودًا لِجَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا وَإِهَانَةِ الأَصنَامِ لِبَيَانِ عَدَمِ استِحقَاقِهَا لِلعِبَادَةِ وَلِزِيَادَةِ إِهَانَةِ عَابِدِيهَا، وَلَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهلِ مَكَّةَ المُشرِكِينَ، قَالُوا: أَيَشتِمُ آلِهَتَنَا؟ وَبَلَغَ ذَلِكَ عَبدَ اللهِ بنَ الزِّبَعرَى، وَكَانَ جَدِلًا خَصِمًا أَي مُحِبًّا لِلجِدَالِ وَالخُصُومَةِ بِمَا يَشغَلُ عَن ظُهُورِ الحَقِّ وَوُضُوحِ الصَّوَابِ مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ، فَقَالَ: خَصَمتُ مُحَمَّدًا -أَي وَجَدتُ حُجَّةً أُسكِتُ بِهَا مُحَمَّدًا- وَرَبِّ الكَعبَةِ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: أَلَستَ تَزعُمُ أَنَّ عِيسَى وَعُزَيرًا وَالمَلَائِكَةَ لَعِبَادٌ صَالِحُونَ، قَالَ ﷺ: «أَجَل»، قَالَ: فَإِنَّ النَّصَارَى تَعبُدُ عِيسَى، وَطَائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ تَعبُدُ عُزَيرًا، وَهَذَا بَنُو مَلِيحِ ابنِ عَمرِو بنِ رَبِيعَةَ حَيٌّ مِن خُزَاعَةَ عَشَائِرُهُم تَعبُدُ المَلَائِكَةَ، يَكُونُونَ إِلَى حَصَبِ جَهَنَّمَ؟ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ الآيَةَ فِيهَا تَعمِيمُ أَنَّ أَيَّ شَىءٍ عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الآخِرَةِ فِي جَهَنَّمَ، وَعِيسَى وَعُزَيرٌ وَالمَلَائِكَةُ عَلَيهِمُ السَّلَامُ قَد عُبِدُوا، إِذًا فَكَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَزعُمُ أَنَّ اللهَ أَوحَى إِلَيهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ يَتَعَذَّبُونَ فِي النَّارِ وَهُوَ عَكسُ مَا صَرَّحَ بِهِ الكِتَابُ قَبلَ ذَلِكَ، وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ابنَ الزِّبَعرَى عَلَّمَ بَعضَ الكُفَّارِ أَن يُوَاجِهَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَضَجَّ الكُفَّارُ عِندَمَا سَمِعُوا هَذَا لِإِظهَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد خُصِمَ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ استِصغَارًا لِشَأنِهِم وَلِشَأنِ ابنِ الزِّبَعرَى، لَا سُكُوتَ عِيٍّ أَى جَهلٍ وَلَا مُنقَطِعٍ أَي عَاجِزٍ عَنِ الجَوَابِ، بَل تَعَجُّبًا مِن جَهلِهِ وَجَهلِهِم بِالحَقِّ وَعِنَادِهِم لَهُ، لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ وَهُم عَرَبٌ فُصَحَاءُ، وَلَيسَ فِي الآيَةِ بِحَسَبِ لِسَانِ العَرَبِ مَا يُوجِبُ دُخُولَ عِيسَى وَعُزَيرٍ وَالمَلَائِكَةِ فِيهَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾، وَلَفظُ (مَا) وَإِن كَانَ يَدُلُّ عَلَى العُمُومِ لَكِنَّهُ عَامٌّ فِي مَا لَا يَعقِلُ وَفِي مَا لَا يُوصَفُ بِالعِلمِ، فَلَا يَدخُلُ العُقَلَاءُ تَحتَهَا، فَيَكُونُ مَعنَى الآيَةِ: أَنتُم أَيُّهَا المُشرِكُونَ سَتَكُونُونَ وَقُودًا لِجَهَنَّمَ الَّتِي سَتُلقَى فِيهَا أَيضًا أَصنَامُكُم وَمَا عَبَدتُم مِنَ الجَمَادَاتِ كَالشَّمسِ وَالقَمَرِ زِيَادَةً فِي إِهَانَتِكُم وَتَعذِيبِكُم، وَلَكِن لَمَّا كَانَ بُغضُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ قَد أَكَلَ قَلبَ عَبدِ اللهِ بنِ الزِّبَعرَى وَأَعمَى حُبُّ مُخَاصَمَتِهِ وَالرَّدِّ عَلَيهِ بَصِيرَتَهُ فَاتَهُ هَذَا الأَمرُ الَّذِي مَا كَانَ يَفُوتُ عَرَبِيًّا فِي زَمَانِهِ. وَأَنزَلَ اللهُ أَيضًا فِي عَبدِ اللهِ بنِ الزِّبَعرَى: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ٥٨ ﴾، [سُورَةُ الزُّخرُفِ:58]، يَعنِي أَنَّهُم قَالُوا مَا قَالُوا خُصُومَةً وَمُجَادَلَةً بِالبَاطِلِ، وَإِلَّا فَقَد عَرَفُوا أَنَّ المُرَادَ هُمُ الأَصنَامُ لِأَنَّهُم عَرَبٌ لَا