- ذِكرُ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ
﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءًۭ وَذِكْرًۭا ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ التَّورَاةُ الأَصْلِيَّةُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، فَهِيَ فُرقَانٌ بَينَ الحَرَامِ وَالحَلَالِ وَالحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَضِيَاءٌ يُستَضَاءُ بِهِ وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَذِكرٌ أَي شَرَفٌ، أَو وَعظٌ وَتَنبِيهٌ، أَو ذِكرُ مَا يَحتَاجُ النَّاسُ إِلَيهِ فِي مَصَالِحِ دِينِهِم، وَلَمَّا انتَفَعَ بِذَلِكَ المُتَّقُونَ خَصَّهُم بِقَولِهِ: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ ٤٨ ﴾ أَيِ المُطِيعِينَ للهِ وَرُسُلِهِ، لِأَنَّهُم يَذكُرُونَهُ وَيَعمَلُونَ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى رُسُلِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ وَصْفَ المُتَّقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ ﴾ يَخَافُونَ ﴿ رَبَّهُم ﴾ أَي عَذَابَهُ ﴿ بِٱلْغَيْبِ ﴾ عَنِ النَّاسِ، أَي فِي الخَلَاءِ عَنهُم، لِأَنَّهُم لَم يَرَوُا اللَّهَ تَعَالَى بَل عَرَفُوا بِالنَّظَرِ وَالِاستِدلَالِ أَنَّ لَهُم رَبًّا قَادِرًا يُجَازِي عَلَى الأَعمَالِ، فَهُم يَخشَونَهُ فِي سَرَائِرِهِم وَخَلوَاتِهِمُ الَّتِي يَغِيبُونَ فِيهَا عَنِ النَّاسِ ﴿ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ ﴾ القِيَامَةِ وَأَهوَالِهَا ﴿ مُشْفِقُونَ ٤٩ ﴾ خَائِفُونَ أَشَدَّ الخَوْفِ.
- ذِكرُ ثَنَاءِ اللهِ تَعَالَى عَلَى القُرءَانِ وَوَصفُهُ بِالمُبَارَكِ
ثُمَّ عَادَ إِلَى ذِكرِ القُرآنِ فَقَالَ: ﴿ وَهَـٰذَا ﴾ القُرآنُ ﴿ ذِكْرٌۭ ﴾ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ وَعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ ﴿ مُّبَارَكٌ ﴾ كَثِيرُ الخَيرِ غَزِيرُ النَّفعِ([1]) ﴿ أَنزَلْنَـٰهُ ۚ ﴾ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ أَفَأَنتُمْ ﴾ يَا أَهلَ مَكَّةَ ﴿ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠ ﴾ استِفهَامُ تَوبِيخٍ، أَي جَاحِدُونَ وَمُنْكِرُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِندِ اللهِ.
- ذِكرُ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَتَكذِيبُ قَومِهِ لَهُ
﴿✵([2])۞ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ ﴾ أَيْ هُدَاهُ وَوَفَّقنَاهُ لِلنَّظَرِ وَالِاستِدلَالِ بِالشَّمسِ وَالقَمَرِ وَالنُّجُومِ فِي مُحَاجَّةِ قَومِهِ، قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي تَفسِيرِهِ: أَيْ إِرْشَادَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَكَسْرِ الأَصْنَامِ وَغَيرِ ذَلِكَ.اهـ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ قَبلَ النُّبُوَّةِ، أَو قَبلَ بُلُوغِهِ([3]) ﴿ وَكُنَّا بِهِۦ ﴾ بِإِبرَاهِيمَ، أَو بِرُشدِهِ ﴿ عَـٰلِمِينَ ٥١ ﴾ أَي عَلِمنَا أَنَّهُ أَهلٌ لِمَا آتَينَاهُ مِنَ الرُّشدِ، أَوْ جَامِعٌ لِمَحَاسِنِ الأَوْصَافِ وَمَكَارِمِ الخِصَالِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِاخْتِيَارٍ وَحِكْمَةٍ وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِالجُزْئِيَّاتِ، قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي تَفسِيرِهِ: أَيْ: عَلِمْنَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِـكَ.اهـ وَهَـذَا نَحْـوُ قَـوْلِـهِ تَـعَالَى: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ ١٢٤ ﴾([4]).
﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ﴾ التِّمثَالُ: اسمٌ لِلشَّىءِ المَصنُوعِ مُشَبَّهًا بِخَلقٍ مِن خَلقِ اللهِ تَعَالَى، أَيِ مَا هَذِهِ الأَصنَامُ المُصَوَّرَةُ عَلَى صُورَةِ السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ وَالإِنسَانِ، وَفِيهِ تَجَاهُلٌ لَهُم لِيُحَقِّرَ آلِهَتَهُم مَعَ عِلمِهِ بِتَعظِيمِهِم لَهَا ﴿ ٱلَّتِىٓ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ ٥٢ ﴾ أَي مُقِيمُونَ عَلَى عِبَادَتِهَا([5]).
