﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12) أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)﴾
﴿ٱشْتَرَوْا بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِۦ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(٩)﴾
﴿ٱشْتَرَوْا﴾
اِسْتَبْدَلُوا.
﴿بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾
بِالْقُرْآنِ، أَيْ: أَعْرَضُوا عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَرَكُوهَا، وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا غَيْرَهَا.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾
عَرَضًا يَسِيرًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾
أَيْ: عَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَصَرَفُوا غَيْرَهُمْ عَنْهُ؛ فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، بَلْ تَعَدَّوْا ذٰلِكَ إِلَى صَدِّ غَيْرِهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
أَيْ: بِئْسَ الصَّنِيعُ صَنِيعُهُمْ، وَبِئْسَ الْعَمَلُ عَمَلُ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، ثُمَّ زَادَ عَلَى ذٰلِكَ ـ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ ـ بِصَدِّ غَيْرِهِ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ(١٠)﴾
﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ وَهُنَا قَالَ ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ﴾، وَلَيْسَ فِي ذٰلِكَ تَكْرَارٌ، وَلِمَاذَا؟ لِأَنَّ الأُولَى مَخْصُوصَةٌ بِالْمُخَاطَبِينَ إِذْ قَالَ ﴿فِيكُمْ﴾، أَمَّا الثَّانِيَةُ فَعَامَّةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾.
﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ﴾
أَيْ: الَّذِينَ جَاوَزُوا الْحَدَّ فِي الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَبَلَغُوا غَايَةً فِي الشَّرَارَةِ وَالْبَغْيِ.
﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(١١)﴾
﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾
تَابُوا بِأَنْ دَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ، فَالتَّوْبَةُ هُنَا هِيَ الإِقْلَاعُ عَنِ الشِّرْكِ وَالإِقْرَارُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾
كَانُوا قَبْلَ ذٰلِكَ أَعْدَاءً وَرُؤُوسًا فِي الشِّرْكِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا صَارُوا إِخْوَةً لَكُمْ فِي دِينِ اللهِ، وَهٰذِهِ أُخُوَّةٌ دِينِيَّةٌ لَا نَسَبِيَّةٌ. وَمَنْ هُمُ الإِخْوَةُ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فَصَارُوا إِخْوَانًا لَكُمْ لِاتِّحَادِكُمْ فِي الْإِيمَانِ. وَلِهٰذَا تَجِدُ الْمُسْلِمَ يَقُولُ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ: «يَا أَخِي»، يَنْصَحُهُ وَيَدْعُو لَهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي جَمَعَهُمَا رَابِطَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ رَابِطَةُ الدِّينِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»، أَيْ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُكُمْ إِلَّا بِالتَّحَابِّ فِي اللهِ.
﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾
أَيْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ رَابِطَةً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يَنْقُضُهَا اخْتِلَافُ الأَنْسَابِ وَلَا تَبَاعُدُ الأَوْطَانِ.
﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
أَيْ: نُبَيِّنُ أَحْكَامَهَا وَنُوَضِّحُ مَعَانِيَهَا لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، فَيَتَدَبَّرُونَ فِي مَا فِيهَا مِنَ الْبَيَانِ وَالْحِكْمَةِ. وَفِي ذٰلِكَ تَحْرِيضٌ عَلَى التَّأَمُّلِ فِي مَا جَاءَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُعَاهَدِينَ، وَعَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا. وَمِنْ عَظِيمِ شَأْنِ هٰذِهِ السُّورَةِ أَنَّهَا جَاءَتْ مُتَمِّمَةً لِمَا فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ مِنْ حُكْمِ الْقِتَالِ وَالْجِهَادِ، وَمِنْ مَعَالِمِ فَضْلِهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فَاضِحَةً لِلْمُنَافِقِينَ، وَلِهٰذَا لَمْ تُفْتَتَحْ بِـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙإِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ(١٢)﴾
﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾
أَيْ: نَقَضُوا مَا عَاهَدُوكُمْ عَلَيْهِ، مَعَ تَأْكِيدِهِمْ ذٰلِكَ بِالأَيْمَانِ.
﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾
أَيْ: عَابُوهُ وَانْتَقَصُوهُ.
﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾
أَيْ: رُؤَسَاءَ الْكُفْرِ وَزُعَمَاءَهُمْ، مِمَّنْ بَغَوْا وَعَادَوْا، وَسَعَوْا فِي إِخْرَاجِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذَا طَعَنَ الذِّمِّيُّ فِي دِينِ الإِسْلَامِ طَعْنًا ظَاهِرًا جَازَ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ بِنَقْضِهِ ذٰلِكَ قَدْ أَسْقَطَ عَهْدَهُ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَلَّى ذٰلِكَ إِلَّا الْخَلِيفَةُ أَوْ نَائِبُهُ؛ دَرْءًَا لِلْفِتْنَةِ وَسَدًّا لِبَابِ الِافْتِرَاءِ.
﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾
أَيْ: لَا عُهُودَ صَادِقَةَ لَهُمْ. وَذِكْرُ الأَيْمَانِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم﴾ إِنَّمَا هُوَ لِأَيْمَانٍ أَظْهَرُوهَا دُونَ أَنْ يُضْمِرُوا صِدْقًا فِيهَا.
﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾
تَعْلِيقٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، وَالْجُمْلَةُ بَيْنَهُمَا اِعْتِرَاضٌ، أَيْ لِيَكُنْ مَقْصِدُكُمْ مِنْ قِتَالِهِمْ أَنْ يَرْتَدِعُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَيُقْلِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ. وَفِي هٰذَا غَايَةُ الرَّحْمَةِ وَالسَّعْيِ فِي إِصْلَاحِ الْمُسِيءِ؛ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إِزَالَتَهُمْ، بَلْ رَدْعُهُمْ وَهُدَايَتُهُمْ.
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(١٣)﴾
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾
أَيْ: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَقَضُوا مَا عَاهَدُوكُمْ عَلَيْهِ، وَنَكَثُوا الأَيْمَانَ الَّتِي حَلَفُوهَا فِي الْمُعَاهَدَةِ، فَلَا بَقَاءَ لِذِمَّةٍ بَعْدَ نَقْضِهِمْ.
﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾
أَيْ: عَزَمُوا وَسَعَوْا فِي إِخْرَاجِهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، وَقَدْ فَعَلُوا ذٰلِكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَمَرُّوا عَلَى العَدَاوَةِ وَالْكَيْدِ.
﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
أَيْ: هُمْ الَّذِينَ بَدَءُوا بِالْعُدْوَانِ وَالْقِتَالِ، وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ، فَمَا الَّذِي يَمْنَعُكُمْ مِنْ مُقَاتَلَتِهِم؟! فَالْآيَةُ فِيهَا تَوْبِيخٌ عَلَى التَّقَاعُسِ، وَحَثٌّ عَلَى النُّهُوضِ بِالْقِتَالِ، وَقَدْ وَصَفَهُمْ اللهُ بِمَا يُوجِبُ الْقِتَالَ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ وَإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَالْبَدْءِ بِالْحَرْبِ دُونَ مُسَوِّغٍ.
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾
تَوْبِيخٌ عَلَى مَخَافَتِهِمْ، فَالْمُؤْمِنُ لَا يَجْعَلُ خَوْفَهُ إِلَّا مِنْ رَبِّهِ.
﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾
أَيْ: هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَشْيَةِ، فَمَنْ خَافَ اللهَ لَمْ يُبَالِ بِأَعْدَائِهِ، فَاخْشَوْهُ وَقُومُوا بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَمِنْ ذٰلِكَ قِتَالُ مَنْ يَعْتَدِي عَلَيْكُمْ.
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
أَيْ: إِنْ كَانَ إِيمَانُكُمْ صَادِقًا وَكَامِلًا، فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ خَوْفُ غَيْرِ اللهِ، وَلَا تَرْكُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْكُمْ. وَاعْرِضُوا أَعْمَالَكُمْ عَلَى مِيزَانِ الشَّرْعِ، فَإِذَا دَلَّ عَلَى شَيْءٍ فَلَا تُلْفِتُوا بَعْدَ ذٰلِكَ إِلَى أَقْوَالِ النَّاسِ.
