﴿وَٱلأَرضَ مَدَدنَٰهَا وَأَلقَينَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنبَتنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيء مَّوزُون (19) وَجَعَلنَا لَكُم فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّستُم لَهُۥبِرَٰزِقِينَ (20) وَإِن مِّن شَيءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥوَمَا نُنَزِّلُهُۥإِلَّا بِقَدَر مَّعلُوم(21)﴾.
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أَيْ: بَسَطْنَاهَا وَوَسَّعْنَاهَا لِسُكْنَى الْخَلْقِ وَمَعَايِشِهِمْ. وَقَوْلُهُ ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أَيْ: جِبَالًا ثَوَابِتَ رَاسِيَاتٍ، جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ لِتَثْبِيتِهَا، حَتَّى لَا تَمِيدَ بِالنَّاسِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هٰذِهِ الْأَرْضِ مَا يَثْبُتُهَا وَيُحْكِمُهَا، وَمِمَّا يُذْكَرُ أَنَّ مِنْ أَمْتَنِ الْجِبَالِ جِبَالَ مَكَّةَ، وَذٰلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ فِي تَثْبِيتِ الْأَرْضِ، وَمَعَ كَثْرَةِ إِزَالَةِ الْجِبَالِ فِي هٰذَا الزَّمَانِ يُلَاحَظُ ازْدِيَادُ الزَّلَازِلِ فِي بِلَادٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْ أَشْرَاطِ آخِرِ الزَّمَانِ أَنْ تَكْثُرَ الزَّلَازِلُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدْ وُزِنَ بِمِيزَانِ الْحِكْمَةِ، وَقُدِّرَ بِمِقْدَارٍ لَا تَصْلُحُ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، أَوْ هُوَ مَوْزُونٌ فِي أَبْوَابِ الْمَنْفَعَةِ وَالنِّعْمَةِ، أَوْ مِمَّا لَهُ وَزْنٌ وَقَدْرٌ وَمِمَّا يُوزَنُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَنَحْوِهَا، وَخُصَّ ذِكْرُ مَا يُوزَنُ لِأَنَّ الْكَيْلَ يَنْتَهِي فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَقْوَاتِ إِلَى الْوَزْنِ. فَكُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَهُوَ مَوْزُونٌ بِمِيزَانِ الْحِكْمَةِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا عَبَثًا، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَةٌ، مِنْهَا مَا يُدْرِكُهُ الْعَبْدُ، وَمِنْهَا مَا يَخْفَى عَلَيْهِ.
وَمِنْ شُهُودِ هٰذَا الْمِيزَانِ أَنَّ جَسَدَ الْإِنْسَانِ جُمِعَتْ فِيهِ أَضْدَادٌ: مِنْ حَرَارَةٍ وَبُرُودَةٍ، وَرُطُوبَةٍ وَيُبُوسَةٍ، وَفِيهِ أَخْلَاطٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِذَا زَادَ شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ حَصَلَتِ الْعِلَّةُ وَالْمَرَضُ، وَإِذَا اعْتَدَلَتْ كَانَتْ الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ. وَكَذٰلِكَ فِي النَّبَاتِ وَالثِّمَارِ وَالْأَقْوَاتِ أَسْرَارٌ وَمَنَافِعُ، حَتَّى إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ عَدَدَ حَبَّاتِ الْعِنَبِ وَالتِّينِ وَالْأَرُزِّ وَالْحُمُّصِ وَالْعَدَسِ وَالْفُولِ، وَإِنْ كَانَ الزَّارِعُ لَا يَعُدُّهَا عَدًّا، بَلْ يَكِيلُهَا كَيْلًا، فَعِلْمُ اللَّهِ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.
