بِسمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ (1) إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ (2) نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ (3) إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ (4) قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ (5) وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (6) ۞لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ (7) إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ (8) ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ (9)}.
الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على النبيّ الكريم سيدنا محمّد الرسول الأمين وعلى آله وأصحابه أفضل صلاة وأتم تسليم.
هذه السورة الكريمة سورة يوسف الصديق عليه السلام يقال لها السورة المفرِّجة؛ لأنها سبب لتفريج الكرب عن المسلم تلاوتها وكذلك سماعها فلكل مكروب ومهموم ومحزون اقرأ سورة يوسف واستمع لها.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الٓر تِلكَ ءَايَاتُ ٱلكِتَابِ ٱلمُبِينِ﴿١﴾﴾
﴿آلر﴾ هذه يقال لها الأحرف النورانية( ألف لام ميم قاف، نون كاف هاء ياء عين صاد) هذه يقال لها الأحرف النورانية وهذه جعل الله تعالى فيها أسرارًا عظيمة ولمن قرأها ولمن كتبها ولمن حملها أيضًا وما معنى هذه الأحرف النورانية:
بعض أهل التفسير قال: كل حرف منها يدل على اسم من أسماء الله عز وجل
وقال بعضهم: في أوائل السور هذه أسماء للسور
وقال بعضهم: الله تعالى أعلم بمعانيها تلك.
(تلك) إشارة إلى آيات هذه السورة
(تلك آيات الكتاب المبين)، هذه الآيات آيات سورة يوسف عليه السلام، تلك آيات الكتاب المبين والكتاب المبين السورة، أي سورة يوسف.
إذًا سمّي الكتاب المبين هنا بسورة يوسف، تلك آيات الكتاب المبين
﴿ٱلكِتَابِ ٱلمُبِينِ﴾ السورة، المعنى أي: تلك الآيات التي أُنزلت إليك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السورة آيات السورة
﴿ٱلمُبِينِ﴾ الظاهر أمرها في إعجاز العرب آيات الكتاب المُبين
وقيل: التي تُظهِر وتُبَيِّنُ لمن تدبَّرَها أنَّها من عند الله لا من عند البشر تلك آيات الكتاب المُبين أو هي الواضحة التي ليس فيها اشتباه لا تشتبه على العرب في معانيها لماذا؟ لنزولها بلسانهم تلك آيات الكتاب المبين أو قد أُبيّنُ فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف عليه السلام، فقد روي أن علماء اليهود قالوا للمشركين سَلوا محمدًا لمَ انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ واسألوه عن قصة يوسف
فنزلت هذه على نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم مبينةً ومفصلةً لقصة يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿إِنَّآ أَنزَلنَاهُ قُرءانًا عَرَبِيّا لَّعَلَّكُم تَعقِلُونَ﴿٢﴾﴾
﴿إِنَّآ أَنزَلنَاهُ قُرءانًا عَرَبِيّا﴾ أي أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف عليه السلام في حال كونه قرآنًا عربيًا
وسمي بعض القرآن قرآنًا؛ لأنه اسم جنسٍ يقع على كله وبعضه
فتقول عن هذه الآية قرآن وتقول عن هذه السورة قرآن وتقول عن مجموع السور قرآن
﴿إِنَّآ أَنزَلنَاهُ قُرءانًا عَرَبِيّا﴾ نزل بلسان عربي مبين ولذلك ينبغي علينا أن نعتني بلغة القرآن الكريم فإنّ أعداء الدّين لما أرادوا هدم عقيدتنا لجأوا إلى جعل ألسنة الناس مُعوجّة عن فهم كتاب الله عزّ وجل وأبعدوهم عن اللغة العربية فَسهُل عليهم أن يُدخلوا الدسائس وأن يُحرِّفوا معاني القرآن الكريم ﴿إِنَّآ أَنزَلنَاهُ قُرءانًا عَرَبِيّا﴾ هَذَا الْكِتَابُ تنبيه
﴿(لَّعَلَّكُم تَعقِلُونَ﴾ لكي تفهموا معاني هذا الكتاب (ولو جعلناه قرآنًا أعجميًّا لقالوا لولا فُصِّلَتْ آياته
فائدة:
نزل القرآن الكريم على سيدنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلّم بلسان عربيّ مبين وهو: أي القرآن الذي نزل على سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام يعبّر عن كلام الله الأزلي الأبديّ الذي ليس حرفا وليس صوتا، كلام الله عز وجل ليس حرفا ،كلام الله ليس صوتًا ،كلام الله ليس لغةً عربيةً ولا عبرانيةً ولا سُريانية