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ(١٤)﴾
﴿قَاتِلُوهُمْ﴾
أَمَرَهُمُ اللهُ بِالْقِتَالِ، وَقَرَنَ هٰذَا الأَمْرَ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ لِيُثَبِّتَ قُلُوبَهُمْ وَيُخْلِصَ نِيَّاتِهِمْ.
﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾
أَيْ: يُنَزِّلُ عَلَيْهِمُ العَذَابَ بِقَتْلِكُمْ لَهُمْ، فَمَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيكُمْ هُوَ عَذَابٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿وَيُخْزِهِمْ﴾
أَيْ: يُذِلَّهُمْ وَيُهِينُهُمْ بِالأَسْرِ وَالْهَزِيمَةِ.
﴿وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾
أَيْ: يُؤَيِّدُكُمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ، فَالْمُؤْمِنُونَ مَأْمُورُونَ بِالأَخْذِ بِالأَسْبَابِ، وَمَوْعُودُونَ بِالتَّمْكِينِ.
﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾
أَيْ: يُبَرِّدُ غَيْظَهُمْ، وَيُزِيلُ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْحُزْنِ وَالْكَمَدِ، وَهُمْ خُزَاعَةُ، وَهُمْ «عَيْبَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ»، أَيْ: مَوْضِعُ سِرِّهِ وَأَهْلُ وَلَائِهِ.
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(١٥)﴾
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾
أي: يُزيلُ ما وقرَ في صدورهم من شدَّةِ الحقدِ والكراهية لِما أصابهم من الأذى والمكروهِ على أيدي المؤمنين، وقد أنجزَ اللهُ تباركَ وتعالى هذه الوعودَ كلَّها، فكان ذلك آيةً بيِّنةً على صِدقِ نبوَّة سيِّدنا محمَّدٍ ﷺ؛ إذْ أمكنَ المؤمنين من عدوِّهم، فعذَّبوهم، وأوقعوا فيهم، وأخزاهم الله، فأُسِروا وذَلُّوا، ونصرَ اللهُ عبادَه المؤمنين.
﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ﴾
هذا ابتداءُ كلامٍ جديدٍ، فيه إخبارٌ بأنَّ من أهلِ مكَّةَ من يشرحُ اللهُ صدرَه للهداية، فيرجعُ عن كفره فيُسْلِم، وقد وقع ما أخبر اللهُ به؛ فأسلم جماعةٌ من صناديد قريش، كأبي سفيانَ بنِ حربٍ، وعِكرمةَ بنِ أبي جهلٍ، وسُهيلِ بنِ عمرو وغيرِهم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾
يَعلمُ ما سيكون في مستقبلِ الزمان كما يعلم ما قد مضى.
﴿حَكِيمٌ﴾
أي: مُتقِنُ الفعلِ، واضعُ الأمورِ مواضعها، يقبلُ توبةَ من شاء من عبادِه على وفقِ ما تقتضيه حكمتُه.
وقد قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الحِجَابُ».
فقيل: وما وقوعُ الحجابِ يا رسولَ الله؟ قال: «أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ» رواه أحمد.
ومعناه: من ماتَ على الكفر فقد وُقِعَ الحجابُ بينه وبين المغفرة، فلا رحمةَ له يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
وقال عليه الصلاة والسلام: «تَوْبَةُ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ»، أي: ما لم تبلغِ الروحُ الحلقوم.
فبابُ التوبةِ مفتوحٌ ما لم يقع الحجابُ، لكن إلى متى؟ إلى ما قبلَ حضورِ الموتِ حقيقةً، أو بلوغِ العبدِ حالةَ اليأسِ من الحياة؛ كما وقع لفرعونَ حينَ أدركه الغرقُ، أو عند رؤيةِ ملَكِ الموتِ عزرائيل، أو ملائكةِ العذاب، فحينئذٍ لا تُقبل التوبة. وكذلك إذا طَلَعَتِ الشمسُ من مغربها — وهي من علامات الساعة الكبرى — يُغلَق بابُ التوبة. أمَّا نحن فإلى هذه اللحظة نحن في زمن علامات الساعة الصغرى، فباب التوبة باقٍ مفتوحًا.
