- ذِكرُ بَعضِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ وَدَاوُدَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ
﴿ فَفَهَّمْنَـٰهَا ﴾ أَيِ القَضِيَّةَ وَالحُكُومَةَ، أَوِ الفَتوَى ﴿ سُلَيْمَـٰنَ ۚ ﴾ أَي أَنَّ حُكمَ سُلَيمَانَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ كَانَ أَولَى وَأَرفَقَ، وَلَيسَ أَنَّ حُكمَ دَاوُدَ كَانَ خَطَأً ﴿ وَكُلًّا ﴾ مِن دَاوُدَ وَسُلَيمَانَ ﴿ ءَاتَيْنَا ﴾ أَي آتَينَاهُ ﴿ حُكْمًۭا ﴾ نُبُوَّةً ﴿ وَعِلْمًۭا ۚ ﴾ مَعرِفَةً بِمُوجَبِ الحُكمِ وَبِأُمُورِ الدِّينِ ﴿ وَسَخَّرْنَا ﴾ وَذَلَّلنَا ﴿ مَعَ دَاوُۥدَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ ﴾ يُقَدِّسنَ اللهَ مَعَهُ، إِمَّا بِلِسَانِ الحَالِ، أَو بِصَوتٍ يَتَمَثَّلُ لَهُ، أَو بِخَلقِ اللهِ تَعَالَى فِيهَا الكَلَامَ، وَالتَّقدِيرُ: وَسَخَّرنَا الجِبَالَ يُسَبِّحنَ مَعَ دَاودَ ﴿ وَٱلطَّيْرَ ۚ ﴾ وَقُدِّمَتِ الجِبَالُ عَلَى الطَّيرِ لِأَنَّ تَسخِيرَهَا وَتَسبِيحَهَا أَعجَبُ وَأَغرَبُ وَأَدخَلُ فِي الإِعجَازِ، لِأَنَّهَا جَمَادٌ، رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِالجِبَالِ مُسَبِّحًا وَهِيَ تُجَاوِبُهُ ﴿ وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ ٧٩ ﴾ بِالأَنبِيَاءِ مِثلَ ذَلِكَ وَنَقدِرُ عَلَى مَا نُرِيدُ وَإِن كَانَ عَجَبًا عِندَكُم.
﴿ وَعَلَّمْنَـٰهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍۢ لَّكُمْ ﴾ يَعنِي اتِّخَاذَ الدُّرُوعِ بِإِلَانَةِ الحَدِيدِ لَهُ، وَاللَّبُوسُ عِندَ العَرَبِ السِّلَاحُ كُلُّهُ دِرعًا كَانَ أَو سَيفًا أَو رُمحًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَوَّلُ مَن صَنَعَ الدُّرُوعَ دَاوُدُ، وَإِنَّمَا كَانَت قَبلَهُ صَفَائِحَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَن سَرَدَهَا وَحَلَّقَهَا ﴿ لِتُحْصِنَكُم ﴾ لِتُحرِزَكُم، أَي لِتَحفَظَكُمُ الصَّنعَةُ وَاللَّبُوسُ وَتَجعَلَكُم فِي حِرزٍ ﴿ مِّنۢ بَأْسِكُمْ ۖ ﴾ مِن حَربِ عَدُوِّكُم ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ ﴾ يَا أَهلَ مَكَّةَ ﴿ شَـٰكِرُونَ ٨٠ ﴾ عَلَى تَيسِيرِ نِعمَةِ الدُّرُوعِ لَكُم، وَهُوَ استِفهَامٌ بِمَعنَى الأَمرِ، أَي فَاشكُرُوا اللهَ عَلَى ذَلِكَ بِالإِيمَانِ وَتَصدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ.
