(فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) (81)
(فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا)
أَي أَن يَرزُقَهُمَا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعنَى( فَأَرَدْنَا) فَأَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِثلُهُ فِي القُرآنِ كَثِيرٌ([1]).اهـ
( رَبُّهُمَا)
بَدَلَ هَذَا الوَلَدِ وَلَدًا آخَرَ.
(خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً)
طَهَارَةً وَنَقَاءً مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ الأَوَّلَ كَانَ كَافِرًا لَا صَلَاحَ عِندَهُ.
(وَأَقْرَبَ رُحْمًا )
رَحمَةً وَعَطفًا وَزَكَاةً، رُوِيَ أَنَّهُ وُلِدَت لَهُمَا جَارِيَةٌ تَزَوَّجَهَا نَبِيٌّ فَوَلَدَت نَبِيًّا أَو سَبعِينَ نَبِيًّا([2])، أَو أَبدَلَهُمَا ابنًا مُؤمِنًا مِثلَهُمَا.
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) (82)
ثُمَّ بَيَّنَ الخَضِرُ لِمُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ القَضِيَّةَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ:
(وَأَمَّا الْجِدَارُ)
أَيِ الَّذِي كَانَ مَائِلًا فَأَقَمتُهُ بِلَا أُجرَةٍ.
(فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ)
أَيِ القَريَةِ المَذكُورَةِ سَابِقًا، وَاليَتِيمُ مَن مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ دُونَ البُلُوغِ([3])، وَاسمُ الغُلَامَينِ أَصرَمُ وَصُرَيمُ.
(وَكَانَ تَحْتَهُ)
أَي تَحتَ الجِدَارِ.
( كَنزٌ لَّهُمَا)
أَي لَوحٌ مِن ذَهَبٍ مَكتُوبٌ فِيهِ: (عَجِبتُ لِمَن يُؤمِنُ بِالقَدَرِ كَيفَ يَحزَنُ، وَعَجِبتُ لِمَن يُؤمِنُ بِالرِّزقِ كَيفَ يَتعَبُ، وَعَجِبتُ لِمَن يُؤمِنُ بِالمَوتِ كَيفَ يَفرَحُ، وَعَجِبتُ لِمَن يُؤمِنُ بِالحِسَابِ كَيفَ يَغفُلُ، وَعَجِبتُ لِمَن يَعرِفُ الدُّنيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهلِهَا كَيفَ يَطمَئِنُّ إِلَيهَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ([4]))، وَهَذَا قَولُ ابنُ عَبَّاسٍ، أَوِ الكَنزُ مَالٌ مَدفُونٌ مِن ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَهَذَا قَولُ عِكرِمَةَ وَقَتَادَةَ، أَوِ الكَنزُ صُحُفٌ فِيهَا عِلمٌ، وَالأَوَّلُ أَظهَرُ.
(وَكَانَ أَبُوهُمَا)
أَي وَالِدُ اليَتيمَينِ، وَقِيلَ جَدُّهُمَا السَّابِعُ.
)صَالِحًا( مِنَ الأَتقِيَاءِ وَاسمُهُ كَاشِحُ، وَعَنِ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ لِبَعضِ الخَوَارِجِ فِي كَلَامٍ جَرَى بَينَهُمَا: بِمَ حَفِظَ اللهُ الغُلَامَينِ؟ قَالَ: بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا، قَالَ: فَأَبِي وَجَدِّي خَيرٌ مِنهُ([5]).اهـ وَرَوَى أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ([6]) عَن مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَيُصلِحُ بِصَلَاحِ العَبدِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ، اللَّهُمَّ أَصلِح ذُرِّيَّتَنَا
(فَأَرَادَ رَبُّكَ)
أَي شَاءَ رَبُّكَ بِمَشِيئَتِهِ([7]).
(أَن يَبْلُغَا)
أَي أَن يُدرِكَ الغُلَامَانِ.
(أَشُدَّهُمَا)
أَي أَن يَعقِلَا بِبُلُوغِهِمَا.
(وَيَسْتَخْرِجَا)
إِذَا بَلَغَا وَعَقِلَا رَاشِدَينِ.
(كَنزَهُمَا)
مِن تَحتِ الجِدَارِ.
(رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ )
بِهِمَا، أَي نِعمَةً مِنهُ عَلَيهِمَا، فَلِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ الخَضِرَ بِإِقَامَةِ الجِدَارِ المَائِلِ، لِأَنَّهُ لَو سَقَطَ أُخِذَ مِنهُمَا الكَنزُ وَلَكِنَّ اللهَ حَفِظَ الكَنزَ لِليَتِيمَينِ بِمَشِيئَتِهِ وَتَقدِيرِهِ، وَقَد بَيَّنَ الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ لِمُوسَى أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي القَضَايَا الثَّلَاثَةِ كَانَ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ إِلَيهِ.
(وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)
أَي عَن رَأيِي وَاجتِهَادِي، بَل فَعَلتُهُ بِأَمرٍ مِنَ اللهِ وَوَحيٍ مِنهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ نَبِيٌّ.
(ذَٰلِكَ)
أَيِ الأَجوِبَةُ عَنِ القَضَايَا الثَّلَاثَةِ.
(تَأْوِيلُ)
تَفسِيرُ.
(مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا )
فَتَنتَظِرَ حَتَّى أُبَيِّنَهُ لَكَ مِن غَيرِ أَن تُفَاتِحَنِي السُّؤَالَ([8]).
قِصَّةُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ذِي القَرنَينِ
(وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا)(83)
لَمَّا سَأَلَ المُشرِكُونَ فِي مَكَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن ذِي القَرنَينِ بِإِشَارَةٍ مِنَ اليَهُودِ عَلَى جِهَةِ الِامتِحَانِ نَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ)
وَاختَلَفُوا فِي اسمِ ذِي القَرنَينِ([9]) عَلَى أَربَعَةِ أَقوَالٍ، أَحَدُهَا: عَبدُ اللهِ، وَالثَّانِي: الإِسكَندَرُ، وَلَكِن لَيسَ الإِسكَندَرَ المَقدُونِيَّ بَل هَذَا غَيرُهُ، وَالثَّالِثُ: عَيَّاشُ، وَالرَّابِعُ: الصَّعبُ بنُ ذِي مَرائِدَ، وَقِيلَ: بَلِ الصَّعبُ بنُ الحَارِثِ مِن حِميَرَ اليَمَنِ، وَاختَارَ الأَخِيرَةَ جَمَاعَةٌ مِن أَهلِ الحَدِيثِ وَالتَّفسِيرِ وَالتَّارِيخِ كَالطَّبَرِيِّ وَابنِ الجَوزِيِّ وَالقُرطُبِيِّ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الحَافِظُ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ.
(قُلْ)
أَي لَهُم يَا مُحَمَّدُ فِي الجَوَابِ.
(سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ)
أَي سَأَذكُرُ لَكُم مِن حَالِهِ.
(ذِكْرًا )
أَي خَبَرًا.
(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) (84)
(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ)
أَي سَهَّلنَا عَلَيهِ السَّيرَ فِيهَا، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “إِنَّهُ أَطَاعَ اللهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحَابَ فَحَمَلَهُ عَلَيهِ وَمَدَّ لَهُ فِي الأَسبَابِ وَبَسَطَ لَهُ النُّورَ فَكَانَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ عَلَيهِ سَوَاءً([10])“.اهـ
(وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ)
يَحتَاجُ إِلَيهِ مِن مُهِمَّاتِ مُلكِهِ وَمَقَاصِدِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِسُلطَانِهِ.
(سَبَبًا )
أَي عِلمًا أَو قُدرَةً أَو آلَةً يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَقصُودِهِ، وَقَد خَرَجَ ذُو القَرنَينِ مَرَّةً فِي الأَرضِ يُرِيدُ بُلُوغَ المَغرِبِ.
(فَأَتْبَعَ سَبَبًا) (85)
أَي سَلَكَ طَرِيقًا نَحوَ مَقصِدِهِ، وَالسَّبَبُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى المَقصُودِ مِن عِلمٍ أَو قُدرَةٍ، فَأَرَادَ بُلُوغَ المَغرِبِ فَأَتبَعَ سَبَبًا يُوصِلُهُ إِلَيهِ حَتَّى بَلَغَ، وَكَذَلِكَ أَرَادَ المَشرِقَ فَأَتبَعَ سَبَبًا، وَأَرَادَ بُلُوغَ السَّدَّينِ فَأَتبَعَ سَبَبًا.