وأركان التوبة فقد ذكر العلماءُ أنّ للتوبةِ أركانًا ثلاثةً لا تصح بدونها: النَّدَمُ على المعصية ندمًا خالصًا لله، وقد قال ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ». والإقلاعُ عن الذنب فورًا. والعزمُ على ألَّا يعود إليه مستقبلًا. وإذا تعلَّق الذنبُ بحقوق العباد ومالهم وجَبَ رَدُّ المظالم إلى أصحابها؛ فمن غصب مالًا، أو سرق، أو أكل مالًا عامًا أو خاصًّا بباطلٍ، وجب عليه ردُّه، ولو كان يسيرًا كإبرةٍ أو خيطٍ؛ لأن العبد سيُوافَى به يوم القيامة.
أمَّا من ترك صلاةً مفروضةً، فالواجبُ عليه قضاؤها. ففي صحيح مسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ».
ونقل الإمامُ النَّوويُّ في المجموع الإجماعَ على وُجوب القضاء على من فاتته الصلاةُ، سواء بغير عذر أو بعذرٍ كنومٍ أو نسيانٍ. فمن ترك خمسين سنةً صلواتٍ وجب عليه قضاءُها، ولا يسقط عنه الفرضُ بحال.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ رحمه الله تعالى عن بعض الأكابر: «مَنْ شَغَلَهُ الفَرْضُ عَنِ النَّفْلِ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَمَنْ شَغَلَهُ النَّفْلُ عَنِ الفَرْضِ فَهُوَ مَغْرُورٌ».
ويُنبَّه إلى أنّ من ترك الصلاةَ لغير عذر وجب عليه أن يُبادِر بالقضاء، ولا يجوز له التأخير. أمَّا من فاتته لعذر، فالقضاء واجبٌ أيضًا، لكنه إن أخَّره لا إثمَ عليه.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(١٦)﴾
﴿أَمْ﴾
هي أمْ المنقطعة، والهمزةُ فيها للتوبيخ والإنكار على وجود هذا الحُسبان الباطل؛ أي: أظننتم أن تُتركوا دون امتحانٍ وابتلاء، وأن لا تُكلَّفوا بالجهاد في سبيل الله حتى يتبيَّن الصادقُ منكم من غيره؟
﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾
أي: قاتلوا وجاهدوا خالصًا لوجه الله تعالى، ابتغاءَ مرضاته، غيرَ طالبين جزاءً ولا ثناءً من أحد.
﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾
الـوَليجَةُ: البِطانةُ ، أي: مَن يخصُّه الإنسانُ بمشورته وأسراره. والمعنى هنا: لم يجعلوا أولياءَهم ومَرجِعَ سرائرهم من أعداءِ الله ورسوله والمؤمنين، بل وَلَّوا وجوهَهم إلى الله وحده، ووالَوا أولياءَه، وتبرَّؤوا من أهل الشِّرك والنفاق.
﴿وَلَمَّا﴾
تفيد التوقُّع، وتُشير إلى أن حصول العلم بتمييز المخلصين من غيرهم أمرٌ منتظرٌ كائنٌ لا محالة. وفي هذا وعيدٌ بيِّنٌ بأن الإيمان الصادق لا يكون بالادِّعاء المجرَّد، بل يظهر بالابتلاء والجهاد.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾
معطوفٌ على ﴿جَاهَدُوا﴾ داخلٌ في حيِّز الصِّلة؛ فكأنَّ المعنى: أَحَسِبْتُمْ أن تُتْرَكوا دون أن يُعلَمَ المجاهدون مِنكم، المخلِصون الذين لم يتخذوا بطانةً من غير أولياء الله؟ أي: أحسبتم أن لا تُكلَّفوا بجهادٍ ولا بمفارقة أهل الشرك؟ كلا، بل لا بدَّ من الامتحان والتمييز.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
أي: مُطَّلعٌ على سرائركم وعلانيتكم، لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالكم خيرًا كان أو شرًّا، وهو سبحانه يُجازي كُلَّ عاملٍ بما يستحق.