﴿ وَلِسُلَيْمَـٰنَ ﴾ أَي وَسَخَّرنَا لَهُ ﴿ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةًۭ ﴾ أَي شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، وَوُصِفَت فِي مَوضِعٍ آخَرَ بِالرُّخَاءِ، لِأَنَّهَا تَجرِي بِاختِيَارِهِ، فَكَانَت فِي وَقتٍ رَخَاءً وَفِي وَقتٍ عَاصِفَةً لِهُبُوبِهَا عَلَى حُكمِ إِرَادَتِهِ ﴿ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦٓ ﴾ بِأَمرِ سُلَيمَانَ ﴿ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۚ ﴾ بِكَثرَةِ الأَنهَارِ وَالأَشجَارِ وَالثِّمَارِ، وَالمُرَادُ الشَّامُ، وَكَانَ مَنزِلُهُ بِهَا وَتَحمِلُهُ الرِّيحُ مِن نَوَاحِي الأَرضِ إِلَيهَا وَتَجرِي بِهِ وَبِأَصحَابِهِ إِلَى حَيثُ أَرَادَ ثُمَّ تَرُدُّهُ إِلَى الشَّامِ ﴿ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـٰلِمِينَ ٨١ ﴾ وَقَد أَحَاطَ عِلمُنَا بِكُلِّ شَىءٍ فَتَجرِي الأَشيَاءُ كُلُّهَا عَلَى مَا يَقتَضِيهِ عِلمُنَا، وَقَد عَلِمَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مَا يُعطِيهِ لِسُلَيمَانَ يَدعُوهُ إِلَى الخُضُوعِ لِرَبِّهِ فَفَعَلَهُ تَعَالَى عَلَى مُقتَضَى عِلمِهِ.
﴿ وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ ﴾ أَي وَسَخَّرنَا مِنهُم ﴿ مَن يَغُوصُونَ ﴾ فِي البِحَارِ﴿ لَهُۥ ﴾ بِأَمرِهِ لِاستِخرَاجِ الدُّرِّ وَالجَوَاهِرِ وَمَا يَكُونُ فِيهَا ﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًۭا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ ﴾ أَي سِوَى الغَوصِ وَهُوَ بِنَاءُ المَحَارِيبِ وَالقُصُورِ وَالقُدُورِ وَالجِفَانِ([1]) ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ ٨٢ ﴾ مِن أَن يَزِيغُوا عَن أَمرِهِ أَو يُبَدِّلُوا فِيهِ، أَو مِن أَن يُفسِدُوا مَا عَمِلُوا، لِأَنَّهُم كَانُوا إِذَا فَرَغُوا مِن عَمَلٍ قَبلَ اللَّيلِ أَفسَدُوهُ إِن لَم يَشتَغِلُوا بِغَيرِهِ.
- ذِكرُ سَيِّدِنَا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَابتِلَاءِ اللهِ لَهُ
﴿✵([2])۞ وَأَيُّوبَ ﴾ أَي وَاذكُر أَيُّوبَ ﴿ إِذْ نَادَىٰ ﴾ أَي دَعَا ﴿ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ ﴾ أَي نَالَنِي فِي بَدَنِي وَمَالِي وَأَهلِي ضُرٌّ أَي شِدَّةٌ وَجَهدٌ، قِيلَ: فَقَدَ جَمِيعَ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَضَاقَ عَيشُهُ وَمَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا([3]) ﴿ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣ ﴾ أَكثَرُهُم رَحمَةً، أَلطَفَ أَيُّوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي السُّؤَالِ حَيثُ ذَكَرَ نَفسَهُ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِنُزُولِ الرَّحمَةَ وَذَكَرَ رَبَّهُ بِغَايَةِ الرَّحمَةِ وَلَم يُصَرِّح بِالمَطلُوبِ، بَل عَرَّضَ بِسُؤَالِ الرَّحمَةِ إِذ أَثنَى عَلَيهِ بِأَنَّهُ الأَرحَمُ وَسَكَتَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنتَ أَهلٌ أَن تَرحَمَ وَأَيُّوبُ أَهلٌ أَن يُرحَمَ فَارحَمهُ وَاكشِف عَنهُ الضُّرَّ الَّذِي مَسَّهُ.
