﴿بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)﴾
سُورَةُ التَّوْبَةِ مَدَنِيَّةٌ، وَهِيَ مِائَةٌ وَتِسْعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً. وَلَهَا أَسْمَاءٌ عِدَّةٌ، مِنْهَا: بَرَاءَةُ، التَّوْبَةُ، المُقَشْقِشَةُ، المُبَعْثِرَةُ، المُشَرِّدَةُ، المُخْزِيَةُ، الفَاضِحَةُ، المُثِيرَةُ، الحَافِرَةُ، المُنَكِّلَةُ، المُدَمْدِمَةُ؛ لِأَنَّ فِيهَا التَّوْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَهِيَ تُقَشْقِشُ مِنَ النِّفَاقِ، أَيْ تُبْرِئُ مِنْهُ، وَتُبَعْثِرُ أَسْرَارَ المُنَافِقِينَ، وَتَبْحَثُ عَنْهَا، وَتُثِيرُهَا، وَتَحْفِرُ عَلَيْهَا، وَتَفْضَحُهُمْ، وَتُنَكِّلُ بِهِمْ، وَتُشَرِّدُهُمْ، وَتُخْزِيهِمْ، وَتُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهٰذَا ـ كَمَا سَيَذْكُرُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ كَانَ يُسَمِّي سُورَةَ التَّوْبَةِ: الفَاضِحَةَ.
وَلِهٰذَا السَّبَبِ لَا تُبْتَدَأُ سُورَةُ التَّوْبَةِ بِـ”بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ”، كَمَا قَدَّمْنَا؛ فَـ”بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ” آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُوَرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، سِوَى سُورَةِ بَرَاءَةَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُسَمَّى الفَاضِحَةَ. وَفِي تَرْكِ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَائِهَا أَقْوَالٌ:
فَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم: (أَنَّ “بِسْمِ اللهِ” أَمَانٌ، وَبَرَاءَةُ نَزَلَتْ لِرَفْعِ الأَمَانِ).
وَعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ أَوْ آيَةٌ قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي المَوْضِعِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا»، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَيْنَ نَضَعُهَا).
وَكَانَتْ قِصَّتُهَا تُشْبِهُ قِصَّةَ الأَنْفَالِ؛ لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ العُهُودِ، وَفِي بَرَاءَةَ نَبْذُ العُهُودِ، فَلِذٰلِكَ قُرِنَتْ بِهَا، وَكَانَتَا تُدْعَيَانِ القَرِينَتَيْنِ، وَتُعَدَّانِ السَّابِعَةَ مِنَ الطِّوَالِ، وَهُنَّ سَبْعٌ. هٰكَذَا قَالَ المُفَسِّرُ الإِمَامُ النَّسَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (1)﴾
أي هذه بَرَاءَةٌ صادرةٌ من اللهِ ورسولِهِ مُوجَّهَةٌ إلى الذين عاهدتم من المشركين، كما يُقال: كتابٌ من فلانٍ إلى فلان؛ والمعنى أنّ اللهَ ورسولَهُ قد تبرَّآ مِنَ العهدِ الذي كان بينكم وبين المشركين، وأنَّ هذا العهدَ قد نُقِضَ وأُلقي إليهم.
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)﴾
﴿فَسِيحُوا فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾
أي سِيروا في الأرض آمنين كيف شئتم، لا يُتَعرَّض لكم خلال هذه المدّة. والسَّيْحُ هو السَّيْرُ على مَهَل. وقد ثبت أنّ المسلمين كان لهم عهدٌ مع المشركين من أهل مكّة وغيرهم من العرب، فنقض المشركون عهدهم إلا قومًا يسيرين منهم، وهم: بنو ضَمرة وبنو كِنانة، فنبذ اللهُ ورسولُه العهدَ إلى الناكثين، وأُمهِلوا أربعةَ أشهرٍ يسيحون فيها آمنين، ثم لا أمان لهم بعد انقضائها.
وهذه الأشهر هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلحُرُمُ فَاقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، فكان الامتدادُ إلى انقضاء هذه المدّة صيانةً لحرمة الأشهر الحرم، ومنعًا للقتال فيها. ونزلت سورةُ براءة سنةَ تسعٍ من الهجرة، أمّا فتحُ مكّة فكان سنةَ ثمانٍ، أي قبل وفاة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بنحو سنةٍ تقريبًا.