يَخفَى عَلَيهِم أَنَّ (مَا) تُستَعمَلُ فِيمَا لَا يَتَّصِفُ بِالعِلمِ، لَكِنَّهُم قَومٌ خَصِمُونَ يُرِيدُونَ المُخَاصَمَةَ وَالمُجَادَلَةَ لَا إِحقَاقَ الحَقِّ، وَهَذَا الوَجهُ يُوَافِقُ قَولَ الجُمهُورِ فِي أَلفَاظِ العُمُومِ، وَقَد رُوِيَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَشَارَ إِلَى الأَصنَامِ عِندَ تِلَاوَةِ هَذِهِ الآيَةِ، فَحُمِلَ لَفظُ (مَا) لِأَجلِ هَذِهِ القَرِينَةِ عَلَى خُصُوصِ الأَصنَامِ، وَلَم يَبقَ وَجهٌ لِيَدخُلَ تَحتَهَا عِيسَى وَعُزَيرٌ وَالمَلَائِكَةُ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابنُ الزِّبَعرَى مُغَالَطَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِيُوهِمَ قَومَهُ أَنَّهُ قَد حَاجَّهُ أَي أَقَامَ عَلَيهِ الحُجَّةَ، فَأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ زِيَادَةً فِي دَفعِ ذَلِكَ الإِيهَامِ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ١٠١ ﴾، [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:101]، فَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ وَفِيهِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ التَّصرِيحُ بِأَنَّ عِيسَى وَعُزَيرًا وَالمَلَائِكَةَ لَيسُوا دَاخِلِينَ، فَضَلُّوا عِندَ ذَلِكَ أَى صَارُوا يَلغَطُونَ أَي يَتَكَلَّمُونَ كُلُّهُم بِحَيثُ تُسمَعُ الجَلَبَةُ وَلَا يُفهَمُ الكَلَامُ لِئَلَّا يَتَبَيَّنَ انقِطَاعُهُم فِي المُنَاظَرَةِ وَغَلَطُهُم فِي الفَهمِ.
([5]) رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ خَطَبَ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا مِنهُم وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثمَانُ وَطَلحَةُ وَالزُّبَيرُ وَسَعدٌ وَسَعِيدٌ وَعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ وَابنُ الجَرَّاحِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ ﴾، أَنوَارُ التَّنزِيلِ وَأَسرَارُ التَّأوِيلِ، لِنَاصِرِ الدِّينِ البَيضَاوِيِّ (ج4 ص61).
([6]) أَمَّا حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالَّذِي فِيهِ: «يَطوِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَومَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَينَ الجَبَّارُونَ، أَينَ المُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ يَطوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَينَ الجَبَّارُونَ، أَينَ المُتَكَبِّرُونَ»، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ: أَرَادَ أَنَّهُ يَطوِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِقُدرَتِهِ.اهـ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ: وَأَمَّا إِطلَاقُ اليَدَينِ للهِ تَعَالَى فَمُتَأَوَّلٌ عَلَى القُدرَةِ.اهـ وَقَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي فِي شَرْحِ المِشْكَاةِ: قَالَ أَصحَابُ التَّأوِيلِ: المُرَادُ بِاليَدِ اليُمنَى وَالشِّمَالِ القُدرَةُ، وَالمُرَادُ مِنَ الطَّيِّ التَّسخِيرُ التَّامُّ وَالقَهرُ الكَامِلُ، وَهُوَ كَذَلِكَ الآنَ أَيضًا، وَلَكِن فِي القِيَامَةِ يَكُونُ أَظهَرَ، وَنَسَبَ طَيَّ السَّمَاوَاتِ إِلَى اليَمِينِ وَطَيَّ الأَرَضِينَ إِلَى الشِّمَالِ تَنبِيهًا لِمَا بَينَهُمَا مِنَ المَقبُوضَينِ مِنَ التَّفَاوُتِ بَعدَ أَن نَزَّهَ ذَاتَهُ سُبحَانَهُ مِن نِسبَةِ الشِّمَالِ إِلَيهِ بِقَولِهِ: وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ لِأَنَّ الشِّمَالَ نَاقِصٌ فِي القُوَّةِ عَادَةً، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النُّقصَانِ، وَعَن سَائِرِ صِفَاتِ الحدثَانِ.اهـ
([7]) أَيْ نُذْهِبُ ضَوْءَهَا.