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) (86)
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)
أَي مُنتَهَى العِمَارَةِ نَحوَ المَغرِبِ وَكَذَا المَطلِعِ، وَمِمَّا يُروَى فِي بَدءِ أَمرِهِ أَنَّهُ وَجَدَ فِي الكُتُبِ أَنَّ أَحَدَ أَولَادِ سَامٍ يَشرَبُ مِن عَينِ الحَيَاةِ فَيَخلُدُ، فَجَعَلَ يَسِيرُ فِي طَلَبِهَا، وَالخَضِرُ وَزِيرُهُ وَابنُ خَالَتِهِ فَظَفِرَ الخَضِرُ فَشَرِبَ مِنهَا وَلَم يَظفَر ذُو القَرنَينِ.
(وَجَدَهَا)
أَيِ الشَّمسَ.
(تَغْرُبُ)
أَي فِيمَا تَرَى عَينُ النَّاظِر.ِ
(فِي عَيْنٍ)
مِنَ المَاءِ.
(حَمِئَةٍ)
بِمَعنَى حَارَّةٍ أَو ذَاتِ طِينٍ أَسوَدَ، لَا أَنَّ الشَّمسَ دَخَلَت فِي المَاءِ حَقِيقَةً، بَل حَقِيقَتُهَا أَنَّهَا تَغرُبُ فِي الجِهَةِ خَلفَ تِلكَ العَينِ مِنَ المَاءِ، وَهَذَا يُشبِهُ مَا نُشَاهِدُهُ مِنهَا عِندَ غُرُوبِهَا فِي أَرضٍ مَلسَاءَ كَأَنَّهَا تَدخُلُ فِيهَا، وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ بَينَهَا وَبَينَ غُرُوبِهَا عَينُ مَاءٍ حَامِيَةٌ لِأَنَّهُ يُوجَدُ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ بَحرٌ([11]) فَلَا يُستَبعَدُ أَن يَكُونَ بَينَ مَكَانِهِ وَغُرُوبِهَا عَينٌ ثَابِتَةٌ.
(وَوَجَدَ)
ذُو القَرنَينِ.
(عِندَهَا)
أَي عِندَ تِلكَ العَينِ.
(قَوْمًا)
كَافِرِينَ.
(قُلْنَا)
أَي أَوحَى اللهُ إِلَى نَبِيٍّ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ أَن يُخبِرَ ذَا القَرنَينِ بِالتَّخيِيرِ فِي القَومِ بِأَن يَقُولَ لَهُ.
(يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ)
أُولَئِكَ الكَافِرِينَ بِأَن تَقتُلَ مَن لَم يَدخُل فِي الإِسلَامِ مِنهُم.
(وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا )
إِن لَم يُؤمِنُوا بِأَن تَجتَهِدَ فِي استِمَالَتِهِم إِلَى الإِيمَانِ وَالهُدَى، وَكَانَ مَعَ ذِي القَرنَينِ جُندٌ كَثِيرٌ وَعَسَاكِرُ.
(قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا) (87)
(قَالَ)
ذُو القَرنَينِ.
(أَمَّا مَن ظَلَمَ)
وَأَكبَرُ الظُّلمِ وَأَشَّدُّهُ الكُفرُ بِاللهِ تَعَالَى.
(فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ)
بِالقَتلِ إِن لَم يَرجِع عَنِ الكُفرِ وَيَدخُل فِي الإِسلَامِ.
(ثُمَّ يُرَدُّ)
هَذَا الكَافِرُ المَقتُولُ يَومَ القِيَامَةِ.
(إِلَىٰ رَبِّهِ)
أَي إِلَى جَزَاءِ رَبِّهِ وَالعَذَابِ الَّذِي وُعِدَ بِهِ هُنَاكَ.
(فَيُعَذِّبُهُ)
اللهُ فِي الآخِرَةِ.
(عَذَابًا نُّكْرًا )
أَي فَظِيعًا بَلِيغًا أَلِيمًا أَنكَرَ أَي أَشَدَّ بِكَثِيرٍ مِنَ العَذَابِ بِالقَتلِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ فِي الدُّنيَا فَيَكُونُ مُعَذَّبًا فِي الدَّارَينِ، وَهَذَا فِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَن يَقُولُونَ بِحُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ، وَيَقُولُونَ بِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ الحَقَّ فِي أَن يَختَارَ الدِّينَ الَّذِي يُرِيدُ وَلَو كَانَ الكُفرَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، بَل هَذَا تَهدِيدٌ شَدِيدٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالعَذَابِ فِي الدَّارَينِ لِمَنِ اختَارَ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا.
(وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) (88)
(وَأَمَّا مَنْ آمَنَ)
بِاللهِ.
(وَعَمِلَ صَالِحًا)
عَلَى حَسَبِ مَا يَقتَضِيهِ الإِيمَانُ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ شَرطٌ لِقَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ([12])
(فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ)
فَلَهُ جَزَاءُ الفِعلَةِ الحُسنَى الَّتِي هِيَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ.
(وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا )
أَي ذَا يُسرٍ، أَي لَا نَأمُرُهُ بِالصَّعبِ الشَّاقِّ وَلَكِن بِالسَّهلِ المُتَيَسِّرِ مِنَ الزَّكَاةِ وَالخَرَاجِ وَغَيرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا) (89)
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا) (90)
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ)
هُمُ الزِّنجُ.
(لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا)
مِن دُونِ الشَّمسِ.
(سِتْرًا )
أَي أَبنِيَةً، وَرُوِيَ عَن كَعبٍ أَنَّ أَرضَهُم لَا تُمسِكُ الأَبنِيَةَ وَبِهَا أَسرَابٌ([13]) فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمسُ دَخَلُوهَا فَإِذَا ارتَفَعَ النَّهَارُ خَرَجُوا إِلَى مَعَايِشِهِم.اهـ وَقِيل: السِّترُ: اللِّبَاسُ.
([1]) مَعَانِي القُرآنِ وَإِعرَابُهُ، لِأَبِي إِسحَقَ الزَّجَّاجِ (ج3 ص305).
([2]) حِليَةُ الأَولِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصفِيَاءِ، لِأَبِي نُعَيمٍ الأَصبَهَانِيِّ (ج10 ص103).
([3]) فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (لَا يُتمَ بَعدَ احتِلَامٍ).اهـ سُنَنُ أَبِي دَاودَ، لِأَبِي دَاودَ السِّجِستَانِيِّ (ج3 ص74).
([4]) ذَكَرَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عِدَّةَ تَفَاسِيرَ لِمَعنَى الكَنزِ هُنَا.اهـ جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج18 ص88ـ90).
([5]) التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج21 ص492).
([6]) حِليَةُ الأَولِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصفِيَاءِ، لِأَبِي نُعَيمٍ الأَصبَهَانِيِّ (ج3 ص285).
([7]) وَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ: شَاءَتِ الأَقدَارُ بَل يُقَالُ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَمَشِيئَةُ اللهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَمَعنَى المَشِيئَةِ تَخصِيصُ المُمكِنِ بِبَعضِ مَا يَجُوزُ عَلَيهِ عَقلًا دُونَ بَعضٍ، وَكُلُّ شَيءٍ يَحصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعالَى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [سُورَةُ التَّكوِيرِ:29]، وَمَشِيئَةُ اللهِ تَعَالَى لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن)، سُنَنُ أَبِي دَاودَ، لِأَبِي دَاودَ السِّجِستَانِيِّ (ج4 ص479).
([8]) وَقَد زَلَّ أَقدَامُ أَقوَامٍ فِي الضَّلَالِ فَقَالُوا بِتَفضِيلِ الوَلِيِّ عَلَى النَّبِيِّ، وَمِنَ المُحَالِ أَن يَكُونَ الوَلِيُّ وَلِيًّا إِلَّا بِإِيمَانِهِ بِالنَّبِيِّ، وَالأَنبِيَاءُ هُم أَفضَلُ خَلقِ اللهِ تَعَالَى وَالنَّبِيُّ أَفضَلُ مِنَ الوَلِيِّ، بَل إِنَّ نَبِيًّا وَاحِدًا أَفضَلُ عِندَ اللهِ مِن جَمِيعِ الأَولِيَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا غَضَاضَةَ [أَي لَا انتِقَاصَ] فِي طَلَبِ مُوسَى العِلمَ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي العِلمِ مَطلُوبَةٌ.
([9]) رَوَى الشَّيخُ أَبُو سُلَيمَانَ الخَطَّابِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِن حِميَرَ أَنشَدَ عِندَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَبيَاتًا قَالَهَا تُبَّعٌ مَلِكُ حِميَرَ فِي مَدحِ ذِي القَرنَينِ وَهِيَ: (بحر الكامل)
| قَد كَانَ ذُو القَرنَينِ جَدِّي مُسلِمًا | ¯¯ | مَلِكًا عَلَا فِي الأَرضِ غَيرَ مُفَنَّدِ |
[أَي غَيرَ مُكَذَّبِ].
| بَلَغَ المَشَارِقَ وَالمَغَارِبَ يَبتَغِي | ¯¯ | أَسبَابَ عِلمٍ مِن كَرِيمٍ مُرشِدِ |
| فَرَأَى مَآبَ الشَّمسِ عِندَ غُرُوبِهَا | ¯¯ | فِي عَينِ ذِي خُلُبٍ وَثَأطٍ حَرمَدِ |
[الخُلُبُ: الطِّينُ الصُّلبُ، الثَّأطُ: هُوَ الطِّينُ الأَسوَدُ. الحَرمَدُ: هُوَ الطِّينُ الأَسوَدُ كَذَلِكَ].
فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا لِمَن عِندَهُ: يَا غُلَامُ اكتُب، وَفِي عِلَّةِ تَسمِيَتِهِ بِذِي القَرنَينِ عَشَرَةُ أَقوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَعَا قَومَهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَرَ زَمَانٌ ثُمَّ بَعَثَهُ اللهُ فَدَعَاهُم إِلَى اللهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرنِهِ الآخَرِ فَهَلَكَ، فَذَانِكَ قَرنَاهُ، قَالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرنَينِ لِأَنَّهُ سَارَ إِلَى مَغرِبِ الشَّمسِ وَإِلَى مَطلِعِهَا، قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ، وَالثَّالِثُ: لِأَنَّ صَفحَتَي رَأسِهِ كَانَتَا مِن نُحَاسٍ، وَالرَّابِعُ: لِأَنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ كَأَنَّهُ امتَدَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ وَأَخَذَ بِقَرنَيِ الشَّمسِ فَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى قَومِهِ فَسُمِّيَ بِذِي القَرنَينِ، وَالخَامِسُ: لِأَنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ وَالفُرسَ، وَالسَّادِسُ: لِأَنَّهُ كَانَ فِي رَأسِهِ شِبهُ القَرنَينِ، وَالسَّابِعُ: لِأَنَّهُ كَانَت لَهُ غَدِيرَتَانِ مِن شَعَرٍ، قَالَهُ الحَسَنُ، قَالَ ابنُ الأَنبَارِيِّ: وَالعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَينِ مِنَ الشَّعَرِ غَدِيرَتَينِ وَجَمِيرَتَينِ وَقَرنَينِ، وَالثَّامِنُ: لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيمَ الطَّرَفَينِ مِن أَهلِ بَيتٍ ذَوِي شَرَفٍ، وَالتَّاسِعُ: لِأَنَّهُ انقَرَضَ فِي زَمَانِهِ قَرنَانِ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ، وَالعَاشِرُ: لِأَنَّهُ سَخَّرَ اللهُ لَهُ النُّورَ وَالظُّلمَةَ فَإِذَا سَرَى يَهدِيهِ النُّورُ مِن أَمَامِهِ وَتُحَوِّطُهُ الظُّلَمُ مِن وَرَائِهِ، وَذُو القَرنَينِ عَبدٌ تَقِيٌّ وَلِيٌّ صَالِحٌ مِنَ البَشَرِ، لَم يَكُن نَبِيًّا وَلَا مَلَكًا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيهِ الأَكثَرُونَ، وَقَد رَوَى عَبدُ الرَّزَّاقِ وَالطَّبَرِيُّ وَغَيرُهُمَا عَن أَبِي الطُّفَيلِ الأَحمَسِيِّ عَن سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: كَانَ عَبدًا صَالِحًا أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ اللهُ.اهـ وَقَد مَلَكَ الدُّنيَا اثنَانِ مُؤمِنَانِ ذُو القَرنَينِ وَسُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَكَافِرَانِ نُمرُودُ وَبُختَنَصَّرُ وَكَانَ بَعدَ نُمرُودَ، رَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ وَالحَاكِمُ عَن مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: “لَم يَملِكِ الأَرضَ كُلَّهَا إِلَّا أَربَعَةٌ، مُسلِمَانِ وَكَافِرَانِ، فَأَمَّا المُسلِمَانِ فَسُلَيمَانُ بنُ دَاوُدَ وَذُو القَرنَينِ، وَأَمَّا الكَافِرَانِ فَبُختَنَصَّرَ وَالَّذِي حَاجَّ إِبرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ”.