وكان أميرُ مكّة يومئذٍ عَتَّابُ بنُ أُسَيْد، وقد أمَّر رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أبا بكرٍ رضي الله عنه على موسم حجِّ سنة تسع، ثم بعث بعده عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه راكبًا العَضْباء ــ وهي ناقةُ رسولِ الله ــ ليبلِّغ سورةَ براءة للناس. فقيل للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: لو بعثتَ بها إلى أبي بكر؟ فقال: «لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا رَجُلٌ مِنِّي».
فلما اقترب عليٌّ رضي الله عنه، سمع أبو بكرٍ رُغَاءَ الناقة، فعرفها، ثم لقي عليًّا، فقال له: أَمِيرٌ أَمْ مَأْمُور؟ فقال: بَلْ مَأْمُور. فلمّا كان قبل يوم التروية خطب أبو بكرٍ الناسَ وحثّهم على أداء المناسك، ثم وقف عليٌّ يوم النحر عند جمرة العقبة وقال: يا أيها الناس، إنّي رسولُ رسولِ الله إليكم، فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية من سورة التوبة، ثم قال:
«أُمِرْتُ بِأَرْبَعٍ: ألّا يَقْرَبَ البيتَ بعد هذا العام مشركٌ، ولا يطوفَ بالبيتِ عُرْيان، ولا يدخلَ الجنّةَ إلَّا نَفْسٌ مؤمنة، وأنْ يُتَمَّ إلى كلِّ ذي عهدٍ عهدُه».
فقال المشركون عند ذلك: يا عليُّ، أبلِغ ابنَ عمِّكَ أنّا قد نَبذْنَا العهدَ وراء ظهورِنا، وليس بيننا وبينَهُ عهدٌ إلَّا طَعْنٌ بالرِّماح وضَرْبٌ بالسيوف.
وقد قيل في تحديد الأشهر الأربعة: إنّها: شوّال، ذو القعدة، ذو الحجة، المحرَّم؛ وهو قولٌ مشهور.
وقيل: بل هي: عشرون من ذي الحجة، والمحرَّم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر. وهذا اختيار بعض أهل التفسير. وسُمِّيَت حُرُمًا؛ لأن المشركين أُمِّنوا فيها، وحُرّم قتالهم خلالها.
أمّا حكم القتال في الأشهر الحرم، فالجمهور على أنّ تحريم القتال فيها قد نُسِخ، وأنّ القتال صار مباحًا في جميع الشهور، بعد أن كان ممنوعًا في أوّل الإسلام قبل الإذن بالجهاد.
﴿وَٱعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ﴾
أي لا تستطيعون الإفلات من قدرة الله ولا الهرب من عقابه، وإن أمهلكم.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ﴾
أي مُذِلُّهم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب المهين، فهذا هو خِزيهم الذي قضاه الله عليهم.
﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗوَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)﴾
﴿وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ﴾
الأذانُ هنا بمعنى الإعلان والإعلام، كما يُقال: آذنتُه بالأمر أي أعلمتُه به. وقد جاء في الآية قبلها لفظُ ﴿بَرَاءَةٌ﴾، وهنا ﴿أَذَانٌ﴾، والفرقُ بينهما أنّ الأولى تُخبِر بثبوتِ البراءة نفسها، أمّا الثانية فتُخبِر بوجوبِ إعلان تلك البراءة ونشر حكمها؛ فالبَراءةُ مخصوصةٌ بالذين عُوهِدوا من المشركين، أمّا الأذانُ فخطابُه موجَّهٌ إلى الناس كافة، من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث ومن لم ينكث.
فالمعنى: براءةٌ من المشركين، ثم إعلامٌ للناس بهذه البراءة.
﴿يَومَ ٱلحَجِّ ٱلأَكبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓء مِّنَ ٱلمُشرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ﴾
أي أنّ هذا الإعلانُ ببراءةِ الله وبراءةِ رسولِه صلّى الله عليه وسلّم من المشركين كان في يوم الحج الأكبر. واختلف العلماء في المراد بهذا اليوم:
قِيلَ: هو يوم عرفة؛ لأنّ الوقوف بعرفة أعظمُ أركان الحج، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الحجّ عرفة».
وقِيلَ: هو يوم النحر؛ لأنّه يومُ تمام أعمال الحج من النَّحر والطواف والحلق والرمي، وهو اليوم الذي تجتمع فيه معظم المناسك.
ووُصِفَ الحجُّ هنا بـ الأكبر تمييزًا له عن العمرة التي تُسمّى الحجَّ الأصغر.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓء مِّنَ ٱلمُشرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ﴾ أي أنّ الله ورسولَه صلّى الله عليه وسلّم بريئان من المشركين، لا عهد لهم عند الله بعد هذا اليوم.