([8]) هَذِهِ الآيَةُ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ لَا يَسكُنُ السَّمَاءَ، فَإِنَّ السَّمَاءَ مَخلُوقَةٌ لَهَا بِدَايَةٌ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ١ ﴾، [سُورَةُ الأَنعَامِ:1]، إِذًا هِيَ مَخلُوقَةٌ لَيسَت أَزَلِيَّةً، وَاللهُ لَيسَ مُتَحَيِّزًا فِيهَا، كَمَا أَنَّهَا سَتَفنَى، حَيثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍۢ وَاهِيَةٌۭ ١٦ ﴾، [سُورَةُ الحَاقَّةِ:16]، وَقَالَ: ﴿ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ٦٨ ﴾، [سُورَةُ الزُّمَرِ:68]، فَهَل يُقَالُ: إِنَّ اللهَ يُصعَقُ وَتُلَفُّ عَلَيهِ السَّمَاءُ وَيَتَلَاشَى مَعَهَا يَومَ تَتَشَقَّقُ وَتَفنَى وَتَزُولُ؟ تَنَزَّهَ وَتَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَهُوَ مَوجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا تَحَيُّزٍ وَلَا جِهَةٍ وَلَا مَكَانٍ.
([9]) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَدْءُ الْخَلْقِ أَيِ ابْتِدَاؤُهُ، وَالْمُرَادُ خَلْقُ الْمَخْلُوقَاتِ.اهـ فَتْحُ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيِّ (ج6 ص286).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنْ بَدْءِ الأَمْرِ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ». أَجَابَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ اللَّهَ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ -أَيْ أَزَلِيٌّ- وَلا أَزَلِيَّ سِوَاهُ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَفِي الأَزَلِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ، أَيْ مُخْرِجُهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ.
([10]) قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: بَعْدَ أَنْ تَتَفَرَّقَ ذَرَّاتُ الأَجْسَادِ فِي القُبُورِ مِمَّنْ تَأْكُلُ التُّرَابُ أَجْسَادُهُمْ نُعِيدُهُ، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: الجَسَدُ يَنْعَدِمُ بِالمَرَّةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُعِيدُهُ اللهُ، أَيْ: إِعَادَتُنَا لِلْخَلْقِ مِثْلُ ابْتِدَائِنَا لِخَلْقِهِمْ، فَكَمَا ابْتَدَأْنَا خَلْقَهُمْ وَلَمْ يَكُونُوا شَيْئًا كَذَلِكَ نُعِيدُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ تَعَالَى مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ فَتَنبُتُ مِنهُ الأَجسَادُ، وَمِن عَجْبِ الذَّنَبِ تُعَادُ الأَجسَادُ الَّتِي أَكَلَهَا التُّرَابُ وَتُبعَثُ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنبِيَاءِ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍۢ نُّعِيدُهُۥ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ ١٠٤ ﴾، وَقَالَ أَيضًا فِي سُورَةِ نُوحٍ: ﴿ وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًۭا ١٧ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًۭا ١٨ ﴾، وَفِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَا بَينَ النَّفخَتينِ أَربَعُونَ»، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، أَربَعُونَ يَومًا، قَالَ: أَبَيتُ -أَي لَا أَدرِي أَنَّ الأَربَعِينَ الفَاصِلَ بَينَ النَّفخَتَينِ أَيُّ شَيءٍ أَيَّامًا أَو شُهُورًا أَو أَعوَامًا وَأَمتَنِعُ عَنِ الكَذِبِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَالإِخبَارِ عَمَّا لَا أَعلَمُ-، قَالُوا: أَربَعُونَ شَهرًا، قَالَ: أَبَيتُ، قَالُوا: أَربَعُونَ سَنَةً، قَالَ: أَبَيتُ، «ثُمَّ يُنزِلُ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنبُتُونَ كَمَا يَنبُتُ البَقلُ «لَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهْوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».اهـ صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ – كِتَابُ تَفسِيرِ القُرْآنِ – بَابُ تَفسِيرِ سُورَةِ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ – رَقَمُ الحَدِيثِ: (4935).
([11]) لَيسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى اللهِ بَلْ هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاللهُ يُحَقِّقُ ذَلِكَ وَيَفِي مَا وَعَدَ بِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَىءٌ فَهُوَ لَيْسَ مَغْلُوبًا بَلْ هُوَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ.
([12]) فِعْلُ اللهِ لَيْسَ كَفِعْلِ غَيرِهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَتَصَرَّفُ بِخَلْقِهِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.
