- ذِكرُ قَهرِ اللهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ عِبَادِهِ بِالمَوتِ
وَنَزَلَ لَمَّا قَالَ الكُفَّارُ: إِنَّ مُحَمَّدًا سَيَمُوتُ: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍۢ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ۖ ﴾ البَقَاءَ الدَّائِمَ فِي الدُّنيَا ﴿ أَفَإِي۟ن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ ٣٤ ﴾([1]) فِيهَا، وَهُوَ استِفهَامٌ إِنكَارِيٌّ، أَي لَا يَخلُدُونَ، كَانُوا يُقَدِّرُونَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ فَنَفَى اللهُ عَنهُ الشَّمَاتَةَ بِهَذَا، أَي قَضَى اللهُ أَن لَا يَخلُدَ فِي الدُّنيَا بَشَرٌ، أَفَإِن مِتَّ أَنتَ أَيَبقَى هَؤُلَاءِ؟ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعنَى النَّفيِ.
﴿ كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ ﴾([2]) فِي الدُّنيَا وَاجِدَةٌ مَرَارَتَهُ وَكَربَهُ كَمَا يَجِدُ الذَّائِقُ طَعْمَ المَذُوقِ ﴿ وَنَبْلُوكُم ﴾ أَي نَختَبِرُكُم، سُمِّيَ ابتِلَاءً وَإِن كَانَ عَالِمًا بِمَا سَيَكُونُ مِن أَعمَالِ العِبَادِ قَبلَ وُجُودِهِم لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الِاختِبَارِ ﴿ بِٱلشَّرِّ ﴾ بِالفَقرِ وَالمَرَضِ وَالشِّدَّةِ([3])، أَو بِمَا تَكرَهُونَ ﴿ وَٱلْخَيْرِ ﴾ الغِنَى وَالصِّحَّةِ وَالرَّخَاءِ، أَو بِمَا تُحِبُّونَ ﴿ فِتْنَةًۭ ۖ ﴾ أَي لِنَنظُرَ أَتَصبِرُونَ وَتَشكُرُونَ أَم لَا([4]) امْتِحَانًا وَتَعَبُّدًا بِالصَّبرِ فِي المَكرُوهِ وَالشُّكرِ فِي المَحبُوبِ ﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ٣٥ ﴾ أَيْ تُرَدُّونَ فَنُجَازِيكُم عَلَى حَسَبِ مَا يُوجَدُ مِنكُم مِنَ الصَّبرِ وَالشُّكرِ.
- ذِكرُ تَكذِيبِ الكُفَّارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَاستِهزَاؤُهُم بِالقُرءَانِ
وَنَزَلَ فِي أَبِي جَهلٍ حِينَ مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَضَحِكَ وَقَالَ: هَذَا نَبِيُّ بَنِي عَبدِ مَنَافٍ: ﴿ وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَتَّخِذُونَكَ ﴾ مَا يَتَّخِذُونَكَ ﴿ إِلَّا هُزُوًا ﴾ أَي مَهزُوءًا بِهِ، يَقُولُونَ: ﴿ أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ ﴾ بِسُوءٍ وَيَعِيبُهَا، وَإِنَّمَا أَطلَقَ الذِّكرَ وَلَم يُقَيِّدهُ بِكَونِهِ ذِكرًا بِسُوءٍ لِدِلَالَةِ الحَالِ عَلَيهِ، فَإِنَّ ذِكرَ العَدُوِّ يَكُونُ بِالسُّوءِ عَادَةً، وَالعَرَبُ تَضَعُ الذِّكْرَ مَوْضِعَ المَدْحِ وَالذَّمِّ، فَيَقُولُونَ: سَمِعْنَا فُلَانًا يَذْكُرُ فُلَانًا، وَهُمْ يُرِيدُونَ: سَمِعْنَاهُ يَذْكُرُهُ بِقَبِيحٍ وَيَعِيبُ ﴿ وَهُم بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أَي بِذِكرِ اللهِ وَمَا يَجِبُ أَن يُذكَرَ بِهِ مِنَ الوَحدَانِيَّةِ ﴿ هُمْ كَـٰفِرُونَ ٣٦ ﴾ لَا يُصَدِّقُونَ بِهِ أَصلًا، فَهُم أَحَقُّ بِأَن يُتَّخَذُوا هُزُوًا مِنكَ، فَإِنَّكَ مُحِقٌّ وَهُم مُبطِلُونَ، وَقِيلَ: ﴿ بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أَيبِمَا أَنزَلَ عَلَيكَ مِنَ القُرآنِ ﴿ هُمْ كَـٰفِرُونَ ﴾ جَاحِدُونَ، أَي قَالُوا: مَا نَعرِفُ الرَّحمَنَ، فَكَفَرُوا بِهِ، أَي يَتَّخِذُونَكَ هُزُوًا وَهُم عَلَى حَالٍ هِيَ أَصلُ الهُزءِ وَالسُّخرِيَةِ وَهِيَ الكُفرُ بِاللهِ تَعَالَى.