فَلَمَّا عَجَزُوا عَنِ الإِتيَانِ بِالدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ ﴿ قَالُوا۟ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ ٥٣ ﴾ أَي فَنَحنُ نَعبُدُهَا تَقلِيدًا لِأَسلَافِنَا وَاقتِدَاءً بِهِم، فَهَذَا اعْتِرَافٌ بِالتَّقْلِيدِ مِنْ غَيرِ دَلِيْلٍ([6]).
فَلَمَّا أَجَابُوهُ أَنَّهُم رَأَوا آبَاءَهُم يَعبُدُونَهَا فَاقتَدَوا بِهِم أَجَابَهُم بِأَنَّهُم فِيمَا فَعَلُوا وَآبَاءَهُم فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿ قَالَ ﴾ لَهُم إِبرَاهِيمُ ﴿ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ ﴾ بِعِبَادَتِهَا ﴿ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٥٤ ﴾ أَي فِي خُسرَانٍ بَيِّنٍ، أَرَادَ أَنَّ المُقَلِّدِينَ وَالمُقَلَّدِينَ مُنخَرِطُونَ فِي سِلكِ ضَلَالٍ ظَاهِرٍ لَا يَخفَى عَلَى عَاقِلٍ، إِذ هِيَ جَمَادَاتٌ لَا تَنفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَعلَمُ، فَكَيفَ تَعبُدُونَهَا؟
﴿ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ أَي أَجِئتَ بِحَقٍّ فِيمَا تَقُولُ؟ أَو أَجِئتَ بِالجِدِّ بِقَولِكَ هَذَا؟ ﴿ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ ٥٥ ﴾ فِيهِ، أَي أَجَادٌّ أَنتَ فِيمَا تَقُولُ أَم لَاعِبٌ؟ استِعظَامًا مِنهُم لِإِنكَارِهِ عَلَيهِم، وَاستِبعَادًا لِأَن يَكُونَ مَا هُم عَلَيهِ ضَلَالًا.
ثُمَّ أَضرَبَ عَنهُم مُخبِرًا بِأَنَّهُ جَادٌّ فِيمَا قَالَ غَيرُ لَاعِبٍ مُثبِتًا لِرُبُوبِيَّةِ المَلِكِ العَلَّامِ وَحُدُوثِ الأَصنَامِ مُقِيمًا لِلبُرهَانِ عَلَى مَا قَالَهُ لَهُمْ، فَدَلَّهُمْ عَلَى أَنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبَادَةِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ لَا الصَّنَمُ بِقَولِهِ: ﴿ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ ﴾ أَيْ قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ: رَبُّكُمْ هُوَ المُستَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ القَائِمُ بِتَدبِيرِكُم، فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الرَّبُّ الخَالِقُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ ﴿ رَبُّ ﴾ أَيْ خَالِقُ وَمَالِكُ ﴿ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ ﴾ أَي خَلَقَهُنَّ وَأَبدَعَهُنَّ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَبَقَ، أَو خَلَقَ التَّمَاثِيلَ، فَأَنَّى يُعبَدُ المَخلُوقُ وَيُترَكُ الخَالِقُ؟ ﴿ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم ﴾ الَّذِي قُلتُهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى التَّوحِيدِ وَأَنَّ اللهَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ شَاهِدٌ ﴿ مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٥٦ ﴾ وَالشَّاهِدُ يُبَيِّنُ الحُكمَ، فَالمَعنَى: وَأَنَا أُبَيِّنُ بِالدَّلِيلِ مَا أَقُولُ، أَيْ أَنَا مِنَ المُتَحَقِّقِينَ المُتَيَقِّنِينَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ رَبُّكُمْ وَهُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَخَالِقُهُنَّ وَأَنَا المُخْبِرُ بِذَلِكَ عَلَى يَقِينٍ مِنِّي وَتَحقِيقٍ المُبَرْهِنُ عَلَيهِ.