﴿ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ ﴾ أَجَبنَا دُعَاءَهُ ﴿ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّۢ ۖ ﴾ فَكَشَفنَا ضُرَّهُ إِنعَامًا عَلَيهِ ﴿ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ﴾ رُوِيَ أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ مِنْ وَلَدِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيهِمُ السَّلَامُ لَهُ سَبعَةُ بَنِينَ وَسَبعُ بَنَاتٍ وَثَلَاثَةُ آلَافِ بَعِيرٍ وَسَبعَةُ آلَافِ شَاةٍ وَخَمسُمِائَةِ فَدَّانٍ يَتبَعُهَا خَمسُمِائَةِ عَبدٍ لِكُلِّ عَبدٍ امرَأَةٌ وَوَلَدٌ وَنَخِيلٌ، وَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ يَومًا: لَوْ دَعَوْتَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: كَمْ كَانَتْ مُدَّةُ الرَّخَاءِ؟ فَقَالَتْ: ثَمَانِينَ سَنَةً، فَقَالَ: أَنَا أَسْتَحِي مِنَ اللهِ أَنْ أَدْعُوَهُ وَمَا بَلَغَتْ مُدَّةُ بَلَائِي مُدَّةَ رَخَائِي، فَلَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنهُ أَحيَا وَلَدَهُ بِأَعيَانِهِم وَرَزَقَهُ مِثلَهُم مَعَهُم وَزِيدَ فِي شَبَابِ زَوجَتِهِ وَرَزَقَهُ مَالًا كَثِيرًا ﴿ رَحْمَةًۭ ﴾ لِأَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ ﴿ مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ ٨٤ ﴾ تَذكِرَةً وَعِظَةً لِغَيرِهِ مِنَ العَابِدِينَ لِيَصبِرُوا كَصَبرِهِ فَيُثَابُوا كَثَوَابِهِ([4]).
- ذِكرُ سَيِّدِنَا إِسمَاعِيلَ وَإِدرِيسَ وَذِي الكِفلِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ
﴿ وَإِسْمَـٰعِيلَ ﴾ أَي وَاذكُر إِسمَاعِيلَ بنَ إِبرَاهِيمَ ﴿ وَإِدْرِيسَ ﴾ بنَ شِيثِ ابنِ آدَمَ ﴿ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ ﴾ المَشهُورُ أَنَّ ذَا الكِفلِ نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ، وَالكِفلُ الحَظُّ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ ذُو حَظٍّ مِنَ اللهِ، أَو لِأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِصِيَامِ جَمِيعِ نَهَارِهِ وَقِيَامِ جَمِيعِ لَيلِهِ وَأَن يَقضِيَ بَينَ النَّاسِ، فَوَفَّى بِذَلِكَ ﴿ كُلٌّۭ ﴾ مِن هَؤُلَاءِ المَذكُورِينَ ﴿ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٨٥ ﴾ أَي كُلُّهُم مَوصُوفُونَ بِالصَّبرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَبِالصَّبرِ عَنِ الِابْتِعَادِ عَنْ مَعَاصِيهِ.
﴿ وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ ﴾ نُبُوَّتِنَا، أَوِ النِّعمَةِ فِي الآخِرَةِ، أَوِ الجَنَّةِ ﴿ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٦ ﴾ أَي مِمَّن لَا يَشُوبُ صَلَاحَهُم كَدَرُ الفَسَادِ.
- ذِكرُ سَيِّدِنَا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَابتِلَاءِ اللهِ لَهُ