- ذِكرُ ذَمِّ بَعضِ الكُفَّارِ بِاستِعجَالِهِمُ العَذَابَ وَوَعِيدُهُم
حِينَ كَانَ النَّضرُ بنُ الحَارِثِ يَستَعجِلُ بِالعَذَابِ وَيَقُولُ: اللهم إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِن عِندِكَ فَأَمطِر عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ نَزَلَتْ: ﴿ خُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ مِنْ عَجَلٍۢ ۚ ﴾ وَالعَجَلُ وَالعَجَلَةُ: تَقدِيمُ الشَّىءِ عَلَى وَقتِهِ، كَأَنَّهُ خُلِقَ مِنهُ لِفَرطِ استِعجَالِهِ وَقِلَّةِ ثَبَاتِهِ فِي أَحوَالِهِ وَلِأَنَّهُ يَكثُرُ مِنهُ وَرُكِّبَ فِيهِ، كَمَا تَقُولُ العَرَبُ لِمَن يَكثُرُ مِنهُ الكَرَمُ: خُلِقَ مِنَ الكَرَمِ، وَتَقُولُ لِمَن يَكثُرُ مِنهُ اللَّعِبُ: خُلِقَ مِنَ اللَّعِبِ، يُرِيدُونَ المُبَالَغَةَ فِي وَصفِهِ بِذَلِكَ، أَوِ المَعنَى: خُلِقَتِ العَجَلَةُ فِي الإِنسَانِ ﴿ سَأُو۟رِيكُمْ ءَايَـٰتِى ﴾ نِقمَاتِي بِالعَذَابِ فِي الدُّنيَا كَوَقعَةِ بَدرٍ، وَأُرِيكُم فِي الآخِرَةِ عَذَابَ النَّارِ ﴿ فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ٣٧ ﴾ فَلَا تَستَعجِلُونِي بِالإِتيَانِ بِهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ أَحَدَ وُجُوهِ استِعجَالِهِم بِقَولِهِ: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ ﴾ إِتيَانُ العَذَابِ، أَوِ القِيَامَةُ ﴿ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٣٨ ﴾ فِيهِ، يَعنُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصحَابَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم.
﴿ لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ حِينَ لَا يَكُفُّونَ ﴾ لَا يَدفَعُونَ ﴿ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ ﴾ إِذَا دَخَلُوهَا ﴿ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ ﴾ لِإِحَاطَتِهَا بِهِم ﴿ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٣٩ ﴾ لَا يُمنَعُونَ مِمَّا نَزَلَ بِهِم فِي القِيَامَةِ، أَي لَو يَعلَمُونَ صِدقَ الوَعدِ وَالوَقتَ الَّذِي يَستَعجِلُونَهُ -وَهُوَ وَقتٌ تُحِيطُ بِهِم فِيهِ النَّارُ مِن أَمَامِهِم وَمِن خَلفِهِم فَلَا يَقدِرُونَ عَلَى دَفعِهَا وَمَنعِهَا مِن أَنفُسِهِم وَلَا يَجِدُونَ نَاصِرًا يَنصُرُهُم- لَمَا كَانُوا بِتِلكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفرِ وَالِاستِهزَاءِ وَالِاستِعجَالِ، وَلَكِنَّ جَهلَهُم بِهِ هُوَ الَّذِي هَوَّنَهُ عِندَهُم.
﴿ بَلْ تَأْتِيهِم ﴾ السَّاعَةُ ﴿ بَغْتَةًۭ ﴾ فَجأَةً ﴿ فَتَبْهَتُهُمْ ﴾ فَتُحَيِّرُهُم، أَي لَا يَكُفُّونَهَا بَل تَفجَأُهُم فَتَغلِبُهُم ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا ﴾ لَا يَقدِرُونَ عَلَى دَفعِهَا وَصَرفِهَا عَنهُم ﴿ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ٤٠ ﴾ لَا يُمهَلُونَ لِتَوبَةٍ أَو مَعذِرَةٍ.
- التَّخفِيفُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذِكرِ قَصَصِ استِهزَاءِ الكُفَّارِ بِأَنبِيَائِهِم
ثُمَّ خَفَّفَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ فَقَالَ: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ ﴾ كَمَا فَعَلَ بِكَ قَومُكَ ﴿ فَحَاقَ ﴾ أَحَاطَ وَحَلَّ وَنَزَلَ ﴿ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم ﴾ مِنَ الرُّسُلِ جَزَاءُ ﴿ مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٤١ ﴾ وَهُوَ العَذَابُ الَّذِي كَانُوا استَهزَؤُوا بِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لَكَ بِالأَنبِيَاءِ أُسوَةً، وَإِنَّ مَا يَفعَلُونَهُ بِكَ سَيَحِيقُ بِهِم كَمَا حَاقَ بِالمُستَهزِئِينَ بِالأَنبِيَاءِ مَا فَعَلُوا.
﴿ قُلْ ﴾ لِلمُستَعجِلِينَ بِالعَذَابِ ﴿ مَن يَكْلَؤُكُم ﴾ يَحرُسُكُم وَيَحفَظُكُم ﴿ بِٱلَّيْلِ ﴾ إِذَا نِمتُم ﴿ وَٱلنَّهَارِ ﴾ إِذَا قُمتُم وَتَصَرَّفتُم فِي أُمُورِكُم ﴿ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ۗ ﴾ أَي مِن عَذَابِهِ وَبَأسِهِ إِن أَرَادَ إِنزَالَهُ بِكُم لَيلًا أَو نَهَارًا، أَي لَا أَحَد يَفعَل ذَلِكَ، وَالمُخَاطَبُونَ لَا يَخَافُونَ عَذَابَ اللَّهِ لِإِنكَارِهِم لَهُ ﴿ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم ﴾ عَنِ القُرآنِ ﴿ مُّعْرِضُونَ ٤٢ ﴾ لَاهُونَ غَافِلُونَ لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ وَلَا يُخْطِرُونَهُ فِي بَالِهِمْ فَضلًا عَن أَن يَخَافُوا العَذَابَ، وَالمَعنَى أَنَّهُ أَمَرَ رَسُولَهُ بِسُؤَالِهِمْ عَنِ الكَالِئِ أَيِ الحَفِيظِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ ذِكْرِ مَنْ يَكْلَؤُهُمْ.
- ذِكرُ الإِنكَارِ عَلَى مَن أَشرَكَ بِاللهِ تَعَالَى وَذِكْرُ وَعِيدِهِم
ثُمَّ أَضرَبَ عَن ذَلِكَ بِقَولِهِ مُنكِرًا عَلَيهِم: ﴿ أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ تَمْنَعُهُم ﴾ مِمَّا يَسُوؤُهُم مِنَ العَذَابِ ﴿ مِّن دُونِنَا ۚ ﴾ تَتَجَاوَزُ مَنعَنَا وَحِفظَنَا، أَي أَلَهُم مَن يَمنَعهُم مِنهُ غَيرُنَا؟ لَا، ثُمَّ استَأنَفَ وَوَصَفَ أَصنَامَهُم بِالضَّعفِ بِقَولِهِ: ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أَي أَصنَامُهُم لا تَسْتَطِيعُ ﴿ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ ﴾ فَكَيفَ يَنصُرُونَهُم ﴿ وَلَا هُم ﴾ أَيِ الكُفَّارُ ﴿ مِّنَّا ﴾ مِن عَذَابِنَا ﴿ يُصْحَبُونَ ٤٣ ﴾ يُجَارُونَ وَيُحفَظُونَ، فَبَيَّنَ أَنَّ مَا لَيسَ بِقَادِرٍ عَلَى نَصرِ نَفسِهِ وَمَنعِهَا وَأَنَّ مَا لَيسَ مُؤَيَّدًا بِنَصرِ اللهِ تَعَالَى كَيفَ يَمنَعُ غَيرَهُ وَيَنصُرُهُ وَالسُّؤَالُ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّبْكِيتِ.
ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا اغتِرَارَهُم بِالإِمهَالِ: ﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰٓؤُلَآءِ ﴾ أَي أَهلَ مَكَّةَ ﴿ وَءَابَآءَهُمْ ﴾ بِمَا أَنعَمنَا بِهِ عَلَيهِم ﴿ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ۗ ﴾ فَاغتَرُّوا بِذَلِكَ، أَي مَا هُم فِيهِ مِنَ الحِفظِ وَالكِلَاءَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنَّا لَا مِن مَانِعٍ يَمنَعُهُم مِن إِهلَاكِنَا، وَمَا كَلَأنَاهُم وَآبَاءَهُمُ المَاضِينَ إِلَّا تَمتِيعًا لَهُم بِالحَيَاةِ الدُّنيَا وَإِمهَالًا كَمَا مَتَّعنَا غَيرَهُم مِنَ الكُفَّارِ وَأَمهَلنَاهُم حَتَّى طَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ فَقَسَت قُلُوبُهُم وَظَنُّوا أَنَّهُم دَائِمُونَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَمَلٌ كَاذِبٌ ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى([5])ٱلْأَرْضَ ﴾ أَي أَرضَ الكُفرِ ﴿ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ۚ ﴾ أَيْ نُمَكِّنُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ الأَرْضَ وَنُذْهِبُ سُلْطَةَ المُشْرِكِينَ مِنْ بَعْضِ الأَرْضِ، وَقِيلَ: نَقُصُّ وَنَحذِفُ أَطرَافَهَا بِتَسلِيطِ المُسلِمِينَ عَلَيهَا وَإِظهَارِهِم عَلَى أَهلِهَا وَرَدِّهَا دَارَ إِسلَامٍ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ اللهَ يُجرِي ذَلِكَ عَلَى أَيدِي المُسلِمِينَ وَأَنَّ عَسَاكِرَهُم كَانَت تَغزُو أَرضَ المُشرِكِينَ وَتَأتِيهَا غَالِبَةً عَلَيهَا نَاقِصَةً مِن أَطرَافِهَا وَقِيلَ: ذَهَابُ فُقَهَائِهَا وَخِيَارِ أَهْلِهَا([6]) وَقِيلَ: يَنْقُصُ أَهْلُهَا وَبَرَكَتُهَا ﴿ أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ٤٤ ﴾ هُوَ اسْتِفهَامٌ، بِمَعنَى التَّقرِيعِ مَعْنَاهُ: أَفَكُفَّارُ مَكَّةَ يَغلِبُونَ بَعدَ أَن نَقَصنَا مِن أَطرَافِ أَرضِهِم، أَي لَيسَ كَذَلِكَ، بَل يَغلِبُهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصحَابُهُ بِنَصرِ اللهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْصُرُ عبدَهُ ويُعِزُّ جُنْدَهُ ويُظْهِرُ دِينَهُ ويُنْجِزُ ما وَعَدَهُ، قَالَ الوَاحِدِيُّ: أَيْ: لَيسُوا بِغَالِبِينَ، وَلَكِنَّهُمْ هُمُ المَغْلُوبُونَ وَرَسُولُ اللهِ هُوَ الغَالِبُ.اهـ
﴿ قُلْ ﴾ لَهُم ﴿ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم ﴾ أُخَوِّفُكُم مِنَ العَذَابِ ﴿ بِٱلْوَحْىِ ۚ ﴾ بِالقُرآنِ الَّذِي يُوحَى إِلَيَّ، وَالمَعنَى: لَا أُخَوِّفُكُمْ إِلَّا بِالقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيَّ، وَلَسْتُ أُخَوِّفُكُمْ بِمَا أَتَقَوَّلُهُ مِنْ نَفْسِي، وَذَلِكَ يَظْهَرُ لَهُمْ بِتَدَبُّرِهِ وَتَأَمُّلِ مَعَانِيهِ، فَيَظْهَرُ لَهُمْ إِعْجَازُهُ مَعَ مَا وَافَاهُمْ بِهِ مِنَ الآيَاتِ العَظِيمَةِ ﴿ وَلَا يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ﴾ جَمْعُ أَصَمَّ، وَهُوَ المُتَّصِفُ بِالصَّمَمِ، وَهُوَ بِالأَصلِ انْسِدَادُ الأُذُنِ وَالمَعنَى هُنَا: مَن أَصَمَّ اللهُ قَلبَهُ وَخَتَمَ عَلَى سَمعِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً عَن فَهمِ الآيَاتِ وَسَمَاعِ الحَقِّ ﴿ ٱلدُّعَآءَ ﴾ المُرَادُ بِالدُّعَاءِ هُنَا النِّدَاءُ، أَيْ: تَنَاهَوا فِي الصَّمَمِ إِلَى أَنْ صَارُوا إِذَا نُودُوا بِالحَقِّ لَا يَسمَعُونَهُ ﴿ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥ ﴾ يُخَوَّفُونَ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى هَؤُلَاءِ المُنذَرِينَ، وَالأَصلُ: وَلَا يَسمَعُونَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ، فَوَضَعَ الظَّاهِرَ مَوضِعَ المُضمَرِ لِلدِّلَالَةِ عَلَى تَصَامِّهِم وَسَدِّهِم أَسمَاعَهُم إِذَا مَا أُنذِرُوا، فَهُم لِتَركِهِمُ العَمَلَ بِمَا سَمِعُوهُ مِنَ الإِنذَارِ كَالصُّمِّ حَيثُ لَم يَنتَفِعُوا بِمَا سَمِعُوا، قَالَ الوَاحِدِيُّ: هَذَا تَمثِيلٌ لِلكُفَّارِ بِالصُّمِّ الَّذِينَ لَا يَسمَعُونَ النِّدَاءَ إِذَا أُنْذِرُوا، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ فِي تَرْكِهِمُ الِانْتِفَاعَ بِمَا سَمِعُوا، كَالصُّمِّ الَّذِينَ لَا يَسمَعُونَ.اهـ
﴿ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌۭ ﴾ دُفعَةٌ يَسِيرَةٌ وَوَقعَةٌ خَفِيفَةٌ ﴿ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ ﴾ أَي أَقَلُّ وَأَدنَى شَىءٍ مِنَ العَذَابِ الَّذِي يُنذَرُونَ بِهِ ﴿ لَيَقُولُنَّ يَـٰوَيْلَنَآ ﴾ أَي يَا هَلَاكَنَا، وَالوَيلُ يُنَادِي بِهِ كُلُّ مَن وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ ﴿ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ٤٦ ﴾ بِالإِشرَاكِ وَتَكذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، دَعَوا عَلَى أَنفُسِهِم بِالوَيلِ وَأَقَرُّوا وَاعتَرَفُوا بِأَنَّهُم ظَلَمُوا أَنفُسَهُم حَيثُ تَصَامُّوا وَأَعرَضُوا حِينَ لَا يَنفَعُهُمُ الِاعتِرَافُ.