وَلِكُلِّ مَوْسِمٍ مَا يُوَافِقُهُ مِنَ الثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ، فَتَجِدُ فَوَاكِهَ فِي الصَّيْفِ لَا تَكُونُ فِي الشِّتَاءِ، وَفِي الشِّتَاءِ مَا لَا يَكُونُ فِي الصَّيْفِ، وَتَخْتَلِفُ أَمْرَاضُ الصَّيْفِ عَنْ أَمْرَاضِ الشِّتَاءِ، فَتَجِدُ أَنْوَاعًا مِنَ النَّبَاتِ تَظْهَرُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَجَعَلَ اللَّهُ فِي كُلِّ أَرْضٍ مَا يُنَاسِبُهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ. وَمِنْ ذٰلِكَ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ مِنْ أَسْرَارِ بِلَادٍ يُخْصُّهَا اللَّهُ بِنَبَاتٍ أَوْ ثَمَرٍ، كَمَا خَصَّ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ بِمَزِيَّةِ عَجْوَتِهَا، وَفِي التَّمْرِ عُمُومًا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذٰلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ». وَمِنْ شَأْنِ الْمَدِينَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تُعْرَفُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِاسْمِ يَثْرِبَ، وَكَانَ يُذْكَرُ أَنَّهَا أَرْضُ وَبَاءٍ، فَلَمَّا قَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعَا رَبَّهُ بِأَنْ يُذْهِبَ وَبَاءَهَا، فَطَابَ هَوَاؤُهَا وَطَابَ تُرَابُهَا وَطَابَ نَبَاتُهَا، وَسُمِّيَتْ طَيْبَةَ، فَكَانَ فِي ذٰلِكَ كُلِّهِ شُهُودٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أَيْ: مَقْدُورٍ بِحِكْمَةٍ، مَوْضُوعٍ فِي مَوْضِعِهِ، جُعِلَ فِيهِ النَّفْعُ وَالْمَصْلَحَةُ وَالسِّرُّ الَّذِي يَعْلَمُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) ﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾ أَيْ فِي الأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ ﴿مَعَايِشَ﴾ أَيْ مَا يُتَعَاشُ بِهِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالأَقْوَاتِ، وَهِيَ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وَتُكْتَبُ بِالْيَاءِ الصَّرِيحَةِ، فَيُقَالُ: مَعَايِش وَلَا يُقَالُ مَعَائِش، كَمَا يُقَالُ الْخَبَائِث وَلَا يُقَالُ الْخَبَايِث، فَإِصْلَاحُ الْيَاءِ هُنَا وَاجِبٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ فِيهِ وَجْهَانِ فِي التَّفْسِيرِ؛ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، أَيْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ أَمْرَيْنِ: الْمَعَايِشَ، وَمَنْ يُعِينُكُمْ مِنَ الْمَوَالِي وَالْخَدَمِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: جَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ، وَجَعَلْنَاهَا كَذٰلِكَ لِمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، فَلَا تَخَافُوا الْفَاقَةَ وَالْفَقْرَ، فَإِنَّا نَرْزُقُكُمْ وَنَرْزُقُهُمْ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ الْعِيَالُ وَالْمَمَالِيكُ وَالْخَدَمُ وَالْأَنْعَامُ وَالدَّوَابُّ وَنَحْوُهَا، فَإِنَّ النَّاسَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَرْزُقُونَهُمْ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الرَّزَّاقُ، يَرْزُقُهُمْ وَيَرْزُقُكُمْ، وَأَنْتُمْ إِنَّمَا أَنْتُمْ أَسْبَابٌ يُسَوِّقُ اللَّهُ الرِّزْقَ عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَلَسْتُمْ خَالِقِينَ لَهُ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا». وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَلِمْتُ أَنَّ رِزْقِي لَنْ يَصِلَ إِلَى غَيْرِي فَاطْمَأَنَّ قَلْبِي.
فَكُلُّ مَا نَالَهُ الْعَبْدُ وَمَا سَيَنَالُهُ إِلَى أَنْ يُفَارِقَ الدُّنْيَا فَهُوَ بِسَوْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى نَفْسِهِ نَظَرَ عُجْبٍ وَفَخْرٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا خَلْقٌ ضَعِيفٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ: «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ» فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَمَعْنَى الْعِيَال هُنَا أَنَّهُمْ فُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ، لَا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ، فَالْعِيَالُ فِي اللُّغَةِ هُمْ مَنْ يُعَالُونَ وَيُكْفَوْنَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَعْنَى الْوَلَدِ. وَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ نَفَعَ النَّاسَ، وَأَعْظَمُ النَّفْعِ تَعْلِيمُ عِلْمِ الدِّينِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَأَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ عَمَلُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾
ذِكْرُ الْخَزَائِنِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْعِبَادُ إِلَّا وَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ وَالإِنْعَامِ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُنَزِّلُهُ إِلَّا بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ حَسَبَ حِكْمَتِهِ. وَصِفَةُ التَّكْوِينِ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ مِنْ صِفَاتِ الأَفْعَالِ، بِهَا الإِيجَادُ وَالإِعْدَامُ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِعْلُهُ تَعَالَى صِفَةٌ لَهُ فِي الأَزَلِ، وَالْمَفْعُولُ حَادِثٌ. فَكُلُّ مَا عِنْدَ اللَّهِ يُنَزِّلُهُ بِقَدَرٍ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ حِكْمَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ.