- ذِكرُ مُحَاوَلَتِهِم إِحرَاقَهُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَإِنجَاءُ اللهِ لَهُ
فَلَمَّا لَزِمَتهُمُ الحُجَّةُ وَعَجَزُوا عَنِ الجَوَابِ غَضِبُوا وَ﴿ قَالُوا۟ حَرِّقُوهُ ﴾ أَي حَرِّقُوا إِبرَاهِيمَ بِالنَّارِ، لِأَنَّهَا أَهوَلُ وَأَفظَعُ مَا يُعَاقَبُ بِهِ ﴿ وَٱنصُرُوٓا۟ ءَالِهَتَكُمْ ﴾ بِالِانتِقَامِ مِنهُ وَتَحرِيقِهِ ﴿ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ٦٨ ﴾ أَي إِن كُنتُم نَاصِرِينَ آلِهَتَكُم نَصرًا مُؤَزَّرًا أَيْ بَالِغًا فِي القُوَّةِ، فَاختَارُوا لَهُ أَهوَلَ المُعَاقَبَاتِ وَهُوَ الإِحرَاقُ بِالنَّارِ وَإِلَّا فَرَّطتُم فِي نُصرَتِهَا، وَذُكِرَ أَنَّ نُمرُودَ استَشَارَهُم: بِأَيِّ عَذَابٍ أُعَذِّبُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِن أَكرَادِ فَارِسَ: حَرِّقُوهُ، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ الأَرضَ فَهُوَ يَتَجَلجَلُ فِيهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَقِيلَ: الَّذِي أَشَارَ بِإِحرَاقِهِ نُمرُودُ، وَقِيلَ: إِنَّهُم حِينَ هَمُّوا بِإِحرَاقِهِ حَبَسُوهُ، ثُمَّ بَنَوا بَيتًا وَجَمَعُوا شَهرًا أَصنَافَ الخَشَبِ، ثُمَّ أَشعَلُوا فِي كُلِّ الحَطَبِ نَارًا عَظِيمَةً كَادَتِ الطَّيرُ تَحتَرِقُ فِي الجَوِّ مِن وَهَجِهَا، ثُمَّ وَضَعُوهُ فِي المَنجَنِيقِ مُقَيَّدًا، فَرَمَوا بِهِ فِيهَا وَهُوَ يَقُولُ: حَسبِيَ اللهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ.
﴿ قُلْنَا([1])يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا ﴾ ذَاتَ بَردٍ، أَي حَكَمَ اللهُ أَنْ تَكُونَ بَردًا ﴿ وَسَلَـٰمًا ﴾ وَسَلَامَةً مِنَ المَوتِ، فَبُولِغَ فِي ذَلِكَ كَأَنَّ ذَاتَهَا بَردٌ وَسَلَامٌ، وَمَا أَحرَقَتِ النَّارُ إِلَّا وَثَاقَهُ ﴿ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ٦٩ ﴾ أَيِ أَرَادَ ابرُدِي فَيَسلَمَ مِنكِ إِبرَاهِيمُ، وَالمَعنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَزَعَ عَنهَا طَبعَهَا الَّذِي طَبَعَهَا عَلَيهِ مِنَ الحَرِّ وَالإِحرَاقِ وَأَبقَاهَا عَلَى الإِضَاءَةِ وَالإِشرَاقِ كَمَا كَانَت، وَهُوَ سُبحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ.
﴿ وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا ﴾ وَهُوَ التَّحرِيقُ بِالنَّارِ ﴿ فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ ٧٠ ﴾ فِي مُرَادِهِم، فَأَرسَلَ اللهُ عَلَى نُمرُودَ وَقَومِهِ البَعُوضَ فَأَكَلَت لُحُومَهُم وَشَرِبَت دِمَاءَهُم، وَدَخَلَت بَعُوضَةٌ فِي دِمَاغِ نُمرُودَ فَأَهلَكَتهُ، وَالمَعنَى أَنَّهُم كَادُوهُ بِسُوءٍ فَانقَلَبَ السُّوءُ عَلَيهِم.
﴿ وَنَجَّيْنَـٰهُ ﴾ أَي إِبرَاهِيمَ ﴿ وَلُوطًا ﴾([2]) ابنَ أَخِيهِ هَارَانَ، أَيْ نَجَّينَا إِبرَاهِيمَ وَلُوطًا مِن نُمرُودَ وَكَيدِهِ إِلَى أَرضِ الشَّامِ وَكَانَا بِالعِرَاقِ ﴿ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ ٧١ ﴾ وَهِيَ أَرضُ الشَّامِ، وَبَرَكَتُهَا أَنَّ أَكثَرَ الأَنبِيَاءِ مِنهَا فَانتَشَرَت فِي العَالَمِينَ آثَارُهُمُ الدِّينِيَّةُ، وَهِيَ أَرضُ خِصبٍ يَطِيبُ فِيهَا عَيشُ الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ، رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَزَلَ بِفِلَسطِينَ، وَلُوطًا عَلَيهِ السَّلَامُ بِالمُؤتَفِكَةِ، وَبَينَهُمَا مَسِيرَةُ يَومٍ وَلَيلَةٍ.
- ذِكرُ إِنعَامِ اللهِ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ بِأَنْ وَهَبَ لَهُ الوَلَدَ
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةًۭ ۖ ﴾ أَي وَهَبنَا لَهُ هِبَةً، وَقِيلَ هِيَ وَلَدُ الوَلَدِ، وَقَد سَأَلَ وَلَدًا فَأُعطِيَهُ وَهُوَ إِسْحَاقُ وَأُعطِيَ يَعقُوبَ نَافِلَةً أَي زِيَادَةً وَفَضلًا مِن غَيرِ سُؤَالٍ ﴿ وَكُلًّۭا ﴾ أَي كُلًّا مِن إِبرَاهِيمَ وَإِسحَاقَ وَيَعقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ﴿ جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ ٧٢ ﴾ فِي الدِّينِ وَالنُّبُوَّةِ عَامِلِينَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَجَعْلُهُم صَالِحِينَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِخَلقِ الصَّلَاحِ وَالطَّاعَةِ لَهُم وَبِخَلقِ القُدرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ.
﴿ وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةًۭ ﴾ أَي رُؤَسَاءَ يُقتَدَى بِهِم فِي الدِّينِ وَالخَيرَاتِ وَأَعمَالِ الطَّاعَاتِ ﴿ يَهْدُونَ ﴾ النَّاسَ ﴿ بِأَمْرِنَا ﴾ أَي بِمَا أَنزَلنَا عَلَيهِم مِنَ الوَحيِ وَالأَمرِ وَالنَّهيِ إِلَى دِينِنَا ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ ﴾ أَيِ فِعلَ الطَّاعَاتِ وَالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ ﴿ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ ۖ ﴾ أَي أَن تُفعَلَ وَتُقَامَ وَتُؤتَى مِنهُم وَمِن أَتبَاعِهِم ﴿ وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِينَ ٧٣ ﴾ مُطِيعِينَ، لَا لِلأَصنَامِ، فَأَنتُم يَا مَعشَرَ العَرَبِ أَولَادُ إِبرَاهِيمَ فَاتَّبِعُوهُ فِي ذَلِكَ.
- ذِكرُ سَيِّدِنَا لُوطٍ عَلَيهِ السَّلَامُ وَتَكذِيبِ قَومِهِ لَهُ
﴿ وَلُوطًا ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا ﴾ حِكمَةً، وَهِيَ مَا يَجِبُ فِعلُهُ مِنَ العَمَلِ، أَو فَصلًا بَينَ الخُصُومِ، أَو نُبُوَّةً ﴿ وَعِلْمًۭا ﴾ فِقهًا ﴿ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ﴾ سَدُومَ، أَي مِن أَهلِ القَريَةِ([3]) ﴿ ٱلَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ ﴾ أَي كَانَ يَعمَلُ أَهلُهَا ﴿ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ ۗ ﴾ اللِّوَاطَ، وَقَطعَ الطَّرِيقِ، وَغَيرَهَا ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍۢ فَـٰسِقِينَ ٧٤ ﴾ خَارِجِينَ عَن طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿ وَأَدْخَلْنَـٰهُ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ ﴾ فِي أَهلِ رَحمَتِنَا ﴿ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٧٥ ﴾ أَي جَزَاءً لَهُ عَلَى صَلَاحِهِ كَمَا أَهلَكنَا قَومَهُ عِقَابًا عَلَى فَسَادِهِم.
- ذِكرُ سَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ وَتَكذِيبُ قَومِهِ لَهُ
﴿ وَنُوحًا ﴾ أَي وَاذكُر نُوحًا ﴿ إِذْ نَادَىٰ ﴾ أَي دَعَا عَلَى قَومِهِ بِالهَلَاكِ بِقَولِهِ: ﴿ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا ٢٦ ﴾([4]) الآيَاتِ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أَي مِن قَبْلِ إِبرَاهِيمَ وَلُوطٍ ﴿ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ ﴾ دُعَاءَهُ ﴿ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥ ﴾ أَيِ المُؤمِنِينَ مِن وَلَدِهِ وَقَومِهِ ﴿ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ٧٦ ﴾ مِنَ الطُّوفَانِ وَتَكذِيبِ أَهلِ الطُّغيَانِ.
﴿ وَنَصَرْنَـٰهُ ﴾ فَانتَقَمنَا لَهُ وَحَفِظنَاهُ ﴿ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ ۚ ﴾ عَلَى رِسَالَتِهِ، أَي حَفِظنَاهُ مِن أَذَاهُم وَمِنْ أَن يَصِلُوا إِلَيهِ بِسُوءٍ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍۢ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ ٧٧ ﴾ صَغِيرَهُم وَكَبِيرَهُم ذَكَرَهُم وَأُنثَاهُم.