- ذِكرُ المِيزَانِ وَالحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالعِقَابِ يَومَ القِيَامَةِ
﴿ وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ﴾ وَهُوَ مَا يُوزَنُ بِهِ الشَّىءُ فَتُعرَفُ كَمِّيَّتُهُ، وَالمُرَادُ المِيزَانُ الَّذِي تُوزَنُ عَلَيهِ أَعمَالُ العِبَادِ يَومَ القِيَامَةِ([7])، وَإِنَّمَا جُمِعَ مَعَ أَنَّهُ وَاحِدٌ لِتَعظِيمِ شَأنِهِ ﴿ ٱلْقِسْطَ ﴾ وُصِفَتِ المَوَازِينُ بِالقِسطِ وَهُوَ العَدلُ مُبَالَغَةً، كَأَنَّهَا فِي نَفسِهَا قِسطٌ، وَالمَعنَى: نَضَعُ المَوَازِينَ ذَوَاتِ العَدلِ([8]) ﴿ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ﴾ لِأَهلِ يَومِ القِيَامَةِ، أَي لِأَجلِهِم، أَو فِي يَومِ القِيَامَةِ ﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ ﴾ مِنَ الظُّلمِ([9])، أَي لَا يُنقَصُ مِن حَسَنَاتِهِم وَلَا يُزَادُ فِي سَيِّئَاتِهِم، وَقَالَ الوَاحِدِيُّ: لَا يُنْقَصُ مِنْ إِحْسَانِ مُحْسِنٍ، وَلَا يُزَادُ فِي إِسَاءَةِ مُسِيءٍ.اهـ ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ العَمَلُ ﴿ مِثْقَالَ ﴾ مِقدَارَ وَزنِ ﴿ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ ﴾ أَحضَرنَاهَا بِمَوزُونِهَا وَجَازَينَا بِهَا ﴿ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ ٤٧ ﴾ عَالِمِينَ حَافِظِينَ مُحصِينَ لِكُلِّ شَىءٍ، إِذ لَا مَزِيدَ عَلَى عِلمِنَا وَعَدلِنَا، قَالَ الخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ كَفَى بِنَا عَالِمِينَ حَافِظِينَ لِأَنَّ مَنْ حَسَبَ شَيْئًا فَقَدْ عَلِمَهُ وَحَفِظَهُ، وَالغَرَضُ مِنْهُ التَّحْذِيرُ فَإِنَّ المُحَاسِبَ إِذَا كَانَ فِي العِلْمِ بِحَيثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيهِ شَىءٌ وَفِي القُدْرَةِ بِحَيثُ لَا يَعْجِزُ عَنْ شَىءٍ فَحَقِيقٌ بِالعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بِأَشَدِّ الخَوْفِ مِنْهُ.اهـ
([1]) مَعلُومٌ عِندَ أَيِّ مُسْلِمٍ أَنَّ المُصِيبَةَ بِوَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ كَبِيرَةٌ، وَأَنَّ مَكَانَهُ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ لَا يُمْلَأُ بِأَيِّ وَاحِدٍ مِنَ البَشَرِ أَبَدًا ﷺ، وَلَكِنَّ اللهَ قَيَّضَ لِهَذَا الدِّينِ مَنْ يَنْصُرُهُ وَيُثَبِّتُ دَعَائِمَهُ وَيُكْمِلُ مَسِيرَتَهُ فَكَانَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ أَوَّلَ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الَّذِينَ مَضَى الدِّينُ بِسَبَبِهِمْ وَعَلَتْ رَايَتُهُ بِثَبَاتِهِ. وَإِنَّنَا إِذْ نَذكُرُ فِي هَذِهِ الآيَةِ الإِشَارَةَ إِلَى وَفَاةِ قَائِدِ الأُمَّةِ وَسَيِّدِ الخَلْقِ وَإِمَامِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ ﷺ وَخَيرِ مَنْ وَطِئَ الثَّرَى، فَإِنَّنَا نَذْكُرُ مُصِيبَةً هِيَ مِنْ أَعْظَمِ المَصَائِبِ الَّتِي نَالَتِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ بِوَفَاةِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ ﷺ.