اللفظ المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال عنه كلام الله لماذا؟ لأنه يدل على كلام الله يعبرعن كلام الله الأزلي الأبدي الذي ليس بحرف ولا بصوت ولا بلغة ،ولماذا يقال كذلك عن القرآن كلام الله؟ لأنه ليس من تصنيف ملك ولا بشر وكذلك الكتب السماوية التي نزلت على أنبياء الله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين نزلت كلها من اللوح المحفوظ كلها عبارات عن كلام الله الأزلي الأبدي الذي لا يشبه كلامنا كلام الله ليس ككلامنا، كلامنا له ابتداء له انتهاء واختتام كلامنا فيه سابق ومسبوق كلامنا فيه سكوت ثم تتابع في الكلام كلامنا فيه تغير كلامنا بلسان وأدوات بحروف وأصوات، كلام الله ليس ككلامنا نحن نتكلم بالحروف والأصوات والآلات من المخارج ،والله متكلم بلا آلة ولا حرف
يتبين إذًا أنّ القرآن له إطلاقان كما نُقِل ذلك عن الإمام أبي حنيفة النُّعمان رضي الله عنه: القرآن له إطلاقان
١: يُطلق القرآن على اللفظ المُنزَّل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام
أليس الله تعالى قال في سورة الإسراء ﴿وَإِذَا قَرَأتَ ٱلقُرءَانَ﴾ اللفظ المُنزَّل على سيدنا محمّد عليه الصلاة والسلام وكما في قولك قرأت ربع القرآن ختمت في رمضان الماضي ختمة من القرآن إذًا يطلق القرآن ويراد به اللفظ المنزل على سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم ويطلق كذلك القرآن على كلام الله الذاتي الأزلي الأبدي الذي ليس هو بحرف ولا صوت ولا لغة عربية ولا عبرانية ولا سُريانية ولا غيرها
وهو بهذا المعنى إذا أطلق القرآن:
٢: وأريد به كلام الله الأزلي إذا أطلق بهذا المعنى بمعنى القول القائم بذات الله سبحانه وتعالى أي الثابت لله عز وجل وهو الذي يريده علماء أهل السنة بقولهم القرآن كلام الله غير مخلوق
قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في رسالته الفقه الأكبر: (ويتكلم أي الله لا ككلامنا نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف والله متكلمٌ بلا آلةٍ ولا حرف).
صفات الله عز وجل أزليةٌ أبدية كلها أزلية أبدية ليست حادثة ليست مخلوقة وليست متغيرة وكلام الله عز وجل كسائر صفاته ليس مخلوقا ليس حادثا ليس متغيرًا، صفات الله عز وجل ليست كصفات خلقه
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر)
بمعنى: يعني بالصفة من وصف ربنا سبحانه وتعالى بصفة من صفات الخلق لا يكون مسلما لأنه يكون جاهلا غير عارف بالله
وماذا يقول الإمام الغزالي رحمه الله: (لا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود)
من كان جاهلا بالله هذا لا يكون مؤمنًا بالله لا يقبل الله تعالى منه أي عمل لا تُقبل له صلاة ولا صيام ولا تراويح ولا زكاة ولا حج ولا صدقة لماذا؟ لأنه ليس عارفا بالله ما عبد الله فكيف تُقبل عبادته؟ فصفات الله سبحانه وتعالى ليست كصفات خلقه
﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ ٱلقَصَصِ بِمَآ أَوحَينَآ إِلَيكَ هَٰذَا ٱلقُرءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبلِهِۦ لَمِنَ ٱلغَٰفِلِينَ﴿٣﴾﴾
نقصُّ عليك: يا محمّد صلّى الله عليه وسلم
أحسن القصص: نبيّن لك أحسن البيان
بما أوحينا إليك هذا القرآن :أي بإيحائنا إليك هذه السورة
فقد اقتصّ كتاب الله عز وجل وما جاء في هذه السورة الكريمة سورة يوسف على أبدع طريقة وأعجب أسلوب فإنك لا ترى اقتصاصه في كتب الأولين مقاربًا لاقتصاصه في القرآن الكريم وإنما كان أحسن لما يتضمن من العبر والحكم والعجائب التي ليست في غيره والظاهر أنه أحسن ما يُقتص في بابه
﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبلِهِۦ لَمِنَ ٱلغَٰفِلِينَ﴾ أي ما كنت قبل إيحائنا إليك عالمًا به
ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم تفاصيل قصة يوسف عليه السلام قبل إيحاء الله عز وجل له بذلك.