وَكَانَ لَهُم عِيدٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَخرُجُونَ إِلَيهِ وَلَا يُخَلِّفُونَ بِالمَدِينَةِ أَحَدًا، فَقَالُوا لِإِبرَاهِيمَ: لَو خَرَجتَ مَعَنَا إِلَى عِيدِنَا، فَقَالَ: «إِنِّي سَقِيمٌ» أَي سَأَسقَمُ، لِيَتَخَلَّفَ وَلَا يَذهَبَ مَعَهُم، وَلَيسَ هَذَا كَذِبًا([7]) فَالكَذِبُ مَنْقَصَةٌ وَيَسْتَحِيلُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ سِرًّا مِنهُم: ﴿ وَتَٱللَّهِ ﴾ أَصلُهُ: وَاللهِ، وَفِي التَّاءِ مَعنَى التَّعَجُّبِ مِن تَسهِيلِ الكَيدِ عَلَى يَدِهِ مَعَ صُعُوبَتِهِ وَتَعَذُّرِهِ لِقُوَّةِ سُلطَةِ نُمرُودَ ﴿ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم ﴾ لَأُكَسِّرَنَّهَا ﴿ بَعْدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدْبِرِينَ ٥٧ ﴾ بَعدَ ذَهَابِكُم عَنهَا إِلَى عِيدِكُم، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنهُم فَأَفشَاهُ عَلَيهِ.
- ذِكرُ مُنَاظَرَةِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ قَومِهِ
فَرَجَعَ إِبرَاهِيمُ إِلَى بَيتِ الأَصنَامِ، وَكَانَتِ اثنَينِ وَسَبعِينَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنُحَاسٍ وَحَدِيدٍ وَخَشَبٍ ﴿ فَجَعَلَهُمْ ﴾ أَيِ صَيَّرَ الأَصنَامَ بَعدَ ذَهَابِهِم ﴿ جُذَٰذًا ﴾ أَيْ حُطَامًا، أَيْ فَكَسَّرَهَا كُلَّهَا بِفَأسٍ وَجَعَلَهَا فُتَاتًا وَقِطَعًا وَلَم يُبقِ مِنهُم شَيئًا ﴿ إِلَّا كَبِيرًۭا لَّهُمْ ﴾ إِلَّا أَكبَرَ الأَصنَامِ حَجمًا، أَو أَكبَرَ الأَصنَامِ عِندَ كُفَّارِ قَومِهِ، وَعَلَّقَ الفَأسَ فِي عُنُقِهِ، أَيْ كَسَرَ غَيْرَهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَاسْتَبْقَاهُ وَجَعَلَ الفَأْسَ عَلَى عُنُقِهِ ﴿ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ ﴾ إِلَى الكَبِيرِ ﴿ يَرْجِعُونَ ٥٨ ﴾ فَيَرَونَ مَا فُعِلَ بِغَيرِهِ فَيَسأَلُونَهُ عَن كَاسِرِهَا فَيَتَبَيَّنَ لَهُم عَجزُهُ، أَو يَرجِعُونَ إِلَى إِبرَاهِيمَ لِيَحتَجَّ عَلَيهِم، أَو يَرجِعُونَ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ لَمَّا رَأَوا عَجزَ أَصْنَامِهِمْ.
﴿ قَالُوا۟ ﴾ أَيِ الكُفَّارُ حِينَ رَجَعُوا مِن عِيدِهِم وَرَأَوا مَا فُعِلَ بِأَصنَامِهِم وَأَنَّهَا كُسِّرَتْ: ﴿ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٩ ﴾ أَي إِنَّ مَن فَعَلَ هَذَا الكَسرَ قَد فَعَلَ مَا لَم يَكُن لَهُ فِعلُهُ بِزَعمِهِم وَإِنَّهُ لَشَدِيدُ الظُّلمِ لِجَرَاءَتِهِ عَلَى أَصنَامِهِمُ الَّتِي يَزعُمُونَ أَنَّهَا آلِهَةٌ تَستَحِقُّ عِندَهُمُ التَّوقِيرَ وَالتَّعظِيمَ.
﴿ قَالُوا۟ ﴾ أَي بَعضُهُم لِبَعضٍ، أَوِ الَّذِي سَمِعَ إِبرَاهِيمَ يَقُولُ: ﴿ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم ﴾ ﴿ سَمِعْنَا فَتًۭى يَذْكُرُهُمْ ﴾ بِسُوءٍ وَيَعِيبُهُم ﴿ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ ٦٠ ﴾ فَلَعَلَّهُ فَعَلَهُ، وَهُوَ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ صَنَعَ هَذَا بِهِمْ.
﴿ قَالُوا۟ ﴾ أَي نُمرُودُ وَأَشرَافُ قَومِهِ ﴿ فَأْتُوا۟ بِهِۦ ﴾ أَحضِرُوا إِبرَاهِيمَ ﴿ عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ ﴾ أَي بِمَرأًى مِنهُم مُعَايَنًا مُشَاهَدًا ظَاهِرًا ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ٦١ ﴾ يَحضُرُونَ عُقُوبَتَنَا لَهُ، أَو يَشهَدُونَ عَلَيهِ بِمَا سُمِعَ مِنهُ، أَو يَشهَدُونَ عَلَيهِ بِأَنَّهُ الفَاعِلُ، كَأَنَّهُم كَرِهُوا عِقَابَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ.