([13]) رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيْحَيْهِمَا وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً –أَيْ أَكْثَرُ النَّاسِ هَذَا حَالُهُمْ لِلْجَمْعِ بَينَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ– غُرْلًا –أَي غَيرَ مَختُونِينَ–»، ثُمَّ قَالَ: ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍۢ نُّعِيدُهُۥ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ ١٠٤ ﴾،إِلَى ءَاخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلاَئِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ –مَعنَاهُ يُكسَى مِن حُلَلِ الجَنَّةِ زِيَادَةً عَلَى مَا عَلَيهِ مِنَ الثِّيَابِ، لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ عَارِيًا لَا، إنما يُكسَى بحُلّةٍ مِن حُلَلِ الجَنَّةِ وَإِلَّا فَالأَنبِيَاءُ وَالأَولِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ يَكُونُونَ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ كَاسِينَ طَاعِمِينَ رَاكِبِينَ، وَمَعْنَى «أَوَّلُ»: أَي مِن أَوَّلِ لِأَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ أَوَّلُ مَن يُكسَى مِن ثِيَابِ الجَنَّةِ-، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ١١٧ ﴾ [سُورَةُ المَائِدَةُ:117]، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ».اهـ صَحِيحُ البُخَارِيِّ – لِلإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ – كِتَابُ تَفسِيرِ القُرْآنِ – بَابُ ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ١١٧ ﴾ – رَقَمُ الحَدِيثِ: (4625).
([14]) الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ وَقَضَاهُ فِي الأَزَلِ لَا بُدَّ أَنَّهُ سَيَحصُلُ عَلَى الوَجهِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ بِهِ، لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ سُبحَانَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ أَيْ قَادِرٌ عَلَى تَكْوِينِ مَا سَبَقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ وَإِرَادَتُهُ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَمْنَعُ نَفَاذَ مَشِيئَتِهِ شَىءٌ، فَهُوَ المَالِكُ لِكُلِّ شَيءٍ وَنَافِذُ المَشِيئَةِ فِي كُلِّ شَىءٍ، فَمَشِيئَتُهُ تَنفُذُ لَا مَشِيئَةَ لِلعِبَادِ إِلَّا مَا شَاءَ لَهُم، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن، فَإِنَّ مِن أُصُولِ عَقَائِدِ المُسلِمِينَ الإِيمَانَ بِقَدَرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَقَد صَحَّ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الإِيمَانِ قَالَ: «الإِيمَانُ أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»، وَمَعنَى قَولِهِ ﷺ: «وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ» أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِن خَيرٍ وَشَرٍّ هُوَ بِتَقدِيرِ اللهِ الأَزَلِيِّ، فَالطَّاعَةُ الَّتِي تَحصُلُ مِنَ المَخلُوقِينَ وَالمَعصِيَةُ الَّتِي تَحصُلُ مِنهُم كُلٌّ بِخَلقِ اللهِ وَإِيجَادِهِ إِيَّاهَا، وَلَيسَ مَعنَى ذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَرضَى بِالشَّرِّ، وَلَا أَنَّهُ يَأمُرُ بِالمَعصِيَةِ، إِنَّمَا الخَيرُ مِن أَعمَالِ العِبَادِ بِتَقدِيرِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ، وَالشَّرُّ مِن أَعمَالِ العِبَادِ بِتَقدِيرِ اللهِ لَا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ، قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الفِقْهِ الأَكْبَرِ: وَالطَّاعَةُ كُلُّهَا مَا كَانَت وَاجِبَةً بِأَمرِ اللهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَبِرِضَائِهِ وَعِلمِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقدِيرِهِ، وَالمَعَاصِي كُلُّهَا بِعِلمِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَا بِمَحَبَّتِهِ وَلَا بِرِضَائِهِ وَلَا بِأَمرِهِ.اهـ
([15]) جَامِعُ البَيَانِ فِي تَأْوِيلِ آيِ القُرْآنِ، لِأَبِي جَعْفَرٍ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج18 ص550).
([16]) [سُورَةُ المُؤْمِنُونَ:10-11].
([17]) تَأْوِيلَاتُ أَهْلِ السُّنَّةِ، المَعْرُوفُ بِتَفْسِيرِ المَاتُرِيدِيِّ، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ المَاتُرِيدِيِّ (ج7 ص383).
([18]) وَكُلُّ هَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى بَعْضِ مَنْ عَاصَرَنَا مِنْ أَدْعِيَاءِ المَشْيَخَةِ مِمَّنْ يُفَسُِّر الصَّالِحِينَ هُنَا فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالمُشْرِكِينَ وَلَيسَ بِالمُسْلِمِينَ الصَّالِحِينَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَهَذَا تَحْرِيفٌ لِلْمَعْنَى وَقَلْبٌ لَهُ.