﴿إِذ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ رَأَيتُهُم لِي سَاجِدِينَ ﴿٤﴾﴾
فائدة:
لابد أن نشير هنا إلى سيدنا يعقوب عليه السلام حقيقة في هذه السورة الكريمة تقف كثيرًا على الكرب الشديد الذي أصاب نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام والذي أصاب أيضًا نبيّ الله يوسف عليه الصلاة والسلام سيدنا يعقوب عليه السلام ولد في فلسطين وهنا إشارة أكثر الوحي الذي نزل على الأنبياء كان في أرض الشام وعندما نقول كان في أرض الشام، حد أرض الشام من العريش إلى بالس، عريش مصر بالس وراء الرقة، فدخل في ذلك فلسطين الأردن سوريا ولبنان
أكثر الأنبياء كانوا في أرض الشام لذلك في الإسراء والمعراج ﴿سُبحَانَ ٱلَّذِيٓ أَسرَىٰ بِعَبدِه لَيلا مِّنَ ٱلمَسجِدِ ٱلحَرَامِ إِلَى ٱلمَسجِدِ ٱلأَقصَا ٱلَّذِي بَارَكنَا حَولَهُ﴾
أرض مباركة حتى في أنهارها في زيتونها في ثمارها ونحن في هذه الأرض مرابطون في إحياء دين الله وفي الدفاع عن عقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطون في نشر علم أهل السنة والجماعة، أكثر الوحي كان في الشام وأم بر الشام فلسطين وأكثر الوحي في بر الشام بر الشام أكثر الوحي كان فيها وأكثر ما كان في بر الشام في أرض الشام في أرض فلسطين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردها لنا أن تتحرّر من اليهود الغاصبين نسأل الله أن يرد لنا كل شبر وكل حبّة تراب من أرض فلسطين، سيدنا يعقوب عليه السلام ولد في فلسطين وشبّ سيدنا يعقوب عليه السلام في كنف أبيه إسحاق أم سيدنا يعقوب اسمها رفقة، أمَرَته أمّه لسيدنا يعقوب أن يسافر من فلسطين إلى خاله لابان أو في أرض حرّان ليقيم عنده، لماذا؟
كان ليعقوب أخٌ يقال له العيص توعده وهدّده فأمه (رفقة) خشيت عليه فقالت له: سافر إلى خالك لاباَن في أرض حرّان فسافر انظروا كيف من هنا أيضًا كان بلاء سيّدِنا يعقوب عليه السلام أحيانًا قد يكون بلاؤك في أقرب الناس إليك قد يكون أخ لك من أبيك وأمك ويكون عدوًا لك أحيانًا قد يكون ولد لك عدوًا لك قد تكون زوجة لك تكون عدوة لك لذلك ينبغي أن يكون الميزان تقوى الله، سافر سيدنا يعقوب عليه السلام إلى خاله، وجد عنده ابنتين الكبرى اسمها ليّة والصغرى اسمها راحيل وكانت الأجمل
ويروي أهل التاريخ أن سيدنا يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين وكان ذلك جائزًا في شريعتهم ثم نسخ هذا الحكم في شريعة التوراة، ويقال أيضًا وَهَبَ خَالُهُ لَابَان لِكُلِّ وَاحِدَة مِنَ ابْنَتَيْهِ جَارِيَةَ فَوَهَبَ زُلْفَة لِابْنَتِهِ لَيَّةَ، وَوَهَبَ بُلْهَ لِابْنَتِهِ رَاحِيلَ، ثُمَّ وَهَبَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا جَارِيَتَهَا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامَ فصار عنده أربع نسوة ،اثنتان منهما زوجتان واثنتان ملك يمين لا تسميان زوجتين بل تسميان سُريتين هؤلاء الأربعة ولدن له أولاده الاثني عشر، أحد عشر كوكبا غير سيدنا يوسف، والشمس والقمر هما أبواه كان من ذريّة الاثني عشر الأسباط، من ذريّتهم كان الأسباط
أما لَيّة ولدت له ستة أولاد وهم: روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولاوى وريالون ويهوذى ويَشجُر
قيل جاء من نسل (لاوى) موسى عليه الصلاة والسلام وأما راحيل فقد ولدت له ولدين وهما: نبيّ الله يوسف عليه السلام وشقيقه بنيامين ،أما بلهة جارية راحيل ولدت له ولدين وهما: دان ونفتالي
أما زلفة جارية ليّة ولدت له أيضًا ولدين وهما: جاد وآشور.