فَلَمَّا أَحضَرُوهُ ﴿ قَالُوٓا۟ ﴾ لَهُ بَعدَ إِتيَانِهِ: ﴿ ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ٦٢ ﴾.
﴿ قَالَ ﴾ إِبرَاهِيمُ ﴿ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا ﴾ نَسَبَ الفِعلَ إِلَى كَبِيرِهِم وَقَصَدَ بِهِ تَقرِيرَهُ لِنَفسِهِ وَإِثبَاتَهُ لَهَا عَلَى أُسلُوبٍ تَعرِيضِيٍّ تَبكِيتًا لَهُم وَإِلزَامًا لِلحُجَّةِ عَلَيهِم، وَيُمكِنُ أَن يُقَالَ: غَاظَتهُ تِلكَ الأَصنَامُ حِينَ أَبصَرَهَا مُصطَفَّةً، وَكَانَ غَيظُ كَبِيرِهَا أَشَدَّ لِمَا رَأَى مِن زِيَادَةِ تَعظِيمِهِم لَهُ، فَأَسنَدَ الفِعلَ إِلَيهِ لِأَنَّ الفِعلَ كَمَا يُسنَدُ إِلَى مُبَاشِرِهِ يُسنَدُ إِلَى الحَامِلِ عَلَيهِ، مَعنَاهُ هَذَا الكَبِيرُ هُوَ السَّبَبُ، فَلَيسَ هَذَا كَذِبًا حَقِيقِيًّا بَل هَذَا صِدقٌ مِن حَيثُ البَاطِنُ وَالحَقِيقَةُ لِأَنَّ كَبِيرَ الأَصنَامِ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى الفَتكِ بِهِم أَيِ الأَصنَامِ الأُخرَى مِن شِدَّةِ اغتِيَاظِهِ مِنهُ لِمُبَالَغَتِهِم فِي تَعظِيمِهِ بِتَجمِيلِ هَيئَتِهِ وَصُورَتِهِ، فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَن يُكَسِّرَ الصِّغَارَ وَيُهِينَ الكَبِيرَ، فَيَكُونُ إِسنَادُ الفِعلِ إِلَى الكَبِيرِ إِسنَادًا مَجَازِيًّا، فَلا كَذِبَ فِي ذَلِكَ أَي هُوَ فِي الحَقِيقَةِ لَيسَ كَذِبًا إِنَّمَا صُورَتُهُ صُورَةُ كَذِبٍ، أَو هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِشَرطٍ لَا يَكُونُ وَهُوَ نُطقُ الأَصنَامِ، فَيَكُونُ نَفيًا لِلمُخبَرِ عَنهُ، أَي بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ، لَكِنَّهُم لَا يَنطِقُونَ فَلَيسَ كَبِيرُهُمُ الفَاعِلَ، وَعَلَى هَذَا التَّفسِيرِ يَكُونُ قَولُهُ: ﴿ فَسْـَٔلُوهُمْ ﴾ اعتِرَاضًا عَلَيهِم، أَيْ ﴿ فَسْـَٔلُوهُمْ ﴾ عَن حَالِهِم، أَو عَن فَاعِلِهِ ﴿ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ ٦٣ ﴾ وَأَنتُم تَعلَمُونَ عَجزَهُم عَنهُ، وَفِيهِ تَعرِيضٌ لَهُم بِأَنَّ الصَّنَمَ المَعلُومَ عَجزُهُ عَنِ الفِعلِ لَا يَكُونُ إِلَهًا.
﴿ فَرَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ﴾ فَرَجَعُوا إِلَى عُقُولِهِم وَتَفَكَّرُوا بِقُلُوبِهِم لَمَّا أَخَذَ بِمَخَانِقِهِم أَيْ قَطَعَهُم وَأَفحَمَهُم، وَالمُرَادُ أَنَّهُ رَجَعَ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ، أَو رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى نَفسِهِ مُتَفَكِّرًا ﴿ فَقَالُوٓا۟ ﴾ لِأَنفُسِهِم ﴿ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٦٤ ﴾ عَلَى الحَقِيقَةِ بِعِبَادَةِ مَا لَا يَنطِقُ([8])، لَا مَن ظَلَمتُمُوهُ حِينَ قُلتُم: ﴿ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ﴾، فَإِنَّ مَن لَا يَدفَعُ عَن رَأسِهِ الفَأسَ كَيفَ يَدفَعُ عَن عَابِدِيهِ البَأسَ وَالعَذَابَ.