([2]) فِيهِ تَذكِيرٌ بِأَنَّ العَبدَ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُقبِلٌ عَلَى المَوتِ فَلْيَتَجَهَّز لَهُ، وَلْيَتَذَكَّرِ العَبدُ أَنَّ اللهَ هُوَ المُحيِي سُبحَانَهُ، أَي هُوَ الَّذِي يُحيِي النُّطفَةَ المَيتَةَ فَيُخرِجُ مِنهَا النَّسَمَةَ الحَيَّةَ وَيُحيِي الأَجسَامَ البَالِيَةَ بِإِعَادَةِ الأَروَاحِ إِلَيهَا عِندَ البَعثِ، وَقَد قَالَ الحَسَنُ البِصرِيُّ: اعلَم يَا ابنَ ءَادَمَ أَنَّ طَلَبَ الآخِرَةِ أَمرٌ عَظِيمٌ لَا يُقَصِّرُ فِيهِ إِلَّا المَحرُومُ الهَالِكُ، فَلَا تَركَبِ الغُرُورَ وَأَنتَ تَرَى سَبِيلَهُ، وَأَخلِص عَمَلَكَ، وَإِذَا أَصبَحتَ فَانتَظِرِ المَوتَ، وَإِذَا أَمسَيتَ فَكُن عَلَى ذَلِكَ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَإِنَّ أَنجَى النَّاسِ مَن عَمِلَ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِي الرَّخَاءِ وَالبَلَاءِ.اهـ وَيُروَى عَن سَهلِ بِنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: جَاءَ جِبرِيلُ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ: عِش مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعمَل مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ، وَأَحبِب مَن شِئتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعلَم أَنَّ شَرَفَ المُؤمِنِ قِيَامُ اللَّيلِ، وَعِزَّهُ استِغنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ». قَالَ المُنذِرِيُّ: رَوَاهُ الحَافِظُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمِهِ الأَوسَطِ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ.اهـ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكثِرُوا مِن ذِكرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعنِي المَوتَ، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. وَرَوَى البُخَارِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنكِبِي ﻓَﻘَﺎلَ: «كُنْ فِي الدُّنيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلٍ»، وَكَانَ ابنُ عُمرَ يَقُولُ: “إِذَا أَﻣﺴَﻴﺖَ ﻓَﻼَ ﺗَﻨﺘَﻈِﺮِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصبَحتَ ﻓَﻼَ ﺗَﻨﺘَﻈِﺮِ المَسَاءَ، وَخُذ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِن حَيَاتِكَ لِمَوتِكَ”. فَمَن عَلِمَ أَنَّ المَوتَ حَقٌّ لَا بُدَّ أَن يَستَعِدَّ لَهُ.
([3]) وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الفَقْرَ أَوِ المَرَضَ أَوِ الشِّدَّةَ النَّازِلَةَ فِي الدُّنيَا تَكُونُ دَائِمًا فِي كُلِّ حَالٍ شَرًّا، لَا، بَلْ إِذَا صَبَرَ المُؤمِنُ عَلَى بَلَاءِ اللهِ وَلَمْ يَعتَرِضْ فَإِنَّهُ يَكُونُ رِفْعَةً لَهُ فِي الدَّرَجَاتِ وَزِيَادَةً لَهُ فِي الخَيرَاتِ بِإِذنِ اللهِ.
([4]) وَاللهُ تَعَالَى لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الفِتْنَةَ وَالِاخْتِبَارَ لِبَعضِ خَلقِهِ حَتَّى يَظهَرَ لِلنَّاسِ مَنِ الصَّابِرُ وَغَيرُ الصَّابِرُ وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ يَعلَمُ الصَّابِرَ مِنْ غَيرِ الصَّابِرِ وَيَعلَمُ المُؤمِنَ مِنْ غَيرِ المُؤمِنِ، وَهَذِهِ إِحْدَى الحِكَمِ لِنُزُولِ البَلَايَا وَالمَصَائِبِ بَينَ النَّاسِ فَلَيسَ كُلُّ وَاحِدٍ صَابِرًا وَلَا كُلُّ مَنِ ادَّعَى الإِيمَانَ مُؤْمِنٌ.