هؤلاء أبناء سيدنا يعقوب عليه السلام كان منهم سيدنا يوسف نبيًا أما بنيامين قال العلماء: يحتمل أنه كان نبيًّا، أما البقيّة الذين فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة بسيدنا يوسف عليه السلام لم يكن منهم نبي إنما كانت النبوة في أبناء إخوة يوسف وهؤلاء يقال لهم الأسباط دعا نبي الله يعقوب عليه السلام إلى دين الإسلام وإلى عبادة الله وحده وترك عبادة غير الله وقد ابتلي نبي الله يعقوب عليه السلام بالبلايا الكثيرة
أما نتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على حسب دينه”
ما هو بلاؤنا بالنسبة إلى بلاء الأنبياء ممّا تشكو يا أخي فقر أو فقد ولد هل فقدتَ ولدك قريب الأربعين سنة في بعض الروايات ثمانين سنة مثل ما صار مع سيدنا يعقوب عليه السلام هل أصبت بمثل هذا البلاء؟ الله تعالى ابتلى الأنبياء رفعةً لهم في الدرجة إذا أحبّ الله قومًا ابتلاهم لكن ماذا علينا أن نكون على الرّضا لذلك قصة سيدنا يوسف عليه السلام فيها عبر كثيرة جدًا كيف ينبغي أن نكون؟ على التسليم لله عز وجل والرضا بقضاء الله وأن كل ما يجري بتقدير الله عز وجل، فصبر جميل والله المستعان صبر نبي الله يعقوب عليه السلام ونال الدرجات العالية ومن شدة البلاء الذي ابتلي به يعقوب عليه السلام فقد بصره حزنًا على ولده يوسف بعد أن مكر بيوسف إخوته العشرة وهم من سوى بنيامين فقد بصره سيدنا يعقوب عليه السلام من شدة الحزن ثم ردّ الله تعالى له بصره بعد أن جاء البشير بقميص يوسف ووضعه على وجهه فعاد بصيرًا بعد طول غياب وشدة حزن وألم على فقد ابنه وحبيبه يوسف عليهما السلام أين كان اجتماع سيدنا يوسف عليه السلام بأبيه يعقوب بعد هذا الفراق الطويل؟ في مصر، مكث يوسف بعيدًا عن أبيه اسمعوا أيها الآباء وأيها الأبناء يوسف عليه السلام مكث بعيدًاعن أبيه يعقوب ما يقارب الأربعين سنة أربعين سنة كل هذا الوقت ويوسف عليه السلام بعيد عن سيدنا يعقوب سيدنا يعقوب في حزنه على ولده من ناحية ويوسف عليه السلام كما سيأتي إلقاء في البئر ،محاولة قتل له، ثم بيعه على صورة عبد ،ثم زليخة امرأة العزيز وما حصل له ثم الحبس
﴿إِذ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ رَأَيتُهُم لِي سَاجِدِينَ﴿٤﴾﴾
إني رأيت من الرؤيا في المنام
رأى يوسف عليه السلام في المنام وهو صغير لم يحتلم ويقال كان عمره اثنتي عشرة سنة، سيدنا يوسف في ذلك الوقت ماذا رأى سيدنا يوسف؟
﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ﴾، الكواكب في التأويل إخوانه وهذه الكواكب لها أسماء، أسماء إخوانه عرفناها، الكواكب لها أسماء، أسماء هذه الكواكب، أليس قال أحد عشر كوكبا( جَرْيان الذيّال الطارق قابِس عَمودَان الفَليق المُصبح والصروح والفرغ ووثّاب وذو الكتفين).
﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبا﴾ هذه أسماء الكواكب لكن تعبيرها ما هو؟ إخوانه والشمس والقمر إذن هنا لم يُعبَّر عن الشمس والقمر بالكواكب إذا الشمس يُقال لها شمس النجوم يُقال لها كواكب القمر يُقال له قمر لذلك قال ﴿وَٱلشَّمسَ وَٱلقَمَرَ﴾ أبواه، ﴿رَأَيتُهُم لِي سَاجِدِينَ﴾ متواضعين
كما قدمنا بين رؤيا يوسف عليه السلام ومصير إخوته إليه أربعون سنة، ماذا حصل عندما قصَّ سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام وهو في هذه السن الرؤيا على أبيه أشفق عليه أبوه أشفق يعقوب عليه السلام على يوسف من حسد إخوانه له ومن حسد الإخوة أشفق عليه
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقصُص رُءيَاكَ عَلَىٰٓ إِخوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيدًا إِنَّ ٱلشَّيطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّ مُّبِين﴿٥﴾﴾
علم يعقوب عليه السلام أنه سيكون لابنه يوسف شأنٌ عظيم وسينال رتبةً عالية ورفعةً سامية في الدنيا والآخرة لذلك أمره بكتمان ما رأى في المنام فليس كل ما تراه تقصّه على الناس ليس كل ما رأيت شيئًا قصصته على الناس أمرهُ بكتمان ما رأى في المنام وألّا يقصها على إخوته خوفًا عليه من كيدهم وحسدهم إذا سيدنا يعقوب عليه السلام عرف في إخوان يوسف الحسد والمكر والكيد لأخيهم يوسف
﴿إِنَّ ٱلشَّيطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّ مُّبِين﴾ ظاهر العداوة فيحملهم على الحسد الكيد
ومن كان لنا عدوًّا مُبينًا أليس علينا أن نخالفه؟ الشيطان عندما يزين لنا أن نعصي الله سبحانه وتعالى أليس علينا أن نخالفه؟ لأنه عدوٌ لنا إذا جاءك عدو وقال لك امشِ من هذه الطريق ولا تمشِ من هذا الطريق هذا الطريق يُوصِلك إلى السعادة ولكن هذا عدو هل تُسلِّم لعدوك وتمضِي؟ فكيف إذا كان وصفه بأنه للإنسان عدوٌّ مُبين؟
لذلك عليك أن تُخالف الشيطان كلما هممت أن تأتي إلى مجلس العلم وإذ بالشيطان يُقعدك لا تذهب إلى مجلس العلم، تستمع إلى المجلس الشيطان يقول لك: الدرس طال يكفي، يكفي هذا القدر ويكفي هذا القدر، وإلى أين ستطير بعد هذا المجلس؟ إلى أين ستذهب؟ الشيطان يزين لك الراحة والطعام والشراب ولكن لو أننا نعلم ماذا يكون لنا من الخير في طاعة الله عز وجل وخصوصًا في مجالس العلم لتمنينا أن يطول بنا مجلس العلم وأن لا نفارقه، الملائكة معنا في مجلس العلم الشياطين تهرب من ذلك الرحمات الخاصة تتنزل نتفقه في الدين نتعلم تفسير القرآن الكريم هذا الذي يكون عونًا لك على أمر دينك.