﴿ ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ ﴾ نَكَسْتُهُ: قَلَبتُهُ فَجَعَلتُ أَسفَلَهُ أَعلَاهُ، أَجرَى اللهُ تَعَالَى الحَقَّ عَلَى لِسَانِهِم فِي القَولِ الأَوَّلِ ثُمَّ أَدرَكَتهُمُ الشَّقَاوَةُ، أَي رُدُّوا إِلَى الكُفرِ بَعدَ أَن أَقَرُّوا عَلَى أَنفُسِهِم بِالظُّلمِ، أَيِ استَقَامُوا حِينَ رَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِم وَجَاؤُوا بِالفِكرَةِ الصَّالِحَةِ، ثُمَّ انقَلَبُوا عَن تِلكَ الحَالَةِ فَأَخَذُوا فِي المُجَادَلَةِ بِالبَاطِلِ وَالمُكَابَرَةِ وَقَالُوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥ ﴾ أَي لَقَد عَلِمتَ عَجزَهُم عَنِ النُّطقِ فَكَيفَ تَأمُرُنَا بِسُؤَالِهِم؟
فَـ﴿ قَالَ ﴾ إِبرَاهِيمُ مُحتَجًّا عَلَيهِم: ﴿ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أَي بَدَلَهُ ﴿ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًۭٔا ﴾ إِنْ عَبَدْتُمُوهُ، مِنَ النَّفعِ مِن رِزقٍ وَغَيرِهِ ﴿ وَلَا يَضُرُّكُمْ ٦٦ ﴾ شَيئًا إِذَا لَم تَعبُدُوهُ أَيْ إِنْ تَرَكْتُمْ عِبَادَتَهُ، وَهُوَ إِنكَارٌ عَلَيهِم لِعِبَادَتِهِم لَهَا بَعدَ اعتِرَافِهِم بِأَنَّهَا جَمَادَاتٌ لَا تَنفَعُ وَلَا تَضُرُّ فَإِنَّهُ يُنَافِي الأُلُوهِيَّةَ، وَحَثٌّ لَهُم عَلَى عِبَادَةِ مَن يَملِكُ النَّفعَ وَالضُّرَّ.
﴿ أُفٍّۢ لَّكُمْ ﴾ صَوتُ المُتَضَجِّرِ، أَي قُبحًا وَنُتنًا، وَهُوَ صَوْتٌ إِذَا صُوِّتَ بِهِ عُلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ مُتَضَجِّرٌ ﴿ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ ﴾ أَي غَيرَ اللهِ، وَهُوَ تَضَجُّرٌ مِنهُ مِن إِصرَارِهِم عَلَى البَاطِلِ البَيِّنِ وَثَبَاتِهِم عَلَى عِبَادَتِهَا بَعدَ انقِطَاعِ عُذرِهِم وَبَعدَ وُضُوحِ الحَقِّ ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٦٧ ﴾ أَنَّ مَن كَانَ هَذَا وَصفَهُ كَهَذِهِ الأَصنَامِ لَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ إِلَهًا وَلَا يَستَحِقُّ العِبَادَةَ وَلَا يَصلُحُ لَهَا، وَإِنَّمَا يَستَحِقُّهَا اللَّهُ تَعَالَى.
([1]) بَرَكَاتُ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَفَضَائِلُهُ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ بَرَكَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِمَنْ عَمِلَ بِهِ، يَنْتَفِعُ بِهِ أَحْيَاءُ المُسْلِمِينَ وَأَمْوَاتُهُمْ بِإِذْنِ اللهِ، وَهُوَ بَرَكَةٌ فِي الدُّنْيَا وَفِي القَبْرِ وَفِي الآخِرَةِ وَعِنْدَ حُضُورِ المِيزَانِ وَالسَّيْرِ عَلَى الصِّرَاطِ، فَهُوَ كَثِيرُ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ العَامِلِينَ بِمَا فِيهِ، فَيُشَرَّفُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَطِيبُ لَهُمُ بِهِ المَعَاشُ، وَتَكْثُرُ عَلَيْهِمُ الخَيْرَاتُ، وَتُدَرُّ عَلَيهِمُ الأَرْزَاقُ، وَتُصْرَفُ عَنْهُمُ الشُّرُورُ بِإِذْنِ اللهِ، وَيُسْعَدُونَ بِاتِّبَاعِهِ فِي الآخِرَةِ، فَيَنَالُونَ المَرْغُوبَ، وَيَنْجُونَ مِنَ المَرْهُوبِ، وَيُتْحَفُ مَنْ شَاءَ اللهُ لَهُ مِنهُمْ بِمَا لَا عَينٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
([3]) كَانَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَغَيرِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ مُنذُ صِغَرِهِ وَنَشأَتِهِ مُسلِمًا مُؤمِنًا، عَارِفًا بِرَبِّهِ، مُعتَقِدًا عَقِيدَةَ التَّوحِيدِ، مُنَزِّهًا رَبَّهُ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، مُدرِكًا أَنَّ هَذِهِ الأَصنَامَ الَّتِي يَعبُدُهَا قَومُهُ لَا تُغنِي عَنهُم مِنَ اللهِ شَيئًا وَأَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنفَعُ لِأَنَّ الضَّارَّ النَّافِعَ عَلَى الحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ تَعَالَى وَحدَهُ. فَالأَنبِيَاءَ مَعصُومُونَ أَي مَحفُوظُونَ مِنَ الكُفرِ قَبلَ أَن يُوحَى إِلَيهِم بِالنُّبُوَّةِ وَبَعدَ ذَلِكَ أَيضًا.