([5]) الإِتْيَانُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُرَادُ مِنْهُ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَيِّزِ وَالتَّغَيُّرِ وَسَائِرِ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ وَغَيرِهَا مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الإِتْقَانِ فِي عُلُومِ القُرْآنِ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ ١٥٨ ﴾، [سُورَةُ الأَنْعَامِ: 158]، أَيْ أَمْرُهُ.اهـ وَقَالَ الزَّركَشِيُّ فِي البُرهَانِ فِي عُلُومِ القُرْآنِ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ تَأْوِيلَ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ ١٥٨ ﴾، [سُورَةُ الأَنْعَامِ: 158]، قَالَ: وَهَلْ هُوَ إِلَّا أَمْرُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ ٣٣ ﴾، [سُورَةُ النَّحْلِ: 33].اهـ وَقَالَ البَيهَقِيُّ: وَفِي الْجُمْلَةِ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اسْتِوَاءَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ بِاسْتِوَاءِ اعْتِدَالٍ عَنِ اعْوِجَاجٍ وَلَا اسْتِقْرَارٍ فِي مَكَانٍ، وَلَا مُمَّاسَّةٍ لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، لَكِنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ بِلَا كَيْفٍ بِلَا أَيْنَ، بَائِنٌ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَأَنَّ إِتْيَانَهُ لَيْسَ بِإِتْيَانٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَنَّ مَجِيئَهُ لَيْسَ بِحَرَكَةٍ، وَأَنَّ نُزُولَهُ لَيْسَ بِنُقْلَةٍ، وَأَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَأَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِصُورَةٍ، وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بجَارِحَةٍ، وَأَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَتْ بِحَدَقَةٍ، وَإِنَّمَا هَذِهِ أَوْصَافٌ جَاءَ بِهَا التَّوْقِيفُ، فَقُلْنَا بِهَا وَنَفَيْنَا عَنْهَا التَّكْيِيفَ، فَقَدْ قَالَ: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ ١١ ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى:11] ، وَقَالَ: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ ٤ ﴾ [سُورَةُ الإِخلَاصِ:4] ، وَقَالَ: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّۭا ٦٥ ﴾ [سُورَةُ مَريَمَ: 65].اهـ الِاعْتِقَادُ وَالهِدَايَةُ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، لِأَبِي بَكْرٍ البَيهَقِيِّ (ص116).
([6]) وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ فَسَادَ أَحْوَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَانْتِشَارَ الفَسَادِ بَينَهُمْ حَاصِلٌ، وَأَثَرُ هَذَا عَظِيمٌ عَلَى المُسْلِمِينَ إِذْ بِمَوتِ خِيَارِ النَّاسِ وَصُلَحَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ يَقِلُّ الخَيْرُ بَينَ النَّاسِ، وَفِي فَسَادِ أَحوَالِ النَّاسِ وَالزَّمَانِ يَقُولُ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّكُم فِي زَمَانٍ النَّاسُ فِيهِ كَالشَّجَرَةِ المُخْضَوضِرَةِ لَا شَوكَ لَهَا، إِنْ دَنَوْتَ مِنْهُمْ لَاطَفُوكَ، وَإِنْ أَمَرَتَهُمْ بِمَعْرُوفٍ أَطَاعُوكَ، وَإِنْ نَهَيتَهُمْ عَنْ مُنكَرٍ لَمْ يُعَادُوكَ، وَسَيَأْتِي زَمَانٌ النَّاسُ فِيهِ كَالشَّوكِ، إِنْ دَنَوْتَ مِنْهُمْ آذَوْكَ، وَإِنْ أَمَرْتَهُمْ بِمَعْرُوفٍ عَصَوكَ، وَإِنْ نَهَيتَهُمْ عَنْ مُنكَرٍ عَادَوكَ، فَرَحِمَ اللهُ رَجُلًا تَصَدَّقَ مِن مَالِهِ لِيَوْمِ فَاقَتِهِ.اهـ وَرَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لَبِيدٌ:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ***** وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ
يَتَحَدَّثُونَ مَخَانَةً وَمَلَامَةً ***** وَيُعَابُ قَائِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِ
وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَمَثَّلُ هَذَينِ البَيتَينِ مِنْ قَولِ لَبِيدٍ وَتَقُولُ، يَا وَيْحَ لَبِيدٍ حَيْثُ يَقُولُ ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ وَبَقِيتُ فِي خَلَفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا، وقَالَ عُرْوَةُ: رَحِمَ اللهُ عَائِشَةَ كَيْفَ لَوْ أَدْرَكَتْ زَمَانَنَا، وقَالَ الزُّهْرِيُّ: رَحِمَ اللهُ عُرْوَةَ كَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا.اهـ
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: «إنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزِاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوْسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوْا فَأَفْتَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».اهـ وَرَوَىْ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَوْتُ الْعَالِمِ مُصِيْبَةٌ لَا تُجْبَرُ، وَثُلْمَةٌ لَا تُسَدُّ، وَنَجْمٌ طُمِسَ، وَمَوْتُ قَبِيْلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عَالِمٍ»، فَإِذَا قَلَّ الْعُلَمَاءُ يَتَّجِهُ مَنْ لَا فِقْهَ عِنْدَهُ إِلَى مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا فِقْهَ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ لَا يُمَيِّزُ وَلَا يَتَحَرَّىْ مَنْ يَسْتَفْتِي فِي أَمْرِ دِيْنِهِ وَهَذَا بَلَاءٌ عَظِيْمٌ، قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: بَكَىْ رَبيعَةُ يَوْمًا بُكَاءً شَدِيْدًا فَقِيْلَ لَهُ أَمُصِيْبَةٌ نَزَلَتْ بِكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اِسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، وَظَهَرَ فِي الإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيْمٌ.اهـ الْبَاعِثُ فِي إِنْكَارِ الْبِدَعِ وَالْحَوَادِثِ، لِأَبِيْ شَامَهْ (ص56).
([7]) قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ المِيزَانَ يَومَ القِيَامَةِ حَقِيقَةٌ، لَهُ كِفَّتَانِ وَلِسَانٌ وَعَمُودٌ تُوزَنُ فِيهِ الأَعْمَالُ، وَالخِفَّةُ وَالثِّقَلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالأَجْسَامِ، إِمَّا صُحُفُ الأَعْمَالِ، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ.اهـ وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِالمِيزَانِ أَي مَا يُوزَنُ عَلَيهِ أَعمَالُ العِبَادِ، وَالَّذِي يَزِنُ الأَعمَالَ جِبرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَالَّذِي يُوزَنُ هُوَ صَحَائِفُ الأَعمَالِ وَقِيلَ المَوزُونُ الحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، فَالكَافِرُ لَيسَ لَهُ حَسَنَاتٌ يَومَ القِيَامَةِ إِنَّمَا تُوضَعُ سَيِّئَاتُهُ فِي كِفَّةٍ مِنَ الكِفَّتَينِ، وَأَمَّا المُؤمِنُ فَتُوضَعُ حَسَنَاتُهُ فِي كِفَّةٍ وَسَيِّئَاتُهُ فِي الكِفَّةِ الأُخرَى، رَوَى الوَاحِدِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: زِنْ بَيْنَهُمْ وَرُدَّ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلا ذَهَبَ يَوْمَئِذٍ وَلا فِضَّةَ، فَيَرُدُّ الْمَظْلُومُ مِنَ الظَّالِمِ مَا وَجَدَ لَهُ مِنْ حَسَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ فَيُرَدُّ عَلَى الظَّالِمِ فَيَرْجِعُ وَعَلَيْهِ مِثْلُ الْجَبَلِ».اهـ التَّفْسِيرُ الوَسِيطُ، لِلْوَاحِدِيِّ (ج3 ص240).
([8]) يَعنِي المَوَازِينَ الَّتِي هِيَ عَدلٌ لَا تَنقُصُ مِن حَسنَاتِ إِنسَانٍ شَيئًا، لَا ظُلمَ يَومَ القِيَامَةِ، وَكَلِمَةُ ﴿ ٱلْمَوَٰزِينَ ﴾ هَهُنَا لَيسَت جَمعَ مِيزَانٍ، إِنَّمَا مَعنَاهَا فِى هَذِهِ الآيَةِ: المَوزُونَاتُ، الأَشيَاءُ الَّتِي تُوزَنُ، وَهِيَ الحَسَنَاتُ أَوِ السَّيِّئَاتُ، لِأَنَّ المِيزَانَ مِيزَانٌ وَاحِدٌ يَومَ القِيَامَةِ، لَيسَت مَوَازِينَ مُتَعَدِّدَةً.
([9]) اللهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالظُّلْمِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَيهِ أَنَّهُ يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ شَيئًا وَنِسبَةُ هَذَا إِلَيهِ عَزَّ وَجَلَّ تَكْذِيبٌ لِهَذَا النَّصِّ القُرْآنِيِّ وَلِغَيرِهِ مِنَ النُّصُوصِ.