﴿وَكَذَٰلِكَ يَجتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيكَ مِن قَبلُ إِبرَاهِيمَ وَإِسحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم﴿٦﴾﴾
وكذلك مثل ذلك الاجتباء مثل ذلك الاصطفاء الذي دلّت عليه رؤياك إذًا سيدنا يعقوب عليه السلام فهم من رؤيا سيدنا يوسف أنه يوجد عِزّ ورفعة ليوسف عليه السلام في الدنيا والآخرة
﴿يَجتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ من الاجتباء من الاصطفاء يصطفيك
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾ أي تأويل الرؤيا وتأويلها عبارتها وتفسيرها ولذلك كان سيدنا يوسف عليه السلام كما سيأتي في هذه السورة الكريمة عندما فسّر للساقي وللخباز في الحبس رؤيا كلٍّ منهما كان يوسف أعبر الناس للرؤيا
﴿وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعقُوبَ﴾ اصطفى الله تعالى يوسف بالنبّوة وأعطاه الله المُلك وجعل الله من ذريّة أبناء يعقوب من ذريّة أبنائهم من ذرية إخوة يوسف أنبياء من ذرية الإخوة أما الإخوة من سوى بنيامين فعلوا أفاعيل خسيسة لم يُنبؤوا إنّما أبناؤهم ﴿يُخرِجُ ٱلحَيَّ مِنَ ٱلمَيِّتِ وَيُخرِجُ ٱلمَيِّتَ مِنَ ٱلحَيِّ﴾ لكن قلنا احتمال أن يكون بنيامين عليه السلام نبيًّا، أما إخوته وهم من سوى بنيامين الذين فعلوا بيوسف تلك الأفاعيل الخسيسة فلا تصح النبّوة لهم، إذن من هم الأسباط؟ الأسباط الذين أنزل عليهم الوحي هم من نبّئ من ذريتهم من ذرية من؟ من ذرية إخوة يوسف
﴿وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيكَ مِن قَبلُ﴾ أرادَ الجدَّ وأبَ الجدَّ إبراهيم وإسحاق
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ يعلم سبحانه وتعالى من يصطفي
﴿حَكِيم﴾ يضع سبحانه وتعالى الأشياء في مواضعها.
﴿لَّقَد كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخوَتِهِ ءَايَات لِّلسَّآئِلِينَ﴿٧﴾﴾
كان في قصتهم وحديثهم آيات علامات ودلالات على قدرة الله وحكمته في كل شيء
﴿ءَايَات لِّلسَّآئِلِينَ﴾ للسائلين لمن سأل عن قصتهم وعرفها أو آيات للسائلين آيات على نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود
سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم كانوا يعلمون أنه نبيّ أميّ سألوه عن قصة يوسف قصّ عليهم النبيّ عليه الصلاة والسلام قصّة يوسف مفصلة كما لم تقصّ من قبل فمن أين هذا؟ يدل هذا على أن هذا من عند الله عز وجل وهذه آيات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم من غير سماع من أحد ولا قراءة من كتاب.
﴿إِذ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحنُ عُصبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَال مُّبِينٍ﴿٨﴾﴾
كان بقية أبناء يعقوب عليه السلام يحسدون يوسف وشقيقه بنيامين على أي شيء؟ على محبة أبيهم يعقوب لهم وعلى ما لهم عند يعقوب عليه الصلاة والسلام من الخصوصية وهم يعتبرون أنفسهم جماعةً أقوياء كُفاة قالوا: نحن أنفع إلى أبينا ونحن أحق بمحبة أبينا ﴿وَنَحنُ عُصبَةٌ﴾ نحن عشرة رجال كُفاة نقوم بمرافقه قالوا: فنحن أحق بزيادة المحبة من يوسف وبنيامين لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما وإذا قيل: العصبة العصبة عشرة فصاعدا ثم ماذا كان من إخوة يوسف والعياذ بالله؟ وصفوا أباهم نبيّ الله يعقوب عليه الصلاة والسلام بأنه والعياذ بالله في ضلال مبين قالوا :