([4]) [سُورَةُ الأَنعَامِ:124].
([5]) لَيسَ مُرَادُهُ مِن هَذَا السُّؤَالِ أَن يُجِيبُوهُ عَلَى سُؤَالِهِ، إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الإِنكَارَ عَلَيهِم وَتَوبِيخَهُم، فَالسُّؤَالُ أَحيَانًا يَرِدُ وَيُرَادُ مِنهُ التَّنبِيهُ أَوِ التَّقرِيرُ وَغَيرُ ذَلِكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَٰهِيمَ ٦٩ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا تَعْبُدُونَ ٧٠ قَالُوا۟ نَعْبُدُ أَصْنَامًۭا فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ ٧١ ﴾، [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ:69-71]، إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ يَعرِفُ أَنَّهُم يَعبُدُونَ الأَصنَامَ، إِذًا مَا فَائِدَةُ سُؤَالِهِ؟ لَيسَ حَتَّى يَقُولُوا لَهُ: نَحنُ نَعبُدُ الأَصنَامَ، فَهُوَ يَعرِفُ حَالَهُم، أَيُّ بَلَاغَةٍ فِي هَذَا، وَالقُرآنُ أَعلَى البَلَاغَةِ، قَولُهُ: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ٧٠ ﴾، كَانَ سُؤَالُهُ لِتَبكِيتِهِم، يَعنِي مَا هَذَا الَّذِي تَعبُدُونَهُ مِن دُونِ اللهِ، مَا سَأَلَهُم حَتَّى يَقُولُوا نَعبُدُ الأَصنَامَ، فَهُوَ يَعلَمُ حَالَهُم وَمَا يَعبُدُونَ، فَإِنَّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَم يَسأَل لِيُجِيبُوهُ أَنَّهُم كُفَّارٌ يَعبُدُونَ الأَصنَامَ، إِنَّمَا سَأَلَهُم لِتَبكِيتِهِم، لَكِن هُم مِن شِدَّةِ تَكَبُّرِهِم أَجَابُوا بِأَوسَعَ مِمَّا سَأَلَ عَنهُ كَمَا قَالَ المُفَسِّرُونَ، أَي أَنَّهُ سَأَلَهُم: أَلَيسَ مَا تَعبُدُونَهُ حِجَارَةً وَخَشَبًا وَمَعَادِنَ قَد صَوَّرتُمُوهَا بِأَيدِيكُم وَنَقَشتُمُوهَا أَنتُم وَأَثَّرتُم فِيهَا؟ فَكَيفَ تَعبُدُونَهَا؟ فَلَا تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى جَوَازِ سُؤَالِ الكَافِرِ عَن دِينِهِ لِيُجِيبَ بِالكُفرِ، هَذِهِ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَيهِ السَّلَامُ يَذُمُّهُم عَلَى عِبَادَتِهِم لَهَا، فَأَن يَعبُدَ الشَّخصُ مَا يَفعَلُهُ هُوَ فَلَا يُقبَلُ كَمَا قَالَهُ المَاتُرِيدِيُّ فِي تَفسِيرِهِ، لِذَلِكَ سَأَلَهُم، أَي أَنتُم تَعبُدُونَ شَيئًا تَصنَعُونَهُ أَنتُم فَكَيفَ تَعبُدُونَهُ؟ هَذَا لَا يَستَحِقُّ العِبَادَةَ، هَذَا أَنتُم تَصنَعُونَهُ، مَا سَأَلَهُم حَتَّى يَقُولُوا: نَعبُدُ أَصنَامًا، قَالَ المَاتُرِيدِيُّ: يُسَفِّهُهُم وَيَعِيبُ عَلَيهِم لِعِبَادَتِهِم مَا يَنحِتُونَ هُم بِأَيدِيهِم وَيَترُكُونَ عِبَادَةَ مَن خَلَقَهُم وَخَلَقَ أَعمَالَهُم، لِذَلِكَ صَرَّحَ فِي ذَمِّهِم فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ: ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ ٨٥ أَئِفْكًا ءَالِهَةًۭ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦ ﴾، [سُورَةُ الصَّافَّاتِ:85-86]، فَإِنَّهُ نَصٌّ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ فِي أَنَّ سُؤَالَ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ لَم يَكُن لِيُجِيبَهُ قَومُهُ بِجَوَابِ كُفرٍ، وَإِنَّمَا كَانَ إِنكَارًا لَهُم وَإِظهَارًا لِفَسَادِ دِينِهِم وَعِبَادَتِهِم. وَلَا يُستَنكَرُ مِثلُ هَذَا الأُسلُوبِ مِنَ الكَلَامِ عِندَ أَهلِ المَعرِفَةِ، فَإِنَّ عُلَمَاءَ اللُّغَةِ جَعَلُوا