﴿ وَذَا ﴾ أَي وَاذكُر صَاحِبَ ﴿ ٱلنُّونِ ﴾ الحُوتِ، أَي يُونُسَ بنَ مَتَّى ﴿ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًۭا ﴾ أَي مُرَاغِمًا لِقَومِهِ أَهلِ نَينَوَى، أَي غَضبَانَ عَلَيهِم مِمَّا قَاسَى مِنهُم لِأَنَّهُم كَذَّبُوهُ وَلَم يُؤمِنُوا بِدَعوَتِهِ وَأَصَرُّوا عَلَى كُفرِهِم وَشِركِهِم وَأَبطَؤُوا عَن تَلبِيَةِ دَعوَتِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِن عِندِ اللهِ، رُوِيَ أَنَّهُ سَئِمَ مِنْ قَومِهِ لِطُولِ مَا ذَكَّرَهُم فَلَم يَتَّعِظُوا وَأَقَامُوا عَلَى كُفرِهِم فَرَاغَمَهُم أَي هَجَرَهُمْ، وَلَم يَفعَلهُ إِلَّا غَضَبًا للهِ وَبُغضًا لِلكُفرِ وَأَهلِهِ، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَسُوغُ، وَكَانَ عَلَيهِ أَن يُصَابِرَ وَيَنتَظِرَ الإِذنَ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي المُهَاجَرَةِ عَنهُم، فَابتُلِيَ بِبَطنِ الحُوتِ، وَلَا يَجُوزُ تَفسِيرُ الآيَةِ أَنَّهُ كَانَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، قَالَ الثَّعَالِبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: وَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًۭا ﴾ أَنَّهُ مُغَاضِبٌ لِقَومِهِ لِكُفْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَالضَّحَّاكِ وَغَيرِهِمَا، لَا لِرَبِّهِ إِذْ مُغَاضَبَةُ اللَّهِ تَعَالَى مُعَادَاةٌ لَهُ، وَمُعَادَاةُ اللَّهِ كُفْرٌ لَا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ، فَكَيفَ بِالأَنْبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ.اهـ ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ ﴾ نُضَيِّقَ، وَهُوَ مِنَ القَدْرِ أَيِ التَّضيِيقِ لَا مِنَ القُدْرَةِ ﴿ عَلَيْهِ ﴾([5]) بِذَلِكَ ﴿ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ ﴾ أَي فِي الظُّلمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكَاثِفَةِ فِي بَطنِ الحُوتِ أَو ظُلمَةِ اللَّيلِ وَالبَحرِ وَبَطنِ الحُوتِ ﴿ أَن ﴾ أَي بِأَنَّهُ ﴿ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ([6]) سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٨٧ ﴾ لِنَفسِي فِي خُرُوجِي مِن قَومِي قَبلَ أَن تَأذَنَ لِي([7])، قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي تَفسِيرِهِ: وَالظُّلْمُ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ كَوْنُهُ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى قَومِهِ وَخَرَجَ عَنْهُمْ.
﴿ فَٱسْتَجَبْنَا ﴾ استَجَابَ اللهُ تَعَالَى ﴿ لَهُۥ ﴾ دُعَاءَهُ ﴿ وَنَجَّيْنَـٰهُ ﴾ وَنَجَّاهُ اللهُ تَعَالَى ﴿ مِنَ ٱلْغَمِّ ۚ ﴾ الكَربِ وَالضِّيقِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ وَالذَّاكِرِينَ للهِ فِي بَطنِ الحُوتِ، وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى الحُوتَ أَن يُلقِيَهُ فِي البَرِّ، وَقَد مَكَثَ نَبِيُّ اللهِ يُونُسُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَطنِ الحُوتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: سَبعَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ ﴿ وَكَذَٰلِكَ ﴾ كَمَا نَجَّينَاهُ ﴿ نُـۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ ٨٨ ﴾ مِنَ الغُمُومِ وَالكُرُوبِ إِذَا دَعَوُا اللهَ تَعَالَى فِيهَا بِإِخلَاصٍ.
([1]) قَالَ فِي مُختَارِ الصَّحَاحِ: «الجَفنَةُ كَالقَصعَةِ، وَجَمعُهَا (جِفَانٌ) وَ(جَفَنَاتٌ) بِالتَّحرِيكِ»، مُختَارُ الصَّحَاحِ، لِزَينِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ص59)، وهي مِثلُ مَا يُقَالُ لَهُ فِي أَيَّامِنَا الصُّحُونُ.
([2]) ثَلَاثَةُ أَربَاعِ الحِزبِ (33).
([3]) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الوَجهِ حَسَنَ الصَّوتِ وَكَانَ نَبِيُّكُم أَحسَنَهُم وَجهًا وَأَحسَنَهُم صَوتًا»، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. فَالأَنبِيَاءُ كُلُّهُم كَانُوا ذَوِي حُسنٍ وَجَمَالٍ، فَلا يَجُوزُ عَلَيهِمُ المَرَضُ الَّذِي يُنَفِّرُ النَّاسَ مِنهُم، اللَّهُ تَعَالَى لا يُسَلِّطُ عَلَيهِم هَذِهِ الأَمرَاضَ، أَمَّا المَرَضُ المُؤلِمُ الشَّدِيدُ حَتَّى وَلَو كَانَ يَحصُلُ مِنهُ الإِغمَاءُ أَيِ الغَشيُ يَجُوزُ عَلَيهِم، وَأَمَّا الأَمرَاضُ المُنَفِّرَةُ فَلا تَجُوزُ عَلَى الأَنبِيَاءِ، هَذَا أَيُّوبُ عَلَيهِ السَّلامُ الَّذِي ابتَلاهُ اللَّهُ بَلاءً شَدِيدًا استَمَرَّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا وَفَقَدَ مَالَهُ وَأَهلَهُ ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ وَأَغنَاهُ وَرَزَقَهُ الكَثِيرَ مِنَ الأَولادِ، بَعضُ النَّاسِ الجُهَّالِ يَفتَرُونَ عَلَيهِ وَيَقُولُونَ إِنَّ الدُّودَ أَكَلَ جِسمَهُ فَكَانَ الدُّودُ يَتَسَاقَطُ ثُمَّ يَأخُذُ الدُّودَةَ وَيُعِيدُهَا إِلَى مَكَانِهَا مِن جِسمِهِ وَيَقُولُ: «يَا مَخلُوقَةَ رَبِّي كُلِي مِن رِزقِكِ الَّذِي رَزَقَكِ»، وَبَعضُهُم يَزِيدُ وَيَقُولُ: أَنتَنَ جِسمُهُ بِسَبَبِ المَرَضِ فَرَفَضَهُ النَّاسُ وَوَضَعُوهُ فِي المَزبَلَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ. بَل يَستَحِيلُ عَلَى الأَنبِيَاءِ كُلُّ مَرَضٍ مُنَفِّرٍ يُنَفِّرُ النَّاسَ عَن قَبُولِ الدَّعوَةِ مِنهُم.
([4]) مَا ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي أَمرِ أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ هَهُنَا وَفِي غَيرِهِ مِنَ القُرآنِ مِنَ العِبَرِ وَالدَّلَائِلِ مَا لَيسَ فِي غَيرِهِ غَالِبًا، لِأَنَّهُ تَعَالَى مَعَ عَظِيمِ فَضلِهِ أَنزَلَ بِهِ مِنَ المَرَضِ العَظِيمِ مَا أَنزَلَهُ مِمَّا كَانَ عِبرَةً لَهُ وَلِغَيرِهِ وَلِسَائِرِ مَن سَمِعَ بِذَلِكَ، وَتَعرِيفًا لَهُم أَنَّ الدُّنيَا مَزرَعَةُ الآخِرَةِ، وَأَنَّ الوَاجِبَ عَلَى المَرءِ أَن يَصبِرَ عَلَى مَا يَنَالُهُ مِنَ البَلَاءِ فِيهَا، وَيَجتَهِدَ فِي القِيَامِ بِحَقِّ اللَّه تَعَالَى، وَيَصبِرَ عَلَى حَالَتَيِ الضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ.
([5]) هَذَا لَيسَ شَكًّا بِقُدرَةِ اللهِ تَعَالَى مِن سَيِّدِنَا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَهُوَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ يَجِلُّ مَنصِبُهُ عَنِ الشَّكِّ فِي قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَعِندَ البَغَوِيِّ وَالقُرطُبِيِّ وَاللَّفظُ لَهُ: قَالَ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ وَكَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ مَعنَاهُ: فَظَنَّ أَن لَن نُضَيِّقَ عَلَيهِ، وَقَالَ الحَسَنُ: هُوَ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ ٢٦ ﴾، [سُورَةُ الرَّعدِ:26]، أَي يُضَيِّقُ، وَقَولِهِ: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ ٧ ﴾، [سُورَةُ الطَّلَاقِ:7]، وَقَدَرَ وَقُدِرَ وَقَتَرَ وَقُتِرَ بِمَعنًى، أَي ضُيِّقَ، وَهُوَ قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ فِيمَا ذَكَرَهُ المَاوَردِيُّ.اهـ
([6]) وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَنبِيَاءَ كُلَّهُمْ جَاؤُوا بِالتَّوحِيدِ وَدَعَوا إِلَيهِ.
([7]) فِي الحَدِيثِ عَن إِبرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَعدٍ عَن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دَعوَةُ ذِي النُّونِ إِذ دَعَا وَهُوَ فِي بَطنِ الحُوتِ: ﴿ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٨٧ ﴾، لَا يَدعُو بِهَا رَجُلٌ مُسلِمٌ فِي شَىءٍ قَطُّ إِلَّا استَجَابَ اللهُ لَهُ».اهـ المُستَدرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ (ج1 ص685).