﴿فَإِن تُبتُم﴾
أي إن رجعتم عن الكفر والغدر، وتركتم ما أنتم عليه من الشرك.
﴿فَهُوَ﴾
أي فالتوبةُ.
﴿خَير لَّكُم﴾
خيرٌ لكم من الإصرار على الكفر؛ لأنّ توبةَ الكافر لا تكون إلا بالإسلام، وهو النطق بالشهادتين: أن لا إله إلا الله وأنَّ محمّدًا رسولُ الله، أو ما يُؤدّي معناهما ولو بغير العربية، فيدخل بها في الإسلام.
﴿وَإِن تَوَلَّيتُم﴾
أي أعرضتم عن الإسلام، أو ثبتم على ما أنتم عليه من التولّي والإعراض.
﴿فَاعلَمُوا أَنَّكُم غَيرُ مُعجِزِي ٱللَّهِ﴾
أي لا تستطيعون الهرب من قدرة الله، ولا تُفوِّتون عليه عقابه، فهو القادر الذي لا يُعجزه شيء، والعجز محالٌ في حقه سبحانه.
﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
أي أعلمهم ــ على طريق التهديد والوعيد ــ بأنّ لهم عذابًا موجعًا، بدلًا من البشارة التي تُوجَّه عادةً للمؤمنين بالنعيم المقيم؛ فهؤلاء بشارتهم عذابٌ شديدٌ يوم القيامة.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)﴾
﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلمُشرِكِينَ﴾
هذا استثناءٌ من قوله تعالى قبل ذلك: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾، فالمعنى: إنّ البراءةَ عامّةٌ من المشركين الذين عُوهِدوا، إلّا فريقًا مخصوصًا منهم، وهم الذين لم ينقُضوا عهدَهم مع المسلمين، فهؤلاء لا يشملهم حُكمُ البراءة.
﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾
أي لم يُخِلّوا بشروط العهد، ولم ينقضوه لا بجزءٍ صغير ولا كبير، بل وفَّوا به تمام الوفاء.
﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾
أي لم يُعاونوا عليكم عدوًّا، ولم يُساندوا خصومكم، فاجتمعت لهم صفتان: الوفاء بالعهد، وعدم نصرة الأعداء.
﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾
أي الزموا الوفاء لهم، وادفعوا إليهم عهدَهم كاملًا غير منقوص؛ لأنهم لم يُخلّوا بما أُخذ عليهم، فكان العدلُ أن يُقابل وفاؤهم بوفاءٍ مثله.
﴿إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾
أي إلى نهاية المدّة التي وُقِّتَ لهم في العقد، فمن ثبت على العهد بقي له حكمه حتى ينقضي أجله. فليس من التقوى ولا من الشرع معاملةُ الوفيّ معاملةَ الغادر، ولا مساواةُ من حفظ العهد بمن نقضه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾
أي الذين يتقون الله في أحكامه، ويقفون عند حدوده، فلا يخلطون بين الصادق والغادر، ولا يسوّون بين من وفى ومن نكث. فالتقوى هنا تظهر في تمييز الحقوق، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقَّه، والوفاءِ بالعهد ما دام الوفاء مُستحقًّا.
خلاصة المعنى:
أمرَ الله المسلمين أن يُمهلوا المشركين الناكثين أربعةَ أشهر، أمّا من ثبت منهم على العهد، ولم يُظاهر عدوًّا، فواجبٌ أن يُستوفى له عهدُه إلى نهاية مدته؛ لأن الله يحبّ أهل التقوى والعدل.
﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)﴾
﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ﴾
أي انقضى وخرج وذهب. ويُقال: انسَلخ الشيء إذا انفصل عمّا كان فيه.
﴿ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾
وهي المدّة التي أُمهل فيها المشركون الناكثون للعهد، ليَسيحوا في الأرض آمنين أربعةَ أشهر، كما تقدّم في صدر السورة.
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾
أي الذين نقضوا العهد وخانوا، وظاهروا عليكم أعداءكم، لا مَن بقي وفيًّا منهم بعهده؛ لأن النصوص قد فرّقت بين الفريقين.
﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾
أي في أي مكان لقيتموهم، سواء في الحلّ أو الحرم، إذ لا حرمة لمن خان العهد بعد الإمهال والإنذار.
﴿وَخُذُوهُمْ﴾
أي أسِروهم، فالأخيذ هو الأسير، مأخوذ من الأخذ.
﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾
أي ضيّقوا عليهم، ومنعوهم من الانتشار والتصرّف في البلاد، حتى لا يتمكّنوا من إفسادٍ أو عونٍ لأعداء الدين.
﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾
أي ارصدوا لهم كل طريقٍ وممرٍّ يمكن أن يسلكوه، لتأمنوا شرّهم وتقطعوا عليهم كل وجهٍ للغدر والفرار.
ثم فتح الله لهم باب الرجوع والتوبة فقال:
﴿فَإِن تَابُوا﴾
أي رجعوا عن الكفر إلى الإسلام، وهذه هي توبةُ الكافر، وليست مجرد ندمٍ أو طلب مغفرة، بل دخولٌ في الدين الحق.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾
فهما ركنان عظيمان بعد أصل الإيمان. وبهذه الآية استدلّ العلماء على أنّ الإيمان شرطٌ لقبول العمل الصالح، فلا يُقبل من الكافر عملٌ ولو كان مُحسنًا؛ لأن أساس القبول هو التوحيد.
وفيها دليلٌ على أنّ توبة الكافر لا تتمّ إلا بالإسلام، أما مَن بقي على غير الإيمان فلا يقبل الله منه صلاةً ولا صدقةً ولا إحسانًا.
﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾
أي اتركوهم ولا تتعرّضوا لهم، بعد أن صاروا إخوانًا لكم في الدين، سواء كانوا قد أُسِروا أو أُحْصِروا قبل ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾
أي يستر عليهم ما كان منهم من الكفر والغدر، ويمحو ذلك بالإسلام؛ فالإسلام يجبّ ما قبله.
﴿رَحِيمٌ﴾
أي يُنعم على من تاب برفع القتل عنه، فلا يُكلَّف إلا بأداء ما افترض الله عليه من الصلاة والزكاة، ثم يُعامل معاملة المسلم الكامل الحق.
خلاصة الحكم في الآية:
بعد انقضاء الأجل المضروب للمشركين الناقضين للعهد، وجب قتالهم إذا استمروا على الكفر، إلا أن يدخلوا في الإسلام ويلتزموا شعائره الظاهرة، فحينئذٍ تُصان دماؤهم وأموالهم ويُتركون آمنين، لأن الله غفورٌ لمن تاب، رحيمٌ بمن أناب.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ (٦)﴾
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾
أي: إنْ جاءَكَ واحدٌ من هؤلاء المشركين بعد انقضاء المدّة المضروبة، ولم يكن بينك وبينه عهدٌ سابق، فطلب منك الأمانَ ليقف على حقيقة الدِّين، ويطّلع على ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن، فأمِّنْهُ ومنحه جوارَكَ.
﴿حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ ٱللَّهِ﴾
أي: حتّى يسمع القرآن، يتدبّره ويفهم معانيه، فيتبيّن له وجه الحقّ. وقد استدلّ أهلُ السُّنّة بهذه الآية على أنّ القرآن يُسمّى كلامَ الله، فهو كلامُ الله تعالى المنزل على سيّدنا محمّدٍ ﷺ، وليس من وضعِ بشرٍ ولا من تصنيف ملكٍ، بل وجده جبريلُ عليه السلام مكتوبًا في اللوح المحفوظ، فأُمر بإنزاله. قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾.
فنزل به جبريلُ الأمينُ جملةً واحدة إلى بيتِ العِزَّة في السماء الدنيا، ثم صار ينزله مفرَّقًا على رسول الله ﷺ في نحو ثلاثٍ وعشرين سنة. فدلّ ذلك على أنّ إطلاق القرآن يرادُ به اللفظُ المنزل على النبيّ ﷺ، كما يُطلق ويراد به الكلامُ الأزليُّ القديم الذي ليس بحرف ولا صوت؛ لأن الله تعالى يتكلّم بلا آلةٍ ولا كيفية، كما قال الإمامُ أبو حنيفة رضي الله عنه: (ويتكلّمُ لا ككلامِنا نحن، نتكلّم بالآلات من المخارج والحروف، والله تعالى يتكلّم بلا آلةٍ ولا حرف). وعليه، فالقرآن الذي نتلوه يدلّ ويعبّر عن كلام الله الأزليّ الأبديّ.
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ﴾
أي: إذا لم يُسلم بعد سماع القرآن، فأوصِلْهُ.
﴿مَأْمَنَهُۥ﴾
أي: الموضعَ الذي يأمنُ فيه، وهي دارُه التي يكون فيها آمنًا من القتل والأذى، ثم إن شئتَ بعد بلوغه مأمنه قاتلتَه. وفي الآية دليلٌ على أنّ المستأمَن لا يُغدَر به، ولا يُؤذى، ولا يُخان، ولا يُسْرَق مالُه، سواءٌ أمنته أنت أو دخلتَ عليه بأمانٍ منك. وليس له الإقامةُ عند المسلمين إقامةَ استيطان، بل يُمَكَّن من الرجوع إلى حيث شاء.