لِلِاستِفهَامِ مَعَانِيَ كَثِيرَةً، مِنهَا الإِنكَارُ وَالتَّوبِيخُ وَالتَّعَجُّبُ وَالعِتَابُ وَالتَّهوِيلُ وَالتَّخوِيفُ وَالتَّهدِيدُ وَالوَعِيدُ وَالتَّنبِيهُ وَالنَّهيُ وَالتَّحقِيرُ وَالِاستِبعَادُ وَالتَّهَكُّمُ وَالِاستِهزَاءُ وَغَيرُ ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ فِي تَفسِيرِهِ: استِفهَامٌ بِمَعنَى التَّقرِيرِ، أَي أَنَّهُ كَانَ يَعلَمُ مَا يَعبُدُونَ، وَإِنَّمَا سَأَلَ لِتَقرِيرِ الحُجَّةِ لِيُقَرِّرَ الحُجَّةَ عَلَيهِم. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي البَحرِ المُحِيطِ: استِفهَامٌ بِمَعنَى التَّحقِيرِ وَالتَّقرِيرِ (أَي تَقرِيرِ الحُجَّةِ عَلَيهِم)، وَالمُرَادُ بِالتَّقرِيرِ عِندَ أَهلِ البَلَاغَةِ هُوَ الإِقرَارُ وَالتَّوكِيدُ، لَا طَلَبُ الجَوَابِ، لَا يَسأَلُهُم وَيُرِيدُهُم أَن يُجِيبُوا. وَقَالَ البَيضَاوِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: سَأَلَهُم لِيُرِيَهُم أَنَّ مَا يَعبُدُونَهُ لَا يَستَحِقُّ العِبَادَةَ. وَقَالَ الرَّازِيُّ: فَقَالَ لَهُم: مَا تَعبُدُونَ؟ وَكَانَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ يَعلَمُ أَنَّهُم عَبَدَةُ أَصنَامٍ، وَلَكِنَّهُ سَأَلَهُم لِيُرِيَهُم أَنَّ مَا يَعبُدُونَهُ لَيسَ مِنَ استِحقَاقِ العِبَادَةِ فِي شَىءٍ. وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ الوَاحِدِيُّ فِي الوَسِيطِ: هَذَا استِفهَامُ تَوبِيخٍ، كَأَنَّهُ وَبَّخَهُم عَلَى عِبَادَةِ الأَصنَامِ.
([6]) لَا يَجُوزُ عَلَى المُؤْمِنِ إِهْمَالُ تَعَلُّمِ القَدْرِ الَّذي فَرَضَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ أُمُورِ الاعْتِقَادِ لِأَنَّ الأَصْلَ الَِّذي يَنْبَني عَلَيهِ الإِيْمَانُ لَا يَكْفِي فِيهِ التَّقْلِيدُ بِدُونِ مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ عَلَيهِ لِلسَّلَامَةِ مِنَ الإثْمِ، لِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الدَّليلِ فِي العَقَائِدِ كَنَحوِ وُجُودِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَلَوْ كَانَ إِجْمَالِيًّا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الإثْمِ، لَكِنْ لا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ إِيْمَانِهِ وَإِسْلَامِهِ أَنْ يَكُونَ عَنِ اسْتِدْلالٍ إجْمَالِيٍّ أَوْ تَفْصِيلِيٍّ بَلْ يَصِحُّ إِيْمَانُهُ تَقْلِيدًا بِدُونِ مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ إِذَا كَانَ عَنْ جَزْمٍ بِلَا تَرَدُّدٍ مَعَ الْمَعْصِيَةِ لِتَرْكِهِ الِاسْتِدْلالَ الوَاجِبَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالتَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ العَقِيدَةِ مَذْمُومٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ وَغَيرِهَا مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، فَقَدْ ذَمَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الكُفَّارَ عَلَى التَّقْلِيدِ فِي أُمُورِ العَقِيدَةِ بِلَا دَلِيلٍ أَوْ بُرْهَانٍ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ طَلَبَ الدَّلِيلِ فِي أَمْرِ الِاعْتِقَادِ مَأْمُورٌ بِهِ، إِذًا الْمُؤمِنُ يَنْبَغي أَنْ يَكُونَ حَالُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، لِذَلِكَ طَلَبُ الدَّلِيلِ فِي أَمْرِ الِاعْتِقَادِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْرِفَ الأَدِلَّةَ التَّفْصِيلِيَّةَ الَّتِي يَذْكُرُها الْمُتَكَلِّمُونَ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ لَا يَخْلُوَ عَنْ مَعْرِفَةِ دَلِيْلٍ وَلَوْ إجْمالِيًّا فِي ذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ فِي قَلْبِهِ: أَنَا وُجِدْتُ بَعْدَ أَنْ لَمْ أَكُنْ وَهَكَذا كُلُّ شَىْءٍ فِي هَذَا العالَمِ وَمَا وُجِدَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ لِخَالِقٍ يُوجِدُهُ اهـ فَهَذَا وَمِثْلُهُ مِنَ الِاستِدْلَالِ الَّذِي سَمَّاهُ بَعْضُ العُلَمَاءِ بِالِاسْتِدْلالِ الطَّبِيعِيِّ لَا يَخْلُو عَنْهُ قَلْبُ مُسْلِمٍ غَالِبًا، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ إِيْمَانِ الْمُقَلِّدِ مِثَالُهُ أَنْ يَنْشَأَ إِنْسانٌ فِي صَحْرَاءَ نَائِيَةٍ أَوْ شَاهِقِ جَبَلٍ لَمْ يَبْلُغْهُ قَطُّ أَمْرُ الإِيْمَانُ بِالْخَالِقِ فَيَمُرُّ بِهِ يَوْمًا أُنَاسٌ مِنَ الأَفَاضِلِ فَيَرَى مِنْ حُسْنِ سِيرَتِهِمْ وَسَمْتِهِمْ -أَيْ حُسْنِ حَالِهِمْ- مَا يَجْعَلُهُ يُجِلُّهُمْ عَنِ الْخَطَأِ في العَقيدَةِ، فَقَالُوا لَهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللهُ مُحمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فاعْتَقَدَ جَازِمًا لِمُجَرَّدِ قَوْلِهِم مِنْ غيْرِ اسْتِدْلالٍ عَلَى وَحْدانِيَّةِ اللهِ تعالى، سَلَّمَ تَقْلِيْدًا لَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ اسْتِدْلالٌ عَقْلِيٌّ بِالْمَرَّةِ فَمِثْلُ هَذَا إِذا صَدَرَ مِنْ إِنْسَانٍ عَنْ جَزْمٍ لا تَرَدُّدَ فيهِ حُكِمَ بِصِحَّةِ إِيْمَانِهِ لِأنَّهُ جَزَمَ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَتَعَلَّمَ الدَّلِيلَ عَلَى وُجُودِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
([7]) الأَنبِيَاءُ عَلَيهِمُ السَّلامُ مَعصُومُونَ مِنَ الوُقُوعِ فِي المَعَاصِي الكَبِيرَةِ، وَكَذَلِكَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنَ التَّلَبُّسِ بِالذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ كَسَرِقَةِ حَبَّةِ عِنَبٍ. فَيَستَحِيلُ عَلَيهِمُ الكَذِبُ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقصٌ يُنَافِي مَنصِبَ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا قَولُ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ: «إِنِّي سَقِيمٌ»، قَالَ الرَّازِيُّ وَالطَّبَرِيُّ: أَيْ سَأَسْقَمُ، أَوِ المَعْنَى سَيَلحَقُنِي المَرَضُ، وَلَيسَ هَذَا كَذِبًا مِنهُ عَلَيهِ السَّلَامُ، قَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ كَابنِ فُورَكَ فِي تَفسِيرِهِ: إِنَّهُ كَانَ يَأتِيهِ حُمَّى لَمَّا كَانَ يَظهَرُ نَجمٌ مِنَ النُّجُومِ، اعتَادَ ذَلِكَ، لِذَلِكَ لَمَّا كَانَ قَومُهُ خَرَجُوا لِمَوسِمٍ مِن مَوَاسِمِ دِينِهِم تَخَلَّفَ عَنهُم، نَظَرَ نَظرَةً فِي النُّجُومِ وَقَالَ: «إِنِّي سَقِيمٌ».
([8]) اعلَم أَنَّ مَعرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ إِفرَادِهِ بِالعِبَادَةِ أَي نِهَايَةِ التَّذَلُّلِ هُوَ أَعظَمُ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَأَكبَرُ ذَنبٍ يَقتَرِفُهُ العَبدُ هُوَ الكُفرُ، وَالكُفرُ أَكبَرُ الظُّلمِ.