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَال مُّبِينٍ﴾ أبناؤه يقولون عنه وهو نبيّ رسول وفي ذلك الوقت لم يكن أحد أكرمَ على الله ولا أفضل على وجه هذه الأرض من سيدنا يعقوب عليه السلام ومع ذلك جاء هذا البلاء الشديد أبناؤه يقولون له إنك لفي ضلال مبين ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَال مُّبِينٍ﴾ والعياذ بالله وهذا الوصف عندما يصفون نبيا بهذا الوصف هذا فيه تحقير والعياذ بالله لسيدنا يعقوب ولا سيما مع زيادة مبين لم يقولوا إنك في ضلال فقط قالوا في ضلال مبين هذا فيه تحقير والعياذ بالله وشتم لنبيّ الله يعقوب عليه السلام ومعلوم أن شتم الأنبياء وتحقيرهم كفرٌ والعياذ بالله لكنهم بعد ذلك تابوا ورجعوا إلى الإسلام ماذا كان من قولهم؟
﴿ٱقتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطرَحُوهُ أَرضا يَخلُ لَكُم وَجهُ أَبِيكُم وَتَكُونُواْ مِن بَعدِهِۦ قَوما صَالِحِين﴿٩﴾﴾
أعوذ بالله من شرّهم يسبّون يعقوب عليه السلام ويكيدون ليوسف عليه السلام ثم يختلفون ماذا نفعل بيوسف قال اقتلوه
﴿ٱقتُلُواْ يُوسُفَ﴾ كأنهم أطبقوا على هذا كأنهم أطبقوا على ذلك إلا من قال، في واحد منهم قال: لا تقتلوا يوسف ويقال: الآمر بالقتل من إخوانه كان شمعون والباقون كانوا راضين فجُعلوا آمِرين لذلك قال اقتلوه، هو واحد صاحب الاقتراح هذا شمعون والبقية رضوا بذلك قلنا بنيامين لم يكن في هذا ولذلك كان كره إخوة يوسف ليوسف عليه السلام قد ازداد وحسدهم ليوسف عليه السلام كان كبيرًا وازداد متى لمّا علموا بأمر رؤياه ولذلك تآمروا فيما بينهم على أن يفرقوا بينه وبين أبيه وتشاوروا فيما بينهم على قتل يوسف ﴿ٱقتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطرَحُوهُ أَرضا﴾ أرضا بعيدة منكورة مجهولة بعيدة عن العُمران لا يرجع منها يعني كما يقولون أرض خرابة في أرض بعيدة مجهولة لا يعرفها أحد بعضهم قال: اقتلوه وبعضهم قال: اطرحوه أرضًا في تلك الأرض
﴿يَخلُ لَكُم وَجهُ أَبِيكُم﴾ ليخلو لهم وجه أبيهم أي لِتتمحّض محبته لهم عن شغله بيوسف حتى تصير محبته بزعمهم خالصة لهم ﴿يَخلُ لَكُم وَجهُ أَبِيكُم﴾ يُقبِل عليكم إقبالةً واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم في تلك المحبة فلذلك ذُكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم؛ لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه فماذا قالوا؟
﴿ٱقتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطرَحُوهُ أَرضا يَخلُ لَكُم وَجهُ أَبِيكُم وَتَكُونُواْ مِن بَعدِهِۦ قَوما صَالِحِين﴾ يعني تكونوا من بعد يوسف أي من بعد كفايته بالقتل أو التغريب أو من بعد قتله أو طرحه قومًا صالحين تائبين إلى الله مما جنيتم عليه أو صالحين يصلح حالكم عند أبيكم انظروا عباد الله كيف عندما يزين الشيطان للإنسان طريق الفساد قد يصل إلى قتل أخيه إلى قتل أمه وأبيه إلى أقرب الناس إليه بل هؤلاء والعياذ بالله وصلوا إلى سبّ نبيٍّ كريم قد يصل بعض الناس بسبب تزيين الشيطان والعياذ بالله إلى الكفرِ بالله تبارك وتعالى لذلك كانت هذه الآيات التي ذكرنا من سورة يوسف عليه السلام فيها عبرةٌ كبيرة مع شدّة الكرب الذي نزل على سيدنا يوسُف عليه السلام وعلى سيدنا يَعقوب عليه السلام وهذا التفريق الذي حصل بينهما، نحو أربعين سنة في كرب وشدة وبلاء ولكن ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلعُسرِ يُسرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ ٱلعُسرِ يُسرا﴾.