اهـ وَقَد مَلَّكَهُ اللهُ تَعَالَى الأَرضَ وَأَعطَاهُ العِلمَ وَالحِكمَةَ، وَيُروَى أَنَّ سَيِّدَنَا الخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ وَزِيرَهُ وَعَلَى مُقَدَّمِ جَيشِهِ، وَقَد حَجَّ ذُو القَرنَينِ مَاشِيًا مِنَ اليَمَنِ إِلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ وَالتَقَى بِسَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ وَطَافَ مَعَهُمَا حَولَ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ للهِ تَعَالَى، وَلَمَّا سَمِعَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِقُدُومِهِ استَقبَلَهُ وَدَعَا لَهُ وَأَوصَاهُ بِوَصَايَا، وَجِيءَ لَهُ بِفَرَسٍ لِيَركَبَهَا فَقَالَ تَأَدُّبًا: لَا أَركَبُ فِي بَلَدٍ فِيهِ الخَلِيلُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَسَخَّرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ السَّحَابَ وَبَشَّرَهُ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ بِذَلِكَ، فَكَانَت تَحمِلُهُ إِذَا أَرَادَ، وَكَانَ مِن أَمرِهِ أَنَّ اللهَ مَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَنَصَرَهُ حَتَّى قَهَرَ البِلَادَ وَفَتَحَ المَدَائِنَ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى المَشرِقَ وَالمَغرِبَ، فَمَنِ اتَّبَعَ دِينَ الإِسلَامِ سَلِمَ وَإِلَّا فَقَد أَخزَاهُ، وَعَاشَ ذُو القَرنَينِ مِئَاتِ السِّنِينَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، وَقَد تَزَوَّدَ لِآخِرَتِهِ بِزَادِ التَّقوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَقِيلَ فِيهِ: (بحر الكامل)
| وَالصَّعبُ ذُو القَرنَينِ أَمسـَى مُلكُهُ | ¯¯ | أَلفَينِ عَامًا ثُمَّ صَارَ رَمِيمًا |
الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِشَمسِ الدِّينِ القُرطُبِيِّ (ج11 ص45ـ53)، مَعَالِمُ التَّنزِيلِ، لِأَبِي مُحَمَّدٍ البَغَوِيِّ (ج5 ص197ـ198)، البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، لِابنِ كَثِيرٍ (ج2 ص535ـ560)، مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص316ـ321).
([10]) زَادُ المَسِيرِ فِي عِلمِ التَّفسِيرِ، لِأَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوزِيِّ (ج3 ص106).
([11]) الكَامِلُ فِي التَّارِيخِ، لِعِزِّ الدِّينِ ابنِ الأَثِيرِ (ج1 ص22).
([12]) قَالَ اللهُ تَعَالَى: (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) [سُورَةُ إِبرَاهِيمَ:18]. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ: «وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُطعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنيَا حَتَّى إِذَا أَفضَى إِلَى الآخِرَةِ لَم يَكُن لَهُ حَسَنَةٌ يُعطَى بِهَا خَيرًا»، فَمَن لَم يَكُن مُؤمِنًا بِأَن كَفَرَ بِاللهِ فَقَد خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَذَلِكَ هُوَ الخُسرَانُ المُبِينُ.
([13]) قَالَ الفَيُّومِيُّ: السَّرَبُ بِفَتحَتَينِ بَيتٌ فِي الأَرضِ لَا مَنفَذَ لَهُ وَهُوَ الوَكرُ، وَانسَرَبَ الوَحشُ فِي سَرَبِهِ وَالجَمعُ أَسرَابٌ مِثلُ: سَبَبٍ وَأَسبَابٍ فَإِن كَانَ لَهُ مَنفَذٌ إلَى مَوضِعٍ آخَرَ فَهُوَ النَّفَقُ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِلفَيُّومِيِّ (ج1 ص272).