﴿ذَٰلِكَ﴾
أي: هذا الحكمُ الذي تضمّن الأمرَ بالإجارة في قوله ﴿فَأَجِرْهُ﴾.
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾
أي: لكونهم جهّالًا بحقيقة الإسلام وما تدعو إليه من التوحيد، فاقتضت الحكمةُ تمكينَهم من سماع الحقّ وفهمه قبل المؤاخذة. فالجاهلُ الذي لم تبلغه الدعوةُ لا يُؤخَذُ قبل البيان والإنذار، ولذلك شُرِعَ إعطاؤه الأمان حتى يسمع كلامَ الله ويتبيّن له وجهُ الصواب.
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ (٧)﴾
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ﴾
الاستفهام هنا للاستنكار، والمعنى: أيّ شيءٍ يُتصوَّر حتى يُظَنَّ أنّ للمشركين عهدًا ثابتًا عند الله ورسوله؟! فلا تركنوا إلى عهودهم، ولا تطمعوا في ثبوتها، فإنّ نقضهم لها معهودٌ منهم، فلا تُحدِثوا بأنفسكم ظنًّا بصحّة وفائهم، ولا تركنوا إلى الأمن منهم.
﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾
أي: لكن الذين عقدتم معهم عهدًا عند البيت الحرام، ولم يظهر منهم غدرٌ ولا نكثٌ، كبني ضَمْرة وبني كنانة وغيرهم ممن لم يُظاهروا عليكم عدوًّا، فهؤلاء استثناهم الله تعالى من الحكم العامِّ؛ لأنهم ثبتوا على عهدهم ولم ينقضوه.
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾
أي: ما داموا مستقيمين على عهدهم، لم يتغيّروا عنه، ولم يقترفوا غدرًا ولا خيانة، بل ثبتوا على ما اتُّفق عليه.
﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾
أي: فاثبتوا أنتم كذلك على الوفاء لهم، وأدّوا حقَّ العهد ما داموا قائمين به، فليس من خُلُق المؤمنين المبادرة إلى النقض أو الظلم، بل الوفاء ما دام الوفاء قائمًا. والآية شرطية: فإن استقاموا فاستقيموا، فلا تبدأوهم بغدرٍ ولا نقضٍ ما داموا لم يبدؤوا بذلك.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾
أي: يحبُّ الذين يتَّقون معاصيه، ويجتنبون الظلم والغدر، ويقومون بالعهود والمواثيق على وجهها المشروع. ومن التقوى أن يلتزم العهد ويُوفّى به، وألّا يُغدر بمن لم يغدر.
﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ ۚ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾
﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾
هذا تكرار للاستبعاد والاستنكار، أي: كيف يُتصوّر ثباتُ هؤلاء المشركين على عهدٍ وقد عُرِفَت طباعُهم وخُبثُ سريرتهم؟! وحُذِفَ فعلٌ لدلالة السياق عليه، والمعنى: كيف يكون لهم عهدٌ، مع أنّ حالهم أنّهم إن غلبوكم وظفروا بكم، لم يراعوا فيكم حقًّا ولا حرمة؟
﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾
الإلُّ: القرابةُ أو الحِلْف، والمعنى: لا يراعون نسبًا ولا حِلْفًا ولا صلةً تربطهم بكم، ولا يُبالون بذمّةٍ أو عهدٍ يُلزِمهم بالوفاء. فليس في طباعهم وفاءٌ يُستوثَق منه، ولا احترامٌ لميثاقٍ يُحفَظ.
﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾
أي: يُظهرون لكم الرضا، ويُسمِعونكم وعودَ الأمان والوفاءِ بالعهد، فيتملّقونكم بالكلام الحسن، ويوهِمونكم صدقَ نياتهم، وليس في قلوبهم من ذلك شيء.
﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾
أي: تمتنع قلوبهم من الإيمان والوفاء، وتُضمر خلاف ما تُظهر الألسنة، فهم أهلُ نفاقٍ ومخادعةٍ، يُخالف ظاهرُهم باطنَهم.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾
أي: خارجون عن حدود الحق والوفاء، متمرّدون على العهود والمواثيق، لا تُلزِمهم أخلاقٌ ولا تمنعهم مروءة، بخلاف من قد يوجد في بعض الكفار ممّن يمنعه خُلُقٌ أو مروءةٌ من الغدر والكذب؛ فهؤلاء غلب عليهم الفسقُ وفسادُ الطباع.