- ذِكرُ سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ وَدَاوُدَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ وَقِصَّةُ الحَرثِ
﴿ وَدَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ ﴾ أَي وَاذكُرهُمَا وَاذكُر قِصَّتَهُمَا ﴿ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ ﴾([5]) فِي الزَّرعِ ﴿ إِذْ نَفَشَتْ ﴾ دَخَلَت ﴿ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ ﴾ انفَلَتَت لَيلًا فَأَكَلَتهُ وَأَفسَدَتهُ، وَالنَّفشُ انتِشَارُ الغَنَمِ لَيلًا بِلَا رَاعٍ ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ ﴾ لِحُكمِهِمَا وَالمُتَحَاكِمَينِ إِلَيهِمَا ﴿ شَـٰهِدِينَ ٧٨ ﴾ أَي كَانَ ذَلِكَ بِعِلمِنَا لَم يَغِب عَنَّا مِن أَمرِهِم شَىءٌ.
([1]) تَنبِيهٌ: لَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ نَطَقَ بِهَذَا بِالحَرفِ وَالصَّوتِ، لَا، إِنَّمَا مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ جَعَلَهَا بَردًا وَسَلَامًا بِلَا تَعَبٍ.
([2]) تَنبِيهٌ: لا يَجُوزُ أَن يُقَالَ: إِنَّ فِعلَ اللِّوَاطِ مُشتَقٌّ مِنَ اسمِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ عَلَيهِ السَّلامُ.
([3]) قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: كَانَت سَبعَ قُرًى، قَلَبَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ سِتَّةً وَأَبقَى وَاحِدَةً لِلُوطٍ وَعِيَالِهِ، وَهِيَ زُغَرُ الَّتِي فِيهَا الثَّمَرُ مِن كُورَةِ فِلَسطِينَ إِلَى حَدِّ الشَّرَاةِ، وَلَهَا قُرًى كَثِيرَةٌ إِلَى حَدِّ بَحرِ الحِجَازِ.اهـ الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرءَانِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ القُرطُبِيِّ (ج11 ص306).
([5]) وَتَفصِيلُ هَذِهِ القِصَّةِ أَنَّ زَرعًا لِقَومٍ دَخَلَت فِيهِ غَنَمٌ لِقَومٍ ءَاخَرِينَ لَيلًا فَأَكَلَتهُ وَأَفسَدَتهُ، فَجَاءَ المُتَخَاصِمُونَ إِلَى دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ -وَكَانَ عِندَهُ ابنُهُ سُلَيمَانُ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً – وَقَصُّوا عَلَيهِ القِصَّةَ، فَحَكَمَ نَبِيُّ اللهِ دَاوُدُ بِالغَنَمِ لِصَاحِبِ الزَّرعِ عِوَضًا عَن حَرثِهِ الَّذِي أَتلَفَتهُ الغَنَمُ لَيلًا، وَقَدِ استَوَتْ قِيمَتَاهُمَا أَي قِيمَةُ الغَنَمِ كَانَت عَلَى قَدرِ النُّقصَانِ فِي الحَرثِ، فَقَالَ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ: أَوَ غَيرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تُدفَعُ الغَنَمُ إِلَى أَهلِ الحَرثِ فَيَنتَفِعُونَ بِأَلبَانِهَا وَأَولَادِهَا وَأَشعَارِهَا، وَتُدفَعُ الحَرثُ إِلَى أَهلِ الغَنَمِ يَقُومُونَ بِإِصلَاحِهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَتَرَادَّانِ بَعدَ ذَلِكَ فَيَعُودُ لِأَهلِ الغَنَمِ غَنَمُهُم وَلِأَهلِ الحَرثِ حَرثُهُم، وَكَانَ مَا أَفتَى بِهِ سُلَيمَانُ أَقرَبُ لِلصَّوَابِ وَأَضمَنُ لِلحَقِّ، فَقَالَ دَاوُدُ عَلَيهِ السَّلَامُ: قَد أَصَبتَ القَضَاءَ، ثُمَّ حَكَمَ بِذَلِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ هَذَا صُلْحًا، وَمَا فَعَلَهُ دَاودُ كان حُكمًا، ﴿ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ ١٢٨ ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 128]، مَعنَاهُ: حُكمُ دَاوُدَ صَحِيحٌ وَحُكْمُ سُلَيمَانَ صَحِيحٌ وَلَكِنْ حُكْمُ سُلَيمَانَ أَولَى، مَا خَطَّأَ أَبَاهُ لَكِنَّ اللهَ أَلهَمَهُ مَا هُوَ أَحسَنُ مِنْ حُكمِ أَبِيهِ.